الأحد، 14 نوفمبر، 2010

الإباحة والإجارة والجعالة


الإباحة والإجارة والجعالة




مقــدمــــة :

الفصــــل الأول : الإبـــــــــاحة
المبحث الأول : حقيقة الإباحة
المطلب الأول : الإباحة عند الأصوليين وعند الفقهاء.
المطلب الثاني : الإباحة في القانون
المبحث الثاني : أساليب الإباحة وأقسامها وآثارها
المطلب الأول : أساليب الإباحة وأقسامها
المطلب الثاني : أقسام الإباحة

الفصـــل الثاني : الإجــــارة
المبحث الأول : الإجارة وأركانها
المطلب الأول : الإجارة
المطلب الثاني : أركان الإجارة
المبحث الثاني : انقضاء عقد الإجارة

الفصل الثالث : الجعالة
المبحث الأول : الجعالة ومشروعيتها
المطلب الأول : تعريف الجعالة
المطلب الثاني : مشروعية الجعالة
المبحث الثاني : الجعالة أساليبها وشروطها
المطلب الأول : صيغة الجعالة
المطلب الثاني : شروط الجعالة





تطرقت معظم التشريعات الوضعية إلى تعريف الالتزام القانوني بأنه رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتمكن الدائن من إكراه المدين على أن يؤدي إليه مبلغا من المال، أو يسلمه شيئا أو يتم عمله أو يقوم بعمل ومنهم من عرفه بتعريف العقد، وهذا فيه اقتباس من الشريعة الإسلامية التي عرفت الالتزام بتعريف العقد، بصفتها أول تشريع سن حرية التعامل وأخرج البشرية من تعقيداته الشكلية، التي توارثها المتعاملون أيام الرومان ومن سبقهم.
فالشريعة الإسلامية عرفت الالتزام من خلال تعريفها للعقد نفسه وذلك في غالب تعريفاتها لهذا المبدأ، ثم عرف الفقهاء العقد بأنه عبارة عن التزام العاقدين وتعهدهما بأمر، وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول.
ويرى الدكتور محمد مصطفى شلبي " أن العقد والالتزام، والتصرف، كلمات ثلاث يرد ذكرها في ثنايا بحوث الفقهاء، ويختلط أمرها أحيانا على بعض القارئين، لما بين معانيها من التشابه من بعض الوجوه، وهذا يقتضي توضيح الفرق الحاصل بينهما قبل التعريف بالعقد، وهذه العبارة الثلاثة عرفها فقهاء الشريعة بتعاريف متعددة منها:
أولا : التصرف هو ما يصدر من الشخص المميز بإرادته، ويرتب عليه الشارع نتيجة من النتائج سواء كانت في صالح ذلك الشخص أم لا.
ثانيا : الالتزام كل تصرف متضمن إرادة إنشاء حق من الحقوق أو إنهائه أو إسقاطه سواء كان من شخصه واحد أو من عدة أشخاص.
هذه هي المبادئ العامة التي نظر من خلالها التشريعان جانب المعاملات، وهو الموضوع الذي اخترنا أن نفتتح به موضوع المناظرة بين التشريعين الإسلامي والوضعي، وباختصار فإنها تثبت حالتين:
أولا : تفوق الصياغة الفقهية الإسلامية، على الوضعية التي يظهر كل تعبير منها متأثرا بظرف من ابتكروه، بينما الصياغة الفقهية اكتسبت دقة تعبيرها من ثبات النصوص التي استخلصت منها.
ثانيا : تعثر التعريفات الوضعية بآثار الشكلية التي أتت تتمرد عليها، فجعلها ذلك تفترض سوء النية مسبقا بمحاولة استحواذ النص على جميع جزئيات العقد، لأن الوازع الديني والتربية النفسية، لا أثر لاستحضار المشرع لهما حين صياغته لتلك القواعد القانونية بينما الشريعة الإسلامية عبر في ذلك بصيغ عامة تستحضر دائما الوازع الديني. وما ينجم عنه من صدق في التعامل، علما بأنها لم تذهب مع حسن الظن إلى الحد الذي تضيع معه حقوق الغير.
وتتضح المقارنة بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية من خلال تناول كل منهما للمبادئ التالية والتي ستقتصر على بعض منها ليكون موضوعا لبحثنا وهي كالآتي :
1- البيع
2- الهبة
3- الوقف
4- الإباحة
5- الإجارة
6- الوعد بالجائزة
هذه الوقائع تنشأ عنها حقوق أصبح يطلق عليها الالتزام بمعناه العام، فهي منطلق للحقوق، ومن ثم فإن التعرض إليها من خلال نظرة أصولية سيمكنها من رصد السابقة الفكرية لنظم الشريعة الإسلامية، وتأثيرها على كل من التزم بالقيم والأخلاق من التشريعات الوضعية.
كما قلنا في السابق فإننا سنقتصر على بعض هذه المبادئ وهي الإباحة والإجارة والجعالة وذلك من خلال ثلاث فصول، حاولنا دراستهم دراسة شاملة ومستفيضة قدر الإمكان.









تـمـهـيـد : اسـتـعـمــالا
يستعمل لفظ الإباحة في اللغة ثلاثيا فيقال : باح بمعنى ظهر، وهو في هذا الاستعمال لازم. كما يقال باح بسره أظهره فهي بمعنى المتعدي أباح وليست متعديا، ومصدر الأول. البؤح، ومصدر الثاني الإباحة، والمباح اسم مفعول من الإجابة1.
والواقع أن معنى الإباحة في اللغة أوسع. ففي لسان العرب2 " إن البوح ظهور الشيء، وباح الشيء ظهر، وباح به بوحا وبؤوحا وبؤوحة أظهره، وباح ما كتمت، وباح به صاحبه وباح بسره أظهره، وأبحتك الشيء أحللت لك، وأباح الشيء أطلقه والمباح خلاف المحظور.
وأما المباح لغة، فهو اسم مفعول من أباح الشيء بمعانيه اللغوية المختلفة السابقة. فهو اسم لكل ما وقعت عليه الإباحة بكل معنى من تلك المعاني.
وبعد هذا التمهيد الذي تناول التعريف اللغوي للفظ الإباحة سنتناول تعريف الإباحة عند الأصوليين والفقهاء في (مبحث أول) ثم نتناول تعريف الإباحة في القانون.
ثم في الأخير نقوم بإجراء مقارنة بين الشرع والقانون في مفاهيم الإباحة.

المطلب الأول : الإباحة عند الأصوليين وعند الفقهاء
أولا : الإباحة عند الأصوليين
الإباحة مأخوذة من أبحتك الشيء بمعنى أحللته لك وأطلقتك فيه.
فالأصوليون يعرفونها بأنها التخيير بين فعل الشيء وتركه، ويعرفون المباح بأنه هو الأمر الذي خير الشارع بين فعله وتركه وهذا مفاد تعريف الغزالي للجواز الذي هو مرادف الإباحة عنده إذ يقول : إن الجواز هو التخيير بين الفعل والترك بتسوية الشرع. وقد درج على اختيار هذا التعريف للإباحة الإمام البيضاوي في المنهاج عند تعريفاته لأقسام الحكم بما دل على أنها حدود لتلك الأقسام. فالصلاة مثلا في أول وقتها الموسع، فإن المكلف مخير بين فعلها وتركها وليست الصلاة ولا الكفارة مباحة بل واجبة.
ولقد وضع الآمدي تعريفا للمباح إذ قال: إن الأقرب في ذلك أن يقال: إن المباح ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل". والذي يفيد الإباحة عنده على هذا دلالة خطاب الشارع على التخيير بين فعل الشيء وتركه من غير بدل.
وقد سلك ابن السبكي في كتابه جمع الجوامع1مسلكا قريبا من هذا إذا أورد في صدد تقسين الخطاب، ما يفيد أن الإباحة عبارة عن التخيير بين فعل الشيء وتركه، وعلى ذلك فالمباح هو ما دل خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلف على التخيير بين فعله وتركه.
وعرف الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول2 : "المباح بأنه ما لا يمدح على فعله ولا على تركه". وهذا ما يفيد أن الإباحة وصف في الفعل يوجب عدم المدح على فعله ولا تركه. وقال الشوكاني أيضا: " إن المباح يطلق على ما لا ضرر على فاعله وإن كان تركه محظورا". فالإباحة على هذا تطلق على وصف في الفعل يوجب عدم الضرر على فاعله وإن كان الترك محظورا.
وبعد ما أوردناه من تعريفات الأصوليين للإباحة والمباح نتجه إلى التعريف الذي وضعه الآمدي لما فيه من استقامة ووضوح وعدم احتياج إلى قيد يبين المراد.
ثانيا : الإباحة عند الفقهاء
يستعمل الفقهاء لفظ الإباحة كثيرا وخاصة الأحناف عند الكلام عن الحظر والإباحة. فالإباحة عند الفقهاء هي الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن. وقد تطلق الإباحة على ما قابل الحظر، فتشمل الفرض والإيجاب والندب.
وقد جاء في تعريف للأستاذ مصطفى الزرقا بأنها الإذن باستهلاك الشيء باستعماله وهي لا تجعله مملوكا بل هي دون التمليك وقد يكون هذا الإذن من الشارع، ويكون في الاستيلاء على المال المباح وهو كل ما خلفه الله لينتفه به الناس على وجه معتاد وليس في حيازة احد مع إمكان حيازة مما يكون في مجرد الانتفاع كالإذن في الانتفاع بالمساجد والطرقات بما شرعت له.
وكما يكون الإذن من الله فإنه قد يكون الإذن من الأفراد بعضهم مع بعض سواء أكان الإذن بالعين لرقبتها كمن ينثر النقود في الأفراح ويقدم الطعام والشراب للأضياف، وهذا النوع يرى البعض أنه على ملك صاحبه حتى يتناوله المباح له فيمتلكه بالتناول وذهب آخرون إلى أن المباح له، لا يمتلك المال بتناوله، وإنما يبقى على ملك صاحبه حتى يستهلكه المباح له وهو على ملك صاحبه بإذن منه على ما سنبينه في موضعه من البحث.
أو كان إذن العباد بعضهم لبعض بمنفعة العين فقط كمن يدعوك لركوب سيارته أو السماع من مذياعه، أو مشاهدة مسرحية عنده أو التفرج بصور في معرضه إلى غير ذلك من صور إباحة المنافع، وهذا النوع يتم استحقاقه واستيفاؤه بمجرد الانتفاع لأن المنافع تستهلك وتنقذي وتزول ساعة فساعة.
بقي أن نشير هنا إلى الإباحة ليست من قبيل التعاقد، فهي لا تحتاج إلى الإيجاب والقبول وإنما توجد بمجرد وجود الإذن القولي أو العملي كما أنه لا يشترط فيها أن يكون المأذون له معينا معلوما للآذن وقت الإذن لا بشخصه ولا باسمه، فمن يضع الماء في الأباريق ويضعها على قارعة الطريق، فإنه يبيح بذلك لكل من يمر أن يشرب منها دون تعيين للمأذون لهم لا بالإسم ولا بالوصف، وكذلك فإن الإباحة جائزة كما يقول ابن حزم الظاهري في المجهول بخلاف العطية، والهدية، والصدقة والعمرى والرقبى والحبس وغيره، وذلك كطعام يدعى إليه قوم يباح لهم أكله ولا يدرى كم يأكل كل منهم، وهذا منصوص من عهد الرسول (ص) فقد قال : من شاء أن يقتطع إذا نحر الهدي، كما أمر المرسل بالهدي إذا عطب أن ينحره ويخلى بينه وبين الناس.





المطلب الثاني: حقيقة الإباحة في القانون
أولا : في نظر القانون الجنائي
من تتبع كتابان فقهاء القانون الجنائي واستعمالاتهم للفظي الإباحة والمباح يجد الإباحة عندهم تطلق باطلاقين1، إباحة أصلية، وإباحة طارئة.
أ- الإباحة الأصلية: المقصود بالإباحة عندهم ألا ينص القانون على التحريم بفعل شيء من الأشياء ولا إيقاع عقاب عليه. وليس لها سبب أكثر من عدم النص القانوني على هذا التحريم كما تفيده قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون" فإنهم يقولون بناء على هذه القاعدة: إن التجريم والعقاب من عمل المشرع ومصدرهما واحد هو القانون المكتوب، وغن القاضي لا يملك التجريم فيما لم يرد نص بتجريمه، ولا المعاقبة على أمر فرضه النص الجنائي دون أن يقرر لمخالفته عقابا، كما يقولون إن القانون هو الحكم فيما هو جائز وما هو ممنوع، فلا يفاجأ شخص بعقوبة عن فعل لم يكن هناك قانون سابق بنص على تجريمه. فمبدأ التجريم وشروطه وتحديد العقوبة وبيان مقدارها" كل ذلك يدخل في اختصاص المشرع وليس للقاضي فيه إلا التطبيق: ومؤدى ذلك أن القياس غير جائز في مجال التجريم.
وقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صرحت بمدلولها معظم التشريعات ولم تكتف بعضها بالنص عليها في قانون العقوبات بل سجلها لأهميتها في الدستور كمبدأ أساسي لا يجوز مخالفته في قانون عادي، على أن هذه القاعدة تفضي إليها أصولها النظام الطبيعي العام.
كما أن الغرض الأول من مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات هو كفالة حرية الأفراد في أفعالهم وتصرفاتهم لأنه لو ترك أمر التجريم للقاضي لأضحى الأفراد في حيرة من أمرهم لا يدرون بصفة قاطعة ما هو مباح لهم.
وما هو محظور عليهم، ولذا فإن الأمر يتطلب إنذار الأفراد مقدما بما يتعرضون له إذا ما صدرت عنهم أعمال أو تصرفات معينة، ففي هذه القاعدة إذن ضمان لكفالة حقوق الأفراد من تعسف السلطات وصيانة المصلحة العامة إذ يأمن الأفراد معها حريتهم في مباشرة مختلف أوجه النشاط لأنها على الإباحة الأصلية. فما لم ينص عليه في القانون الجنائي يعتبر مباحا، فما دام الفعل الذي ارتكب لا يعد جريمة من الناحية القانونية فإنه لا تنشأ عنه سلطة للدولة في معاقبة فاعله.
ب- الإباحة الطارئة: الإذن بالفعل الذي كان ممنوعا إذا وجد سبب من أسباب الإباحة المنصوص عليها في القانون ومن أمثلة ذلك، الدفاع الشرعي، وتنفيذا أمر الرئيس إذا كان المنفذ موظفا، فقد يرتكب الشخص فعلا محظورا، ومع ذلك لا يعاقب لأسباب مختلفة من أجلها لا يعد الفعل جريمة، ويدخل في هذا عدم اكتمال العناصر اللازمة لقيام الجريمة، ومع اعتبار الفعل جريمة قد لا يطبق النصر لأنه لا يسرى في الوقت أو على المكان الذي وقع فيه الفعل وتطبيق النص وتتوافر عناصر المسئولية الجنائية ومع ذلك لا يعاقب لقيام سبب قانوني يحول دون العقاب.
ثانيا : حقيقة الإباحة عند فقهاء القانون المدني
إذا تتبعنا ما جاء في شروح القانون المدني، وكتب أصول القوانين نجد أن القوانين في الأصل لم توضع إلا لضبط علاقات الناس ووضع أحكام لها، مع أن الأصل في ضبط علاقاتهم بعضهم مع بعض ترجع إلى إرادتهم وما يتفقون عليه ولو كان ذلك مخالفا لما وضعه القانون الخاص من أحكام.
وهذا التفويض الذي قرره القانون لإرادة الأفراد في تنظيم عقود المالية لم يمنع المشرع من التدخل في تنظيم هذه العقود بقواعد تشريعية، وهذه القواعد الصادرة من المشرع لم تصدر منه في صيغة الأمر والنهي، وإنما في صيغة البيان والاقتراح، وهي قواعد مقررة أو مفسرة أو مكملة لإرادة المتعاقدين. القواعد القانونية التي ترد في هذه الدوائر ليست قواعد ملزمة لهم إلزاما مطلقا، وإنما يخيرون في الالتزام بها أو العدول عنها إلى حكم مخالف، غير أنهم إن سكتوا ولم يتفقوا على ما يخالفها كان ذلك رضاء بالأحكام إليها، ولذا اعتبرت مكملة لإرادة المتعاقدين أو مفسرة لسكوتهم أو مقررة لأرادتهم الضمنية.
والقانون المدني في المادة 147 ينص على أن العقد شريعة المتعاقدين أي يخضع لإرادتهم إلا إذا كان الاتفاق مخالفا للنظام العام والآداب م 135.
وهذا في جملته يتفق مع معنى الإباحة إذ الأفراد مخيرون في تصرفاتهم حتى ولو خالفت القانون الموضوعي الخاص دون مساس بالنظام العام أو الآداب ولذلك سميت هذه القوانين الخاصة بالقوانين المقررة لأنها تسمح لطرفي العقد بحق التحلل منها، والاتفاق على غيرها إذ المقصود من هذا القانون تنظيم العلاقات على وجه يمنع النزاع والخصومة، فإذا نظموها بأنفسهم فقد تحقق المطلوب وإلا فإذا لم يتفق المتعاقدون على تنظيم خاص فهم ملزمون بالخضوع لأحكام القانون الخاص. ويجوز أن يمتلكه أول واضع يد عليه .
• مقارنة بين الشرع والقانون في مفاهيم الإباحة:
إذا كان القانون المدني قد جاءت أحكامه في الغالب تخييرية، يباح الاتفاق على مخالفتها وتحكيم ما يتفق عليه المتعاقدان من نصوص يذكرونها. إلا بالنسبة للمواد المتعلقة بالنظام العام، والتي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، إذ العقد شريعة المتعاقدين، فإن الفقه الإسلامي حدد للناس حدودا في عقودهم لأن العقود أسباب جعلية شرعية للأحكام بمعنى أن العاقد بإرادته يتكون العقد، أما الحكم المتعلق به فهو من جعل الشارع وترتيبه. وقد وضع الشارع حدودا للعقد ولكل ما يشترط الناس في عقودهم، إن التزموها كانت العقود صحيحة والشروط ملزمة، وما لم يرد نص يمنعه وحظره من العقود والشروط فالظاهرية ومن تابعهم جعلوا الأصل الحظر، فلا يباح إلا ما قام الدليل من الشارع على صحته، بينما يرى فريق من فقهاء الحنابلة وبعض الشيعة أن الأصل في العقود والشروط الإباحة فكل ما يحدثه الناس من عقود ويتفقون عليه من شروط ولم يكن ورد نص يمنعه فهو على الإباحة الأصلية.
وبذلك نرى أن دائرة الإباحة إذن في القانون المدني أوسع منها في دائرة الفقه الإسلامي، إذ في الأول جعل العقد شريعة المتعاقدين ولم يحد من سلطات المتعاقدين إلا بما سن المشرع حماية للنظام العلم، وأما فيما عدا ذلك فقد أباح الاتفاق على مخالفة النصوص التي جاء بها القانون نفسه، أما في الفقه الإسلامي فإنه يعتبر مخالفة ما تتطلب المتعاقدات في العود والشروط يجعل العقد غير صحيح أي أنه لم يبح مخالفة ما نص عليه من أحكام في هذا، فضلا عما أشرنا إيه من اختلاف الفقهاء فيما لم ينص عليه، هل هو مباح أم محظور.
فالشارع الحكيم تولى الإشراف في هذه الأمور في دائرة ما علم أنه لا يترتب على صل فعله أو تركه نفع أو ضرر، بخلاف القانون الذي يكاد أن يكون أطلق العنان لهم في ذلك.
أما فيما بين نظرة القانون الجنائي ونظرة الفقه الإسلامي لمفهوم الإباحة فإن نظرة كل منهما للإباحة الأصلية لا تكاد تختلف عن النظرة الأخرى من جهة ما يتجه كل منهما إليه من تخيير الناس بين الفعل والترك، وعدم ترتب ثواب ولا عقاب على ذلك.
إلا أن القانون الجنائي يعتبر كل ما لم ينص على منعه وتجريمه فهو مباح، أما الفقه الإسلامي فإن الفعل المباح: ما دل الدليل الشرعي على التخيير فيه أو حكم به الحاكم العادل في حدود قواعد الشرع ومسايرة مصالح الناس.
أما المسكوت عنه فهو مباح أيضا بالإباحة الأصلية، خلافا للمعتزلة الذين يرون في الأفعال حسنا وقبحا يدرك بالعقل وتجب مراعاته ولو لم ينص عليه الشارع، إذ حكم الشرع إنما جاء مؤيدا لحكم العقل، على أن المسكوت عنه الذي يرد نص بمنعه وتجريمه قد يكون مأمورا به لورود الخطاب بذلك، فيثاب المرء على فعله أي لا يقف عند العقاب وعدمه فقط وإنما يتجه ناحية الأجر والثواب وفي هذا تشجيع على الامتثال والطاعة.
وأما الإباحة الطارئة في نظر الفقه الجنائي فهي أشبه بالإباحة بالإطلاق الثاني الذي ذكره الشوكاني من الأصوليين فإنك لا تستعمل إلا في الفعل الذي كان في ذاته غير مباح ثم عرض له ما يجعله مباحا، وقد مثل له الشوكاني بإباحة دم المرتد، وقد مثل له غيره أيضا بافتداء المرأة من زوجها إن خافا ألا يقيما حدود الله. ففي الشريعة الإسلامية أن الفعل في ذاته قد يكون غير مباح ثم يعرض له ما يجعله مباحا كالمجنى عليه إذا كان غير معصوم الدم فالقتل أمر محرم في الشرع في كل اعتبار، ولكن إذا وقع من شخص ما يقتصد إباحة دمه كالمرتد عن الإسلام فإنه يكون مباح الدم بالإباحة الطارئة، ويصير الفعل بعد أن كان جريمة أمرا مباحا. سبب إباحة ما طرأ مما جعل الشخص غير محقون الدم.
ومن جهة أخرى فإن الإباحة الطارئة في اصطلاح شراح القانون الجنائي تشبه من بعض الوجوه ما أورده الأصوليون والفقهاء من الترخيص بأشياء أصلها كان محظورا ثم رفع الضرر لموجب اقتضى ذلك، سواء رفع ذلك الحظر إلى ما يسمى في عرفهم إباحة، أو وجوبا، أو ندبا. فإن المقصود من ذلك انه ارتفعت المؤاخذة ولم يكن هناك سبيل على الفاعل. ومن أمثلة ذلك شرب الخمر، واكل لحم الميتة لكل من المضطر والمكره، وإتلاف مال الغير، ومن ذلك في العبادات إجراء كلمة الكفر، وترك الصوم للسفر والمرض، والإكراه، وقد صرح كل من البزدوى وصاحب كشف الأسرار على البزدوي بتسمية ذلك مباحا حيث قالا: " وتمام الإكراه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل" ثم قال صاحب كشف الأسرار : " فإن ثبتت الإباحة في حال الإكراه عرف أن الاضطرار قد تحدث وأن الإكراه صار ملجئا".

المبحث الثاني : أساليب الإباحة وأقسامها وآثارها
المطلب الأول : أساليب الإباحة وأقسامها
الفقرة الأولى : أساليب الإباحة
المراد بأساليب ما دل عليها وتستفاد على منه سواء أكان ذلك بدلالة لفظية حديثة كانت أو مجازة، أو كان ذلك بقرينة من القرائن اللاعقلية. فأساليبها متنوعة، وهذا التنوع وفي جملته مظهر من مظاهر ثروة اللغة العربية وقوة التعبير فيها والدلالة على أنها جديرة أن تكون مجالا لاجتهاد المجتهدين وتنافسهم في فهم النصوص الشرعية.
أولا : الإباحة والجواز :
اختلف الأصوليون والصلة بين الإباحة والجواز، فمنهم من قال : إن الجائز يطلق على خمسة معان المباح، وما لا يمتنع شرعا، وما لا يمتنع عقلا، أو ما استوى فيه الأمران والمشكوك في حكمه ومنهم من أطلقه على المباح، ومنهم من قصره عليه، فجعل الجواز مرادفا للإباحة والفقهاء يستعمل في الجواز فيما قابل الحرام ، فيحمل المكروه وهناك استعمال فقهي لكلمة بمعنى الصحة وهي موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع، والجواز بهذا الاستعمال حكم وضعي وبالاستعمالين السابقين حكم تكليفي.
ثــــانيا : الإباحة والحل :
الإباحة فيها تخيير، أما الحل فإنه أعم من ذلك شرعا، لأنه يطلق على ما سوى التحريم، وقد جاء مقابلا له في القرآن والسنة، كقوله تعالى " وأحل الله البيع وحرم الربا" وقوله : "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" وقوله (ص) " أما إني والله لا أحل حراما وأحرم حلالا". ولما كان الحلال مقابلا للحرام شمل ما عدا من المباح والمندوب والواجب والمكروه مطلقا عند الجمهور، وتنزيها عند أبي حنيفة. ولهذا قد يكون الشيء حلالا ومكروها في آن والحد كالطلاق، فإنه مكروه، وإن وصفه الرسول(ص) بانه حلال، وعلى ذلك يكون كل مباح حلالا ولا عكس.
ثالثا : الإباحة والصحة
الصحة هي موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع ومعنى كونه ذا وجهين أنه يقع تارة موافقا للشرع، لاشتماله على الشروط التي اعتبرها الشارع، ويقع تارة أخرى مخالفا للشرع. والإباحة التي فيها تخيير بين الفعل والترك مغايرة للصحة وإن كانا من الأحكام الشرعية، إلا أن الإباحة حكم تكليفي، والصحة حكم وضعي على رأي الجمهور. منهم من يرد الصحة إلى الإباحة فيقول : إن الصحة إباحة الانتفاع. والفعل المباح قد يجتمع مع الفعل الصحيح، فصوم يوم من غير رمضان مباح، أي مأذون فيه من الشرع، وهو صحيح إن استوفى أركانه وشروطه وقد يكون الفعل مباحا في أصله وغير صحيح لاختلال شرطه، كالعقود الفاسدة وقد يكون صحيحا غير مباح كالصلاة في ثوب مغصوب إذا استوفت أركانها وشروطها عند أكثر الأئمة.
الإباحة والتخيير :
الإباحة تخيير من الشارع بين فعل الشيء وتركه، مع استواء الطرفين بلا يرتب ثواب أو عقاب، أما التخيير فقد يكون على سبيل الإباحة، أي بين فعل المباح وتركه، وقد يكون بين الواجبات بعضها وبعض، وهي واجبات ليست على التعيين كما في خصال الكفارة في قوله تعالى : "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة" فإن فعل أي واحد منها يسقط المطالبة، لكن تركها كلها يقتضي الإثم. وقد يكون التخيير بين المندوبات كالتنقل قبل صلاة العصر، فالمصلى مخير بين أن يتنقل بركعتين أو بأربع. والمندوب نفسه في مفهومه تخيير بين الفعل والترك، وإن رجع جانب الفعل، وفيه ثواب، بينما التخيير في الإباحة لا يرجع فيه جانب على جانب، ولا يترتب عليه ثواب ولا عقاب.



الإباحة والعفو :
من العلماء من جعل العفو الذي رفعت فيه المؤاخذة، ونفي فيه الحرج، مساويا للإباحة، كما جاء في الحديث "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وعفا عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"
وهو ما يحل عليه قوله تعالى : "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها". فما عفا الله عنه لم يكلفنا به فعلا أو تركا، ولم يرتب عليه مثوبة ولا عقابا. وهو بهذا مساو للمباح.

الفقرة الثانية : أقسام الإباحة
للإجابة تقسيمات شتى باعتبارات مختلفة وقد تقدم أكثرها. وبقي الكلام عن تقسيمها من حيث مصدرها ومن حيث الكلية والجزئية.
أولا : تقسيمها من حيث مصدرها
تقسم بهذا الاعتبار إلى إباحة أصلية، بألا يرد فيها نصر من الشارع، وبقيت على الأصل، وقد سبق بيانها وإباحة شرعية: بمعنى ورود نصر من الشارع بالتخيير، وذلك إما ابتداء كإباحة الآكل والشرب، وإما بعد حكم سابق مخالف كما في النسخ أو الرخص، وقد سبق. على أنه مما ينبغي ملاحظته أنه بعد ورود الشرع أصبحت الإباحة الأصلية إباحة شرعية لقوله تعالى : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" وقوله : "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا من" فإن هذا النص يدل على أن كل ما خلفه الله يكون مباحا إلا ما ورد دليل يثبت له حكما آخر، على خلاف وتفضيل يرجع إليه في الملحق الأصولي.
ثانيا : تقسيمها باعتبار الكلية والجزئية:
1- إباحة للجزء طلب الكل على جهة الوجوب، كالأكل مثلا، فيباح أكل نوع وترك آخر مما أذن به الشرع واكن الامتناع عن الأكل جملة حرام لما يترتب عليه من الهلاك.
2- إباحة للجزء مع طلب الكل على جهة الندب، كالتمتع بما فوق الحاجة من طيبات الأكل والشرب، فذلك مباح يجوز تركه في بعض الأحيان، ولكن هذا التمتع مندوب إليه باعتبار الكل، على معنى أن تركه جملة يخالف ما ندب إليه الشرع من التحدث بنعمة الله والتوسعة، كما في حديث " إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وكما قال عمر بن الخطاب (ض) إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم.
3- إباحة للجزء مع التحريم باعتبار الكل، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة، كاعتياد الحلف، وشتم الأولاد فذلك مباح في الأصل، لكنه محرم بالاعتياد.
4- إباحة للجزء مع الكراهة باعتبار الكل، كاللعب المباح، فإن ذلك وإن كان مباحا بالأصل إلا أن المداومة عليه مكروهة.

المطلب الثاني : آثار الإباحة
إذا ثبتت الإباحة ثبت لها من الآثار ما يلي:
1- رفع الإثم والحرج وذلك ما يدل عليه تعريف الإباحة بأنه لا يترتب على الفعل المباح إثم.
2- التمكين من التملك المستقر بالنسبة للعين، والاختصاص بالنسبة للمنفعة: وذلك لأن الإباحة طريق لتملك العين المباحة. هذا بالنسبة للعين. أما بالنسبة للمنفعة المباحة فإن أثر الإباحة فيها اختصاص المباح له بالانتفاع، وعبارات الفقهاء في المذاهب المختلفة تتفق في أن تصرف المأذون له في طعام الوليمة قبل وضعه في فمه لا يجوز بغير الأكل، إلا إذا أذن له صاحب الوليمة أو دل عليه عرف أو قرينة. وبهذا تفارق الإباحة الهبة والصدقة بأن فيهما تمليكا، كما أنها تفارق الوصية حيث تكون هذه مضافة على ما بعد الموت، ولابد فيها من إذن الدائنين والورثة أحيانا، كما لابد من صيغة في الوصية.
هذه هي آثار الإباحة للأعيان في إذن العباد. أما آثار الإباحة للمنافع فإن إباحتها لا تفيد إلا حل الانتفاع فقط، على ما تقدم تفصيله. فحق الانتفاع المجد من قبيل الترخيص بالانتفاع الشخصي دون الامتلاك، وملك المنفعة في اختصاص حاجز لحق المستأجر من منافع المؤجر، فهو أقوى وأشمل، لأن فيه حق الانتفاع وزيادة. وآثار ذلك قد تقدم الكلام عليها.




المبحث الأول : الإجارة وأركانها
المطلب الأول : تعريف الإجارة
الإجارة في اللغة اسم للأجرة وهي كراء الأجير وهي بكسر الهمزة وهو المشهور وحكم الضم بمعنى المأخوذ وهو عوض العمل ونقل الفتح أيضا، فهي مثلثة، لكن نقل عن المبرد انه يقال: أجر وآجر إجارا وإيجارة وعليه فتكون مصدرا وهذا المعنى هو المناسب للمعنى الاصطلاحي.
وعرفها الفقهاء بأنها عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض. ويخص المالكية غالبا لفظ الإجارة بالعقد على منافع الآدمي وما يقبل الانتقال غير السفن والحيوان ويطلقون على العقد على منافع الأراضي والدور والسفن والحيوانات لفظ كراء، فقالوا الإجارة والكراء شيء واحد في المعنى.
الأصل في عقد الإجارة عند الجمهور اللزوم فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا لمقتضى تنفسخ به العقود اللازمة، من ظهور الغيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة واستدلوا بقوله تعالى: "أوفوا بالعقود" وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز للمكتري فسخ الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر مثل أن يستأجر دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق لأن طروء هذا أو أمثاله، يتعذر معه استيفاء المنفعة المعقود عليها، وذلك قياسا على هلاك العين المستأجرة، وحكى ابن رشد انه عقد جائز.
ومادامت الإجارة عقد معاوضة فيجوز للمؤجر استيفاء الأجر قبل انتفاع المستأجر على التفصيل الذي سيرد في موضعه.
والأصل في عقد الإجارة انه مشروع على سبيل الجواز. والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب فمنه قوله تعالى : " فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن".
ومن السنة ما رواه أبو سعيد الجدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من استأجر أجيرا فليعلمه لأجره" وقوله: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" وقوله : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة" الحديث وعد منهم رجلا استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على العمل بها منذ عصر الصحابة وإلى الآن وأما دليلها من المعقول فلان الإجارة وسيلة للتسيير على الناس في الحصول على ما يبتغونه من المنافع التي لا يملك لهم في أعيانها، فالحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فالفقير محتاج إلى مال الغني والغني محتاج إلى عمل الفقير. ومراعاة حاجة الناس أصل في شرع العقود. وبعد تعريف الإجارة لغة واصطلاحا وبيان حكمها الشرعي سننتقل إلى توضيح أركان الإجارة.

المطلب الثاني : أركان عقد الإجارة
يختلف الفقهاء في تعداد أركان الإجارة فالجمهور ذهبوا على أنها الصيغة (الإيجاب والقبول)، والعاقدان، والمعقود عليه فأطراف للعقد ومقوماته، فلا يقام للعقد إلا باجتماع ذلك كله. فالخلاف لفظي لا ثمرة له.
الــصـيـغـة :
صيغة عقد الإجارة ما يتم بها إظهار إرادة المتعاقدين من لفظ أو ما يقو مقامه، وذلك بإيجاب يصدره المملك، وقبول يصدره المتملك على ما يرد الجمهور في حين يرى الحنفية أن الإيجاب ما صدر أولا من أحد المتعاقدين والقبول ما صدر بعد ذلك من الآخر. فالإجارة تنعقد بأي لفظ دال عليها كالاستئجار والاكتراء والإكراء وتنعقد بأعرتك هذه الدار شهرا بكذا لأن العارية بعوض إجارة. كما تنعقد بوهبتك منافعها شهرا بكذا، وصالحتك على أن تسكن الدار لمدة شهر بكذا...
ويشترط في الصيغة أن تكون واضحة الدلالة في لغة المتعاقدين وعرفهما، قاطعة في الرتبة دون تسويف أو تعليق.
الـعــاقـــدان :
من أركان عقد الإجارة عند غير الحنفية العاقدان –المؤجر والمستأجر – والحنفية يعتبرونها من أطراف العقد لا من أركانه.
ويشترط فيهما لانعقاد العقد، فلا تنعقد الإجارة من المجنون ولا من الصبي الذي لا يميز فلا خلاف في أنها لا تنعقد إلا من جائز.
التصرف في المال. ويشترط في العاقدين للصحة أن يقع بينهما عن تراض، فإذا وقع العقد مشوبا بإكراه فإنه يفسد، كما يشترط في العاقدين للصحة أن يقع بينهما عن تراض، فإذا وقع العقد مشوبا بإكراه فإنه يفسد. كما يشترط الشافعية والحنابلة ومن معهم للصحة ولاية إنشاء العقد، فعقد الفضولي يعتبر عندهم فاسدا، ويشترط في العاقدي للنفاذ عند أبي حنيفة ألا يكون العاقد مرتدا إن كان رجلا، لأنه يرى أن تصرفاته تكون موقوفة، بينما الصاحبان وجمهور الفقهاء لا يشترطون ذلك لأن تصرفات المرتد عندهم نافذة. كما يشترط عند الحنفية والمالكية الذين يرون أن الولاية شرط للنفاذ، بينما يرى آخرون أنها شرط للصحة.
مـحـل الإجـــارة:
الكلام هنا يتناول بمنفعة العين المؤجرة والأجرة.
أولا منفعة العين المؤجرة
المعقود عليه في الإجارة عند الحنفية هو المنفعة، وهي تختلف باختلاف محلها وعند المالكية والشافعية أن المعقود عليه إما إجارة منافع أعيان، وإما إجارة منافع في الذمة، واشترطوا في إجارة الذمة تعجيل النقد، للخروج من الدين بالدين. وعند الحنابلة محل العقد أحد ثلاثة: الأول : إجارة عمل في الذمة في محل معين أو موصوف. وجعلوه نوعين: استئجار العامل مدة لعمل بعينه، واستئجاره على عمل معين في الذمة كخياطة ثوب ورعي غنم. الثاني : إجارة عين موصوفة في الذمة. الثالث: إجارة عين معينة لمدة محددة.
الأجــــرة :
الأجرة هي ما يلتزم به المستأجر عوضا عن المنفعة التي يتملكها. وكل ما يصلح أن يكون ثمنا في البيع يصلح أن يكون أجرة في الإجارة وقال الجمهور: أنه يشترط في الأجرة ما يشترط في الثمن. ويجب العلم بالأجر لقول النبي (ص) " من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، وإن كان الأجر مما يثبت دينا في الذمة كالدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة فلابد من بيان نسبه ونوعه وصفته وقدره. ولو كان في الأجر جهالة مفضية للنزاع فسد العقد، فإن استوفيت المنفعة في أجر المثل وهو ما يقدره أهل الخبرة.
وجوز الجمهور أن تكون الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه. يقول الشيرازي: ويجوز إجازة المنافع من جنسها ومن غير جنسها، لأن المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع. ثم الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع. ويقول ابن رشد: أجاز مالك إجارة دار بسكنى دار أخرى.

المبحث الثاني : ا نقضاء عقد الإجارة
اتفق الفقهاء على أن الإجارة تنتهي بانتهاء المدة، أو بهلاك المعقود عليه المعين، أو بالإقالة. وذهب الحنفية إلى أنها تنقضي أيضا بموت أحد المتعاقدين، أو حدوث عذر يمنع من الانتفاع بالعين المستأجرة، وذلك بناء على أنهم يرون أن الأصل في الأجرة أنها تتجدد بتجدد المنفعة. وذهبت المذاهب الأخرى إلى عدم انقضاء الإجارة بهذه الأمور بناء على أنهم يرون أن الأجرة تثبت بالعقد، كالثمن يثبت بنف البيع. وسنفصل ذلك على الشكل الآتي:
أولا : انقضاء المدة
إذا كانت الإجارة محددة المدة، وانتهت هذه المدة، فإن الإجارة تنتهي بلا خلاف. غير أنه قد يوجد عذر يقتضي امتداد المدة، كأن تكون أرضا زراعية، وفي الأرض زرع لم يستحصد، أو كانت سفينة في البحر، أو طائرة في الجو، وانقضت المدة قبل الوصول إلى الأرض. وإذا كانت الإجارة غير محددة المدة، كأن يؤجر له الدار مشاهرة كل شهر بكذا دون بيان عدد الأشهر، فإن لكل ذلك أحكاما مفصلة سيأتي ذكرها.
ثانيا : انقضاء الإجارة بالإقالة
كما أن الإقالة جائزة في البيع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة" فهو كذلك جائزة في الإجارة، لأن الإجارة بيع منافع.
ثالثا : انقضاء الإجارة بهلاك المأجور
تفسخ الإجارة بسبب هلاك العين المستأجرة بحيث تفوت المنافع المقصودة منها كلية، كالسفينة إذا انقضت وصارت ألواحا، أو الدار إذا انهدمت وصارت أنقاضا.
رابعا : انفساخ الإجارة بالموت
سبق أن ذكر أن الحنفية العاقدين للذين يعقدان لنفسيهما، كما تنقضي بموت أحد المستأجرين أو أحد المؤجرين في حصته فقط. ورجع الزليعي الرأي الأول. وقال: لأن الشروط يراعى وجودها في الابتداء دون البقاء. وعلل لانفساخ الإجارة بالموت، فقال : لأن العقد ينعقد ساعة فساعة بحسب حدوث المنافع، فإذا مات المؤجر فالمنافع التي تستحق بالعقد هي التي تحدث على ملكه، فلم يكن هو عاقدا ولا راضيا بها. وإن مات المستأجر فغن المنفعة لا تورث.




















المبحث الأول : الجعالة ومشروعيتها
الجعالة أو الجعل أو الجعلية لغة: هي ما يجعل للإنسان على فعل شيء أو ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. وتسمد عند القانونيين: الوعد بالجائزة أي المكافأة أو الجعل أو الأجر المعين. فهي عقد أو التزام بإرادة منفردة.
وشرعا : التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول، عسر علمه.
وعرفها المالكية1، كما جاء في كتابه بداية المجتهد لابن رشد2: بأنها الإجارة على منفعة مظنون حصولها، مثل قول القائل: من رد علي دابتي الشاردة أو متاعي الضائع، أو بني لي هذا الحائط أو حفر لي هذا البئر حتى يصل إلى الماء، أو خاط لي قميصا أو ثوبا فله كذا.
ومنها ما يخصص من المكافآة لأوائل الناجحين أو المتسابقين فيما يحل فيه السباق أو ما يلتزمه القائد من مبلغ معين أو سهم من الغنيمة لمن يقتحم حصنا للعدو، أو يسقط عددا من الطائرات. ومنها الالتزام بمبلغ مالي لطبيب يشفي مريضا من مرض معين، أو لمعلم يحفظ ابنه القرآن.
ويمثل الفقهاء عادة بحالة رد الدابة الضالة (الضائعة، والعبد الأبق (الهارب)).

المطلب الثاني : مشروعية الجعالة
لا تجوز الجعالة عند الحنفية3 لما فيها من الغرر أي جهالة العمل والمدة قياسا على سائر الإجارات التي يشترط لها معلومية العمل والمأجور والأجرة والمدة. وغنما أجازوا فقط استحسانا دفع الجعل لمن يرد العبد الأبق4أي الهارب من مستأجره أو الوصي عليه، ولو بلا شرط، من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا، ومقدار الجعل أربعون درهما، تغطية للنفقة في مدة السفر. وإن رده لأقل من ذلك المقدار، فبحسابه، اعتبار الأقل بالأكثر، فإذا رده مثلا من مسافة يومين فله ثلثاها، ومن يوم ثلثها، ومن رده من أقل منه، أو وجده في البلد يرضخ له، أي يعطي بنسبة عمله. وسبب استحقاق الجعل: هو أخذ الأبق لصاحبه، فدفع الجعل طريق للمالك لصيانة ماله.
وتجوز الجعالة شرعا عند المالكية كما جاء في كتاب بداية المجتهد لابن رشد بدليل قوله تعالى في قصة يوسف مع إخوته: "قالوا: تفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم"1 أي كفيل. وبدليل ما جاء في السنة من أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة (أم القرآن)، وهو ما رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حيا من أحياء العرب، فلم يقروهم (يضيفوهم)، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا :هل فيكم راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيع شاء، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاق ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا لا تأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا رسول الله (ص) عن ذلك، فضحك، وقال: "وما أدراك، إنها رقية، خذوها واضربوا لي فيها بسهم".
والمعقول يؤيد ذلك: وهو أن الحاجة تدعو إلى الجعالة، من رد ضالة، وآبق، وعمل لا يقدر عليه صاحبه، فجاز بذلك الجعل، كالإجارة والمضاربة، إلا أن جهالة العمل والمدة لا تضر بخلاف الإجارة، لأن الجعالة غير لازمة والإجارة لازمة وتفتقر إلى تعيين المدة لمعرفة قدر المنفعة، ولأن الجعالة رخصة اتفاقا لما فيها من الجهالة، وأجيزت لإذن الشارع بها.

المبحث الثاني : الجعالة أساليبها وشروطها
المطلب الأول : صيغة الجعالة
الجعالة التزام بإرادة واحدة فلا تتحقق إلا بصيغة من الجاعل من الصيغ السابقة في تعريفها ونحوها، تدل على إذن بالعمل بطلب صريح، بعوض معلوم مقصود عادة ملتزم به، فلو عمل العامل بلا إذن، أو أذن الجاعل لشخص، فعمل غيره، فلا شيء له، لأن الأول عمر متبرعا، والشخص المعين في الحالة الثانية لم يعمل ولا يشترط في الجاعل كونه مالكا، فيصح لغيره أن يلتزم بجعل ويستحقه العامل الذي رد الشيء.
كما لا يشترط قبول العامل، وإن عينه الجاعل، لأن الجعالة التزام من جانب واحد، كما أوضحت ويصح أن تكون الجعالة لواحد معين، أو لغير معين، كما يصح أن يجعل الجاعل للمعين عوضا ولسائر الناس عوضا آخر.
وتفترق الجعالة عن الإجارة على عمل معلوم كبناء وخياطة ثوب وحمل شيء إلى موضوع معلوم من نواح أربعة وهي:
أولا : لا يتم استيفاء المنفعة للجاعل إلا بتمام العمل كرد الشارد وبرء المريض. أما في الإجارة فيتم استيفاء المنفعة للمستأجر بمقدار ما عمل الأجير. وبعبارة أخرى: لا تتحقق المنفعة في الجعالة إلا بتمام العمل، أما في الإجارة فتتحقق المنفعة للمستأجر بجزء من العمل. وبناء عليه، لا يستحق العامل في الجعالة شيئا إلا بتمام العمل. وإذا عمل الأجير في الإجارة بعض العمل استحق من الأجر بحساب (أو مقدار) ما عمل.
ثانيا : إن الجعالة عقد يحتمل فيها الغرر، وتجوز جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة فالعمل في الجعالة قد يكون معلوما، أو مجهولا غير معلوم، كرد بهيمة ضالة، وحفر بئر حتى يخرج منها الماء، وكما تصح الجعالة على عمل مجهول أو معلوم، تصح جهالة المدة. أما الإجارة فلابد من أن يكون العمل فيها معلوما كالخياطة والبناء والمدة معلومة. وإذا قدرت الإجارة بمدة لزم الأجير العمل في جميع المدة، ولا يلزمه العمل بعدها. أما الجعالة فالمهم فيها إنجاز العمل دون تقيد بالمدة.
ثالثا : لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة في الجعالة بخلاف الإجارة.
رابعا: الجعالة عقد جائز غير لازم فيجوز فسخه، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم لا يفسخ.




المطلب الثاني : شروط الجعالة
يشترط في الجعالة ما يأتي1 :
أولا : أهلية التعاقد:
يشترط عند الشافعية والحنابلة في الجاعل مالكا كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف (بالغا، عاقلا، رشيدا)، فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور سفه. وأما العامل : فإن كان معينا اشترط فيه أهلية العمل، فلا يصح كونه عاجزا عن العمل كصغير لا يقدر على العمل لأن منفعته محدودة. وإن كان غير معين مبهما كفى علمه بإعلان النداء على الجعل. وتصح الجعالة عند المالكية والحنفية من المميز وأما التكليف فهو شرط لزوم.
ثانيا : كون الجعل (أو الأجرة) مالا معلوما.
فإن كان الجعل مجهولا فسد العقد لجهالة العوض، مثل من وجد سيارتي فله ثوب ونحره، ويكون للواجد (الراد) أجرة مثله، كالإجارة الفاسدة.
وإن كان الجعل حراما كخمر أو مغصوب، فسد العقد أيضا لنجاسة عين الخمر، وعدم القدرة على تسليم المغصوب.
ثالثا: أن تكون المنفعة معلومة حقيقة، مباحا الانتفاع بها شرعا، فلا تجوز الجعالة على إخراج الجن من شخص، ولا على حل سحر مثلا لأنه يتعذر معرفة كون الجن خرج أم لا، أو انحل السحر أم لا، كما لا تجوز الجعالة على ما يحرم نفعه كالغناء والزم والنواح وسائر المحرمات. والقاعدة في ذلك: أن كل ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة. جاز أخذ العوض عليه في الجعالة وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، لا يجوز أخذ الجعل عليه، لقوله تعالى : "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" [المائدة 5/2]. وأضاف المالكية: "كل ما جاز فيه الجعل كحفر الآبار في فلاة، جازت فيه الإجارة، لا العكس، فليس كل ما جازت فيه الإجارة، جاز فيه الجعل" مثل بيع سلع2 وخدمة شهر، فالإجارة أعم من ناحية المحل المعقود عليه، والسبب في عدم صحة الجعالة فيما ذكر: أن الجعالة تكون فيما لا يحصل للجاعل نفع إلا بتمام العمل، وهذه الأمور يبقى فيها للجاعل منفعة إذا لم يتم العامل العمل.
رابعا: اشترط المالكية ألا يحدد للجعالة أجل، وقال غيرهم : يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، مثل من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا، فإن أتى به في المدة استحق الجعل ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له، وذلك بخلاف الإجارة.
وأضاف بعض المالكية (القاضي عبد الوهاب خلافا لابن رشد) شرطا خامسا: وهو أن تكون الجعالة في العمل اليسير، ولو كان متعددا كإبل كثيرة شردت. واشترط المالكية كما تقدم عدم شرط النقد للجعل، فإن شرط النقد يفسدها، لأنه سلف جر نفعا بطريق الاحتمال، وأما تعجيل الجعل بلا شرط فلا يفسدها.






















1- وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، الجزء الخامس.
2- محمد سلام مذكور، نظرية الإباحة عند الفقهاء.
3- الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، كتاب إرشاد الفحول، الطبعة الأولى.
4- أبي فضل جمال الدين محمد بن مكرم المعروف بأبي منظور الإفريقي، الجزء 4 طبعة دار الصاوي.
















جامعة الحسن الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات


وحدة التكوين والبحث قانون الأعمال
مادة فـقـه الـمـعـامـلات


عرض في مـوضوع:





للطلبة الباحثين: الأستاذ المشرف:
• ميمونة حامد * د/ شبيهنا الحمداتي
• مريم خليفة
• نبيل أبو مسلم
• عبد المجيد بن جلون
أكمل قراءة الموضوع ...

إيجار المال الشائع في الفقه الإسلامي_د. مازن صباح


إيجار المال الشائع في الفقه الإسلامي
د. مازن مصباح صباح
كلية التربية - الأستاذ المشارك في الفقه المقارن
جامعة الأزهر – غزة – فلسطين
ملخص: يتناول هذا البحث حكم الانتفاع بالحصة الشائعة بالإيجار وقد جاء هذا البحث في أربعة مباحث، ففي الأول عرفت الملكية الشائعة، وبينت طبيعة حق الشريك في المال الشائع ومصادر الشيوع، وفي الثاني عرفت الإجارة وبينت مشروعيتها، وجاء الثالث متضمناً مذاهب الفقهاء في تأجير الشريك لحصته الشائعة لأجنبي بدون موافقة بقية الشركاء، وأوردت مذاهب الفقهاء في ذلك وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات وبينت الراجح منها، وفي الرابع تناولت تأجير الشريك لكل المال الشائع بدون موافقة بقية الشركاء وما يترتب على ذلك، ثم ختمت بخاتمة تضمنت أهم النتائج.

Common Wealth Lease in Islamic Fiqh

Abstract: This research discusses the judgment of benefiting by the common part of a lease. It is divided into four chapters.
In the first chapter I defined the common ownership and showed the right of the partner in the common wealth and the source of its circulation
In the second chapter I defined the lease and showed its legality. While the third chapter includes the scholars' creeds concerning letting a partner's share to a foreigner without partners' agreement, and showed the scholars ways and their evidences and what controversies it takes and showed the best of them.
In the fourth chapter I discussed the partner's renting the whole common wealth without partner's agreement and its consequences. Then, I concluded with important findings.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبع هداه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام بُنيت على أساس رعاية مصالح العباد في العاجل والآجل، فكل أحكام الشريعة بنيت على جلب المنافع ودرء المفاسد وهذا أمر ملحوظ باستقراء أحكام الشريعة الإسلامية.
ولقد حرصت الشريعة الإسلامية على تشريع أحكام تنظم معاملات المسلمين فيما بينهم وتعمل على الحرص على أن تتم تلك المعاملات ضمن المعايير والضوابط التي وضعتها الشريعة حتى يكون التعامل قائماً على أساس إعطاء الحقوق لأصحابها وعدم الاستغلال، وإن كانت جالبة للنفع لمنْ قام بها، لأن ذلك في عرف الشريعة يُعد أمراً غير جائز لمخالفته ضوابطها ومعاييرها التي وضعتها لكي تكون المعاملات التي تنشأ بين المسلمين سليمة وصحيحة.
ومن تلكم الأمور التي جاءت الشريعة الإسلامية لتنظيمها العلاقات المشتركة التي تنشأ بين الأفراد في الملكية المشتركة والتي حددت لها الشريعة الإسلامية أحكاماً لا يجوز لأي واحد من الشركاء الخروج عنها نظراً لعدم انفراده لوحده بملكية الشيء المشترك، بخلاف ما لو كان مالكاً لشيء ملكاً تاماً لا يشاركه في ملكيته أحد فيحق له التصرف فيه كيفما شاء في حدد ما أباحته الشريعة الإسلامية.
ولذا قيدت الشريعة تصرف الشريك فيما هو مملوك له ولغيره فيما يسمى بالملكية الشائعة، وقد يتصرف الشريك تصرفاً ما في حصته الشائعة بأن يقوم بتأجيرها لشريكه، أو يقوم بتأجيرها لشخص أجنبي ليس شريكاً معه ومع بقية شركائه في ذلك المال الشائع، بل وقد يقدم الشريك على تأجير كل المال الشائع لأجنبي وهذا التصرف يكون بغير إذن بقية الشركاء، ولأهمية هذا الأمر قمت بالبحث في هذا المجال وحاولت قدر الإمكان والاستطاعة القيام بالإحاطة بهذا الموضوع على حسب جهدي، ولقد جاء هذا البحث في مقدمة وأربعة مباحث على النحو التالي:
مقدمة.
المبحث الأول: تعريف الشيوع وبيان طبيعة حق الشريك في المال الشائع وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الشيوع.
المطلب الثاني: طبيعة حق الشريك في المال الشائع، ومصادر الشيوع.
المبحث الثاني: تعريف الإجارة وبيان مشروعيتها.
المبحث الثالث: إيجار الشريك لحصته في المال الشائع دون موافقة بقية الشركاء.
المبحث الرابع: تأجير الشريك لكل المال الشائع بدون موافقة بقية الشركاء.
خاتمة.
فما كان صواباً فمن الله عز وجل، وما كان خطأً مجانباً الصواب فمني ومن الشيطان، ربنا لا تؤاخذنا إنْ نسينا أو أخطأنا.


المبحث الأول
تعريف الشيوع
وبيان طبيعة حق الشريك في المال الشائع
المطلب الأول
تعريف الشيوع
الشيوع في اللغة: يُطلق على الشيء غير المميز، أو على الذي لم يُعزل عن غيره ويكون مختلطاً بأجزاء أخرى، يقال فلان نصيبه في الشيء شائع ومشاع أي غير محدد وغير معزول عن غيره، قال أبو سعيد: هما متشايعان ومشتاعان في دار أو في أرض إذا كانا شريكين، ومنه قيل سهم شائع كأنه ممتزج لعدم تميزه( ).
الشيوع في الاصطلاح:عرفت المادة (138) من مجلة الأحكام العدلية المشاع بأنه: "ما يحتوي على حصص شائعة كالنصف والربع والسدس وغير ذلك من لحصص السارية إلى كل جزء من أجزاء المال منقولاً كان أم غير منقول"( ).
ولقد سميت الحصة السارية في المال المشترك حصة شائعة وذلك لعدم تعيينها في أي قسم من أقسام المال الشائع.
وقد عرفت المادة (139) من المجلة الحصة الشائعة : "بأنها الحصة السارية إلى كل جزء من أجزاء المال المشترك، فالحصة السارية هي الحصة الشائعة أو المشاعة ومجموع الحصص المشتركة لا يعد مشاعاً، فالمزرعة المشتركة من حيث كل حصة على حدة مشاعة، ومن حيث مجموع الحصص غير مشاعة بل مشتركة بين الشركاء".
وقد عرفها – الملكية الشائعة – بعض المحدثين بقوله: "هي ما تعلقت بجزء نسبي غير معين ومحدد، وتكون كل ذرة من المال الشائع مشتركة بين جميع الشركاء فإذا كانت الدار مثلاً مشتركة بين خمسة أشخاص فإن لكل واحد منهم الخمس في كل ذرة من ذراتها دون الاستئثار بنصيب معين منها"( ).

المطلب الثاني
طبيعة حق الشريك في المال الشائع ومصادر الشيوع
إنَّ الشريك في المال الشائع المالك لجزءٍ منه يُعد مالكاً له ملكية تامة، وذلك لأنَّ حصته الشائعة التي يملكها تنتشر وتتفرق في كل جزءٍ من أجزاء المال الشائع، غير أنَّ تلك الملكية وإنْ كانت تامة إلا أنها تُعد مُقيدة فلا يحق له أن ينتفع بكل المال الشائع أو جزءٍ منه وذلك لأنه يُعد قد انتفع بما يملكه هو ويملكه غيره، وكذا لو تصرف الشريك أي تصرف في المال الشائع قبل القسمة في أي جزءٍ من أجزاء المال الشائع فتصرفه يكون واقعاً على ما يملك وما يملك غيره وعلى ذلك فالمال الشائع لا يُعد مملوكاً كله ملكية تامة للشريك ولكن ملكه يكون بمقدار حصته الشائعة، وبالتالي لا يحق له أن يستأثر بكل مزايا ومميزات الشيء المملوك ملكية شائعة وذلك لاشتراك بقية الشركاء في هذا المال المشترك، لأن لهم نفس الامتيازات التي يتمتع بها وذلك بما تخوله لهم الحصة التي يملكونها في المال الشائع المشترك فيما بينهم( ).
مصادر الشيوع :
تتنوع مصادر الشيوع فمنها ما هو قائم على الرضا بين الشركاء، ومنها ما هو جبراً عنهم لا إرادة لهم في حصوله ولا رغبة لهم في ذلك.
ومن أهم مصادر الشيوع القائم على الرغبة والرضا من كل الشركاء: البيع والشراء والوقف والوصية والشركة.
وأما مصادر الشيوع الجبري الذي لا دخل للشركاء فيه ويحدث بلا رغبة من أي أحدٍ منهم : الاختلاط الاضطراري ويُقصد به الاختلاط الحاصل بغير إرادة الشركاء في الملك ويتحقق هذا الاختلاط في حالتين :
الأولى: إذا اختلط المالان وكانا من جنس واحد كاختلاط الحنطة بالحنطة وغير ذلك فنلحظ أنه في حالة اختلاط الجنسين المتماثلين لا يمكن التفريق بينهما ولا تميز أحدهما عن الآخر.
الثانية: إذا اختلط المالان وكانا مختلفين في الجنس مع إمكان التميز بينهما ولكن بعد عناءٍ ومشقة كاختلاط الحنطة بالشعير.
فإذا وقع الاختلاط في أيٍ من الحالتين كان المال المختلط مشتركاً بين المالكين على قدر نسبة ما لكل منهما قبل الخلط، فإذا حدث أن تلف بعد الاختلاط وكان التلف قد أصاب أحد المالين وعُلم صاحبه فإنه يتحمل ذلك التلف، فإنْ لم يكنْ معلوماً كان التالف من المال بنسبة ما لكل شريك( ).
وأهم أسباب الشيوع – إن كان جبرياً – هو الميراث حيث يكون المال – الذي هو مال التركة – مشاعاً بين جميع الورثة.
المبحث الثاني
تعريف الإجارة وبيان مشروعيتها
أولاً– الإجارة لغةً:
من مصدر أجر إجارة ويقال أيضاً آجر – بالمد – إيجاراً ويستعمل الممدود من باب المفاعلة فيكون مصدره المؤاجرة.
قال الزمخشري : "يقال آجرته مؤاجرة مثل عاقدته معاقدة وعاملته معاملة"( ).
وقال صاحب القاموس : "وآجر المملوك آجراً – فآجره إيجاراً ومؤاجرة، والأجرة الكراء، واستأجرته وآجرته صار أجيري"( ).
ثانياً– الإجارة اصطلاحاً:
سأقوم فيما يلي بإيراد تعريف الإجارة عند الفقهاء :
عرفها الحنفية بقولهم : "بيع منفعة معلومة بأجر معلوم"( ).
عرفها المالكية بقولهم : "تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض"( ).
عرفها الشافعية بقولهم : "عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم"( ).

عرفها الحنابلة بقولهم : "عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلوم"( ).
بالتأمل في تلك التعاريف نجد أن بعض الفقهاء عرفها بأنها عقد تمليك بمعنى أن العين تُملك بالإجارة كما تُملك في البيع( )، وبعضهم عرفها على أنها عقد على منفعة وهو قول أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة( ).
فمن عرفها بأنها عقد تمليك نظر إلى ثمرة العقد وحكمه فإن الغرض الأساسي من العقد وما يهدف إليه المتعاقدان هو نقل ملكية المنفعة إلى المستأجر خلال المدة المتفق عليها في العقد ونقل الأجرة إلى المؤجر.
ومن قال بأنها عقد على منفعة فقد عرفها بالسبب الذي يترتب عليه الحكم فالسبب في الإيجار هو العقد ويترتب على هذا العقد تملك المستأجر للمنفعة.
مشروعية الإجارة:
عامة أهل العلم على أن الإجارة جائزة( )، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أولاً– الكتاب: استدلوا بقوله تعالى : "فإن أرضعن لكم فآتوهن أجروهنَّ"( ).
وجه الدلالة: "تدل الآية بمنطوقها الصريح على الأمر بإعطاء الأجرة مقابل الإرضاع، والمراد أعطوهنَّ أجراً إذا أرضعنَّ لكم بعقدٍ، بدليل "لكم"، والأجرة ثمرة مترتبة على ذلك العقد، فدل ذلك على مشروعية عقد الإجارة.
ثانياً– السنة:
1– عن أبي هريرة  أنه  قال : "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفهِ أجره"( ).
وجه الدلالة: تضمن هذا الحديث وعيداً لمن استأجر أجيراً ولم يعطهِ حقه فهذا دليل واضح منطوقه صريح في جواز الإجارة، ووجوب الوفاء بالأجر فور استيفاء المنفعة، فلو لم تكنْ الإجارة مشروعة لما استحق من منع الأجرة عن الأجير هذا الوعيد الشديد.
2– ما روي من حديث الهجرة: "واستأجر النبي  وأبو بكر  رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً( )، وهو على دين كفار قريش وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالٍ ثلاث فارتحلا"( ).
وجه الدلالة: يدل الحديث دلالة واضحة على جواز الإجارة حيث استأجر الرسول  رجلاً غير مسلم ليدلهم على الطريق، ففعله  يدل على مشروعية الإجارة ولو كان المستأجر غير مسلم، فلو لم تكن مشروعة لما فعلها النبي .
3– ما روي عن أبي هريرة  عن النبي  قال: "ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم"، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة"( ).
وجه الدلالة: يدل الحديث على جواز الإجارة على رعي الغنم، وفعله  له دليل واضح على مشروعية الإجارة وما يترتب عليها من أجر.
ثالثاً– الإجماع :
أجمعت الأمة على جوا عقد الإجارة ومشروعيته، ولا يقدح في ثبوت الإجماع ما حكي عن بعض العلماء من القول بعدم جواز الإجارة وذلك لأن الإجماع منعقد قبله فلا يُلتفت إلى ما جاء على خلاف ذلك الإجماع( ).
والقائلون بعدم الجواز يستدلون بأن عقد الإجارة عقد يرد على المنافع وهي لحظة العقد معدومة، والعقد على المعدوم باطل فكان ذلك غرراً وهو منهي عنه، والمنهي عنه لا يكون مشروعاً( ).


وأجيب عن ذلك: إنَّ المنافع وإنْ لم تكن موجودة عند العقد إلا أنها مقدرة الوجود شرعاً حتى يرد عليها العقد، ولأنها مستوفاة في الغالب( )، كما أن تصحيح عقد الإجارة والقول بمشروعية نوع من أنواع الرخص التي شرعتها الشريعة الإسلامية تخفيفاً عن المكلفين ورفعاً للحرج عنهم، وبالتالي يترجح قول الجمهور بمشروعية عقد الإجارة وجوازها( ).
رابعاً– المعقول:
إن الحاجة داعية إلى الإجارة وذلك لأن حاجة الناس إلى المنافع كحاجتهم إلى الأعيان، فلما أجاز الشارع العقد على الأعيان وجب أن يجوز على المنافع بالإجارة( ).
المبحث الثالث
إيجار الشريك لحصته في المال الشائع
دون موافقة بقية الشركاء
لا خلاف بين الفقهاء في جواز إجارة الحصة الشائعة للشريك وذلك لأن استيفاء منفعة الحصة الشائعة المؤجرة أمر ممكن ومقدور عليه وذلك لأن المال جزء منه للشريك المؤجر والجزء الآخر للشريك المستأجر، فالمستأجر انتفاعه حاصل بحصته لملكيته إياها، وانتفاعه بحصة شريكه حاصل بالإجارة فيكون قد تم له الانتفاع بالعين المؤجرة( ).
أما في حالة إجارة الحصة الشائعة من الأجنبي فقد وقع الاختلاف بين الفقهاء، وسأقوم فيما يلي ببيان ذلك.
أولاً– مذهب الأحناف:
1– ذهب الإمام أبو حنيفة – يرحمه الله – إلى القول بعدم جواز إيجار الحصة الشائعة من غير الشريك وإنْ كانت معلومة القدر كنصف وثلث وربع، وأما تأجيرها للشريك فهو أمر جائز.
وحجة الإمام: أنَّ المنفعة التي عُقد العقد من أجل استيفائها لابد أن تكون معلومة علماً يمنع من حدوث المخاصمة والمنازعة بين طرفي العقد، كما أنه يجب أن تكون مدة المنفعة مقدور على استيفائها حقيقة وشرعاً، وفي حالة إيجار الحصة الشائعة من غير الشريك فلا يمكن تسليمها إلا بتسليم كل العين، ومن ناحية أخرى فالمستأجر لا يستطيع أن ينتفع بهذه الحصة الشائعة – التي قام باستئجارها – وحدها مع الشيوع، وذلك لأن كل جزء من أجزائها مشترك، ومن ثمَّ فإن الانتفاع بها لا يحصل إلا بالانتفاع ببقية حصص الشركاء الآخرين وذلك لارتباط الحصة المؤجرة بحصص الشركاء الآخرين( ).
ويعزز الإمام – يرحمه الله – رأيه بأن يضرب لما سبق مثلاً لشخص قام بتأجير نصف داره شائعاً لشخص آخر فذلك العقد فاسد، وذلك لأن المقصود من عقد الإيجار تمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة وفي هذه الحالة الانتفاع المطلوب حدوثه يتطلب أن ينتفع المستأجر بكل المال الشائع وهذا لا يتصور حدوثه إلا إذا سُلم كل المال الشائع للمستأجر وهذا لا يمكن حدوثه لأن بقية الشركاء لهم الحق في بقية أجزاء ذلك المال المشترك وإعطاء الحق للمستأجر بالانتفاع بالمال الشائع يتعارض مع ملكية بقية الشركاء لحصصهم في ذلك المال الشائع وهذا يمنع من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة له، وهذا الذي ذهب إليه الإمام أبو حنيفة – يرحمه الله – هو رأي زفر أيضاً( ).
2– ذهب الإمامان أبو يوسف ومحمد – يرحمهما الله – إلى القول بأنه يحق للشريك في المال الشائع أن يقوم بتأجير حصته الشائعة من ذلك المال للشريك أو للأجنبي سواء أكان المال قابلاً للقسمة أم لا، ولكن هذا الحق مقيد بشرط أن يبين المؤجر مقدار حصته فإذا لم يستطع بيانها فالإجارة تكون غير جائزة ودليلهما على ذلك :
أولاً: إنَّ عقد الإيجار يعد بيعاً للمنفعة وطريق الإيجار إقامة الأعيان مقام المنافع، وبالتالي يكون الإيجار كبيع الأعيـان، وكما يجري بيع الأعيان في الشائع فكذا يجري فيه – أي الشائع – بيع المنافع.
ثانياً: إنَّ العقود التي يبطلها أو يصححها الشارع لا يفرق فيها بين الشريك وغيره، فكما ثبت أن إجارة الشائع من الشريك جائزة ثبت أن الشيوع لا يبطل الإجارة، فوجب القول بصحة الإجارة مشاعاً من الأجنبي كما تصح من الشريك فلا فرق بين الشريك وغيره في جواز تأجير الحصة الشائعة، فكيف يمكن القول بجواز عقد الإيجار للحصة الشائعة للشريك وعدم جوازها للأجنبي؟ وحيث لا فرق فالحكم واحد وهو الجواز.
وهما بهذا يردان على الإمام أبي حنيفة – يرحمه الله – وزفر – يرحمه الله – بقياسهما الإيجار لغير الشريك على الإيجار للشريك( )، وهذا كله في الشيوع الأصلي.
أما في حالة الشيوع الطارئ( )، فلا خلاف في أحقية الشريك في تأجير حصته لأجنبي بناءً على أن عقد الإيجار هو بمثابة عقود متجددة، فلو استأجر شخصان عيناً ثم مات أحدهما، فعقد الإيجار يفسخ في حق الميت، ويظل نافذاً بالنسبة للحي بالرغم من طروء الشيوع، وكذلك إذا قام أحد الشركاء بتأجير كل داره لرجل ثم فسخ العقد في النصف( )، والفتوى في المذهب على قول الإمام أبي حنيفة – يرحمه الله -( ).
ثانياً– مذهب المالكية :
ذهب المالكية إلى القول بأنه يجوز للشريك أن يقوم بتأجير حصته الشائعة للشريك أو لأجنبي دون أن تتوقف صحة الإجارة على رضا باقي الشركاء وذلك قياساً على حقه في بيع حصته الشائعة وذلك لأن حقيقة الإجارة إنما هي بيع يرد على المنافع، فكما يحق للشريك بيع حصته الشائعة من الشريك وغيره، فكذا يجوز له تأجير حصته الشائعة من الشريك وغيره، حيث إنَّ عقد الإيجار عند المالكية يُعد عقداً واحداً وليس عقوداً متجددة كما هو مذهب الحنفية، وبالتالي في حالة موت المؤجر أو المستأجر لا ينفسخ عقد الإجارة، وذلك لأنه لا ينفسخ إلا في حالة العذر الداعي للفسخ على سبيل الاستثناء فقط، فهو – أي عقد الإجارة – يُعد من العقود المستمرة وإنْ كان يعد عقداً واحداً( ).
ثالثاً- مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى القول بأنَّ الشريك إذا قام ببيع حصته من أجنبي بدون موافقة بقية الشركاء فإنَّ تصرفه يكون صحيحاً في حصته، وباطلاً بالنسبة لبقية الحصص وهذه الرواية هي الأظهر عندهم، وهناك رواية أخرى تقول بأنَّ تصرف الشريك في المال الشائع لأجنبي بدون موافقة بقية الشركاء يقع باطلاً في حصته وكذلك في حصص بقية الشركاء، وقد علل أصحاب هذه الرواية ذلك البطلان بأن الشريك حينما وقع منه ذلك التصرف كان بتصرفه ذلك قد جمع بين ملكه ومِلك بقية الشركاء، والتصرف في مِلك الغير حرام وذلك لوجود الارتباط بين الملكين وتُعد الإجارة كالبيع عند الشافعية بالنسبة لتأجير الحصة الشائعة وعلى هذا أجاز الشافعية تأجير الحصة الشائعة كما جاز بيعها باعتبار أن الإجارة عن عقود المعاوضات يستوي في ذلك أن يكون المؤجر شريكاً أم أجنبياً.
والأصل أنَّ عقد الإجارة عند الشافعية هو بمثابة عقد واحد وليس عقوداً متجددة، وبالتالي هم يتفقون مع المذهب المالكي في ذلك، ويختلفون مع الحنفية في نفس ذلك الحكم، وهو اعتبار أن عقد الإجارة ليس عقداً متجدداً بل هو عقد واحد، وعلى ما سبق في حالة موت المؤجر أو المستأجر يبقى عقد الإجارة نافذاً ويتولى ورثة كل منهما استيفاء المنفعة فيما بقي من مدة لعقد الإجارة، وقد وضع فقهاء المذهب الشافعي ضابطاً يحكم ذلك وهو أن تبقى العين المؤجرة دون أن يلحق بها تلف دون النظر إلى المنفعة وإمكانها أو عدم إمكانها( ).
رابعاً– مذهب الحنابلة:
للحنابلة في حكم تأجير الشريك لحصته لأجنبي روايتان:
الأولى: لا يجوز للشريك أن يقوم بتأجير حصته الشائعة لأجنبي، وعللوا ذلك بأنه في حالة حدوث ذلك فلا يتمكن الشريك الذي قام بتأجير حصته الشائعة من تسليم العين المؤجرة إلى المستأجر الأجنبي ولا يتحقق ذلك – أي التسليم – إلا في حالة أن يقوم المؤجر بتسليم كل حصص الشركاء لذلك المستأجر الأجنبي على أساس أن الملكية الشائعة تعمل على جعل حصص الشركاء كلها مرتبطة فيما بينها ولا يمكن فصل حصة عن أخرى والتصرف بها بعيداً عن ارتباط تلك الحصة ببقية حصص الشركاء، وبالتالي يكون هذا التصرف غير جائز ولا يصح تأجير الحصة الشائعة لأجنبي.
الثانية: يجوز للشريك أن يقوم بتأجير حصته الشائعة لأجنبي وعللوا ذلك: بأنَّ النصيب الشائع هو جزء معلوم في المال الشائع – الذي يشترك في ملكيته الشخص المؤجر مع بقية الشركاء – ويجوز بيعه، وإلحاقاً بجواز بيعه يجوز تأجيره، بالإضافة إلى أن المؤجر حينما عَقَدَ عقدَ الإجارة على نصيبه الشائع إنما عقده على ما يملكه، ولما أجيز ذلك العقد مع شريكه فإنه يكون جائزاً مع الأجنبي.
كما أنَّ الشريكين إذا قاما بتأجير ما يشتركان فيه لأجنبي جاز العقد، فيجوز لأحدهما فعله في نصيبه منفرداً( ).
خامساً– مذهب الظاهرية :
ذهب الظاهرية إلى القول بجواز تأجير الشريك لحصته الشائعة لأجنبي أو للشريك وسواء أكان المال يقبل القسمة أم لا( ).
الخلاصة: بعد عرض مذاهب الفقهاء في حكم تأجير الشريك لحصته الشائعة لأجنبي يتضح لنا أنَّ جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية وأحمد في الرواية المشهورة عنه ومعهم الصاحبان من الأحناف، والظاهرية يرون بأنه يجوز تأجير الحصة الشائعة لأجنبي، بينما يرى الإمام أبو حنيفة وزفر والحنابلة في إحدى الروايتين بأنه لا يجوز تأجير الحصة الشائعة لأجنبي.
وسأقوم فيما يلي بعرض الأدلة التي ساقها المجيزون والمانعون.
أولاً– أدلة الجمهور:
استدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه من جواز تأجير الشريك لحصته الشائعة لشخص أجنبي بالسنة والقياس والمعقول.
أما من السنة: روي أن رسـول الله  نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: "لا بأس بها"( ).
وجه الدلالة: يدل الحديث بمنطوقه الصريح على جواز الإجارة وأنها عامة لم تُخصص بالمشاع أو بغير المشاع فيكون جواز الإجارة يشمل كلا النوعين كما يشمل ذلك الحكم التأجير للشريك أم لأجنبي، ولما لم يأتِ ما يخصص ذلك العموم فيبقى الحكم عاماً ومعلوم أصولياً أن العام لابد أن يرد دليل يخصصه وإلا بقي على عمومه، ولما لم يرد ما يخصص عموم ذلك الحديث فيبقى عاماً يتناول تأجير الشريك حصته للشريك أم لأجنبي، فلو خُص حكم إجارة الحصة الشائعة للشريك دون الأجنبي لجاء الدليل الدال على ذلك فلما لم يأتِ يبقى الحكم عاماً، هذا فضلاً على أن تأجير الحصة الشائعة لأجنبي لو كان غير جائز لبين ذلك النبي ، فلما لم يفعل دل ذلك على الجواز( )، فمن قال بالمنع فعليه الدليل.
أما القياس: قياس إجارة المشاع على بيعه بجامع العلة المشتركة بينهما وهي أن كليهما عقد معاوضة فلما أجاز الشارع بيع المشاع يلحق حكمه هذا بالإجارة فيجوز قيام الشريك بتأجير حصته الشائعة وذلك لكون الإجارة تعد بيعاً للمنفعة، ففي الإجارة تقوم العين مقام المنفعة فتصير كبيع العين، وبيع العين جائز في المشاع وغيره فكذا بيع المنفعة( ).
أما المعقول: إنَّ للمشاع منفعة ويمكن للمؤجـر أن يقوم بتسليم الحصة الشائعة للأجنبي المستأجر وذلك إما بالمطالبة بالقسمة أو بالتخلية بين المستأجر والحصة الشائعة المعقود عليها فيكون استيفاء المنفعة بذلك ممكناً فتصح بالتالي الإجارة، كما أن إجارة الشريك لحصته الشائعة لشريكه جائزة فتكون أيضاً لغيره جائزة إذ لا فرق بين الشريك والأجنبي في ذلك الحكم( ).
ثانياً- أدلة القائلين بعدم جواز إجارة المشاع لغير الشريك بما يلي:
1– إنَّ المقصد من عقد الإجارة هو انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، وحصوله وهو غير متصور الحدوث في المشاع، وذلك لعدم قدرة المؤجر على تسليم العين المؤجرة للمستأجر حتى يتمكن من الانتفاع بها وبالتالي لا يحصل التسليم ولا الاستيفاء، وذلك لأنه لا يتصور حدوث التسليم إلا بتسليم باقي العين والتي تشمل مع الحصة المراد تأجيرها بقية حصص الشركاء التي لا يتناولها عقد الإجارة الذي تم بين المؤجر والمستأجر فصار كرجل أجر داره لشخص واشترط عليه أن ينتفع بدار أخرى وهذا واضح فيه الفساد، ومثله إيجار المبيع قبل قبضه، فكما لا تصح إجارته قبل القبض فلا تصح إجارة المشاع في هذه الحالة( ).
2– إنَّ الشائع وإن كان منتفعاً به، لكن تسليمه لا يكون إلا بالمهايأة( )، والتهايؤ مستحق بالعقد بناءً على حكمه وهو الملك فلا يصلح شرطاً لجواز العقد وذلك لكون شرط العقد سابق عليه أو يكون مقترناً به، ومعلوم أن حكم العقد لا يسبقه بل يأتي عقبه، وبالتالي لا تصح إجارة المشاع لئلا تنقلب الحقيقة.
المناقشة والترجيح :
أولاً– مناقشة أدلة المانعين :
ناقش المجيزون لإجارة المشاع أدلة المانعين من ذلك بما يلي:
1– إنَّ قولكم إنَّ الانتفاع الذي هو المقصود الأساس من عقد الإجارة غير ممكن حصوله غير مسلم به، وذلك لأنه بالقسمة يمكن تسليمه، ولو سلمنا لكم بأن عدم الانتفاع حاصل لما جازت إجارة الشريك من الشريك وأنت تقولون بها فكيف قلتم بإجازتها ومنعتم إجارة الشريك الأجنبي؟
فإن قلتم: أجزنا إجارة الشريك لشريكه لحصول الانتفاع بحكم أنه لا شيوع في حق الشريك المستأجر وذلك لأن الكل في يده، فالنصف بحكم ملكه له والآخر بحكم عقد الإجارة الذي تم بينه وبين شريكه.
ويجاب عن ذلك: بأننا نسلم لكم ما قلتموه بحق الشريك، وأيضاً فإن المستأجر أيضاً في مقدوره حيازة المعقود عليه لكي يتمكن من الانتفاع به وذلك إما بالقسمة أو بالتخلية بينه وبين المعقود عليه، أو أن يقوم باستعارة حصة الشريك أو استئجارها( ).
2– إن قياسكم إجارة الحصة الشائعة لأجنبي على بيع المبيع قبل قبضه، فهو قياس غير مسلم به لأنه قياس مع الفارق، وذلك لأن المبيع قبل قبضه لا يصح التصرف فيه بالبيع أو بالإجارة أو بالهبة لعدم قبضه، أما إجارة الحصة الشائعة فهي في حيازة صاحبها ومالكها ولذا جاز بيعها فكذا يصح إجارتها لأنها أيضاً في حيازة وملك صاحبها ومالكها، فلِمَ تجيزون بيعها وتمنعون إجارتها؟ فالقائل ببيعها لابد أن يقول بإجارتها إذا لا يوجد ما يمنع من تأجيرها لأجنبي، هذا فضلاً على أنكم قلتم بجواز إجارتها للشريك فقولكم هذا يدل على أحقية مالكها بالتصرف فيها بتأجيرها للشريك أو لأجنبي( ).
ثانياً– مناقشة أدلة القائلين بالجواز:
ناقش المانعون من إجارة الحصة الشائعة لأجنبي أدلة القائلين بجواز ذلك بما يلي:
إن استدلالكم بالحديث على أنه عام لم يفرق بين مشاع وغير مشاع مما يدل على صحة تأجير الحصة الشائعة لأجنبي غير مسلم به وذلك لأنكم قمتم بتعميم الأمر بما تريدون إثبات صحته فقد طوعتم الحديث ليكون حجة على دعوى لم يستند التعميم فيها على قرينة ترجحه( ).
ويجاب عن ذلك: إن قولكم أنا طوعنا الحديث ليكون حجة لنا غير مسلم به وذلك لأن الحديث جاء عن الرسول  عاماً ويدل على ذلك قول الراوي: "وأمر بالمؤاجرة"، وأنتم منعتم من تأجير الشريك حصته لأجنبي فعليكم بالدليل الذي استندتم إليه في دعواكم تلك، فإن لم تأتوا به فكيف تريدون قصر المؤاجرة على الشريك دون الأجنبي؟ وبالتالي يبقى الحكم عاماً متناولاً الشريك والأجنبي في جواز التأجير لكليهما.
2– إن إجارة المشاع لغير الشريك أمر غير جائز وذلك لاندراج هذا الأمر تحت صور الغرر الذي جاء النهي عنه صريحاً من رسول الله  حيث ورد عن النبي  أنه نهى عن بيع الغرر( )، فكانت إجارة المشاع لأجنبي غير جائزة.
ويجاب عن ذلك: لا نسلم لكم بأن إجارة المشاع لأجنبي غرر منهي عنه وذلك لأن الغرر ما جهلت عاقبته، وأما إجارة المشاع لأجنبي فغير مجهول العاقبة وذلك لأن المؤجر يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة وقد ذكرنا أن ذلك يتم بالقسمة أو بالتخلية فكيف تقولون بإدراج صورة الإجارة هذه تحت صور الغرر المنهي عنه؟
3– إنَّ قياسكم إجارة المشاع على بيعه قياس مع الفارق، وذلك لأن المقصود من عقد الإجارة انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة وهو أمر حسي لا يتصور حدوثه بسبب المشاع ولا يتصور قدرة المؤجر على تسليم العين المؤجرة للمستأجر لكي ينتفع بها بسبب المشاع أيضاً فلا يجوز التأجير في مثل هذه الحالة لأجنبي بخلاف البيع فإن المقصود به حصول الملك وهو أمر حكمي يمكن في المشاع فيجوز حينئذٍ بيعه لأجنبي( ).
ويجاب عن ذلك : لا فرق بين إجارة المشاع وبيعه فكما جوزتم بيعه فما المانع من جواز إجارته للشريك أو لأجنبي، فكلاهما عقدان فيهما معاوضة وهي حاصلة في حالة التأجير كحصولها في حالة البيع، لأن المشاع لم يمنع من بيع الحصة الشائعة، فكذلك لا يمنع من تأجيرها، فمنعكم الإجارة بسبب المشاع لابد وأن تقولوا بها في حالة البيع فتمنعوا البيع ولمّا لمْ تقولوا بذلك فدعواكم غير صحيحة بأنَّ المشاع مانع من التأجير، وبالتالي قياسنا إجارة المشاع على بيعه صحيح.
4– إذا كان المشاع لا يمكن إجارته لأجنبي فكيف تجيزون القسمة في شيء لا يمكن العقد عليه.
كما أن الانتفاع بالعين المؤجرة عن طريق المهايأة غير مسلم به لأن الانتفاع الحاصل بالمهايأة ليس هو الانتفاع المقصود من عقد الإجارة حيث إن العقد يقتضي أن ينتفع المستأجر بالعين المؤجرة في كل المدة المتفق عليها بينه وبين المؤجر، لأن التهايؤ هو انتفاع بالكل في بعض المدة لا كلها وهذا مناقض صراحة لمقتضى عقد الإجارة الذي تم بين المتعاقدين هذا إن كانت المهايأة زمنية، أما إذا كانت مكانية فإن الانتفاع يكون بجزء من العين المؤجرة وبغيره مما لم يشمله عقد الإجارة( ).
ويجاب عن ذلك: قولكم بأن المشاع لا يمكن إجارته فقد بينا عكس ذلك فيما سبق وما دام الأمر جائزاً فالقسمة فيه تكون حاصلة وجائزة، أما الانتفاع فهو حاصل وذلك لأن المؤجر قادر على تسليم العين المؤجرة للمستأجر ولم يمنعه المشاع من ذلك فيحصل بذلك الانتفاع.
الترجيح: بعد ذكر أدلة كل مذهب ومناقشة تلك الأدلة يظهر لي رجحان مذهب الجمهور القائلين بجواز تأجير الشريك حصته الشائعة لأجنبي للآتي:
1– قوة أدلتهم في مقابل أدلة المانعين والتي لم تسلم من المناقشة، بل ومناقشة المانعين لأدلة الجمهور رُد عليها مما ضعفها وأظهر في المقابل قوة أدلة الجمهور.
2– يتفق هذا الرأي وهو جواز تأجير الشريك لحصته الشائعة – لأجنبي مع حرية الشخص في التصرف فيما يملكه، طالما أن هذا الشخص لم يقم به أي مانع يمنعه من ذلك التصرف.
3– إن هذا القول يتفق مع التكييف الصحيح لحق الشريك على الشيوع من أنه حق ملكية.
4– إن الشريك إذا علم بأن حصة شريكه لا يستطيع شريكه أن يتصرف فيها لأنها ممنوعة على غيره فيجعله ذلك أكثر استغلالاً لهذه الحصة إذا ما أراد شراءها فيبخس ثمنها، وهذا فيه ظلم بيّن وواضح يلحق بالشريك وفيه تعدٍ على حقوقه وهذا أمر يتنافى مع ما تقره الشريعة ولا يقبله الطبع السليم.
المبحث الرابع
تأجير الشريك في الشيوع لكل المال الشائع
بدون موافقة بقية الشركاء
اختلف الفقهاء في حكم قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع دون الحصول على إذن مسبق من بقية الشركاء، واختلافهم ذلك مبني على اختلافهم في حكم بيع مال الغير بغير إذنه( )، وسأقوم فيما يلي ببيان مذاهبهم في ذلك.
أولاً– مذهب الحنفية:
عند قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع بدون إذن بقية الشركاء فرق الحنفية بين حالتين:
الأولى: في حالة قيام الشريك بذلك التصرف لحساب نفسه دون النظر إلى بقية الشركاء ودون أن يعود عليهم شيء من المقابل الذي أخذه الشريك من ذلك العقد الذي تولى إبرامه بنفسه لنفسه.
الثانية: في حالة قيامه بتأجير كل المال الشائع ولكن يكون قد أجر حصته لحساب نفسه وحصص الشركاء قد أجرها لحسابهم.
الحالة الأولى: تأجير الشريك لكل المال الشائع لحساب نفسه: وذلك يكون في حالة قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع للمستأجر ويأخذ الأجرة لنفسه، فحكمه في هذه الحالة كحكم الغاصب، وحكم الغاصب أنه لا يجب عليه الأجر للمالك، وذلك لكون الغصب( ) غير مضمون على الغاصب، يستوي في ذلك أن يكون الغاصب قد استوفاها بنفسه أو عطلها أو استغلها بأي وجه من وجوه الاستغلال ولو بالإجارة من غيره فتكون الغلة للغاصب لكون المنافع لا تتقوم بالعقد عند الحنفية، ومع ذلك فقد أجازوا الضمان في ثلاث مسائل استحساناً وهي: إذا كان المغصوب وقفاً أو ليتيم أو معداً للاستغلال( )، ففي هذه الحالات يجب على الغاصب تسليم الأجرة التي قبضها من المستأجر للشريك أو لبقية الشركاء( ).
وبناءً على ما سبق فلا تقوم علاقة بين المستأجر من الغاصب – أي الفضولي – وبين بقية الشركاء، بل يكون الأجر للعاقد، وهي المسمى في العقد لا أجر المثل، ويقوم بالتالي برد نصيب بقية الشركاء.
الحالة الثانية– أن يقوم الشريك بتأجير كل المال الشائع : ولكن يكون مؤجراً لحصته باسم نفسه، ومؤجراً الباقي لحساب بقية الشركاء، ففي هذه الحالة إن أجاز الشركاء تأجير الشريك لكل المال الشائع في أول المدة وقبل قيامه بتسليم المال الشائع للمستأجر فأجرة حصص بقية الشركاء تكون لهم، أما إذا وقعت الإجازة منهم بعد التسليم وفي أثناء مدة الإجارة وقبل انتهائها فيرى أبو يوسف – يرحمه الله – أنه يحق لبقية الشركاء أن يطالبوا بما يخصهم من الأجرة مقابل حصصهم بالنسبة لما مضى من المدة وبالنسبة لما تبقى منها.
بينما يرى محمد – يرحمه الله – أن الشريك المؤجر يستحق الأجرة كلها عن المدة الماضية والتي سبقت الإجازة، أما أجرة المدة المتبقية فتكون للشركاء بنسبة ما يخصهم من الحصص( ).
وينبغي ملاحظة أنه لا تنشأ أي علاقة مباشرة بين المستأجر وبقية الشركاء لأنه بعد الإجازة يُعد الشريك الذي قام بالتأجير دون إذن بقية الشركاء وكيلاً عنهم، وبالتالي تكون العلاقة بين الشركاء وذلك الشريك – الذي أقدم على التأجير – أولاً، ثم تنشأ علاقة بين ذلك الشريك والمستأجر الذي أبرم معه عقد الإجارة وذلك عملاً بأحكام الوكالة، لأن الإجارة اللاحقة كالوكالة السابقة.
ثانياً– مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى القول بأنه لا يجوز للشريك أن يقوم بتأجير كل المال الشائع بدون إذن من بقية الشركاء، فإنْ أقدم مع الشريك على تأجير كل المال الشائع فما حكم هذا التصرف؟
يرى المالكية بأن هذا التأجير يقع صحيحاً في حصة الشريك الذي قام بالتأجير بينما لا ينفذ ذلك التأجير في حصص بقية الشركاء، وبناءً على ذلك من حق المستأجر المطالبة بفسخ العقد بناءً على تفريق الصفقة، هذا في حالة عدم علم المستأجر بأن الشريك المؤجر يؤجر ملكه وملك غيره( ). وقد أجاز المالكية بيع الفضولي وعليه يُقاس تصرف الشريك بالتأجير دون الرجوع إلى بقية الشركاء، فيكون ذلك التأجير صحيحاً موقوفاً على إجازة بقية الشركاء، هذا في حالة عدم تسليم العين المؤجرة للمستأجر، فإذا تم ذلك وسلمت العين المؤجرة كلها إلى المستأجر فمن حـق

باقي الشركاء الرجوع على المؤجر كلٌ بقدر حصته من الأجرة( ).
وفي كلتا الحالتين – أي في حالة إجازة الشركاء لما قام به ذلك الشريك أو رجوعهم بالأجرة على ذلك الشريك – لا تكون هناك علاقة مباشرة بين المستأجر وبقية الشركاء، وإنما تكون العلاقة منحصرة فقط بين الشريك المؤجر وبين المستأجر وتطبق أحكام الوكالة في هذا الصدد بناءً على أن الإجارة اللاحقة كالوكالة السابقة( ).
ثالثاً– مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى القول بأن تأجير الشريك لكل المال الشائع يُعد صحيحاً بالنسبة لحصته في الأظهر عندهم، أما بالنسبة لحكم باقي حصص الشركاء فلا يحق له التصرف فيها بدون إذن، هذا على اعتبار أن الشريك في الشيوع عند الشافعية يُعد أجنبياً عن حصص باقي الشركاء، كذلك يعدون تصرف الشريك بدون إذن الشركاء تصرفاً في ملك الغير الذي لهم في حكمه قولان : أحدهما بالتوقف وذلك في المذهب الجديد، وقول في القديم بالتوقف على إذن المالك أو من له حق الإجازة.
هذا إذا كان الشريك عاملاً لحساب بقية الشركاء، إما إذا كان عاملاً لنفسه فإنه يكون غاصباً ويطبق عليه أحكام الغصب، ويجب عليه أجرة المثل بالغاً ما بلغ لبقية الشركاء بقدر حصصهم.
وعلى القول القائل بالتوقف فإن الشريك المؤجر تطبق عليه أحكام الفضولي، ويكون كالوكيل بعد الإجازة، وتكون العلاقة بين المستأجر والمؤجر علاقة مباشرة، أما علاقة المستأجر ببقية الشركاء فتكون علاقة غير مباشرة في إحدى الروايتين عندهم.
رابعاً– مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى القول بأن تأجير الشريك لكل المال الشائع بدون إذن بقية الشركاء غير جائز عندهم.
وقد عللوا ذلك بأن الشريك المؤجر لا يتمكن من تسليم العين المؤجرة للمستأجر، ولو سلمنا قدرته على التسليم وسلم العين المؤجرة للمستأجر فإن تصرفه يعد كتصرف الغاصب، وحكم تصرف الغاصب في الشيء المغصوب يعد باطلاً قياساً على بيع الغاصب للشيء المغصوب في إحدى الروايتين عنهم، ومن هنا يحق لبقية الشركاء أن يرجعوا على الشريك المؤجر، أو المستأجر بأجرة المثل.
وفي رواية أخرى عندهم أن تصرفات الغاصب تعد صحيحة موقوفة على إجازة المالك بشرط أن تكون تلك التصرفات نافعة مفيدة له.
هذا في حالة عدم تسليم الشريك المؤجر العين المؤجرة للمستأجر، أما إذا تم ذلك، فالأصح عندهم أن هذا العقد يعد نافذاً في حق بقية الشركاء وذلك لأن القول ببطلان عقد الإجارة وعدم نفاذه يعد إضراراً بيناً بهم وسبب ذلك أن الأجرة لن تكون من حقهم وذلك قياساً على ملك الغير.
الخلاصة: بعد أن قمت بإيراد مذاهب الفقهاء في حكم تأجير الشريك لكل المال الشائع دون الرجوع إلى بقية الشركاء ليأذنوا له بذلك التصرف يتبين لي بأن فقهاء الأحناف المالكية والشافعية والحنابلة متفقون على عدم صحة ذلك التصرف لعدم الإذن بالقيام به من بقية الشركاء، فنجد أن الأحناف في حالة قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع لحساب نفسه، اعتبروا مثل ذلك التصرف تصرفاً صادراً عن شخص غاصب متعدي على حقوق الآخرين وهم بقية شركائه، واتفق معهم على ذلك الحكم الشافعية والحنابلة. كما نلحظ أن فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة قاسوا قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع بدون إذن وموافقة بقية الشركاء على من باع ملك الغير بدون إذنه، وأما بخصوص علاقة بقية الشركاء بالمستأجر، فالحنفية والمالكية والشافعية يرون أنه لا تنشأ علاقة مباشرة بين بقية الشركاء والمستأجر، وإنما العلاقة تنشأ بين المستأجر وبين الشريك المؤجر فقط.
أما من حيث استحقاق الأجرة فنجد أن الحنفية قد اختلفوا فيما بينهم فأبو يوسف – يرحمه الله– يرى بأن لبقية الشركاء الحق فيما يخصهم من الأجرة مقابل حصصهم بالنسبة لما مضى من المدة ولما تبقى منها هذا في حالة إجازتهم عقد الإجارة بعد التسليم وفي أثناء المدة وقبل انتهائها، أما محمد – يرحمه الله – فيرى أن الشريك المؤجر يستحق الأجرة عن المدة الماضية التي سبقت إجازة بقية الشركاء لعقد الإجارة وعن المدة المتبقية لانتهاء ذلك العقد، وأما بقية الشركاء فلهم الحق فقط في الأجرة عن المدة المتبقية التي تلت الإجازة لعقد الإجارة، وهذا يُعد من وجهة نظري ضرر ببقية الشركاء، وذلك لأنه ليس هناك أي وجه حق في إنفراد الشريك المؤجر بالأجرة كاملة لنفسه عن المدة التي سبقت إجازة الشركاء لعقد الإجارة، وذلك لأنها ليست من حقه فقط بل يشترك معه فيها بقية شركائه وذلك لأنها تُعد ثمرة للعقد الذي أُبرم على كل الملك المشترك وما دام أنهم شركاء في الملك فهم شركاء في الأجرة كلها سواء عن المدة التي سبقت إجازتهم للعقد أم عن المدة المتبقية لعقد الإجارة.
أما المالكية فقد أجازوا للشركاء الرجوع على المؤجر كل بقدر حصته من الأجرة، والشافعية يرون أن للشركاء الحق في الرجوع على الشريك المؤجر بحقهم في الأجرة - وهي أجرة المثل– بالغة ما بلغت في حالة أن يقوم الشريك المؤجر بتأجير المال الشائع لحساب نفسه وهذا ما يراه أيضاً فقهاء الحنابلة.
الخاتمـــة
بعد أن وفقني الله عز وجل وانتهيت من هذا البحث خلصت إلى نتائج منها:
1– في الملكية الشائعة يكون كل جزءٍ من المال الشائع مشتركاً بين كل الشركاء مهما صغر أو كبر ذلك الجزء.
2– لا يحق لأحد من الشركاء أن ينفرد بالتصرف في أي جزءٍ من المال الشائع إلا بعد أن يأذن له بقية الشركاء وذلك لتعلق حق كل واحد منهم بذلك المال الشائع، وأي تصرفٍ يصدر من الشريك بدون الإذن المسبق من بقية الشركاء لا يُعتد به إلا إذا أجازه هؤلاء الشركاء.
3– ملكية الشريك لحصته الشائعة تعد ملكية تامة ولكنها مقيدة بعدم حريته في التصرف فيها لاستمرار الشيوع، وتعلق ملكيته لحصته الشائعة بملك غيره من شركائه في ذلك المال الشائع.
4– مصادر الشيوع في الفقه الإسلامي قد تكون مصادر اختيارية كالبيع والشراء وقد تكون اضطرارية مثل الميراث.
5– اتفق الفقهاء على جواز تأجير الشريك لحصته الشائعة لشريكه في المال الشائع وذلك لتمكن الشريك المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة.
6– جواز قيام الشريك بتأجير حصته الشائعة لأجنبي – على حسب رأي جمهور الفقهاء – وهذا الرأي يتفق مع حرية المالك في التصرف فيما يملكه وخاصة إذا لم يلحق ضرراً ببقية الشركاء.
7– في حالة قيام الشريك بتأجير كل المال الشائع بدون إذن بقية الشركاء فإنْ أجازوا هذا العقد فإنَّ العقد يكون جائزاً وذلك لأن صحته تكون موقوفة على تلك الإجازة وذلك قياساً على بيع الفضولي الذي باع ملك الغير بدون إذنه.
8– يستحق بقية الشركاء الرجوع على المؤجر-في حالة إجازتهم لعقد الإجارة- بحقهم في الأجرة وذلك لأن هذه الأجرة ثمرة مترتبة على التصرف فيما يملكونه بتأجيره.
9– لا تنشأ علاقة مباشرة بين المستأجر وبقية الشركاء وإنما تنشأ العلاقة فقط بينه وبين الشريك المؤجر.


المصادر والمراجع

1- أسنى المطالب شرح روض الطالب: لخاتمة الأئمة المحققين زين الملة والدين أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي وبهامشه حاشية الرملي، الناشر المكتبة الإسلامية.
2- الأشباه والنظائر: لزين العابدين بن إبراهيم بن نجيم المصري، المطبعة الحسينية المصرية.
3- الأم: للإمام محمد بن إدريس الشافعي، طبعة الشعب.
4- بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لمحمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، طبعة المكتبة التجارية الكبرى.
5- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، طبعة دار الكتاب العربي، 1402هـ.
6- البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمد بن أحمد العيني، الطبعة الأولى، دار الفكر.
7- التاج والإكليل لمختصر خليل: لأبي عبدالله بن يوسف بن أبي القاسم الشهير بالمواق بهامش مواهب الجليل للخطاب، مطابع دار الكتاب العربي.
8- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: للعلامة فخر الدين عثمان بن علي الحنفي، طبعة بولاق.
9- تكملة فتح القدير المسماة بنتائج الأفكار: لقاضي زادة، المطبعة الأميرية.
10- حاشية البجيرمي على الخطيب: للشيخ سليمان بن عمر بن محمد البجيرمي الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1996م.
11- حاشية البيجوري على شرح العلامة ابن قاسم على متن الشيخ أبي شجاع: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ/ 1994م.
12- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: للعلامة الشيخ محمد عرفة الدسوقي والشرح الكبير لأبي البركات، الشيخ أحمد الدردير بن محمد بن أحمد، طبعة دار إحياء الكتب العربية.
13- حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، المطبعة الأميرية ، بولاق.
14- حاشية الشرقاوي: للشيخ عبدالله حجازي بن إبراهيم الشافعي الأزهري على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب لأبي يحيى زكريا الأنصاري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م.
15- حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج: دار الكتب العلمية، 1416هـ/ 1996م، الطبعة الأولى.
16- حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأحمد بن يونس الشلبي، مطبوعة على تبيين الحقائق المذكور سابقاً.
17- الخرشي على مختصر خليل: لأبي عبدالله محمد الخرشي وبهامشه حاشية العدوي، طبعة دار صادر، بيروت.
18- درر الحكام في شرح غرر الحكام: لمولانا منلا خسرو الحنفي وبهامشه حاشية الشرنبلالي الحنفي، طبعة القاهرة.
19- الروض المربع بشرح زاد المستقنع: للعلامة الشيخ منصور بن يونس البهوتي، الطبعة الأولى، 1423هـ/ 2002م، دار الكتب العلمية، بيروت.
20- سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام: للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني، الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربي.
21- شرح الزركشي على مختصر الخرقي: لشمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد الزركشي الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1423هـ/ 2002م..
22- شـرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: للعلامة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، مطبعة أنصار السنة المحمدية.
23- صحيح مسلم بشرح النووي. الدار الثقافة العربية، بيروت، الطبعة الأولى.
24- العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية: لمحمد بن أمين الشهير بابن عابدين، الطبعة الثانية، المطبعة الأميرية.
25- الفتاوى الأنقروية: للشيخ محمد بن الحسين، طبعة بولاق.
26- الفتاوى الهندية وبهامشها الفتاوى الخانية: لجماعة من علماء الهند، المطبعة الأميرية، بولاق.
27- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
28- القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي، مطبعة دار المأمون.
29- كشاف القناع على متن الإقناع: للشيخ منصور بن يونس البهوتي، طبعة عالم الكتب، 1983م.
30- لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن منظور المصري، طبعة دار المعارف.
31- المبدع في شرح المقنع: لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن مفلح، طبعة المكتب الإسلامي.
32- المبسوط : لشمس الدين السرخسي، طبعة دار المعارف، بيروت.
33- المجموع شرح المهذب: للإمام محمد الدين بن شرف النووي، دار الفكر.
34- المحلى: لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي الظاهري، طبعة دار الآفاق الجديدة، بيروت.
35- المدخل للفقه الإسلامي: للدكتور محمد سلام مدكور، طبعة دار النهضة.
36- المدونة الكبرى: للإمام مالك بن أنس، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.
37- المصباح المنير: لأحمد بن محمد بن علي الفيومي، دار المعارف.
38- المغني على الشرح الكبير: للشيخ الإمام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة المقدسي، الطبعة الثانية، مطبعة المنار.
39- مغني المحتاج: لمحمد الخطيب الشربيني، دار الفكر، بيروت.
40- الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين الوضعية: للشيخ علي الخفيف، مطبعة الجبلاوي.
41- المهذب في فقه الإمام الشافعي: لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
42- مواهب الجليل بشرح مختصر خليل: للإمام عبدالله محمد بن عبدالرحمن المعروف بالخطاب، طبعة مكتبة النجاح، طرابلس.
43- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: لشمس الدين محمد بن أحمد بن شهاب الدين الرملي المصري ومعه حاشية أبي الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملي، طبعة الحلبي.
44- الوجيز في أصول الفقه: للدكتور عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، 1417هـ/ 1996م.
أكمل قراءة الموضوع ...

أهم مزايا نظام العقوبات في الإسلام


أهم مزايا نظام العقوبات
في الإسلام







د. علي بن عبد الرحمن الحسون
أستاذ فقه العقوبات المشارك بقسم الثقافة الإسلامية
كلية التربية . جامعة الملك سعود
{
مقـــدمــــــة
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين وبعـــــد :
فإن شريعتنا الغراء جاءت في باب الجرائم وعقوباتها ــ كما هي كذلك في كل شئونها ــ بمنهج فريد لم تسبق إليه فقد قررها ربنا جلَّ علاه العالم بمكنونات النفس البشرية وخفاياها، وما تحتاج إليه ويصلح حالها، فشرعها لأهداف اجتماعية سامية وخصها وميزها بخصائص ومميزات فريدة خلت منها القوانين البشرية ، وبذلك حققت العقوبات الإسلامية الهدف المنوط بها ،وقد رأيت أن أتناول في بحثي هذه المزايا والأهداف بشيء من التفصيل والتوضيح .
أهمية البحث : وتتجلى أهمية هذا البحث في أنني سوف أبين فيه بشيء من التفصيل بعضاً من هذه المزايا والأسرار التي ينفرد بها نظام العقوبات الإسلامية عن بقية النظم الأخرى ، مع المقارنة ما أمكن بين النظام العقابي الإسلامي وبين النظم العقابية القانونية ، علماً بأنني لن أحصر جميع المزايا ، فذلك صعب المنال ، بل سأكتفي بما هو ظاهر منها ومهم .
وسأتكلم عن هذه المزايا والأسرار في مقدمة وثمانية مباحث وخاتمة على النحو التالي :
المبحث الأول :نظام العقوبات الإسلامي يتميز بكونه رباني المصدر .
المبحث الثاني : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقسيمه للجرائم والعقوبات تقسيماً فريداً .
المبحث الثالث : نظام العقوبات الإسلامي يتميز باتصاف نظمه بمصداقية الجوهر .
المبحث الرابع : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان .
المبحث الخامس : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بشعور الفرد فيه بالرقابة الإلهية والخضوع لها .
المبحث السادس : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالكمال والشمول .
المبحث السابع : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالتناسب بين العقوبات وبين طرق إثبات الجرائم في الشدة والسهولة .
المبحث الثامن : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقرير قاعدة درء الحدود بالشبهات .
الخــاتــمة : وفيها أهم النتائج المستخلصة من هذا البحث .
هذا واللهَ أسأل أن ينفع به وأن يحسن القصد إنه سميع مجيب .
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى آله وصحبه
أجمعين .


علي بن عبد الرحمن الحسون
الرياض في 25/11/1422 هـ




المبحث الأول
نظام العقوبات الإسلامي يتميز بكونه رباني المصدر

إن الشريعة الإسلامية قد جاءت من عند الله تبارك وتعالى لتصنع الأمة المسلمة وتؤسسها ، فالنظام الإسلامي هو الذي صنع الجماعة وأسسها ، وقد نزل كاملاً من عند الله تبارك وتعالى فلم يبدأ النظام ضئيلاً ثم تطور ، بل هو في طور الكمال منذ التنزُّل الأول على محمد  ، وهذا عكس ما عليه النظم البشرية حيث أن الجماعة هي التي تصنع القانون وتؤسسه ، فينشأ القانون في الجماعة ضئيلاً ثم يتطور نتيجة الظروف والملابسات والحوادث ، فتزداد قواعده وتنمو وتتطور بنمو الجماعة وتطورها . وهذا عكس ما ينبغي أن يكون الأمر في صناعة الأمم حيث يجب أن يكون النظام تاماً قبل أن يصنعها , كما هي الحال في النظم الإسلامية ( ) .
ثم إذا نظرنا إلى ما نحن فيه وهو نظام العقوبات في الإسلام وجدناه كغيره من نظم الإسلام حيث يمتاز بأنه جاء من عند الله الذي خلق الكون كله ، والذي له الإحاطة التامة والعلم المطلق الذي يعلم حقيقة الكائن الإنساني والحاجات الإنسانية ، وصفاته المتعددة ، ومصالحه ومضاره الحقيقية ، ويعلم ما يُصلِح أموره في حد ذاته ، وفي علاقاته مع الآخرين ، ويعلم حقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ، والنواميس التي تحكمه ، وتحكم الكائن الإنساني ، { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ( ) .
وعلى هذا فأسس العقوبات الشرعية ومبادئها وكثير من أحكامها الجزئية تستند مباشرة إلى الوحي بنوعيه القرآن والسنة ، حيث نص القرآن والسنة على ذلك جملة وتفصيلاً .
كما أن هناك جزءًا آخر من العقوبات الشرعية يستند إلى طرق الاجتهاد والاستنباط ، وهي مع ذلك شرعية لأنها تستمد شرعيتها من كون أصولها في الكتاب والسنة , حيث نص القرآن الكريم و السنة المطهرة على الأصول والمبادئ العامة لها وعلى كثير من جزئياتها الثابتة، ثم تركا باقي التفصيلات القابلة للتغيير ليراعي فيها المجتهدون ظروف وملابسات الحياة المتجددة .
وعلى ذلك فإن النظم العقابية الإسلامية كغيرها من النظم الإسلامية صادقة المصدر لا تحتمل الكذب أو الشك فيها لأنها من عند الله تبارك وتعالى .
هذا وإن لهذه الميزة أعني ( ربانية المصدر ) عدة ثمار من أهمها :

الثمرة الأولى :العلو والرفعة والسمو :
لم تكن الشريعة الإسلامية قواعد قليلة ثم كثرت ولا مبادئ متفرقة ثم جمعت ، ولم تولد الشريعة طفلة مع الجماعة ثم كبرت وتطورت ، وإنما وجدت الشريعة شابة فتية مكتملة سامية عالية جامعة مانعة لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ، فهي سامية منذ نشأتها،وذلك لأن الشريعة هي التي صنعت وأوجدت الجماعة ــ كما أسلفنا ــ فهي سابقة على الجماعة ومتقدمة عليها ، وإذا كانت الشريعة هي الصانعة والسابقة وهي سامية فلا بد أن تصنع أمة سامية كذلك ، وذلك هو شأن الأمة الإسلامية . وهذا بخلاف النظم القانونية التي وجدت بعد الجماعة وتطورت معها ، لأن الجماعة هي التي أوجدتها ، وبالتالي فستكون النظم صورة للمجتمع من صلاح أو فساد ونقص ، وسنة الله في الكون أن النقص من سمات الإنسان ، وعلى هذا فلن تكون النظم القانونية صالحة ونافعة لأنها من صنع البشر الذين سمتهم النقص والضعف ، وبالتالي فستبقى أمم القوانين ناقصة وغير صالحة حتى تأخذ بشرع الله السامي الكامل .
هذا وقد بلغت الشريعة من السمو والرفعة والعلو بحيث أن مبادئها دائماً أعلى وأسمى من مستوى الجماعة مهما تقدمت الجماعة وتطور المجتمع ، لأن فيها من المبادئ والقيم والأصول والنظريات ما يجعلها تحافظ على هذا المستوى من السمو مهما ارتفع مستوى الجماعة ، ولا غرو في ذلك فهي مِن صُنع مَن صَنع وأوجد الجماعة . ( )
والنظم العقابية في الشريعة الإسلامية هي جزء من تلك النظم الكاملة السامية الرفيعة .

الثمرة الثانية : العصمة من التناقض :
قال تبارك وتعالى :{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } ( )
فالعقوبات الشرعية نزلت من عند الله تبارك وتعالى ثم طُبقت على الواقع فلم يحصل فيها تناقض مع الواقع ولا تصادم , ذلك أن واضعها هو الله تبارك وتعال ى , فحين وضعها فإنه يعلم الماضي والحاضر والمستقبل علماً واحداً لا اختلاف فيه ، ولهذا فهو يعلم ما سوف يحصل ويكون إذا طبقت هذه العقوبات على أرض الواقع ، بحيث لا يمكن أن يحصل تناقض أو تصادم عند التطبيق ، فقد وضعها الله سبحانه وتعالى بشكل لا يحصل معه أي تناقض لعلمه المسبق لذلك .
أما البشر الذين يضعون العقوبات فإنهم يعلمون الماضي عن طريق الرواية لحوادث ماضية ، ويعلمون الحاضر عن طريق الرؤية المحدودة الضيقة ، ولكنهم يتوقعون ما سوف يكون في المستقبل توقعاً،وذلك عن طريق الحدس والتخمين .
ولذلك فإنهم يضعون العقوبات بناءً على الماضي الذي لم يشهدوه لتطبَّق هذه العقوبات في المستقبل المجهول ، فيحصل بذلك تناقض وتصادم مع الواقع بخلاف العقوبات الشرعية . وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في المبحث الثالث إن شاء الله تعالى .

الثمرة الثالثة : العدل المطلق والبراءة من التحيز :
إن الذي يتحيز ويميل إلى فئة معينة هو الذي يستفيد , ولكن واضع العقوبات هو الله سبحانه وتعالى الذي لا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي ، ولهذا فليس لله سبحانه وتعالى مصلحة في تطبيق العقوبات من عدمه، وليس له سبحانه وتعالى مصلحة في تغليب طبقة على طبقة ، لأن هؤلاء وأولئك جميعاً خلقه وعبيده ، ولهذا فإنها تطبق على أولئك البشر الذين هم خلقه وعبيده ، وهم خارجون عنه تبارك وتعالى ، فتطبق عليهم بطريقة واحدة فلا فرق بينهم في هذا التطبيق . وبذلك اتصف التشريع العقابي الإسلامي بالعدل المطلق فلا نقص فيه ولا عيب يشوبه ، وإذا وجدت عيوب في المجتمع الإسلامي فإنما هي من جراء التطبيق لا من أصل التشريع .
وعلى هذا فالنظام الإسلامي يطبَّق على جميع المجتمع لمصلحة الجميع ، ولا يجامل أحداً على حساب أحد ، فالجميع أمام النظام الإسلامي سواء ( ) . قال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ( ) ، وقال الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} ( ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَة } ( ) .
أما العقوبات التي يضعها البشر فإن واضعها الإنسان ،ذلك الكائن المخلوق من الضعف ، وإذا كان بهذه الصفة فلا يمكن أن ينجو من التحيز والميل ، ذلك أن له مصلحة في هذا التحيز ، حيث أنه فرد من الأفراد الذين يمكن أن يطبق عليهم هذا النظام في يوم من الأيام ، لذلك فإنه يضع نفسه في الحسبان وإن لم يقصد ذلك ، فقد لا يفعله من سوء قصد ، ولكنه يفعله لا شعورياً ومن حيث لا يدري ، وبهذا لا يسلم من التحيز والميل لفئة معينة أو طبقة خاصة أو فرد من الأفراد . فالقانون دائماً عرضة لتقلبات الحال بين الغالبين والمغلوبين ، وفي الغالب فإن القوانين تضعها الطبقة الأقوى لحماية مصالحها . ( )










المبحث الثاني
نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقسيمه للجرائم والعقوبات تقسيماً فريداً
لقد انفردت الشريعة الإسلامية الغرَّاء في باب الجرائم وعقوباتها ــ كما هي كذلك في كل شئونها ــ بمنهج لم تسبق إليه حيث جعلت العقوبة على الجرائم متدرجة في الشدة والسهولة بقدر ما يحصل من اعتداء على مصالح العباد الخاصة والعامة .
فإذا كانت الجريمة من النوع الذي يؤثر تأثيراً خطيراً على أمن الجماعة وقد يؤثر على الأفراد فإن عقوبتها مقدَّرة ولازمة فلا يجوز التساهل بها بل يجب تنفيذها .
وهذه هي ما تسمى بجرائم الحدود وعقوباتها .
وإذا كانت الجريمة من النوع الذي يؤثِّر تأثيراً خطيراً ومباشراً على الفرد أولاً ثم على الجماعة ثانياً فإن عقوبتها كذلك مقدرة ولكن لما كان ضررها حاصلاً على الفرد أكثر منه على الجماعة فإنها ليست لازمة التنفيذ بل يجوز العفو فيها من قِبَل المجني عليه أو وليه.
وهذه هي ما تسمى بالجناية الموجبة للقصاص .
وإذا كانت الجريمة خطرها أقل سواء كانت منافية لمصلحة الجماعة أو لمصلحة الفرد فإنها تختلف عن النوعين السابقين من ناحية تحديد عقوبتها ومن ناحية تنفيذ تلك العقوبة ، فليس لها عقوبة مقدرة ، بل هي متروكة لاجتهاد ولي الأمر حسب ما تقتضيه مصلحة الجماعة وما يلائم ظروف الجريمة والجاني .
وهذه هي ما يطلق عليها جرائم التعزير وعقوباتها .
إذاً فالجرائم والعقوبات في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي :
1- الجرائم المعاقب عليها بالحد .
2- الجرائم المعاقب عليها بالقصاص .
3- الجرائم المعاقب عليها بالتعزير ( ).
وهذا بخلاف ما عليه النظم القانونية التي تقسِّم الجرائم إلى جنايات وجُنح ومخالفات ، ويكون الأساس في ذلك التقسيم راجع إلى مدى جسامة العقوبة ذاتها ، دون النظر إلى تأثيرها على الصالح العام أو الخاص ( ) ، وهذا يعد خللاً في تقسيم الجرائم والعقوبات لأن بناء التقسيم على مدى الجسامة دون النظر إلى نوع المصلحة المراد تحقيقها يفضي إلى الخلط بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة ، وهذا لا ينبغي ولا يجوز لاختلافهما في أمور كثيرة مثل المراعاة في التخفيف من عدمه باختلاف الزمان والمكان والأشخاص ومثل السقوط بالعفو أو السقوط بالتوبة وغير ذلك .









المبحث الثالث
نظام العقوبات الإسلامي يتميز باتصاف نظمه بمصداقية الجوهر
إن النظم بصفة عامة توضع اليوم لتطبق غداً ، فلا تطبق بأثر رجعي ولا ساعة صياغة النظام وإنما تطبق بعده أي أن تطبقها يكون في المستقبل ، وهذا بالنسبة للتشريعات الإسلامية أمر ظاهر ولا يؤدي إلى أي تناقض ، لأن واضعها هو الله تبارك وتعالى ، والله تبارك وتعالى محيط علمه بكل شيء فيعلم ما كان وما يكون وما سوف يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، فهو جل شأنه يعلم الماضي والحاضر والمستقبل برؤية واحدة ظاهرة لا خفاء فيها لأنه الخالق لهذا كله ، ولذلك تتصف النظم التي يفرضها سبحانه وتعالى بالمصداقية الحقة ،لأن واضعها يعلم كيف سيكون تطبيقها في المستقبل إلى قيام الساعة ، وهذا هو ما جعل النصوص الشرعية لا تتبدل ولا تتغير مع مرور الزمن ، بل هي تطبق في كل وقت وتبقى على ما كانت عليه منذ نزول الوحي على سيدنا محمد  إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة . قال تعالى: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا }( ) .
وهذا عكس ما عليه النظم البشرية ، حيث أننا نجد أن النظم التي يضعها البشر قاصرة وغير صادقة الذات دائماً ،لأن البشر لا يحيطون بعلم الماضي والحاضر والمستقبل على السواء ، بل إنهم يعلمون الماضي عن طريق الرواية ، وغالباً ما تكون رواية تاريخية غير موثقة ، كما أنهم يعلمون الحاضر عن طريق المشاهدة المحدودة القاصرة ،أما معرفتهم بالمستقبل فإنما تكون عن طريق الحدس والتوقع والتخمين .
وعلى هذا فإنهم إذا سنوا نظماً وقوانين فإنما يسنونها لتطبق في الجانب الخفي عليهم وهو المستقبل ، ولهذا لا تتصف بالمصداقية الحقة ، لأنها في الغالب تتصادم مع الواقع عند التطبيق ، مما جعل النظم تحتاج إلى التغيير والتبديل من وقت لآخر ،حيث يُسَنُّ القانون اليوم ثم يبدأ تطبيقه بعد سريانه من حين إعلانه على الملأ ، ثم بعد ذلك تبدأ المشادَّة بين نصوص القانون وبين الواقع ، حيث تحدُث للناس أقضية يعجز القانون عن ملاحقتها، فيضطر شُّرَّاح القانون ومفسروه إلى التفسيرات والتأويلات المختلفة ، ثم في الأخير يضطرون إلى تغيير القانون جذرياً ، وهكذا لا تدوم النصوص القانونية طويلاً بل تتبدل وتتغير من حين لآخر .
















المبحث الرابع
نظام العقوبات الإسلامي يتميز باتصافه بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان

إن محمداً  خاتم الأنبياء والمرسلين، وكذلك فإن الإسلام خاتم الأديان ، فهو دين خالد لا يؤثر فيه تعاقب الأزمان ولا تبدُّل الأجيال والأمم ، ودين هذه صفته وطبيعته فإنه عندما يصدر تشريعاته لابد أن يضع في حسبانه التغير والتطور اللذينِ جعلهما الله تبارك وتعالى من سمات هذه الحياة الدنيا ، حيث وضع للبشر تشريعاً لا يعيبه تغير الزمان وتبدل المكان وتطور الأشخاص، ولذلك فإن الإسلام لم ينتهج ما نهجته الشرائع السابقة بسرد الأحكام جملة وتفصيلاً ، بل جاءت الأحكام الإسلامية مفصلة فيما لا يتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص كالأمور العقدية والتعبدية المحضة وكالفرائض وأمور الأسرة وكجرائم الحدود والقصاص والدية وغيرها ، ثم إن هناك أحكاماً أخرى جاء الشرع فيها بالأحكام والقواعد العامة لها وببعض جزئياتها وترك كثيراً من التفصيلات فيها لأولي الأمر المجتهدين الذين يَدْرُسون هذه الأحكام من واقع المجتمع والزمان والمكان التي يعيشون فيها مراعاة لتبدل الحياة وتجددها بحيث يستطيعون أن يصدروا أحكاماً جديدة للحوادث المتجددة ، فلا يمكن أن يفلت المجرمون مهما تفننوا في وسائل الإجرام ( ).
ولذلك فإننا نقول ( ): إن العقوبات الإسلامية تتسم بالثبات والاستقرار والاستمرار ، فهي لكل وقت وزمن ولكل عصر ومصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فعقوبات الحدود والقصاص والدية غير قابلة للتغيير والتبديل والزيادة والنقصان ، لأن الله تبارك وتعالى وضعها على سبيل الدوام والاستقرار والاستمرار ، فما على القاضي إلا أن ينفذها متى ما ثبتت الجريمة ، وأما عقوبات التعزير فهي بصفة عامة قابلة للتغيير والتبديل ، ومع ذلك فإن هذا التغيير خاضع لقواعد شرعية ثابتة ومصالح عامة معتبرة ، تكفل له الاستمرار والاستقرار ، فالنظام العقابي الإسلامي بصفة عامة ثابت ومستقر ، فهو لكل زمان ومكان ولكل عصر ومصر ، حيث إنه غير قابل للتبديل بتغير الزمان والمكان ، لأنه من عند الله اللطيف الخبير الذي يعلم الغيب والشهادة ولـه الإحاطة الكاملة بكل شيء، فالعقوبات الشرعية قد شرعت لحماية المصالح الحقيقية الثابتة والفضائل والقيم والآداب السامية ،ولمقاومة الرذائل والمفاسد ، وقد أجمعت كل الشرائع على مر العصور على ضرورة المحافظة على تلك المصالح والفضائل ، ثم إن المصالح والفضائل في وقت مَّا هي المصالح والفضائل دائماً ، فالحق حقّ دائماً والخبيث خبيث دائماً في كل زمان ومكان.
وفي وضْع الشارع الحكيم للعقوبات وأحكامها على الثبات والدوام رحمةٌ بالبشرية وحمايةٌ لميزان العدالة ، فلو لم تتصف بالاستقرار والدوام لأدى ذلك إلى زعزعة العقول واضطراب أفكار الناس ومناهج حياتهم واهتزاز ميزان العدالة ، ونحن اليوم نلمسه ونرى آثاره في القوانين الوضعية التي أخذ بها أغلب البشر اليوم معرضين عن الشريعة الإسلامية .






المبحث الخامس
نظام العقوبات الإسلامي يتميز بشعور الفرد فيه بالرقابة الإلهية
دين الإسلام مبني أساساً على الإيمان والعقيدة ، فلا يصير الإنسان مسلماً حقاً إلا إذا آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، أما إذا أسلم الإنسان ظاهراً ولم يؤمن باطناً فإنه لا يسمى مسلماً حقاً بل هو كافر منافق .
فإذا آمن الإنسان وأذعن لربه فإن من مستلزمات هذا الإيمان أن يذعن لجميع أوامر الشرع الشريف بما في ذلك ترك المحرمات ، لأنه يعلم يقيناً أن الله يراقبه وأنه إن نجا من رقابة البشر فإنه لا يغيب عن رقابة رب البشر .
وبناءاً على ذلك فإن إسناد العقوبات الشرعية إلى رقابة الله تبارك وتعالى الذي يعلم الغيب والشهادة ويطلع على الظواهر والسرائر ، وارتباط الابتعاد عن الجرائم بالإيمان حيث قال تعالى في النهي عن ارتكاب جريمة القذف : { يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( ) وارتباطها بالعقوبة الأخروية حيث يقول الله تبارك وتعالى في جريمة القتل : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدًَ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}( ) ــ كل هذا يضفي على النظام العقابي الإسلامي صبغة دينية ويكسبه احتراماً وقدسية في نفس المسلم ،ويجعله جزءاً من شريعته وعقيدته ووجدانه الديني ، ويجعل المسلم يشعر بالرقابة الإلهية في السر والعلن ، فيندفع إلى الالتزام بأمر الله والوقوف عند حدوده ، ليس مخافة من سلطة الدولة وأجهزة الرقابة للقوة الحاكمة فحسب ، بل لأجل الرقابة الإلهية التي لا يغيب عنها شيء ( ).
فالإنسان السوي في الإسلام لا يقترف الجريمة وإن كان بعيداً عن أنظار الناس ورقابة الدولة ، فالشعور بالمراقبة الإلهية التي حددت الجرائم وفرضت العقوبات عليها دافع قوي إلى الوقوف عند حدود الله ، ولـه أثر بالغ في منع وقوع الجرائم . وهذا الأمر تخلو منه القوانين الوضعية ، فأجهزة الرقابة لأي سلطة ودولة مهما تطورت وبلغت من الدقة واليقظة لا تستطيع الإحاطة بكل ما يقع من الجرائم ، فهي وحدها لا تكفي في منع وقوع الجرائم .
وإذا ارتكب المسلم جريمة بحكم غلبة النفس الأمارة بالسوء وطروء حالات الضعف عليه ، ووقع في قبضة السلطة وأجهزة الرقابة فإنه يستجيب لدواعي العقاب ، ولا يحاول أن يفلت من سلطة الدولة وقبضتها بالتحايل والإنكار ، بل يستجيب للعقوبة المقررة في الغالب عن قناعة ورضى ، لأنه يؤمن بارتباطه بالوحي وبإيمانه وبعقيدته ووجدانه الديني .
وحتى إذا لم يقع في أيدي سلطة الدولة وأجهزة الرقابة بها فإنه بحكم شعوره بالرقابة الإلهية فإنه يشعر بالذنب ، حيث توقظه النفس اللوامة ، فيخاف عقاب الله تبارك وتعالى وبطشه في أي لحظة ، وهو وإن نجا من عقاب الله له في الدنيا فإنه يعلم يقيناً أنه لن ينجو من عقابه في الآخرة ، ولذلك فإننا نجد مقترفي الجرائم في كثير من الأحيان يقدِّمون أنفسهم أمام القضاء الشرعي معترفين بذنوبهم ومصرين على توقيع العقوبة عليهم رغبة منهم في التكفير عن ذنوبهم والتطهير من جرائمهم في الدنيا حتى يلقوا ربه وهم في كامل الطهر والنقاء من أدران الذنوب .
ونجد في تاريخنا الإسلامي أمثلة رائعة من أولئك الذين ارتكبوا بعض الجرائم ثم جاؤوا إلى النبي  معترفين بذنوبهم وأصُّروا على توقيع العقوبة الشرعية عليهم ، علماً بأنها من أقسى العقوبات وأشدها .
من ذلك قصة ماعز الأسلمي رضي الله تعالى عنه الذي جاء إلى النبي  واعترف باقترافه جريمة الزنا ثم أصر على توقيع العقوبة عليه فرجمه النبي  ( ).
وكذلك قصة الغامدية رضي الله تعالى عنها التي اعترفت بالزنا ثم ردَّها النبي  حتى أصرت على اعترافها فرُجمت ( ).
وهذه الأمثلة الرائعة معجزة للنظام العقابي الإسلامي لا تستطيع أية أنظمة وضعية أن تدانيها مهما ارتفعت وبلغت من السمو والدقة في التشريع ، وأين هذه الصور القيمة من مجرمي العصر العتاة الذين يرتكبون أنواعاً من الجرائم البشعة ثم يتفننون في أساليب التهرب والتحايل على القانون ، حتى أنهم لا يترددون في اتهام الأبرياء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً دون حياء أو حساب من ضمير .
ختاماً أقول : إن هذه الأمثلة الرائعة التي ذكرتها لا تعني أن المسلمين كلهم على مستوى واحد من الإيمان والتقوى والرقابة الذاتية ، بل إنهم مختلفون في ذلك ، ولكن ما ذكرناه هو الأصل والغالب إذا كان شرع الله هو السائد والمطبق ، ولهذا شرعت العقوبات الإسلامية لمن فسد طبعه فلم يكترث بالنصوص الشرعية من الأوامر والنواهي التي أنزلها الله تبارك وتعالى رحمة للعالمين .










المبحث السادس
نظام العقوبات الإسلامي يتميز باتصافه بالكمال والشمول
لما كان النظام العقابي الإسلامي من عند الله تبارك وتعالى فقد امتاز بالكمال والشمول ، فهو نظام كامل شامل من جميع الوجوه ، فيلبي جميع ما يحتاج إليه البشر في مجال النظام العقابي من مبادئ وقواعد وأصول وأحكام في كل عصر ومصر وفي كل وقت وحين ، ولم يولد هذا النظام طفلاً مع الجماعة الإسلامية ــ كما قدمنا ــ ثم ساير تطورها ونموها مع مرور الزمن ، وإنما نزل من عند الله تعالى متكاملاً متوازناً في فترة نزول الوحي على نبينا محمد  ، قال تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } ( ) فلا ترى فيه نقصاً ولا خللاً ولا إفراطاً ولا تفريطاً ، وسيبقى هذا النظام كاملاً شاملاً في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فالنظام العقابي في الإسلام نظام كامل شامل جامع ، يحكم كل حالة جنائية بالعقوبة مهما تجددت ، حيث لا تفلت من متناوله أي حالة جنائية ، فقد حدد الإسلام لكل جريمة تمس مصلحة الجماعة أو الأفراد مساساً ظاهراً مباشراً عقوبة معينة من حد أو قصاص ، ثم بين بقية العقوبات بإطار عام يشملها مهما تعددت وتجددت وذلك من خلال نصوص عامة مرنة بلغت من العموم والمرونة حيث تدخل تحتها جميع أنواع المعاصي والأفعال التي تمس المصالح العامة وقرر لها جملة من العقوبات وأعطى الخيار للقاضي أن يعاقب بواحدة منها مما يراه مناسباً للجريمة والمجرم والمجتمع ، وهذا ما يسمى بجرائم التعزير ( ).
وهذا الكمال والشمول لجميع منافذ الجريمة في المجتمع هو إحدى ميزات هذا النظام الإلهي ، وهو ما تخلو منه جميع القوانين الوضعية حيث تكون دائماً عرضة للتغيير والتبديل والزيادة والنقص والتطور في محاولة فاشلة لتلبية حاجات المجتمع ، فترى أن القوانين تحدد الجرائم جريمةً جريمةً وتعيِّنها واحدة واحدة تعييناً دقيقاً ، وتضع لها أركانها وخصائصها بكل دقة وتفنن وتضع لها عقوبات مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً ، ومع هذا فإنك تجد تصرفات جنائية لا تدخل تحت أي ن‍ص من نصوصها ، فهي في حاجة مستمرة إلى تطوير قوانينها وإعادة النظر فيها حتى تغطي الحالات الجديدة من الجرائم ، وأنى لها ذلك ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍. ‍‍‍



المبحث السابع
نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالتناسب بين العقوبات وبين طرق إثبات الجرائم في الشدة والسهولة
إذا كان الإسلام قد تشدد في فرض بعض العقوبات القاسية على الجرائم التي تمس مصالح العباد وضرورياتهم مساساً شديداً فهو في مقابل ذلك شدد في وسائل إثبات تلك الجرائم على الجناة ، بحيث ينعدم إمكان وقوعها على البريء ، وقد قال رسول الله  : ( إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ) ( ).
وبالمقابل فإذا كانت الجرائم من النوع الذي لا يمس مصالح العباد وضرورياتهم مساساً شديداً فإن وسائل إثبات هذا النوع تكون متناسبة معها .
فالجرائم إذاً ليست متساوية في طرق الإثبات ووسائله ، فإذا كانت الجريمة تمس مصالح الجماعة والأفراد مساساً ظاهراً فإن عقوبتها تكون شديدة ، وبالتالي يتشدد الشرع في إثبات تلك الجريمة ( ).
ونرى هذه الظاهرة واضحة في التفريق بين وسائل إثبات جرائم الحدود والقصاص وبين وسائل إثبات الجرائم التي توجب العقوبات المالية ، فلما كانت عقوبات الحدود والقصاص أشد من العقوبات المالية ــ لمساس الأولى بجسم الإنسان وحياته بينما الثانية بماله ــ شدد في وسائل إثبات جرائم الحدود والقصاص أكثر من الجرائم التي توجب العقوبات المالية .
فنجد أن الجرائم المالية المحضة ــ أعني غير السرقة والحرابة ــ تثبت بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة رجل ويمين المجني عليه ، بينما عقوبات القصاص والحدود ــ عدا الزنا ــ لا تثبت إلا بشهادة رجلين عدلين ، وأما الزنا فلا بد فيه من أربعة شهود ذكور عدول ( ).
وهذه الظاهرة ــ أعني ظاهرة التناسب بين الجريمة والعقوبة من حيث الشدة والسهولة ــ تبدو جلياً في وسائل إثبات جريمة الزنا ، فعقوبة الزنا لما كانت أشد العقوبات في صورة الرجم للزانيين المحصن والمحصنة شدد الشرع في وسائل إثبات الجريمة الموجبة لها ما لم يتشدد في إثبات أي جريمة أخرى من حد أو قصاص ، فاشترط في شهود جريمة الزنا أن يكونوا أربعة ذكور شاهدوا الجريمة بأنفسهم مشاهدة كاملة واضحة وتقدموا لأداء الشهادة في مجلس واحد ووصفوا الجريمة وصفاً دقيقاً كاملاً ، فإذا أخلوا بشرط من هذه الشروط لا تثبت الجريمة بل يقام حد القذف على الشهود ( ).
وهذه شروط إضافية في شهود جريمة الزنا لم تشترط في شهود أي جريمة أخرى ، وما ذاك إلا لشدة العقوبة ، بالرغم من أن طبيعة هذه الجريمة تقتضي وقوعها في السر والخفاء .
وكذلك نلاحظ هذا التشدد والتحري في الإقرار بالزنا الذي هو أحد وسائل إثبات الجريمة ، وذلك في قصة ماعز لما جاء إلى النبي  واعترف بالزنا رده النبي  وأعرض عنه في المرة الأولى ، ثم جاء واعترف مرة ثانية فرده وأعرض عنه إلى أن اعترف أربع مرات ، ثم التفت إليه النبي  وقال: أبك جنون ؟! فقال : لا ، قال: فهل أحصنت ؟ قال : نعم ، فقال : لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال: لا يا رسول الله ، قال : أنكحتها ؟ قال: نعم ، قال : كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟ ( ) قال: نعم ، قال: فهل تدري ما الزنا ؟ قال : نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال : فما تريد بهذا القول ؟ قال: أريد أن تطهرني ، فأمر به فرجم ( ).
وعلى هذا فنرى أن النبي  شدد في التأكد من وقوع الجريمة وتوخى الدقة ، فلم يكتفِ بالإقرار مرة واحدة ولا بالإقرار أربع مرات ، بل التفت إلى المقر بعد إقراره أربع مرات واستفسر منه عن إقراره وتأكد من وقوع الجريمة تأكداً لا يترك مجالاً للشك ، ثم أمر برجمه فرجم .
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما فاشترطوا في الإقرار بالزنا أربع مرات ، فإن نقَص عنها لم يثبت الحد ( ).
فهذا كله يدل على أن الإسلام اشترط في وسائل إثبات جريمة الزنا وشدد فيها ما لم يشترط ويشدد في دلائل إثبات أي جريمة أخرى ، وما ذلك إلا لأجل شدة العقوبة ، ولتلافي وقوعها على البريء .
ولذلك لم يوجد في التاريخ الإسلامي كله حالة واحدة ثبت فيها ارتكاب جريمة الزنا بشهادة الشهود ، فجميع الحالات التي طُبق فيها حد الزنا والتي ذكرتها كتب السنة والفقه والتاريخ لم تثبت عن طريق الشهود كرجم النبي  لماعز ( ) ورجمه للغامدية ( ) وكرجم علي بن أبي طالب لشراحة ( )، وإنما ثبتت هذه الحدود عن طريق الإقرار من الزاني بُغية تطهير نفسه من آثام الزنا ، وإرادته لقاء ربه نقياً طاهراً غير مثقل بأعباء المعصية .
وإضافة إلى هذا التشديد في طرق الإثبات فإن الإسلام فتح الطريق لإمكانية عدم توقيع العقوبة على المتهم عند عدم الجزم ، وذلك بتقرير قاعدة ( درء الحدود بالشبهات ) ، حيث لا يجوز إيقاع العقوبة مع وجود الشبهة الصالحة للدرء والإسقاط ، وسوف نبين هذه القاعدة في المبحث الثامن التالي إن شاء الله تبارك وتعالى .
وبهذا نعلم مدى حرص الإسلام على حماية المجتمع من الرذائل ، كما نعلم أنه بقدر هذا الحرص فإنه يحرص كذلك على تحري الدقة في توقيع العقوبات على مستحقيها .







المبحث الثامن
نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقرير قاعدة درء الحدود بالشبهات

قلنا في المبحث السابق إن الإسلام لما تشدد في طرق الإثبات في الجرائم الخطيرة فإنه فتح الطريق لإمكانية عدم توقيع العقوبة على المتهم عند عدم الجزم بحصول الجريمة، وذلك بتقرير قاعدة ( درء الحدود بالشبهات ) ، حيث لا يجوز أن تقام العقوبة في الحدود والقصاص مع وجود الشبهة الصالحة للدرء والإسقاط ، وسوف نبين هذه القاعدة بشيء من التفصيل هنا فنقول :
الدرء في اللغة: هو الدفع, يقال درأه يدرَؤُه د رْأً ودرأَة أي دفعه, فدرءُ الحد بمعنى دفعه وتأخيره( ).
والشبهة في اللغة:هي الالتباس, يقال شُبِّه عليه الأمر أي لُبِّس عليه حتى اختلط بغيره( ).
وأما الشبهة في الشرع:فهي (التعارض بين أدلة التحريم والتحليل) ( ).
فمعنى درء العقوبات أو الحدود بالشبهات: أي دفعها وعدم تطبيقها علي الجاني لوجود ملابسات وأمور تشكك في كون الفعل جريمة أصلاً، أوفي كونه حداً كاملاً، أو حتى في وقوعه .
وقد وردت آثار كثيرة تدل على هذه القاعدة منها المرفوع للرسول صلى الله عليه وسلم ومنها الموقوف ، وأصح ما روي فيها الأثر الموقوف على ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال : ( ادرأوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم ) ( ). والموقوف في هذا له حكم المرفوع ، ولهذا فقد اتفق أهل العلم على الأخذ بهذه القاعدة ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية ( ) ، قال ابن المنذر : ( كل من حفظت عنه من أهل العلم يدرأ الحد بالشبهة ) ( ) . ولهذا كان من مسلمات القواعد الفقهية: (درء الحدود بالشبهات).
ومجالات تطبيق هذه القاعدة هي أنها يجب اعتبارها في الحدود والقصاص ، بينما يجوز اعتبارها في التعازير ولا يجب .
أما في الحدود فإنه لما كانت هذه العقوبات شديدة ولازمة كان الاحتياط والتثبت قبل إيقاعها مفروضاً، فلايجوز إيقاعها مع وجود شبهة صالحة للدرء والإسقاط .
وأما القصاص فإنه كذلك من العقوبات المقدرة والشديدة التي ينبغي الاهتمام بالطرق التي تثبت بها الجريمة الموجبة له ، ولهذا فإن أهل العلم رحمهم الله تعالى قد ألحقوا القصاص بالحدود في السقوط بالشبهة, فقالوا: إن القصاص لا يقام مع وجود الشبهة, فحيث وجدت الشبهة امتنع القصاص وتحو ل الأمر إلى الدية( ).
وأما التعازير فإنها عقوبات غير مقدرة, فهي موكولة إلى ولى الأمر حسب المصلحة, كما أنها في الغالب عقوبات ليست من الشدة بحيث تصل إلى درجة الحدود أو القصاص ، ولذا فإن أهل العلم قد ذكروا أنها يمكن أن تقام مع وجود الشبهة( ).

انتهى البحث والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، والله تعالى أعلم . وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا
محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين .






الخـــــاتمــــــة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على رسوله الذي ختمت به الرسالات ، وبعد :
فقد خرجت من خلال بحثي هذا بالنتائج التالية :
1. أن النظام العقابي الإسلامي قد اتصف بالمصداقية التامة فهو من عند الله العليم الخبير فلا يحتمل الكذب ولا الشك ، وبهذا اكتسب السمو والعلو واكتسب العصمة من التناقض واكتسب العدل المطلق والبراءة من التحيز .
2. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بتقسيمه للجرائم والعقوبات تقسيماً فريداً ، حيث جعل العقوبة على الجرائم متدرجة في الشدة والسهولة بقدر ما يحصل من اعتداء على مصالح العباد الخاصة والعامة ، لا على أساس جسامة العقوبة ذاتها .
3. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بمصداقية الجوهر ، بحيث أن نظمه لا تتناقض مع الواقع إذا طُبقت في المستقبل .
4. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان وشخص .
5. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بقبول البشر له في الجملة ، بحيث يشعر الفرد فيه بالرقابة الإلهية فيخضع لها في الغالب.
6. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بالكمال والشمول ، فيلبي جميع ما يحتاج إليه البشر في مجال الأمن .
7. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بأنه لاحظ التناسب بين العقوبات وبين طرق إثبات الجرائم الموجبة لها من حيث الشدة والسهولة .
8. أن النظام العقابي الإسلامي يتميز بأنه قرر قاعدة ( درء الحدود بالشبهات ) ، فلا تقام الحدود ولا القصاص مع وجود الشبهة الصالحة للدرء .









فهرس المصادر والمراجع

1. القــرآن الكــريم .
2. الأحول ـ أحمد توفيق . عقوبة السارق . دار الهدى للنشر .
3. الألباني ـ محمد ناصر الدين . إرواء الغليل ، المكتب الإسلامي .
4. البخاري ـ محمد بن إسماعيل . صحيح البخاري ،طبعة 1979م المكتب الإسلامي ، تركيا .
5. البهوتي ـ منصور بن يونس . كشاف القناع عن متن الإقناع ، عالم الكتب بيروت 1403هـ.
6. البيهقي ـ أبو بكر أحمد بن الحسين . السنن الكبرى ، دار المعرفة بيروت .
7. الحجاج ـ مسلم ابن . صحيح مسلم ، طبعة 1400هـ نشر وتوزيع إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية .
8. ابن حـزم ـ أبو محمد علي . المحلى ، دار المعرفة بيروت .
9. حنبل ـ أحمد بن ،المسند ، الطبعة الثانية 1398هـ المكتب الإسلامي ودار الفكر .
10. حسني ـ محمود نجيب . شرح قانون العقوبات ، دار النهضة العربية ،القاهرة .
11. الحصكفي ـ محمد علاء الدين ، الدر المختار شرح تنوير الأبصار مطبوع مع حاشية ابن عابدين عليه. طبعة دار الفكر عام 1399هـ وهي مصورة عن الطبعة الثانية 1386هـ في مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.
12. الخرشي ـ محمد ، شرح الخرشي على مختصر خليل ، الطبعة الثانية دار الفكر ، بيروت .
13. الخطيب ـ عمر عودة . المسألة الاجتماعية . مؤسسة الرسالة .
14. أبو داود ـ سليمان بن الأشعث السجستاني ، سنن أبي داود، تحقيق عزت الدعاس ،الطبعة الأولى 1393هـ دار الحديث بيروت وحمص .
15. أبو زهرة ـ محمد . الجريمة ، دار الفكر العربي بيروت .
16. أبو زهرة ـ محمد . العقوبة ، دار الفكر العربي .
17. أبو زهرة ـ محمد . فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي ، معهد
الدراسات العربية العالمية 1963هـ .
18. الركبان ـ د . عبد الله . النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود ،مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 1401هـ .
19. ابن سورة ـ أبو عيسى محمد بن عيسى . سنن الترمذي ، مطبعة البابي الحلبي .
20. سلامة ـ د. مأمون محمد ، قانون العقوبات.دار الفكر العربي ، بيروت .
21. السيوطي ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ، الأشباه والنظائر الطبعة الأولى 1399هـ طبع دار الكتب العلمية بيروت توزيع دار الباز للنشر والتوزيع مكة المكرمة
22. الشربيني ـ محمد الخطيب ،مغني المحتاج ، دار الكتب العلمية
بيروت .
23. الشوكاني ـ محمد بن علي . نيل الأوطار ، مطبعة البابي الحلبي .
24. ابن أبي شيبة ـ أبو بكر عبد الله. المصنف في الأحاديث والآثار ،
الدار السلفية بالهند .
25. الصنعاني ـ أبو بكر عبد الرزاق . المصنف ، المكتب الإسلامي بيروت .
26. ابن عابدين ـ محمد أمين . حاشية رد المحتار ، دار الفكر 1399.
27. ابن عبد السلام السلمي ـ محمد عز الدين عبد العزيز ، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ،الطبعة الثانية 1400هـ دار الجيل بيروت.
28. العسقلاني ـ أحمد بن علي بن حجر . التلخيص الحبير ، مكتبة الكليات الأزهرية .
29. عكاز ـ فكري . فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية والقانون ، مكتبة عكاز ،.الطبعة الأولى 1402هـ
30. العوا ـ محمد سليم . في أصول النظام الجنائي الإسلامي دار المعارف
31. عودة ـ عبد القادر . التشريع الجنائي الإسلامي الطبعة الخامسة 1388هـ .
32. أبو الفتوح د. أبو المعاطي حافظ . النظام العقابي الإسلامي ، مؤسسة دار التعاون .
33. الفيروز آبادي ـ محمد بن يعقوب ، القاموس المحيط،الطبعة الثانية 1371هـ مطبعة مصطفي البابي الحلبي وأولاده بمصر. توزيع دار التعاون للنشر والتوزيع – مكة .
34. ابن قدامة ـ موفق الدين عبد الله بن أحمد . المغني ، هجر للطباعة والنشر .
35. القرطبي ـ أبو عبدالله محمد . الجامع لأحكام القرآن ، دار الكتاب العربي .
36. قطب ـ محمد . الإنسان بين المادية والإسلام . الطبعة الرابعة 1965م . بيروت .
37. الكاساني ـ علاء الدين أبو بكر بن مسعود ، بدائع الصنائع ، دار الكتاب العربي .
38. المرغيناني _ برهان الدين علي . الهداية ، دار الفكر .
39. ابن المنذر ـ أبو بكر محمد . الأوسط ، مخطوط ، حقق كتاب الحدود منه أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة . وهو مطبوع على الآلة الكاتبة في مجلدين .
40. ابن المنذر ـ أبو بكر محمد . الإجماع مطابع الدوحة بقطر .
41. منصور ـ علي علي . نظام التجريم والعقاب ، الطبعة الأولى 1396هـ .
42. ابن منظور ـ محمد بن مكرم ، لسان العرب، الطبعة الأولى بدون تاريخ دار لسان العرب بيروت لبنان .
43. ابن نجيم ـ زين الدين بن إبراهيم ، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان ، دار الكتب العلمية بيروت 1400هـ توزيع دار الباز مكة المكرمة.
44. النيسابوري ـ أبو عبد الله الحاكم . المستدرك على الصحيحين ، دار الكتاب العربي .
45. النيسابوري ـ مسلم بن الحجاج ، صحيح مسلم ، نشر وتوزيع دار الإفتاء .
46. هبة ـ أحمد . موجز أحكام الشريعة الإسلامية في التجريم والعقاب ، عالم الكتب القاهرة 1985 م .






فهرس المحتويات
الـمــــوضـــــوع الصفحة
المقـــــدمـــــة : .................................................................................................. 2
المبحث الأول : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بكونه رباني المصدر ................... 5
المبحث الثاني : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقسيمه للجرائم
والعقوبات تقسيماً فريدا ً........................................................... 12
المبحث الثالث: نظام العقوبات الإسلامي يتميز باتصاف نظمه بمصداقية
الجوهر...................................................................................... 15
المبحث الرابع : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالثبات والصلاحية لكل
زمان ومكان................................................................................ 18
المبحث الخامس : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بشعور الفرد فيه بالرقابة
الإلهية والخضوع لها ................................................................ 21
المبحث السادس نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالكمال والشمول .................... 26
المبحث السابع : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بالتناسب بين العقوبات
وبين طرق إثبات الجرائم في الشدة والسهولة ............................... 29
المبحث الثامن : نظام العقوبات الإسلامي يتميز بتقرير قاعدة درء الحدود
بالشبهات .................................................................................. 35
الخـــــاتمـــــة ....................................................................................................... 39
فهرس المصادر والمراجع .................................................................................... 41
أكمل قراءة الموضوع ...
تصميم القالب : مدونة الأحـرار