الأحد، 3 أكتوبر 2010

موانع المسئولية الجنائية القسم العام_جامعة الشارقة

الفصل السادس
موانع المسئولية الجنائية

ماهية موانع المسئولية : يقصد بموانع المسئولية الأسباب التي تفقد الشخص قدرته على التمييز او حرية الاختيار، فتجعله غير أهل لتحمل المسئولية الجنائية0 وهذه الأسباب شخصية تتصل بالجاني ولا شأن لها بالجريمة التي تبقى على اصلها من التجريم وقد حدد المشرع الاتحادي موانع المسئولية الجنائية في المواد من 60 الى 64 ع0إ وتتمثل في : الجنون او عاهة العقل ، الغيبوبة الناشئة عن سكر اضطراري وأخيرا الإكراه وحالة الضرورة0

المبحث الأول : حالات امتناع المسئولية الجنائية التي ترجع الى فقد الإدراك :
تتمثل حالات امتناع المسئولية الجنائية التي ترجع الى فقد الإدراك في : الجنون والعاهة العقلية والغيبوبة الناشئة عن تعاطي عقاقير او مواد مخدرة او مسكرة وصغر السن0

أولا - الجنون والعاهة العقلية : يتبين من نص المادة (60) ع0إ انه يلزم توافر شروط ثلاثة لامتناع مسئولية المجنون والمصاب بعاهة عقلية وهي :
ان تثبت إصابة الشخص بجنون او عاهة في العقل0 -
ان يكون فاقد الإدراك او الارداة0 -
ان يعاصر فقد الإدراك او الإرادة وقت ارتكاب الجريمة0
-
1- ان يكون المتهم مصابا بجنون او عاهة في العقل : يقصد بالجنون او عاهة العقل جميع الأمراض التي تؤثر على القوى العقلية والملكات الذهنية للفرد بحيث تؤدي الى فقد الإدراك والاختيار0 وقد ساوى المشرع الاتحادي بين الجنون وعاهة العقل حتى لا يتقيد بمدلول او مصطلح طبي محدد، فاكتفى بأثر المرض العقلي وهو فقد الإدراك او الارادة0 وعلى ذلك يندرج تحت معنى الجنون والعاهة العقلية بعض الحالات التي يتوقف فيها نمو الملكات الذهنية دون بلوغ مرحلة النضج الطبي مثل العتة والبله والضعف العقلي0 وكذلك الأمراض العصبية التي تصيب الجهاز العصبي للإنسان وتؤدي الى انحراف نشاطه او اتجاهه عن النمو الطبيعي المألوف مما يؤثر على الوعي او الإرادة او عليهما معا، ومن هذه الأمراض الهستيريا والصرع وفصام الشخصية0

وينقسم الجنون الى نوعين :
*الجنون العام او المطلق : وذلك حين يشمل كل قدرات الشخص او ملكاته الذهنية ويأخذ طابع الاستمرار اي لا تتخلله فترات افاقة0 وهذا الجنون يفقد الأهلية ويمنع قيام المسئولية الجنائية0
*الجنون المتقطع : يتخذ شكل نوبات تتخللها فترات إفاقة يعود الشخص فيها الى رشده، فإذا ارتكبت الجريمة خلال نوبات المرض التي يفقد فيها المريض رشده فانه لا يسأل جنائيا عنها0

حكم الأمراض النفسية : هي التي تصيب التكوين النفسي للفرد بانحراف في الغرائز والعواطف مما يجعل شخصية المريض غير متجاوبة مع القيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة0 واهم هذه الأمراض ما يسمى بالسيكوباتية او الشخصية الشاذة0 فالشخص السيكوباتي يقف موقف العداء او عدم الاكتراث من القيم والنظم السائدة في المجتمع0 فيندفع الى ارتكاب الجريمة، غير انه يسأل جنائيا عما يرتكبه من أفعال لان السيكوباتي يحتفظ بجميع قواه العقلية ومن ثم يتوافر لديه الإدراك والارادة0

2- فقد الإدراك والإرادة: يجب ان يترتب على الجنون او العاهة العقلية ان يفقد الشخص الإدراك او الإرادة فقدانا تاما، ويكفي فقدان الإرادة او الإدراك اي أحدهما فقط0 وإذا ترتب على الجنون او العاهة العقلية نقص او ضعف الإدراك او الإرادة وليس فقديهما مطلقا، كان الجاني مسئولا مسئولية مخففة اي تخفف عقوبته عن الجريمة المرتكبة0 وقد اخذ المشرع الاتحادي بفكرة المسئولية المخففة للمجرم نصف المجنون واعتبر حالته من قبل الأعذار المخففة (المادة 60/2 ع0إ)

3- معاصرة فقد الإدراك او الإرادة لوقت ارتكاب الجريمة : يجب ان يكون فقد الإدراك او الإرادة الناتج عن الجنون او عاهة العقل معاصرا لوقت ارتكاب الجريمة، فإذا ثبت ذلك امتنعت المسئولية الجنائية للمتهم وان عاد الى رشده بعد وقوع الجريمة0 فإذا تبين ان المتهم كان متمتعا بالإدراك والإرادة تقوم المسئولية الجنائية كما لو كان مصابا بجنون متقطع وارتكب جريمة في فترة افاقته0

يترتب على توافر حالة الجنون او عاهة العقل امتناع مسئولية المتهم الجنائية لعدم توافر عنصري الركن المعنوي (الإدراك والإرادة) او أحدهما مما يستتبع استحالة توقيع العقاب على المتهم0 على ان هذا لا يعني انتفاء كافة الإجراءات القضائية في مواجهة المتهم، فقد نص المشرع على تدابير علاجية ملائمة تقي المجتمع من خطورة هذا المتهم، من ذلك الحكم بإيداعه في مأوى علاجي (المادة 133 و137 ع0إ)0
2- الغيبوبة الناشئة عن المخدر او المسكر :
الغيبوبة الناشئة عن سكر اضطراري : اعتبر المشرع الاتحادي الغيبوبة الناشئة عن سكر اضطراري مانعا من موانع المسئولية الجنائية (المادة 60 ع0إ)0 فتعاطي العقاقير المخدرة او المسكرة قهرا او عن غير علم بها يعد مانعا من موانع المسئولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة تحت تأثير الغيبوبة الناشئة عن هذه العقاقير0 ويلزم لتطبيق هذا الحكم توافر شرطين : أ-
1- ان يؤدي تعاطي العقاقير او المواد المخدرة او المسكرة الى فقد الإدراك او الإرادة وقت ارتكاب الجريمة، اي ان يكون الجاني في حالة غيبوبة كاملة وقت ارتكاب الجريمة فإذا كانت الغيبوبة جزئية فإنها تعد عذرا مخففا يقتضي تخفيف العقوبة (م 60/2 ع0إ)0
2- ان يكون الشخص قد تناول العقاقير المخدرة قسرا عنه او عن غير علم منه بحقيقتها، ويتحقق ذلك بتناوله العقاقير تحت تأثير إكراه مادي او معنوي او تناولها وهو يجهـل حقيقتها0 ويلاحظ ان عبارة المادة (60) ع0إ تتسع لكل العقاقير التي ينشأ عنها فقد الإدراك او الإرادة ومنها المواد الكحولية والمواد المخدرة بأوسع معانيها0
الغيبوبة الناشئة عن سكر اختياري : يتضح من نص المادة 61/1 ع0إ ان من يتناول عقاقير او مواد مخدرة او مسكرة باختياره وعن علم بخواصها يسأل عن كل ما يرتكبه من جرائم تحت تأثير فقد الإدراك والإرادة الناتج عن تعاطي هذه العقاقير او المواد، بمعنى انه يجري عليه حكم المدرك التام الإدراك سواء كانت الجريمة التي ارتكبها عمدية او غير عمدية0 ويرجع أساس هذه المسئولية الى وجوب عدم إفلات الشخص من عقوبة فعلته عن طريق التسبب عمدا في وضع نفسه في حالة سكر عند ارتكابه لها0 ب-
تناول العقاقير المخدرة او المسكرة بقصد ارتكاب الجرائم : تفترض هذه الحالة ان الجاني يتناول العقاقير او المواد المخدرة او المسكرة بغية ارتكاب الجريمة ، اي تناول هذه المواد حتى يستمد منها الجرأة والإقدام على تنفيذها، وفي هذه الحالة يسأل الجاني عن الجريمة مسئولية كاملة لانه بتعمده تناول هذه العقاقير او المواد المخدرة او المسكرة يعتبر قد بدأ في تنفيذ الجريمة وهو في حالة إدراك واختيار وهذا يعني توافر جميع عناصر القصد الجنائي لديه إزاء هذه الجريمة0 وقد اعتبر المشرع الاتحادي (م 61/2 ع0إ) هذا النوع من السكر ظرفا مشددا للجريمة لما ينتج عنه من خطورة اجرامية0
ج-
3- عدم التمييز لصغر السن : يتضح من نص المادة 62/1 والماد (6) من قانون الأحداث الجانحين والمشردين ان صغير السن غير أهل للمسئولية الجنائية، لان الصغير يعتبر عديم التمييز حتى بلوغ سن التمييز الذي يحدده القانون بسبع سنوات0 اي ان الصغير الذي لم يتم السابعة من عمره وقت ارتكاب الجريمة تمتنع مسئوليته الجنائية لعدم توافر القدرة على الإدراك والتمييز فلا يجوز توقيع العقوبة عليه0
والعبرة في تقدير سن الصغير هي بوقت ارتكاب الجريمة لا بوقت المحاكمة كما ان تقدير السن مسألة يستقل بها القاضي، ويتم إثبات السن بوثيقة رسمية فإذا تعذر ذلك تم الاستعانة بطبيب مختص لتقدير السن بوسائل فنية0 وقد أجاز المشرع الاتحادي اتخاذ الإجراءات التربوية او العلاجية المناسبة لحالة الحدث اذا اقتضت الضرورة ذلك0 وأما من أتم السابعة ولم يتم 18 سنة فتسري في شأنه الأحكام المنصوص عليها في قانون الأحداث الجانحين والمشردين0

ثانيا : حالات امتناع المسئولية التي ترجع الى عيب في الإرادة :
تتمثل حالات امتناع المسئولية التي ترجع الى عيب في الإرادة الى الإكراه وحالة الضرورة 0

1- الإكراه : ينقسم الإكراه الى إكراه مادي يؤدي الى انعدام إرادة الجاني بصورة مطلقة، وإكراه معنوي لا يعدم الإرادة كلية وإنما يعيبها بحيث يضيق مجال الاختيار0 وقد نصت المادة 64/2 ع0إ على الإكراه بنوعيه0

أ- الإكراه المادي : هو القوة المادية التي تقع على شخص فتسلبه إرادته وتحمله على ارتكاب الفعل المكون للجريمة، وقد تكون من فعل الإنسان كمن يمسك بيد شخص اخر بالقوة ويحركها ليكتب بيانات مزورة في ورقة رسمية، او يدفع شخصا على طفل في الزحام فيقتله0 فمن استعمل الإكراه استعمله عمدا لسلب إرادة من خضع للإكراه فيعتبر هو الذي ارتكب الفعل المعاقب عليه قانونا (التزوير والقتل) ويسأل جنائيا عنه، أما من خضع للإكراه فلا يسأل جنائيا عن الجريمة التي ارتكبها0

حكم القوة القاهرة : تتفق القوة القاهرة مع الإكراه المادي في أنها تشل إرادة الشخص بقوة مادية لا قبل له بمقاومتها فتحمله على ارتكاب الفعل المكون للجريمة0 وتختلف عنه في أنها لا تصدر عن إنسان بل تنشأ عن قوة من قوى الطبيعة كالفيضان الذي يمنع الشاهد من الإدلاء بشهادته أمام المحكمة0 وقد تنشأ القوة القاهرة عن فعل الحيوان كأن يجمح جواد لا يقوى راكبه على السيطرة عليه فيصيب أحد الأشخاص بجروح، فتنعدم الجريمة في حالة القوة القاهرة0
*
حكم الحادث الفجائي : عبارة عن قوة غير متوقعة تنشأ عن قوى الطبيعة او فعل الإنسان، كسائق السيارة الذي يصاب بأزمة قلبية مفاجئة فيصدم إنسانا، او ان يدهس سائق القطار شخصا اندفع فجأة أمام القضبان ولم يكن في مقدوره تفادي الحادث0 ويتفق الحادث الفجائي مع القوة القاهرة في ان الجريمة لا تقوم عند توافرهما خلافا للإكراه المادي0 ويتميز الحادث الفجائي في انه لا يمحو الإرادة بل انه لا يجردها من التمييز وحرية الاختيار ولكن يزيل عنها العمد والخطأ فتنتفي الصفة الإجرامية للفعل0 *
ويشترط لانتفاء المسئولية في حالة الإكراه المادي توافر ما يلي :
1- الا يكون في مقدور المكره توقع القوة المادية التي أثرت على إرادته، فمن يعلم بان الجواد الذي يمتطيه صعب القيادة وانه في حالة هياجه لن يقوى على كبح جماحه يكون مسئولا عما يترتب على ذلك من نتائج 0
2- الا يكون بالإمكان مقاومة او تفادي القوة المادية، اي الا يكون في إمكان الشخص الذي توقع القوة المادية ان يدفعها0 فإذا كان بالإمكان تجنب الفعل المكون للجريمة بمجهود شاق فلا تتوافر حالة الإكراه ويسأل عن هذا الفعل0

ب- الإكراه المعنوي : هو الضغط الذي يباشره شخص على إرادة اخر لحمله على ارتكاب جريمة معينة، فالإكراه المعنوي يشل الإرادة من حيث القدرة على الاختيار فيدفع المكره على ارتكاب الجريمة خوفا من خطر جسيم وشيك الوقوع0 كأن ترتكب امرأة متزوجة جريمة الزنا تحت تأثير تهديد بقتل ولدها0 فتمتنع مسئوليتها لأنها ارتكبت الجريمة مضطرة للإفلات من الخطر المحدق الذي يتهددها0

2- حالة الضرورة :
أ- ماهيتها : يقصد بحالة الضرورة حالة الشخص الذي يوجد أمام خطر جسيم وشيك الوقوع ولا سبيل الى تفاديه الا بارتكاب جريمة0 ومثالها الشخص الذي يسرق رغيفا من الخبز ليسد رمقه خشية هلاكه من الجوع0 كما يكون الشخص في حالة الضرورة اذا ارتكب فعله لإنقاذ الغير من خطر جسيم يحدق به، مثل الطبيب الذي يضطر الى قتل الجنين إنقاذا لحياة الام0
وتقوم حالة الضرورة بالمقارنة بين المخاطر المراد تفاديها والأضرار التي وقعت فعلا، فتتوافر اذا كان هناك تناسبا بين المخاطر والاضرار0 ويترتب على قيام حالة الضرورة انتفاء المسئولية الجنائية لمرتكب الجريمة تطبيقا لنص المادة 64/1 ع0إ0
ب- شروط قيام حالة الضرورة : يجب لقيام حالة الضرورة توافر شروط معينة ، هي :
أولا : شرط الخطر : يشترط في الخطر توافر ما يلي :
1- خطر على النفس والمال : يستوي ان يكون الخطر مهددا النفس او المال بضرر جسيم فان دفعه بارتكاب جريمة الضرورة يعفي من المسئولية الجنائية0 ويقصد بالخطر الذي يتهدد النفس كل خطر يهدد حق الإنسان في حياته او سلامة جسمه او يهدده في حريته او عرضه او سمعته او شرفه او اعتباره، ولذلك يكون في حالة ضرورة من يضطر الى الخروج الى الطريق العام عاريا هاربا من حريق شب في منزله0
وتتوافر حالة الضرورة ويعفى من المسئولية الجنائية من يرتكب جريمة لصيانة ماله او مال غيره ويستوي ان يكون المال عقارا او منقولا0 ومثالها ان يضطر شخص الى إتلاف منقولات غيره لإخماد حريق شب في منزله، ويستوي في نظر القانون ان يهدد الخطر نفس من ارتكب جريمة الضرورة او ماله او نفس غيره او ماله، كأن يجري الطبيب عملية إجهاض لإنقاذ الأم، وان يلقي ربان السفينة بعض الأمتعة لإنقاذ الركاب0
2- ان يكون الخطر جسيما : يجب ان يكون الخطر الذي يتهدد مرتكب الجريمة على درجة كبيرة من الجسامة بحيث يمكن القول انه قد اثر على إرادته الى حد سلب حريتها0 وتقدير جسامة الخطر مسألة موضوعية تقدرها محكمة الموضوع وتتبع بشأنها معيار موضوعي قوامه معيار الشخص المعتاد اذا وجد في ظروف المتهم.
3- ان يكون الخطر حالا : يجب ان يكون الخطر الجسيم حالا اي ينذر بضرر وشيك الوقوع0 فلا تقوم حالة الضرورة اذا كان الخطر مستقبلا، إذ في هذه الحالة يمكن تلافيه بوسيلة أخرى غير جريمة الضرورة، وكذلك الأمر اذا وقع الخطر وانتهى بالفعل0 وتقدير حلول الخطر مرجعها قضاء الموضوع0
4- الا يكون لإرادة الفاعل دخل في حلول الخطر: فلا يجوز لمن ارتكب فعلا مجرما ان يقترف جريمة للنجاة مما ارتكبه، ثم يحتج بحالة الضرورة0 فمن يضرم النار عمدا في مكان معين وأثناء محاولته النجاة من النيران اضطر الى إصابة شخص اعترض طريقه لا يجوز ان يحتج بحالة الضرورة لدفع مسئوليته عن جريمة الجرح التي ارتكبها0
ثانيا : شروط جريمة الضرورة : يتضح من نص المادة 64 ع0إ انه يشترط في جريمة الضرورة ان تكون لازمة لتجنب الخطر وان يكون هناك تناسب بين الفعل والخطر0

1- لزوم الجريمة لتجنب الخطر : يجب ان تكون جريمة الضرورة التي ارتكبها الشخص هي الوسيلة الوحيدة لدفع الخطر المحدق به، فإذا كان في وسع الجاني تفادي الخطر بوسيلة اخرى غير ارتكاب الجريمة فان حالة الضرورة تنتفي، فإذا كان بوسع رجال المطافئ إطفاء الحريق الذي شب في المنزل دون إتلاف منقولات الغير فلا يجوز الاحتجاج بحالة الضرورة0
2- تناسب الفعل مع جسامة الخطر: عبر المشرع الاتحادي في المادة 64/3 ع0إ فيلزم ان لا يفوق الضرر المتحقق بجريمة الضرورة في جسامته الضرر المهدد لنفس الشخص او نفس غيره0
أكمل قراءة الموضوع ...

السبت، 2 أكتوبر 2010

أسباب الإباحة _القسم العام_جامعة الشارقة

الفصل الخامس
أسباب الإباحة

المبحث الأول : الأحكام العامة لأسباب الإباحة :
أولا - ماهية أسباب الإباحة وطبيعتها :
ان الفعل الذي لا يتناوله المشرع بالتجريم من الأصل يكون مباحا إباحة أصلية عملا بقاعدة ان "الأصل في الأشياء الإباحة"، أما الفعل الذي يخضع لنص تجريم حماية لمصلحة معينة، فان المشرع قد يبيحه استثناء اذا وقع في ظروف معينة، ومن ثم يكون الفعل مباحا إباحة استثنائية0 وان هذه الظروف التي حددها المشرع وجعل من آثارها إباحة الفعل المجرم تسمى أسباب الاباحة0
وتتميز أسباب الإباحة بطبيعة موضوعية حيث يترتب على توافر سبب منها إزالة الصفة الإجرامية عن الفعل، فأثرها ينصرف الى الفعل لا الى شخص الفاعل0 ومن ثم فان أثرها يمتد الى كل شخص ساهم في الجريمة0 فإذا أجرى الطبيب جراحة لمريض فان الإباحة تنصرف الى فعل الطبيب والى فعل كل
من ساعده في هذا العمل0
ثانيا - تقسيم أسباب الإباحة :
-1 يقسم الفقه أسباب الإباحة تبعا لموضوعها الى أسباب عامة وأسباب خاصة:
أسباب الإباحة العامة : هي التي تنتج أثرها بالنسبة الى جميع أنواع الجرائم اي أنها تبيح ارتكاب جميع الجرائم مثل استعمال الحق وأداء الواجب0 *
أسباب الإباحة الخاصة : هي الأسباب التي لا تبيح الا جرائم معينة منها حق الدفاع أمام المحاكم حيث لا يبيح الا جرائم القذف والسب. *
2 -وتقسم أسباب الإباحة تبعا لآثارها الى أسباب إباحة مطلقة وأسباب إباحة نسبية:
أسباب الإباحة المطلقة : هي التي يمكن ان يستفيد منها اي شخص بصرف النظر عن صفته، ومثالها حق الدفاع الشرعي0 *
أسباب الإباحة النسبية : هي التي يستفيد منها أشخاص معينون لتوافر صفات خاصة فيهم مثل مباشرة الطبيب للأعمال الطبية والجراحية فلا يستفيد منها الا الطبيب0 *
ثالثا – حكم الجهل بالإباحة و الغلط فيها :
-1 الجهل بالإباحة :
يقصد بالجهل بالإباحة ان يقوم شخص بارتكاب فعل وهو يعتقد ان القانون يعاقب عليه، بينما يكون هناك سبب من أسباب الإباحة يجهله0 ولما كانت أسباب الإباحة ذات طبيعة موضوعية فهي تنتج أثرها وترفع عن الفعل الصفة الإجرامية سواء علم الجاني بتوافرها او جهل وجودها.
-2 الغلط في الإباحة : قد يعتقد الشخص على خلاف الحقيقة توافر الوقائع او الظروف التي يقوم عليها سبب من أسباب الإباحة، في حين ان هذا السبب غير قائم في الحقيقة والواقع0 مثال ذلك ان يعتقد الشخص ان هناك خطر يتهدده في نفسه او في ماله، فيقتل من ظن انه مصدر الخطر اعتقادا منه بتوافر شروط الدفاع الشرعي على خلاف ما ثبت في الحقيقة والواقع0 ولم يرد قانون العقوبات الاتحادي نص في هذا الصدد ولكن ورد في المادة 56/ أولا تطبيق لذلك، حيث لم يستلزم المشرع في الخطر المسوغ للدفاع الشرعي ان يكون خطرا حقيقيا في ذاته بل يكفي ان يبدو كذلك في اعتقاد المدافع وكان اعتقاده مبينا على أسباب معقولة0
ولما كانت أسباب الإباحة ذات طابع موضوعي وكان الغلط في الإباحة يتعلق بالموقف النفسي للجاني، فانه لا يعدل الإباحة وإنما يؤثر في الركن المعنوي للجريمة فينفي القصد الجنائي الذي يقوم على العلم بعناصر الجريمة وإرادة ارتكابها، لان الغلط في الوقائع ينفي ذلك العلم0 الا انه يجوز مساءلة الجاني عن جريمة غير عمدية اذا كان القانون يعاقب عليها بهذا الوصف وثبت إهمال الجاني في التثبت والتحري عن الظروف التي أحاطت بفعله وأدت به الى الغلط0 أما اذا ثبت انه بذل القدر اللازم من التثبت والتحري ومع ذلك وقع في الغلط، فانه لا ينسب اليه الخطأ وتنتفي مسئوليته الجنائية0 وجدير بالملاحظة ان الغلط في الإباحة هو الذي ينصب على الوقائع التي أحاطت بالفعل او على قانون اخر غير قانون العقوبات0 أما الغلط في قانون العقوبات فلا ينفي المسئولية عن الجريمة0
رابعا - المقارنة بين أسباب الاباحة وغيرها من الأنظمة القانونية:
1- أسباب الإباحة وموانع المسئولية: موانع المسئولية هي الأسباب التي تجعل مرتكب الجريمة غير مسئول جنائيا عن الجريمة المرتكبة0 وعلى ذلك فهي تتفق مع أسباب الإباحة في عدم توقيع العقاب على من يستفيد منها0 وتختلف أسباب الإباحة عن موانع المسئولية فيما يلي :
أ- ان أسباب الإباحة ذات طبيعة موضوعية ترفع عن الفعل الصفة الإجرامية وبالتالي يمتد أثرها الى كل من ساهم في الجريمة0 أما موانع المسئولية فترجع الى أسباب شخصية تتعلق بالجاني فتفقده الإدراك والإرادة ومثالها الجنوب والسكر غير الاختياري0 فهي تحول فقط دون قيام المسئولية الجنائية لمرتكب الجريمة فلا يستحق العقاب ولكنها لا تنفي عن الفعل الصفة الإجرامية، ومن ثم يقتصر اثر مانع المسئولية على من توافر لديه دون غيره0
ب- ويترتب على أسباب الإباحة انتفاء المسئولية الجنائية والمدنية لان الفعل المرتكب اصبح مشروعا، أما موانع المسئولية فهي لا تمنع المسئولية المدنية لان الفعل ما زال غير مشروع0
ج- على الرغم من ان العقاب لا يوقع في حالة توافر سبب إباحة او مانع المسئولية، الا انه يجوز الحكم بتدبير احترازي عند امتناع المسئولية الجنائية على اعتبار ان خطورة الجاني قد تكون متوافرة رغم الحكم بامتناع المسئولية الجنائية، وهذا ما يأخذ به قانون العقوبات الاتحادي م 133 و م 62/2 0

-2 أسباب الإباحة وموانع العقاب : تفترض موانع العقاب توافر أركان الجريمة واكتمال المسئولية الجنائية عنها وبالتالي استحقاق العقاب، غير ان المشرع قد لا يرى لاعتبارات معينة إعفاء بعض الأشخاص من العقاب تشجيعا على عدم التمادي في نشاطهم الإجرامي، او منع وقوع بعض الجرائم، او مساعدة السلطات على ضبط الجناة0 مثال ذلك إعفاء الراشي او الوسيط من العقاب اذا بادر بإبلاغ السلطات القضائية او الإدارية عن الجريمة (الرشوة) او اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى0
وتشترك موانع العقاب مع أسباب الإباحة في عدم توقيع العقاب الا انهما يختلفان في :
أ- موانع العقاب تبقي أركان الجريمة متوافرة ويقتصر أثرها على الإعفاء من العقاب، أما أسباب الإباحة فإنها تخرج الفعل من نطاق التجريم فتزيل عنه الصفة الإجرامية وترده الى اصله مباحا0
ب- اثر الإباحة يمتد على كل من ساهم في الجريمة فاعلا او شريكا، أما مانع العقاب فان أثره يقتصر على من توافر لديه كأن يستفيد منه الفاعل دون الشريك الذي يعاقب0
يجوز الحكم بتدبير احترازي في حالة توافر مانع للعقاب وهو ما لا يجوز بالنسبة لحالة الاباحة0
المبحث الثاني : أسباب الاباحة في قانون العقوبات الاتحادي : ج-
المطلب الأول :- استعمال الحق :
نص المشرع الاتحادي على استعمال الحق كسبب إباحة في المادة 53/1 ع0إ
أولا : الشروط العامة لاستعمال الحق :
1- وجود حق مقرر بمقتضى القانون : يقتضي استعمال الحق كسبب للإباحة ان يكون هناك حق0 والحق هو كل مصلحة يعترف بها القانون ويحميها0 فمالك الشيء الموجود لدى الغير يكون ذا مصلحة مشروعة في استرداده، ولكن هذه المصلحة لا يعترف بها القانون كسبب لإباحة استرداد ذلك الشيء بالقوة0 ويفهم الحق هنا بمعناه الواسع اي الحق الذي تقرره قاعدة قانونية سواء تضمنها نص تشريعي أيا كان موضعه بين مجموعات القوانين، او لم يتضمنها نص تشريعي ولكنها تقررت بموجب العرف الذي يتفق مع أهداف القانون، او كان مصدرها الشريعة الاسلامية0
ومن أمثلة الحقوق التي تقررها النصوص التشريعية حق الدفاع الشرعي (م 56 ع0إ) وحق الدفاع أمام المحاكم (م 376 ع0إ)0 ومن أمثلة الحق الذي يجد مصدره في الشريعة الإسلامية حق الزوج في تأديب زوجته0 أما الحقوق التي يقررها العرف فمثالها ممارسة الألعاب الرياضية الذي تقع به جريمة الضرب او الجرح، وكذلك ثقب أذن الفتاة لوضع الحلي فيها0 ولكن اذا تدخل القانون وحظر عملا جرى به العرف فان إتيان هذا الفعل يشكل جريمة مثل ذلك ان يصدر قانون يحظر على حلاقي الصحة بإجراء عمليات الختان0
-2 الالتزام بحدود الحق : لقيام هذا الشرط يجب ان يمارس الحق من يملكه وان يكون ارتكاب الجريمة ضروريا لاستعمال الحق وذلك على النحو التالي :
ممارسة الحق بواسطة من يملكه : اذا قرر القانون لشخص بالذات استعمال الحق وجب عليه ان يمارسه بنفسه، فحق ممارسة الطب والجراحة مخول للطبيب فلا يجوز لغيره استعماله كالممرض0 وحق تأديب الزوجة قاصر على الزوج فإذا مارسه غيره وقع فعله تحت طائلة قانون العقوبات0 ويلاحظ ان القانون المدني يجيز الإنابة في استعمال الحق بمقتضى القانون او اتفاق، وهذه الإنابة جائزة في غير الحقوق المالية كحق الدفاع أمام المحاكم، فمثلا الوكيل في ممارسة الحق في الدفاع أمام المحاكم له ان ينسب الى الخصم وقائع تعد سبا وقذفا ويستفيد من سبب الإباحة المقرر لموكله0 أ-
يجب ان يكون ارتكاب الجريمة ضروريا لاستعمال الحق والا فان هذا الاستعمال لا يكون مباحا0 فحق الدفاع أمام المحاكم لا يبيح للخصم غير أفعال القذف او السب والتي تكون في مقام الدفاع الشفهي او الكتابي أمام المحاكم0 وحق ممارسة الألعاب الرياضية العنيفة لا يبيح غير أفعال الضرب التي تقررها اللعبة وتكون لازمة لها0 ب-
ولا يجوز استعمال الحق لتحقيق مصلحة غير مشروعة لمخالفتها النظام العام والآداب العامة فليس للطبيب ان يستعمل حقه في الجراحة لإجراء عملية غير مشروعة كإجهاض امرأة0

-3 استعمال الحق بحسن نية : يجب ان يهدف الشخص من وراء استعمال الحق تحقيق الغاية التي تقرر من اجلها الحق0 فإذا تبين ان مستعمل الحق كان سيئ النية فانه يسأل عن الجريمة التي ارتكبها0 فالطبيب الذي يجري عملية جراحية لمريض ليس بقصد علاجه وإنما بقصد إجراء تجربة علمية يسأل عن قتل او جرح عمدي حسب النتيجة0
ثانيا : تطبيقات استعمال الحق :
نصت المادة 53/2 ع0إ على استعمال الحق وصوره، وسوف نقتصر على دراسة أهم التطبيقات وأكثرها وقوعا في العمل وهي : حق التأديب، حق ممارسة الألعاب الرياضية وحق مباشر الأعمال الطبية والجراحية0
1 - حق التأديب : حق التأديب نوعان ، حق تأديب الزوج لزوجته وحق تأديب الصغار0
أ- حق تأديب الزوج لزوجته :
حق الزوج في تأديب زوجته مستمد من الشريعة الإسلامية لقوله تعالى : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضروبهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا"0 ونص على هذا الحق المشرع الاتحادي في المادة 53/1 ع0إ ، ويبيح هذا الحق أفعال التعدي والإيذاء الخفيف المجرمة بالمادة 339/2 ع0إ
وحق تأديب الزوجة قاصر على الزوج فلا يجوز لغيره القيام به مهما كانت صلة القرابة التي تربطه به او بزوجته0 ولا يجوز استعماله الا اذا بدرت من الزوجة معصية لم يرد فيها حد مقرر ولم يتم رفعها الى الإمام اي السلطات العامة0 ويقصد بالمعصية اي إخلال من الزوجة بواجباتها قبل زوجها كعدم طاعته بدون موجب والخروج من المنزل دون اذنه0 ولا يجوز للزوج ان يلجأ الى الضرب الا بعد استنفاد وسيلة الوعظ ووسيلة الهجر في المضجع0 والضرب المباح هو الضرب البسيط الذي لا يترك اثرا0 فإذا تجاوز الزوج هذا الحد فأحدث أذى بجسم زوجته خضع للعقاب الذي يقرره القانون0 فإذا ترتب على الضرب وفاة الزوجة يسأل الزوج عن ضرب أفضى الى الموت.
ويشترط كذلك ان يكون تأديب الزوج لزوجته بقصد تهذيبها ومواجهة نشوزها، أما اذا كان بقصد الانتقام او الإهانة فان الزوج لا يستفيد من الإباحة ويستحق العقاب0
ب- حق تأديب الصغار :
نص على هذا الحق في المادة 53/1 ع0إ ومصدر هذا الحق الشريعة الإسلامية التي تجيز للآباء او أولياء النفس عند عدم وجود الأب والوصي والأم حق تأديب الصغار لإصلاحهم وتعليمهم، ويثبت حق تأديب الصغار الى معلمه وملقن الحرفة لارتباط التعليم بالتأديب0 أما الخاضعون للتأديب فهم الأولاد القصر الذين لم يبلغوا من العمر خمسة عشر سنة0 أما من بلغ هذه السن وكان غير مأمون عليه فتنة فيظل خاضعا للتأديب الى ان يبلغ سن الرشد0
-1 ولا يجوز تأديب الصغير الا اذا انحرف عن السلوك الواجب سواء حدده القانون او العرف او الدين، كمن يترك الصلاة او الصيام0

-2 يجب على من يستعمل حق التأديب ان يلتزم بالحدود المقررة شرعا او قانونا، فيجب الا يتجاوز الضرب ثلاثة ضربات وان يكون خفيفا فان كان فاحشا فهو غير مباح0 والضرب الخفيف يكون باليد دون استعمال وسيلة اخرى كالعصا والا يترك أثرا في الجسم0 ويجوز ان يكون التأديب بالتوبيخ او تقييد الحرية الذي لا يصل الى التعذيب او منع الحركة0

3 - ويجب ان يهدف التأديب الى إصلاح الصغير وتهذيبه وتعليمه، فإذا ضرب الأب ابنه لحمله على التسول او السرقة خرج من نطاق الإباحة ودخل حدود التجريم0

2- حق ممارسة الألعاب الرياضية :
أ - ماهية الألعاب الرياضية : يقصد بالألعاب الرياضية مجموعة الألعاب والتمارين البدنية التي يمارسها بعض الأفراد بروح المنافسة من اجل تنمية أجسامهم او من اجل تسليتهم خاضعين في تلك الممارسة لقواعد معينة0 والألعاب الرياضية نوعان : نوع لا يتطلب العنف كالسباحة وحمل الأثقال، فإذا حدثت إصابة أثناء ممارسة هذه الرياضات طبقت قواعد المسئولية الجنائية0 وهناك نوع من الألعاب تتطلب ممارستها استعمال العنف كالمصارعة والملاكمة، وهذا النوع هو المقصود بالإباحة لما يحدثه من إصابات او جروح او كسور0

ب- سند الإباحة : نص المشرع الاتحادي في المادة 53/3 ع0إ على إباحة استعمال العنف في الألعاب الرياضية اي إباحة أفعال الإيذاء التي تحدث أثناء ممارستها0

ج- شروط الإباحة : يتعين لإباحة اعمال العنف التي تصاحب ممارسة الألعاب الرياضية توافر ما يلي :
ان تكون اللعبة من الألعاب التي يعترف بها العرف الرياضي اي لها قواعد تنظم ممارستها0 -
ان تكون اعمال العنف ارتكبت أثناء المباراة الرياضية، فإذا وقعت قبل بدء المباراة او بعدها فلا تكون مباحة0 ويستوي ان تكون قد وقعت في مباراة نظامية او في تمارين الاستعداد لها0 كما يستوي ان يكون اللاعب هاويا او محترفا0 -
يجب ان يراعي اللاعب جميع قواعد اللعبة المتعارف عليها وأصولها المرعية، فإذا وقعت اعمال العنف نتيجة خروج اللاعب عن هذه القواعد خضع لقواعد المسئولية الجنائية0 -
3- حق مباشرة الأعمال الطبية :
لا يجادل أحد في ان الطبيب يمارس أثناء قيامه بعمله بعض الأعمال التي لو وضعت تحت مقياس قانون العقوبات لاعتبرت جرائم، ومع ذلك لا يسأل الطبيب جنائيا0
أ- الأساس القانوني لإباحة العمل الطبي : تعددت الآراء التي قيل بها في أساس إباحة العمل الطبي والجراحي0 والاتجاه الراجح فقها وقضاء يسند إباحة الأعمال الطبية والجراحية التي يقوم بها الأطباء الى الرخصة المخولة لهم قانونا بمزاولة مهنة الطب وفقا للشروط والإجراءات المنصوص عليها في القوانين المنظمة لمزاولة مهنة الطب والجراحة0 فمتى اعترف المشرع بمهنة الطب وقام بتنظيم كيفية مباشرتها فهو يسمح حتما بكل الأعمال الضرورية لمباشرتها0 كما وان الأعمال الطبية لا تنطوي على اعتداء على حق الإنسان في سلامة جسمه، بل أنها تستهدف المحافظة على الجسم ومصلحته في ان يسير سيرا عاديا طبيعيا، أيا كانت النتيجة التي تسفر عنها الأعمال الطبية طالما ان الطبيب بذل العناية اللازمة وفق الاصول العلمية المتبعة في الطب0 وقد تناول المشرع الاتحادي في المادة 53/2 ع0إ اعمال الطبيب باعتبارها استعمالا للحق0

ب- شروط إباحة العمل الطبي : يشترط لإباحة العمل الطبي توافر ما يلي :
1- الترخيص بمزاولة مهنة الطب : يجب ان يكون من أجرى الأعمال الطبية قد حصل على الترخيص الذي يتطلبه القانون واللوائح الخاصة بتنظيم الأعمال الطبية قبل مزاولة الأعمال فعلا0 والترخيص بمزاولة مهنة الطب قد يكون عاما شاملا لجميع اعمال المهنة، وقد يكون خاصا بمباشرة اعمال معينة وفي هذه الحالة لا تتوافر الإباحة الا اذا كان العمل داخلا في حدود الترخيص المقرر كما هو الحال بالنسبة لطبيب الاسنان0 وبناء على ما تقدم يسأل من لا يملك الترخيص عما يحدثه بالغير من الجروح وغيرها باعتباره معتديا على سلامة جسم الغير فضلا على معاقبته على مزاولة مهنة الطب على نحو يخالف القانون0 وكذلك الحال بالنسبة لمن يزاول مهنة الطب او الجراحة خارج النطاق الذي يسمح به الترخيص الممنوح له كطبيب أسنان اذا اقدم على جراحة فتح البطن فانه يسأل عن النتائج المترتبة على ذلك مسئولية عمدية0
-2 رضاء المريض : يتطلب المشرع لإباحة الجراحة الطبية واعمال التطبيب ان تتم برضاء المريض او النائب عنه قانونا صراحة او ضمنا0 فلا يجوز ان يرغم الشخص على تحمل المساس بتكامله الجسدي ولو كان ذلك من اجل مصلحته، ولذلك يسال الطبيب الذي يجري العمل الطبي الجراحي لمريض دون الحصول مقدما على رضائه او رضاء من يقوم مقامه مسئولية عمدية ولو قصد به العلاج واستفاد منه المريض0
ويجب الحصول على رضاء المريض قبل البدء في مباشرة عمله الطبي وبتوافره تنتج الإباحة آثارها بالنسبة لما يحدث من مساس بجسم المريض0 ولا بد من توافر هذا الرضاء في كل مرحلة من مراحل العمل الطبي اي من مرحلة التشخيص الى مرحلة التدخل العلاجي الذي يتم بتعاطي الأدوية او التدخل الجراحي0
وتجدر الإشارة الى ان رضاء المريض او من يمثله قانونا لا يعني إعفاء الطبيب من المسئولية الجنائية والمدنية التي تنشأ عن أخطائه المهنية0
ويستطيع الطبيب ان يتجاوز عن الحصول على رضاء المريض ويظل فعله مباحا اذا كان المريض مصابا بمرض معدي يخشى انتقال عدواه الى غيره فيتم تطعيمه دون رضائه، وكذلك الحال اذا كان المريض مهددا بخطر جسيم حال يقتضي التدخل العلاجي السريع وكان المريض غير قادر على التعبير عن إرادته ولم يوجد من يرضى نيابة عنه0 فإذا شرع الطبيب في إجراء عملية جراحية بناء على رضاء المريض السابق وتبين أثناء إجرائها ضرورة القيام بعمل طبي اخر ضروري لشفاء المريض، استقر الفقه والقضاء على جواز ذلك للطبيب بناء على الرضاء السابق ما دام انه يقصد تحقيق مصلحة المريض وبشرط ان يحاط الجاني علما بعد الجراحة بما تم اجراؤه0
ويشترط لصحة رضاء المريض ما يلي :
* ان يكون الرضاء حرا : فإذا شاب رضاء المريض غلط او تدليس او إكراه فانه يتجرد من قيمته القانونية0
* ان يكون الرضاء متبصرا : يجب ان يعلم المريض بطبيعة ونوعية العمل الطبي الذي ينصرف اليه رضاؤه فضلا عن مخاطره ونتائجه المحتملة حتى يتسنى له قبول او رفض العمل الطبي0
* أهلية المريض : يجب ان يكون المريض بالغا رشيدا متمتعا بكامل قواه العقلية وفي حالة صحية تسمح له بإبداء ذلك الرضاء0
* الرضاء موقف إرادي كامن في النفس يجب ان يفصح المريض عنه بالتعبير عن ذلك الرضاء صراحة بالكلام او الإشارة او الكتابة، او ضمنا كمن يذهب الى غرفة العمليات بعد علمه بماهية العملية الجراحية ونتائجها المحتملة.

-3 قصد العلاج : لإباحة العمل الطبي يجب ان تنصرف نية الطبيب متجهة الى العلاج لا الى غاية اخرى، اي ان يكون غرضه مما يقوم به من اعمال مهنته الوصول الى علاج المريض بتخليصه من الآلام التي يكابدها او التخفيف من حدتها0 فإذا قصد الطبيب من عمله تحقيق غرض اخر غير العلاج انعدم حقه فيسأل جنائيا عن نتائج فعله0 وبناء على ما تقدم يسأل الطبيب عن فعله تبعا لما يترتب عليه من نتائج اذا اقدم على عملية جراحية يعلم عدم جدواها لكنه أجراها بدافع الحقد على المريض0
المطلب الثاني - أداء الواجب :
1 - أساس الإباحة ونطاقها : نص المشرع الاتحادي على أداء الواجب كسبب عام للإباحة في المادتين 54 و 55 ع0إ ويتضح من هذين النصين ان المشرع الاتحادي يقرر أداء الواجب كسبب إباحة للشخص سواء كان موظفا عاما ام لا0 فإذا جرم المشرع فعلا من الأفعال ثم أوجب على شخص إتيانه فأتاه فان هذا الفعل يعتبر مباحا ولا يمكن اعتباره جريمة0 وتقرر هذه الإباحة حماية للأفراد حتى لا يحجموا عن أداء واجباتهم او يترددوا في مباشرتهم لها خشية المسئولية الجنائية0

2- مدلول الموظف العام في قانون العقوبات الاتحادي : عرف المشرع الاتحادي الموظف العام في المادة (5) ع0إ حيث نصت على انه يعتبر موظفا عاما في حكم هذا القانون :
أ- القائمون بأعباء السلطة العامة والعاملون في الوزارات والدوائر الحكومية.
ب- أفراد القوات المسلحة0
ج- رؤساء المجالس التشريعية والاستشارية والبلدية واعضاؤها0
د- كل من فوضته إحدى السلطات العامة القيام بعمل معين وذلك في حدود العمل المفوض0
و- رؤساء مجالس الإدارة وأعضاؤها والمديرون وسائر العاملين في الهيئات والمؤسسات العامة0
ي- رؤساء مجالس الإدارة وأعضاؤها والمديرون وسائر العاملين في الجمعيات والمؤسسات ذات النفع العام0
ويعد الشخص مكلفا بخدمة عامة كل من يقوم بأداء عمل يتصل بالخدمة العامة بناءا على تكليف صادر اليه من موظف عام يملك هذا التكليف بمقتضى القوانين او النظم المقررة0
ويستوي ان تكون الوظيفة او الخدمة دائمة او مؤقتة بأجر او بغير أجر0

أولا - أداء الواجب كسبب لإباحة أفعال غير الموظفين العموميين:
تنص المادة (54)ع0إ ان أداء الفرد ولو لم يكن موظفا عاما للواجبات المفروضة عليه شرعا او قانونا هو سبب لإباحة ما يصدر عنه من أفعال للقيام بهذا الواجب حتى وان كانت تشكل جريمة0 وقد يحدد القانون للفرد الشروط اللازمة لأداء الواجب، فإذا جاء العمل مطابقا لهذه الشروط كان مباحا0 فمناط الإباحة هنا ليس صفة الفاعل بل القيام بواجب تأمره به الشريعة او القانون، فإذا أوجب القانون على شخص إتيان فعل فأتاه فهذا الفعل لا يشكل جريمة0
مثال : شخص يدعى للشهادة أمام المحكمة فعليه واجب أداء الشهادة بما قد يتضمنه من وقائع تعد قذفا او سبا ويعد ذلك مباحا أداء للواجب، والا ترتب على مخالفته لهذا الواجب ارتكاب جريمة اخرى هي جريمة الامتناع عن أداء الشهادة (م 261/1 ع0إ)0
ثانيا : أداء الواجب كسبب لإباحة أفعال الموظفين العموميين :
* حالات الإباحة : نصت المادة (55) ع0إ على حالتين يكون فيهما عمل الموظف العام او المكلف بخدمة عامة مباحا ولو كان مطابقا للنموذج القانوني لجريمة من الجرائم0 والحالتين هما :

-1 العمل المشروع تنفيذا لامر رئيس تجب طاعته قانونا : يكون العمل مباحا اي مشروعا اذا قام به الموظف العام او المكلف بخدمة عامة تنفيذا لامر رئيس تجب طاعته0 مثل ضابط الشرطة الذي يقوم بتفتيش منزل معين تنفيذا لامر المحقق0
ويجب لإباحة العمل توافر شروط شكلية وأخرى موضوعية يتطلبها القانون في أمر الرئيس :
أ- الشروط الشكلية هي :
-1 ان يكون الرئيس مختصا قانونا بإصدار الأمر، فإذا صدر الأمر من شخص ليست له صفة قانونية في إصداره فان الأمر لا يكون مشروعا ولا تجب طاعته0 مثال ذلك ان يقوم عضو النيابة بإصدار أمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية لشخص دون ان تكون هناك موافقة من النائب العام صاحب الاختصاص بذلك (م 75 قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي)0
2- ان يكون المرؤوس الصادر اليه الأمر هو المختص بتنفيذه ، فان كان غير مختص اصبح الأمر غير مشروع وتنفيذه أيضا غير مشروع، مثال : الأمر الصادر بتنفيذ الإعدام لغير الجلاد0

-3 ان يفرغ في الشكل الذي يتطلبه القانون ، فإذا اشترط القانون صدور الأمر كتابة فلا يصح صدوه شفويا0 فلا يجوز القبض على شخص بناء على أمر شفوي0
ب- أما الشروط الموضوعية للأمر فهي تتعلق بالمقدمات التي اشترط القانون توافرها لإصدار الامر0 فالأمر بتفتيش منزل شخص او مراقبة محادثاته السلكية واللاسلكية لا يجوز إصداره الا اذا قامت دلائل كافية على انه يخفي في منزله أشياء قد تفيد في كشف الحقيقة في الجريمة محل التحقيق، او ان مراقبة المحادثات تستوجبها مقتضيات التحقيق0 فمتى توافرت الشروط الشكلية والموضوعية للأمر وقام المرؤوس بتنفيذه كان العمل مباحا0

2- العمل المشروع تنفيذا لما أمرت به القوانين : يكون العمل مشروعا اذا أتاه الموظف العام او المكلف بالخدمة العامة تنفيذا لما تأمر به القوانين0 ويكون العمل مطابقا لما أمرت به القوانين اذا كان تنفيذا مباشرا لأداء واجب يفرضه القانون او استعمالا لسلطة تقديرية ممنوحة للموظف0

أ- فقد يكون العمل الذي يأتيه الموظف تنفيذا لأداء واجبه المستمد من القانون مباشرة، وفي هذه الحالة تكون سلطة الموظف مقيدة بشروط معينة لا مجال لتقديره فيها، فإذا نفذ الموظف العمل بناء على الشروط كان العمل قانونيا، مثال ذلك الواجب الذي يقرره القانون على الجلاد فهو مطالب بتنفيذ حكم الإعدام في شخص معين، فلا مجال لإعمال السلطة التقديرية في هذه الحالة0

ب- وقد يمنح القانون الموظف العام سلطة تقديرية في أداء العمل، فإذا توافرت شروط استعمال هذه السلطة ، فان ما يأتيه في حدود هذه السلطة يكون مباحا0 فيجب ان يتوافر السبب المنشئ لهذه السلطة اي الواقعة التي منح بناء عليها سلطته التقديرية، وان يتوافر في عمل الموظف الشروط الشكلية والموضوعية، وان يقصد الموظف الغاية التي أرادها القانون بمنحه هذه السلطة اي ان يكون حسن النية0 فإذا قصد الموظف الانتقام او التشفي كان فعله غير مشروع0

المطلب الثالث - الدفاع الشرعي :
أولا - تعريف الدفاع الشرعي وتحديد أساسه:
الدفاع الشرعي هو حق عام يعطي صاحبه حق استعمال القوة اللازمة لدفع اعتداء يقع على النفس او المال بفعل يعد جريمة0 فهو حق عام يقرره المشرع لكل إنسان في مواجهة الكافة0 وقد عبر المشرع الاتحادي عن الدفاع الشرعي في المواد من 56 الى 58 ع0إ0 والراجح ان أساس الدفاع الشرعي يرجع الى فكرة الموازنة بين المصالح المتعارضة للأفراد وتغليب ما كان منها أولى بالرعاية0 ففعل الدفاع وان هدد مصلحة المعتدي فقد صان في ذات الوقت مصلحة المعتدى عليه، وهذه المصلحة الأخيرة هي الأرجح أهمية في نظر المجتمع، لان اعتداء المعتدي قد هبط بالقيمة الاجتماعية لمصلحته0

ثانيا - شروط الدفاع الشرعي : يقوم حق الدفاع الشرعي اذا توافرت الشروط التالية :
- اذا واجه المدافع خطرا حالا من جريمة على نفسه او ماله او نفس غيره او ماله او اعتقد قيام هذا الخطر وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة0
- ان يتعذر على المدافع الالتجاء الى السلطات العامة لاتقاء الخطر في الوقت المناسب0
- الا يكون أمام المدافع وسيلة اخرى لدفع هذا الخطر0
- ان يكون الدفاع لازما لدفع الاعتداء متناسبا معه0


أولا – شروط الاعتداء :
يجب ان يتوافر في الاعتداء لقيام حق الدفاع الشرعي شرطان هما:
وجود خطر بارتكاب جريمة0 *
ان يكون الخطر حالا وشيك الوقوع . *
-1 وجود خطر بارتكاب الجريمة :
يلزم لكي ينشأ حق الدفاع الشرعي ان يكون الاعتداء او خطر الاعتداء بفعل يعد جريمة0 ولا يعتبر الفعل كذلك الا اذا كان غير مشروع يعاقب عليه قانون العقوبات، وهذا ما نصت عليه المادة 56/أولا ع0إ ، فالمشرع يكتفي إذن لتوافر الاعتداء ان يرتكب المعتدي فعلا يحقق خطر وقوع الجريمة0 والأصل ان ينشأ الخطر المهدد بوقوع جريمة عن فعل إيجابي كالسرقة والجرح والضرب، ولكن يمكن ان ينشأ هذا الخطر أحيانا من فعل سلبي او امتناع، كامتناع الأم عن إرضاع طفلها، فيجوز حمل الأم بالقوة على الإرضاع دفاعا عن الطفل0 ولا يشترط لقيام حالة الدفاع الشرعي ان يكون الاعتداء على درجة معينة من الجسامة، ولكنه يجب ان يقتضي قدرا من القوة لدفعه0 ويستوي في جريمة المعتدي ان تكون عمدية او غير عمدية، ان تقع تامة او في حالة شروع، ويستوي ان يكون الاعتداء متحققا فعلا او يكون هناك مجرد خطر اعتداء اي وجود تهديد باعتداء وشيك الوقوع.

* امتناع الدفاع الشرعي ضد الأفعال المباحة : اذا كان فعل الاعتداء لا يعد جريمة فلا يجوز دفعه بالقوة، وعليه فانه لا يجوز الدفاع الشرعي عن فعل مباح في ذاته اذا وقع بغير تجاوز لنطاق الإباحة، ولذلك فانه لا ينشأ حق الدفاع الشرعي لمواجهة استعمال الزوج لحقه في تأديب زوجته، او الوالد لحقه في تأديب ولده، فإذا صدر عن المعتدى عليه عنف او مقاومة للتخلص من هذا الاعتداء فان فعله يخضع للعقاب0
ولكن يشترط ان يلتزم مستعمل الحق شروط الإباحة وقيودها، فان تجاوز ذلك عد معتديا مما يبرر الدفاع الشرعي ضد عدوانه، كما لو ضرب الزوج زوجته ضربا فاحشا فان فعله يعد غير مشروع0
*لا يجوز الدفاع الشرعي ضد الدفاع الشرعي : لا تقوم حالة الدفاع الشرعي ضد من وجد هو أيضا في حالة دفاع شرعي0 فإذا قام زيد بالاعتداء على عمرو، فدافع عمرو عن نفسه دفاعا شرعيا ، الا ان زيد عاجله بضربة قضت عليه، فلا يجوز لزيد ان يحتج بأنه كان في حالة دفاع شرعي عن النفس0 أما اذا تجاوز المعتدى عليه حدود الدفاع الشرعي فان فعله في نطاق هذا التجاوز يصبح غير مشروع ويجوز رده بالدفاع الشرعي0
* موانع مسئولية المعتدي لا تنفي الدفاع الشرعي : اذا توافر للمعتدي مانع من موانع المسئولية الجنائية كصغر السن دون التمييز او الجنون او العاهة في العقل او السكر غير الاختياري فان ذلك لا يحول دون الدفاع الشرعي ضده، لان موانع المسئولية الجنائية لا تنفي عن الفعل صفته الاجرامية0 فمن يتعرض لفعل الاعتداء من مجنون او معتوه يجوز له دفع هذا الفعل بالقوة المادية دفاعا شرعيا عن نفسه0
* الأعذار القانونية لا تحول دون الدفاع الشرعي : متى كان الدفاع يعد جريمة جاز رده بالدفاع الشرعي ولو كان المعتدي يستفيد من عذر قانوني مخفف0 وذلك لان الأعذار القانونية المخففة لا تزيل الصفة الإجرامية عن الفعل وان كانت تخفف العقاب0 ومثال الأعذار القانونية المخففة تجاوز حدود الإباحة بحسن نية (م 59 ع0إ) 0 وقرر المشرع الاتحادي في المادة 334/1 للزوج او الأب او الأخ عذرا مخففا اذا فاجأ زوجته او ابنته او أخته متلبسة بالزنا فقتلها في الحال او قتل من يزني بها او قتلهما معا0 وذات العذر المخفف تقرره المادة 334/2 ع0إ للزوجة التي تفاجئ زوجها متلبسا بالزنا ، الا ان المشرع حرم بمقتضى المادة 334/3 ع0إ مرتكبي جريمة الزنا من رخصة الدفاع الشرعي0

* الدفاع ضد خطر الحيوان : الجريمة لا تقع الا من إنسان فإذا هاجم حيوان شخصا فان ذلك لا يعد عدوانا بفعل يعد جريمة وبالتالي لا يمكن الاحتجاج بوجود الدفاع الشرعي عن النفس0 ولكن يجوز الالتجاء الى القوة المادية لدفع هذا الخطر ولو اقتضى الأمر قتل الحيوان دون ان يعتبر هذا الفعل جريمة ولكن ليس على أساس الدفاع الشرعي وإنما استنادا الى المادتين 426 و 431 ع0إ اللتين تحظران قتل الدواب والمواشي والحيوانات او الإضرار بها الا في حالة هجوم الحيوان على الانسان0
-2 ان يكون الخطر حالا : يكون الخطر حالا في إحدى صورتين:
أ- الخطر الوشيك الوقوع : يكون الخطر على وشك الوقوع اذا كان الاعتداء لم يبدأ بعد ولكن صدر من المعتدي أفعالا تجعل من وقوع الاعتداء هو الحدث التالي مباشرة لتلك الأفعال وفقا للسير العادي للأمور، اي ان يصل المهدد بالضرب الى حد يتعين معه الضرب والا كان هو المضروب0 فيجوز للشخص ممارسة حقه في الدفاع الشرعي بمجرد ان يتهدده خطر وشيك ولا يشترط ان يكون الاعتداء قد بدأ فعلا0
أما اذا كان الخطر ليس وشيكا بل مستقبلا فلا ينشأ به حق الدفاع الشرعي لانه يمكن دفعه بالالتجاء الى السلطة العامة في الوقت المناسب0
ب- الاعتداء الذي لم ينته بعد : الخطر في هذه الصورة يتحول فعلا الى اعتداء ولكنه لم ينته بعد، كما لو وجه شخص ضربة واحدة الى المجني عليه ويستعد لاستكمال الضربات0 في هذه الحالة يظل الدفاع الشرعي قائما0
* زوال الخطر وتمام الاعتداء : اذا زال خطر الاعتداء فلا محل للدفاع الشرعي، ومن ثم فأي فعل يصدر من المعتدى عليه يعد من قبيل الانتقام والثأر وهذا غير مشروع0 وقد ينتهي الخطر قبل حصول الضرر كما لو استطاع المعتدى عليه انتزاع سلاح المعتدي0 وقد ينتهي الخطر بعد حصول الضرر اي بتمام الاعتداء، كما لو قام الجاني بضرب المجني عليه وكف عن ضربه، او جمع المسروقات وخرج من المنزل دون متابعة، فلا يجوز للمجني عليه استعمال القوة او العنف ضد الجاني بحجة الدفاع الشرعي0
*الخطر الوهمي او التصوري : يجب ان يتضمن الاعتداء خطرا حقيقيا، فإذا تصور الشخص على خلاف الحقيقة انه مهدد بخطر حال او وشيك الوقوع ، فاستعمل القوة ضد من توهم انه مصدر هذا الخطر الوهمي فأصابه0 الراجح فقها وقضاء ان الخطر الوهمي كالخطر الحقيقي، كلاهما يكفي لتبرير الدفاع الشرعي ويبيح أفعاله متى استند الى أسباب جدية معقولة، وهذا ما قصده المشرع الاتحادي0
والواقع ان الخطر الوهمي او التصوري يأخذ حكم الغلط في الوقائع الذي ينفي القصد الجنائي كما ينفي الخطأ غير العمدي اذا كانت هناك أسباب جدية معقولة له، أما اذا تخلفت هذه الأسباب سئل المدافع عن فعله بوصف جريمة غير عمدية0
* الجرائم التي يجوز فيها الدفاع الشرعي : أباح المشرع الاتحادي الدفاع ضد كل فعل يعتبر جريمة على النفس او المال، ولم يفرق بين الاعتداء الواقع على المدافع وبين ما اذا كان واقعا على غيره0 فيجوز الدفاع عن نفس المدافع او ماله او عن نفس غيره او ماله على حد سواء0 ويقصد بجرائم النفس تلك التي تقع اعتداء على حق يتعلق بشخص المجني عليه وتشمل :
جرائم الاعتداء على حياة الإنسان وسلامة بدنه : القتل والضرب والجرح والاجهاض0 -
جرائم الاعتداء على العرض : جرائم الاغتصاب وهتك العرض والفعل الفاضح العلني0 -
جرائم الاعتداء على الحرية : القبض والحبس بدون وجه حق، الخطف وجرائم التصنت وإفشاء الاسرار0 -
جرائم تهدد الإنسان في سمعته : كالقذف والسب، على انه يلزم ان يكون استعمال القوة لازما لوقف السب او القذف0 -
أما جرائم المال فهي التي تقع على حق يتعلق بمال المجني عليه ومثالها :
جرائم السرقة -
جرائم إتلاف المال والتعدي على الحيوان -
جريمة انتهاك حرمة ملك الغير ، وغير ذلك من جرائم الاموال0

-
ثانيا : فعل الدفاع : يشترط في فعل الدفاع شرطان هما :
ان يكون لازما لدرء الخطر0 -
ان يكون متناسبا مع جسامة الخطر0 -
-1 لزوم الدفاع : يقصد به ان يكون ارتكاب الجريمة هو الوسيلة الوحيدة أمام المدافع لتفادي خطر الاعتداء، فإذا كان بوسعه رد الاعتداء بوسيلة اخرى غير الجريمة فان الدفاع عن طريق الجريمة يكون غير لازم، وهذا المعنى مستفاد من المادة 56 ثالثا ورابعا عقوبات اتحادي0 وعليه فانه اذا أمكن للمدافع انتزاع وسيلة الاعتداء من يد المعتدي بسهولة فلا يجوز له الاحتجاج بأنه كان في حالة دفاع شرعي0 وتقدير ما اذا كان الدفاع لازما او غير لازم لدرء خطر الاعتداء يعد مسالة موضوعية يختص بها قاضي الموضوع0
وللقول بأن الدفاع كان لازما لدرء خطر الاعتداء يجب التثبت من أمرين هما :
1- استطاعة الالتجاء الى السلطات العامة : لا يجوز للشخص ان يلجأ الى الدفاع الشرعي اذا كان هناك فسحة من الوقت يتمكن فيها من اللجوء الى السلطات العامة لدرء الخطر ومنع تحقق الاعتداء، وهذا ما نصت عليه المادة 56/2 ع0إ 0 أما اذا لجأ الشخص الى السلطة العامة ولكنها تراخت او تباطأت في نجدته كان له ان يرد الاعتداء الواقع عليه بالدفاع الشرعي، وكذلك اذا عجزت السلطة العامة عن رد الاعتداء0
ويثور السؤال هل اذا كان بإمكان المعتدى عليه تفادي العدوان عن طريق الهرب فهل يحق له الصمود ومواجهة العدوان بالدفاع الشرعي ؟
ليس على المهدد بالخطر ان يهرب ليتفادى العدوان حتى وان كان ذلك ممكنا لان ذلك قد يضفي على صاحبه مظهر الضعف او الجبن او التخاذل الذي لا تقرره الكرامة الإنسانية - غير ان المتفق عليه انه اذا كان المعتدي مجنونا او سكرانا او صغيرا غير مميز فان الهروب من مواجهته لا يعد جبنا وذلك اذا كان الفعل الذي أتاه اي من هؤلاء خطرا حقيقيا لا يمكن التخلص منه الا بدفعه.
-2 توجيه فعل الدفاع الى مصدر الخطر : يشترط لإباحة فعل الدفاع ان يتجه الى مصدر الاعتداء ذاته، لان توجيه الدفاع الى غير هذا المصدر ينفي عنه صفة اللزوم وبالتالي ينفي صفة الدفاع0

- 2 تناسب الدفاع مع جسامة الاعتداء :
أ - حد التناسب بين الدفاع والاعتداء : يلزم في القوة التي يستخدمها المدافع ان تكون متناسبة مع خطر الاعتداء، ويقصد به التناسب في الوسيلة المستخدمة في الدفاع ، اي ان تكون الوسيلة المستعملة في ظروف استعمالها هي انسب الوسائل لرد الاعتداء، او كانت هي الوسيلة التي وجدت في متناول يد المدافع لدرء هذا الخطر0

ب- معيار التناسب : يعد فعل الدفاع متناسبا مع جسامة الاعتداء اذا كان لا يجاوز القدر الذي يأتيه الشخص المعتاد الذي يتواجد في نفس ظروف المدافع0 على انه ينبغي ان يأخذ المعيار بعين الاعتبار ظروف وملابسات الحالة الواقعية، اي الظروف التي تمت فيها الوقائع0 ويدخل في تقدير تناسب الدفاع مع الاعتداء الحالة الصحية والقوة البدنية لكل من المدافع والمعتدي، ما اذا كان أحدهما شيخا او صبيا، ذكرا ام أنثى، وزمان ومكان الاعتداء0 مثلا : اذا كانت قوة المدافع البدنية اقل كثيرا من قوة المعتدي كان له ان يستعمل قدرا من العنف يزيد عما يباح له0


ثالثا : قيود الدفاع الشرعي :
أورد المشرع الاتحادي قيدين على استعمال حق الدفاع الشرعي هما: حظر الالتجاء الى القتل العمد الا في حالات محدد على سبيل الحظر ، وحظر مقاومة أفراد السلطة العامة0

-1 أحوال القتل العمد : حدد المشرع الاتحادي في المادة 57 ع0إ على سبيل الحصر حالات معينة يبيح فيها الدفاع الشرعي عن طريق القتل العمد وتتمثل هذه الحالات في الآتي :
فعل يتخوف ان يحدث عنه الموت او جراح بالغة اذا كان لهذا التخوف أسباب معقولة0 -
مواقعة أنثى كرها او هتك عرض اي شخص بالقوة0 -
اختطاف إنسان -
جنايات الحريق او الإتلاف او السرقة -
الدخول ليلا في منزل مسكون او في أحد ملحقاته0 -
فإذا لجأ المدافع الى القتل العمد في غير الحالات المذكورة اعتبر متجاوزا لحدود حقه في الدفاع الشرعي0 كذلك الحال اذا كان بالإمكان دفع خطر الاعتداء بوسيلة اخرى دون القتل العمد0
-2 حظر مقاومة أفراد السلطة العامة :
نطاق القيد : يستفاد من نص المادة 58 ع0إ انه اذا قام رجل السلطة العامة بعمل في حدود الواجبات التي تفرضها عليه وظيفته وكان هذا العمل مشروعا كالقبض على المتهم او تفتيش مسكنه طبقا للقانون، فان رجل السلطة العامة يعد مؤديا لواجب فرضه عليه القانون وبالتالي يكون مباحا لا يجوز رده بالدفاع الشرعي0 فإذا تجاوز رجل السلطة العامة حدود القانون وارتكب عملا غير مشروع فانه يجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضده0 أ-
شروط القيد : تطلب المشرع الاتحادي لمنع الدفاع الشرعي ضد رجل السلطة العامة توافر شرطين هما : ب-
-1 أن يكون رجل السلطة العامة حسن النية : اي ان يعتقد رجل السلطة العامة في مشروعية العمل الذي يؤديه وانه يدخل ضمن اختصاصه الوظيفي0 كأن يقبض رجل السلطة العامة على شخص بمقتضى أمر باطل معتقدا صحته0 أما اذا كان رجل السلطة العامة سيئ النية كأن يعلم بعدم مشروعية العمل الذي يؤديه فان الدفاع الشرعي ضده يكون جائز كأن يقوم رجل السلطة العامة بالقبض على شخص وهو يعلم انه ليس هو الشخص المقصود بشأنه الإذن القانوني0
-2 إذا خيف ان ينشأ عن أفعاله موت او جراح بالغة : أجاز المشرع الاتحادي الدفاع الشرعي ضد رجل السلطة العامة اذا خيف ان ينشأ عن فعله موت او جراح بالغة وبشرط ان توجد أسباب معقولة لهذا التخوف، تستفاد من الظروف التي أحاطت بارتكاب الفعل مثال ذلك ان ينفذ أحد أفراد السلطة العامة أمرا بالقبض على شخص أجريت له عملية جراحية منذ وقت قليل بحيث يخشى ان يترتب على نقله من المستشفى الى مركز الشرطة وفاته او أصابته بضرر صحي خطير، فيجوز الدفاع الشرعي لانه ليس من المصلحة إهدار أهم حقوق الأفراد لمجرد ضمان مباشرة رجل السلطة العامة لوظيفته 0
رابعا : تجاوز حدود الدفاع الشرعي :
لم يقصر المشرع الاتحادي احكام التجاوز على الدفاع الشرعي بل أورد في المادة 59 حكما عاما يسري على كل أسباب الاباحة0
-1 شروط التجاوز : وفقا لنص المادة 59 ع0إ يشترط لاعتبار الجاني متجاوزا حدود الدفاع الشرعي توافر شرطين هما :
- نشوء حق الدفاع : يجب ان ينشأ حق الدفاع الشرعي مستوفيا سائر شروطه التي نص عليها القانون ما عدا شرط التناسب بين فعل الدفاع وخطر الاعتداء بأن تكون الوسيلة التي استخدمها المدافع قد استخدمت بقدر يزيد على القدر اللازم لرد الاعتداء عليه0 فالبحث في أمر تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي لا يكون الا حيث تكون حالة الدفاع الشرعي قد توافرت0
- أن يتم تجاوز حدود الدفاع الشرعي بحسن نية : يتوافر حسن النية اذا تم الخروج عن حدود الحق عن غير قصد بأن كان يعتقد انه لا يزال في حدوده وان الوسيلة التي اخذ بها استخدمت بالقدر المناسب لرد الاعتداء0 أما اذا تعمد المدافع تخطي حدود الدفاع الشرعي بأن قصد إحداث ضرر اشد مما يستلزم الدفاع فانه يكون سيئ النية ويسأل عن فعله على أساس انه ارتكب جريمة عمدية غير مقترنة بعذر التجاوز0

-2 حكم التجاوز : فإذا توافر هذين الشرطين التزم القاضي بتخفيف العقاب بل ان نص المادة 59عقوبات أجاز للقاضي الحكم بالعفو عن العقوبة اذا رأى محلا لذلك0
أكمل قراءة الموضوع ...

المشاركة الإجرامية القسم العام_جامعة الشارقة

الفصل الرابع
المشاركة الإجرامية

تمهيد :
قد ترتكب الجريمة من طرف شخص واحد وقد يساهم في ارتكابها عدة أشخاص وهذه الصورة يطلق عليها المشاركة الإجرامية او المساهمة الجنائية 0 وقد تناول المشرع الاتحادي المساهمة الجنائية في الفصل الثالث من الباب الثالث في المواد من (44) الى (52) 0

شروط قيام حالة المشاركة الإجرامية :
لقيام المشاركة الإجرامية يلزم توافر شرطين هما : تعدد الجناة ووحدة الجريمة.

1- تعدد الجناة : لا تتصور المساهمة بغير تعدد الجناة، اي ان يساهم في ارتكاب الجريمة اكثر من شخص واحد0 وتختلف أدوار المساهمين في الجريمة ، فمنهم من يساهم في الجريمة بصفة أصلية فيكون فاعلا فيها، ومنهم من يساهم بصفة تبعية او ثانوية فيكون شريكا فيها0 ولكنه يلزم في جميع الأحوال وجود فاعل واحد على الأقل 0 ولذلك لا يتصور ان يكون كل المساهمين في الجريمة شركاء0
ويترتب على ما تقدم انتفاء المشاركة الإجرامية اذا كان الجاني واحدا وان تعددت جرائمه، كما لا تتوافر المساهمة الجنائية اذا تعددت الجرائم وتعدد تبعا لها الجناة فيسأل كل مجرم عن جريمته استقلالا وان ارتكبت هذه الجرائم في زمان ومكان واحد بل وبباعث واحد، كما لو احرق متظاهرون متاجر خصومهم0
وتجدر الإشارة الى ان تعدد الجناة في الجريمة لا تقوم به المساهمة الجنائية الا اذا كان عرضيا اي لا يشترطه القانون لقيام الجريمة ، من ذلك المشاركة في جريمة القتل، فهذه الجريمة تقبل القيام بشخص واحد، كما تقوم بتعدد الأشخاص فيها وهذا التعدد عرضي0 وفي المقابل هناك جرائم لا تقوم قانونا الا بتعدد الجناة فيها، فالتعدد هنا ضروري لوقوعها، كما هو الحال في جريمة الرشوة والاتفاق الجنائي، فإذا توافر في جريمة الرشوة الموظف المرتشي والشخص الراشي فلا محل للقول بتوافر المشاركة الإجرامية0

-2 وحدة الجريمة : يجب ان تكون الجريمة المرتكبة من المساهمين واحدة، وهذا يعني ان يساهموا في تحقيق نتيجة واحدة، وان تجمعهم رابطة معنوية واحدة0

أ - الوحدة المادية للجريمة : تفترض المساهمة الجنائية تعدد الأفعال الصادرة من المساهمين، ولكن يجب ان تؤدي الى نتيجة واحدة، ففي جريمة القتل يجب ان تؤدي أفعال الجناة الى نتيجة إجرامية واحدة وهي إزهاق روح المجني عليه0 كما تتطلب الوحدة المادية للجريمة ان تتوافر علاقة السببية بين كل فعل صدر من المساهمين وبين النتيجة الإجرامية، فإذا حرض شخص اخر على قتل ثالث فارتكبت جريمة القتل بناء على هذا التحريض فعلاقة السببية قائمة بين نشاط المحرض ووفاة المجني عليه0

ب - الوحدة المعنوية : يجب ان تتوافر لدى المساهمين كافة رابطة ذهنية او معنوية تجمع بينهم في الجريمة الواحدة0
وقد ذهب البعض الى ان الرابطة المعنوية لا تتوافر الا اذا كان بين المساهمين في الجريمة اتفاق سابق على ارتكابها او على الأقل تفاهما فيما بينهم على ذلك، ويستوي ان يكون سابقا على تنفيذ الجريمة او معاصرا لها0 المهم ان يدرك كل مساهم انه متضامن مع الآخرين في العمل الإجرامي وانه لا يستقل به لحسابه الخاص0
وقد انتقد هذا الرأي على أساس انه يمنع قيام المساهمة الجنائية في الحالات التي ينعدم فيها الاتفاق او التفاهم السابق بين المساهمين، ويثبت فيها وجود تعاون بينهم كما لو رأى شخص اخر يوشك ان يطعن المجني عليه بسكين فيمسك بهذا الأخير ليمنعه من مقاومة الجاني0
ولذلك يذهب الرأي الراجح الى ان الرباط المعنوي بين الجناة يستلزم في الجرائم العمدية ان يكون بينهم قصد جنائي مشترك، فيتوافر لدى كل مساهم قصد المشاركة في الجريمة، وهو عالم بسلوك الآخرين مع إرادة تحقيق الجريمة بفعله وأفعال الآخرين 0 ولا يلزم ان يكون هناك اتفاق او تفاهم سابق بين الجناة، فالخادم الذي يعلم بان لصا ينوي سرقة منزل مخدومه فيتعمد ترك بابه مفتوحا لكي يمكنه من ذلك يعتبر مساهما في جريمة السرقة 0 ولم يشترط المشرع الاتحادي الاتفاق او التفاهم السابق بين المساهمين لقيام حالة المساهمة الجنائية ، فوفقا لنص المادة 44/2 ع إ يكفي لاعتبار الشخص شريكا مباشرا في الجريمة ان يشترك اي يدخل في ارتكاب الجريمة فيأتي عمدا عملا من الأعمال المكونة لها 0 وأما بالنسبة للشريك بالتسبب فاكتفى القانون ، المادة(45/1 ثالثا) بأن يكون الشريك بالتسبب قد قدم المساعدة مع علمه بالجريمة 0 وان مجرد توارد الخواطر او التوافق بين اكثر من شخص في ارتكاب الجريمة اي ان يقصد كل واحد منهم ارتكاب فعل معين ينتويه بقية الأشخاص بصفة مستقلة دون وجود اتفاق بينهم لا تقوم به المساهمة الجنائية وإنما نكون بصدد تعدد في الجرائم بتعدد الجناة0

وأما في الجرائم غير العمدية فان الرابطة المعنوية تتحقق اذا كان الخطأ قد شمل فعل المساهم نفسه وفعل الآخر معه بخروجهما معا عن واجب الحيطة والحذر، فمن يسلم سيارة الى صديقه وهو يعلم انه يجهل القيادة ويترتب على ذلك قتل أحد المارة فانه يكون مساهما بخطئه في الجريمة التي وقعت0

المبحث الأول - المساهمة الاصلية :
نص المشرع الاتحادي في المادة (44 ع إ) على ثلاثة صور للمساهمة الاصلية 0
أولا : الفاعل عن طريق ارتكاب الجريمة (الفاعل المباشر) :
تتضمن هذه الصورة حالتين هما :
1 - ارتكاب الشخص وحده الجريمة (الفاعل وحده) : تتحقق هذه الحالة اذا ارتكب الجاني بمفرده الركن المادي المكون للجريمة سواء أكانت في صورتها التامة او اقتصرت على مرحلة الشروع، فإذا كانت الجريمة قتلا فان الفاعل هو الذي يباشر إزهاق روح إنسان حي0 ولا يغير من هذا الوضع ان يساهم مع الفاعل الأصلي الوحيد شريك او اكثر يقوم بالاعمال التي تساند نشاط الفاعل ولا تدخل في الأعمال المكونة للركن المادي0
-2 الفاعل مع غيره : ان يقوم كل فاعل من الجناة المتعديين بارتكاب الركن المادي للجريمة بأكمله، بحيث لو نظرنا الى نشاطه مجردا عن نشاط من معه لكان ما ارتكبه كافيا وحده لاعتباره مرتكبا للجريمة بأكملها، مثال ذلك ان ينهال عدد من الجناة ضربا على المجني عليه قاصدين إزهاق روحه فمات نتيجة لذلك0 ويلاحظ ان ما أتاه كل من الجناة من فعل مادي يكفي وحده لوقوع الجريمة كاملة في حق كل واحد منهم ولكن انصراف القصد الى المساهمة هو الذي جعل الفعل واحدا رغم تعدد الفاعلين، فيسأل كل واحد عن الجريمة التي وقعت سواء كانت تامة ام ناقصة بوصفه فاعلا لها0

ثانيا : الفاعل عن طريق الدخول في ارتكاب الجريمة :
نصت على هذه الصورة من المساهمة الجنائية الاصلية المادة 44/ثانيا عقوبات اتحادي0 ان الفاعل عن طريق الدخول في ارتكاب الجريمة لا يكون الا في جريمة تتكون من عدة اعمال، فيأتي عملا من الأعمال الداخلة في تكوينها حتى وان لم يقم بباقي الاعمال0

1 - الدخول في الجريمة بعمل يعد شروعا : ان الفاعل لا يرتكب جميع الأفعال المكونة للركن المادي في الجريمة بل يقتصر نشاطه على بعض هذه الأعمال فقط والا كنا بصدد الصورة الاولى0 فإذا كانت الأعمال التي أتاها الجاني تعتبر من الأعمال التنفيذية فإنها تكفي بذاتها لكي يعد فاعلا في الجريمة، أما اذا كانت هذه الأعمال لا تخرج عن كونها أعمالا تحضيرية فلا يعد مرتكبها فاعلا اصليا بل شريكا متى وقعت الجريمة وتوافرت شروط المساهمة الجنائية. مثال ذلك في القتل ان يتقدم زيد وبكر لقتل عمرو فيوقف الأول سيارة المجني عليه، وتولى الثاني قتله فكلاهما يعد فاعلا للقتل، بشرط ان يكون زيد قد أوقف السيارة بقصد قتل عمرو0 والمقصود بتطبيق معيار الشروع على فعل المساهم هو لمعرفة ما اذا كان فعل المساهم مستقلا عن أفعال غيره يكفي لكي يعد بدءا في التنفيذ، فيعتبر مرتكبه فاعلا، ام ان فعله لا يعدو ان يكون عملا تحضيريا ومن ثم يعتبر مرتكبه شريكا بالتسبب0
ويجب ان يكون قصد الجاني قد انصرف الى المساهمة في تنفيذ الجريمة بصفة أصلية 0
-2 الدخول في الجريمة بدور فعال : يعتبر فاعلا بالدخول في ارتكاب الجريمة كل من يتواجد على مسرح الجريمة وقت ارتكابها لما يترتب على هذا التواجد من شد أزر المنفذين لمادياتها ومعاونتهم او الإقلال من مقاومة المجني عليه لهم0 وقد تبنى قانون العقوبات الاتحادي هذا الرأي، فنص في (المادة 46) على ان من يقوم بدور ثانوي في الجريمة (الشريك بالتسبب) يعد فاعلا مع غيره (الشريك المباشر) اذا وجد في مكان الجريمة أثناء ارتكابها0

ثالثا : الفاعل المعنوي :
الفاعل المعنوي هو من يسخر شخصا غير مسئول جنائيا لتنفيذ الجريمة، فيكون في يده بمثابة اداة يستعين بها لتحقيق هذا الغرض0 وتفترض هذه الحالة وجود فاعلين :
*فاعل مادي : قام بتنفيذ ماديات الجريمة دون ان تتوافر لديه المسئولية الجنائية0
* فاعل معنوي : قام بتسخير الفاعل المادي واستعمله كأداة لتنفيذ الجريمة0
فالفاعل المعنوي هو الذي ينفرد بتنفيذ الجريمة ولكن بواسطة غيره، كمن يغري مجنونا على قتل المجني عليه، ومن يدفع طفلا غير مميز إلى إشعال النار في منزل، وقد يكره شخص خادمه لدس السم في الأكل الذي سيتناوله شخص اخر وتحدث الوفاة0 في هذه الأمثلة كان منفذ الجريمة غير أهل للمسئولية لفقد الإدراك كالمجنون والصبي غير المميز ولفقد الاختيار كالمكره0 كما يعد فاعلا معنويا من يدفع الى الجريمة شخصا حسن النية لا يعلم بحقيقة الصفة الإجرامية للفعل الذي يرتكبه، مثل موثق العقود الذي يدون في أوراقه بيانات مزورة يمليها عليه أحد طرفي التعاقد0
وقد اخذ قانون العقوبات الاتحادي لدولة الامارات العربية المتحدة بنظرية الفاعل المعنوي في (المادة 44/ثالثا) ولم يقصر المشرع الاتحادي نظرية الفاعل المعنوي على أحوال انتفاء الأهلية الجنائية لدى المنفذ بل وسع نطاقها لتشمل المنفذ المسئول ولكنه حسن النية لعدم توافر القصد الجنائي لديه0 فيعد الفاعل المعنوي فاعل الجريمة ويسأل عنها، ما دام منفذها غير مسئول لانعدام المسئولية الجنائية او لانتفاء القصد الجنائي0

المبحث الثاني - المساهمة التبعية (الشريك بالتسبب)

تتحقق المساهمة التبعية بإسهام الجاني في الجريمة بدور ثانوي بأن يرتبط السلوك الذي يأتيه بالفعل الإجرامي ونتيجته بعلاقة سببية دون ان يتضمن هذا السلوك تنفيذا للجريمة او قياما بدور رئيسي في ارتكابها0

أولا : أساس مسئولية الشريك بالتسبب :
اختلفت الآراء في تحديد أساس مسئولية الشريك عن الجريمة التي يرتكبها الفاعل الى نظريات ثلاث هي : نظرية الاستعارة ، نظرية التبعية ونظرية الاستقلال0

1 - مذهب الاستعارة : يقوم هذا المذهب على أساس وحدة الجريمة التي ارتكبها الفاعل وساهم فيها الشريك، والأصل ان نشاط الشريك غير إجرامي في ذاته فهو مشروع لو ارتكب منفردا، ولكن بسبب ارتباطه بالجريمة الاصلية فانه يستعير إجرامه من إجرام الفاعل الأصلي0 وظهر في هذا المذهب اتجاهان :
أ- الاستعارة المطلقة : يرى هذا الاتجاه وجوب المساواة بين الفاعل والشريك في المسئولية الجنائية وفي مقدار العقاب، وذلك لان مساهمة شخص في جريمة غيره تجعله يتبناها ويعتبرها جريمته ويتقبل كل النتائج التي تترتب عليها0 وعليه فان أفعال الشريك تستعير الصفة الإجرامية من الفعل الإجرامي المرتكب من قبل الفاعل الأصلي استعارة مطلقة، ولذلك يسأل الشريك عن الجريمة الاصلية ويخضع لعقوبتها دون اي تمييز بينه وبين الفاعل، ويسري عليه اثر الظروف المادية شأنه شأن الفاعل ويخضع لأثر الظروف الشخصية المتوافرة لدى الفاعل0 أما اثر ظروف الشريك الشخصية فلا تمتد الى الفاعل لانه يستمد إجرامه من فعله0

ب- الاستعارة النسبية : يستعير فعل الشريك إجرامه من الفعل الأصلي الا أنها استعارة نسبية او مخففة تتناسب مع ما قام به من دور ثانوي في الجريمة، ولذلك يجب ان تكون مسئولية الشريك أخف من الفاعل وبالتالي تخفيف عقوبته عن عقوبة الفاعل0 كما لا يتأثر الشريك بالظروف الشخصية التي تقوم لدى الفاعل مشددة او مخففة ولا تأثير لظروف الشريك على الفاعل0

وقد انتقد مذهب الاستعارة على أساس انه لا يتفق مع مبادئ السياسة الجنائية الحديثة التي تعتمد في تحديد إجرام الجاني على شخصيته وحده لا على إجرام غيره، فمسئولية الشريك وعقابه مستقل عن إجرام الفاعل الاصلي0

- 2 مذهب التبعية : ان سلوك الشريك لا يملك في ذاته المقومات التي تجعله يطابق نص التجريم ولما كان الفعل الأصلي هو الذي تتوافر فيه عدم المشروعية، فان عقاب الشريك على ما يأتيه من سلوك يتوقف على قيام الفاعل بالبدء في تنفيذ الفعل المكون للجريمة، وهذا يعني ان الشريك مجرم تبعي لا يستقل بذاته، بل لابد له من إجرام فاعل اصلي ليشتق منه الصفة غير المشروعة0

والراجح فقها ان تبعية فعل الاشتراك للسلوك المرتكب من الفاعل الأصلي تبعية مقيدة، بمعنى انه يكفي لمعاقبة الشريك ان يرتكب الفاعل سلوكا غير مشروع، ولا يشترط ان يكون الفاعل مسئولا جنائيا عن فعله، حيث يستقل كل مساهم بأحواله وظروفه الشخصية سواء كانت مشددة او مخففة او مانعة من العقاب0

3- مذهب استقلال إجرام الشريك عن إجرام الفاعل : يرى أنصار هذا المذهب ان إجرام الشريك مستقل ومختلف عن إجرام الفاعل سواء من حيث الأعمال التي قام بها كل منهما، او من حيث النية الإجرامية التي توافرت لكل منهما ، وعليه فانه يستقل كل شريك بجريمته كما يستقل كل فاعل بجريمته ، فمن يحرض على القتل يسأل عن جريمة التحريض بغض النظر عما اذا كان القتل قد نفذ او لم ينفذ ، وتحدد لفعله العقوبة التي تناسب خطورته وظروفه والتي قد تختلف عن عقوبة الفاعل الأصلي0 فكل مساهم يستقل بظروفه وحدها من حيث التشديد او التخفيف0 وبذلك تتعدد الجرائم وفقا لهذا المذهب بتعدد الجناة ثم يستقل كل شريك بجريمته كما يستقل كل فاعل بجريمته0

موقف قانون العقوبات الاتحادي : لم يأخذ المشرع الاتحادي بمذهب معين على إطلاقه بل حاول التوفيق بين المذاهب المتقدمة جميعها، فقد اخذ بنظرية الاستعارة المطلقة عندما جعل أساس المشاركة وحدة الجريمة على الرغم من تعدد المساهمين فيها، واخضع الشريك للعقوبة المقررة قانونا للجريمة التي اشترك فيها0 واخذ بفكرة الاستعارة النسبية عندما قرر ان الشريك بالتسبب لا تنصرف اليه سوى الظروف المادية والظروف المشددة الشخصية التي سهلت اقتراف الجريمة0 واخذ بمذهب التبعية عندما قرر بان عقاب الاشتراك بالتسبب يتوقف على وقوع الجريمة بناء على هذا الاشتراك0 كما اخذ في نطاق محدود بفكرة اعتبار عمل الشريك جريمة مستقلة من ذلك تجريم التحريض على بعض الجرائم بوصفه جريمة قائمة بذاتها بالرغم من عدم وقوع الجريمة المحرض عليها (المادة 91 ع0 إ)0
*
ثانيا : أركان جريمة الشريك بالتسبب :
تقوم جريمة الشريك بالتسبب على ركنين : ركن مادي وآخر معنوي :

1- الركن المادي : تتمثل عناصر الركن المادي لجريمة الشريك في فعل الاشتراك، ونتيجة إجرامية تتمثل في ارتكاب الفاعل لجريمته، وعلاقة سببية تربط بين سلوك الشريك وجريمة الفاعل0

أ- فعل الاشتراك : حدد المشرع الاتحادي وسائل الاشتراك في المادة (45) عقوبات اتحادي، ويتبين من هذا النص ان الشخص لا يكتسب صفة الشريك بالتسبب في الجريمة الا اذا اتخذ اشتراكه صورة من الصور المنصوص عليها على سبيل الحصر وهي التحريض او الاتفاق او المساعدة 0 وان الاشتراك في الجريمة لا يتحقق الا اذا كان التحريض او الاتفاق سابقا على وقوعها او كانت المساعدة سابقة او معاصرة لها وكان وقوع الجريمة بناء على ذلك الاشتراك0

1- التحريض : لم يعرف قانون العقوبات الاتحادي التحريض، ويمكن القول بأن التحريض هو بث فكرة الجريمة في نفس الجاني وتدعيمها حتى ينعقد التصميم على ارتكابها0 فنشاط المحرض ذو طبيعة معنوية، حيث يتجه الى نفسية الجاني كي يؤثر فيه ليدفعه الى ارتكاب الجريمة، ولا عبرة بالوسائل التي يتم بها التحريض، فقد يقع بالوعد او التهديد او بالإغراء او استعمال النفوذ كما قد يقع عن طريق الأقوال التي تهيج شعور الجاني وتدفعه الى ارتكاب الجريمة0

محل التحريض : يجب ان يرد التحريض على فعل يعتبر جريمة أيا كان نوعها، وهذا يعني ان التحريض باعتباره وسيلة من وسائل الاشتراك في الجريمة يجب ان يكون مباشرا اي منصبا على ارتكاب جريمة معينة بالذات كالقتل او السرقة0
*
أما اذا كان التحريض غير مباشر اي غير وارد على جريمة بعينها، فانه لا يعد وسيلة للاشتراك وبالتالي لا عقاب عليه، كما لو كان محله مجرد إثارة الحقد او البغضاء او العداوة بين شخصين مما يدفع أحدهما الى ارتكاب الجريمة، فهذا السلوك لا يعد تحريضا0

التحريض الفردي والتحريض العام : ان التحريض الذي عنته المادة 45 ع0 إ هو التحريض الموجه الى فرد بعينه او أفراد معينين بذواتهم 0 ولكن يتصور ان يكون التحريض عاما اي موجها الى جماعة او جمهور غير معينين بالذات، ولا يقع التحريض العام الا عن طريق العلن 0 ويشترك التحريض الفردي والتحريض العام في الحكم ، فالمحرض في الحالتين يعد شريكا بالتسبب اذا وقعت الجريمة التي انصب عليها تحريضه سواء في صورة تامة او في صورة الشروع 0
*
2- الاتفاق : هو تلاقي إرادة شخصين او اكثر وانعقادها على ارتكاب الجريمة موضوع الاتفاق، فهو يتطلب انعقاد نية المتفقين على ارتكاب الجريمة، فإذا وقعت بفعل أحدهم كان هو الفاعل الأصلي وكان الباقون شركاء له0

ولما كان الاتفاق عبارة عن تقابل ارادتين او اكثر على ارتكاب الجريمة، فانه يفترض وجود فكرة الجريمة في ذهن كل من دخل في الاتفاق، ولذلك لا يلزم اقتران الاتفاق بالتحريض او العكس0 ولا يشترط القانون مضي وقت معين بين الاتفاق على الجريمة وتنفيذها0

الاتفاق والتوافق : الاتفاق يتطلب تقابل الارادات وانعقاد العزم بينما على ارتكاب جريمة معينة0 أما التوافق فهو توارد الخواطر لدى الجناة على ارتكاب فعل إجرامي معين ، اي قيام فكرة الجريمة ذاتها لدى اكثر من شخص في وقت واحد دون سابق تفاهم بينهم0 كما لو خطرت "لزيد" و "بكر" قتل عمرو دون ان يفصح اي منهما للآخر عما عزم عليه، فإذا قام بكر بقتل عمرو فلا يعد زيد شريكا له في جريمته بطريق الاتفاق0
*
فالتوافق يختلف عن الاتفاق في انه لا يرتب تضامنا بين الجناة في المسئولية الجنائية، بل يسأل كل منهم عن نتيجة فعله الذي ارتكبه فقط، في حين ان الاتفاق يستوجب مساءلة سائر من اتفقوا على الجريمة التي ارتكبها بعضهم0

3- المساعدة : المساعدة هي مد الفاعل بما يعينه على ارتكاب جريمته، سواء لتجهيز او تسهيل ارتكابها او تذليل ما قد يعترض طريقه من عقبات0 ويستوي في نظر القانون ان تتم المساعدة بأية وسيلة كانت0
وقد تكون المساعدة سابقة على تنفيذ الجريمة فترد على الأعمال المجهزة لارتكابها، فتتحقق المساعدة بإرشاد القاتل إلى كيفية تحضير المادة السامة التي تستخدم في القتل، او بتقديم المعلومات الى السارق عن كيفية دخول المسكن المراد سرقته0 وقد تتمثل في تقديم أسلحة او آلات تستخدم في ارتكاب الجريمة، كمن يقدم مفتاحا مقلدا للاستعانة به في ارتكاب جريمة السرقة0
وقد تكون المساعدة معاصرة لتنفيذ الجريمة وعبر عنها المشرع بقوله الأعمال المسهلة او المتممة لارتكابها، ومثال الأعمال المسهلة ان يترك الخادم باب المنزل مفتوحا ليسهل للسارق الدخول للسرقة، ومثال الأعمال المتممة من يشاهد شخصا يعتدي على اخر بالضرب فيسارع الى إعطائه عصا لاستعمالها في الضرب0

ويلاحظ ان الاشتراك بالمساعدة لا يتحقق الا اذا كانت المساعدة سابقة او معاصرة لارتكاب الجريمة وكان وقوع الجريمة ثمرة لذلك الاشتراك0 أما الأعمال المساعدة اللاحقة على ارتكاب الجريمة فلا تصلح ان تكون وسيلة من وسائل الاشتراك0 فمن يساعد السارق في إخفاء الأشياء المسروقة فانه لا يكون شريكا في السرقة وإنما مرتكبا لجريمة إخفاء الأشياء المسروقة (م 407 ع0 إ) ، ومع ذلك فقد يعتبر الشخص شريكا بالرغم من تقديمه المساعدة بعد ارتكاب الجريمة، وذلك في حالة ما اذا كان هناك اتفاق سابق على تقديمها، فيعتبر شريكا بالاتفاق في الجريمة وليس بالمساعدة.

التفرقة بين الشريك بالمساعدة والفاعل بالدخول : *
ان المساعدة قد تكون معاصرة لتنفيذ الجريمة بان تكون في صورة اعمال مسهلة او متممة لارتكابها، وهي تفترض تدخل المساعد حين يأتي الفاعل الأعمال المنفذة للجريمة، وهذا قد يستدعي ان يتواجد الشريك مع الفاعل وقت ارتكاب الجريمة مما يثير بعض الدقة عند التمييز بين الشريك بالمساعدة في الأعمال المسهلة او المتممة لارتكاب الجريمة وبين الفاعل الذي يدخل في ارتكاب الجريمة بإتيانه عملا من الأعمال المكونة لها0 لذلك فانه يرجع الى معيار الشروع ، فيعد فاعلا من تدخل أعماله في مرحلة البدء في التنفيذ، بينما يعد شريكا بالمساعدة من تقتصر أعماله على مرحلة الأعمال التحضيرية0
ويرى جانب من الفقه ان الشريك بالمساعدة يظل يتميز عن الفاعل بطريق الدخول بدور فعال بأمرين :
- ان دور الشريك ثانوي بينما دور الفاعل يمثل عملا من اعمال ارتكاب الجريمة.
- ان النية الإجرامية لدى الشريك تنحصر في مجرد المساعدة، أما عند الفاعل مع غيره فهي نية ارتكاب الجريمة على قدم المساواة مع باقي المساهمين0
والواقع ان الفصل في هذا الأمر من اختصاص قاضي الموضوع.

المساعدة بطريق الامتناع : ثار البحث حول مدى تحقق الاشتراك بالمساعدة في شكل سلبي او امتناع0 وذهب البعض الى ان المساعدة تتطلب عملا إيجابيا يبذله المساعد ويقدم عن طريقه العون الى الفاعل، أما الموقف السلبي الذي يتخذه الشخص من الجريمة عند ارتكابها لا يجعل منه شريكا فيها0
*
الا ان الراجح ان الاشتراك بالمساعدة يمكن ان يقع بطريق سلبي، فنشاط الفاعل يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا، فلماذا لا يكون الأمر كذلك بالنسبة للشريك، كما ان المساعدة تتحقق بإزالة العقبات التي تعترض تنفيذ الجريمة وهو ما يمكن ان يتحقق بطريق سلبي كالشرطي الذي يرى آخرين يسرقون محلا فيغير طريقه حتى يسهل لهم ارتكاب الجريمة0


ب- النتيجة الإجرامية لنشاط الشريك :
1- ماهية النتيجة الإجرامية : لا يكفي لقيام جريمة الشريك ان يرتكب نشاطا يدخل في إحدى صور الاشتراك التي نص عليها القانون، بل يلزم ان يترتب على نشاطه ارتكاب الفاعل لجريمته، فهذه هي النتيجة الإجرامية لنشاط الشريك ، لان الشريك يستمد إجرامه من إجرام الفاعل0 ويستفاد هذا صراحة من نص المادة 45 ع0 إ0

ويترتب على ذلك انه اذا كان الفعل الذي ارتكبه الفاعل لا يعد جريمة، فلا يتحقق معنى الاشتراك قانونا، ولذلك فلا عقاب على من يساهم في فعل لا عقاب عليه أصلا، او في فعل واحد من أفعال العادة لانه يلزم قانونا ان يساهم الشريك في كل فعل يدخل في تكوين العادة0 ولا يعد شريكا من يساهم في فعل توافر له سبب من أسباب الإباحة كمن يقدم سلاحا لشخص يستعمل حقه في الدفاع الشرعي0
ويجب ان تبقى الجريمة التي ارتكبها الفاعل واسهم فيها الشريك معاقبا عليها ، فإذا صدر عفو شامل عن الجريمة الاصلية فانه يؤدي الى محو آثارها فيستفيد الشريك من ذلك لان العفو الشامل ينفي عن الفعل الصفة الإجرامية بأثر رجعي. وكذلك الحال اذا مضت على جريمة الفاعل المدة اللازمة لسقوط الدعوى الجنائية عنها، فان ذلك يمنع من محاكمة الشريك0

ويكفي ان تكون الجريمة التي ارتكبها الفاعل وساهم فيها الشريك معاقبا عليها في ذاتها فلا عبرة بعد ذلك بما يلحق الفاعل الأصلي من أسباب شخصية مانعة للمسئولية او للعقاب، فيعاقب الشريك رغم توافر هذه الأسباب، كما لو كان الفاعل غير مسئول جنائيا كأن يكون مجنونا0 بل ان الشريك يعاقب ولو ظلت شخصية الفاعل مجهولة0

2- حكم الاشتراك في الاشتراك :
قد لا يترتب على فعل الاشتراك النتيجة الإجرامية المتمثلة في جريمة يقترفها الفاعل الأصلي، وإنما يترتب عليها اشتراك اخر، وصورته ان يحرض “ خالد “ “ زيد “ على قتل "عمرو" فيقدم “ زيد “ سلاحا الى "بكر" كي يستخدمه في ارتكاب الجريمة ، فيكون "بكر" فاعلا اصليا بينما يعد “ زيد “ شريكا مباشرا له و” خالد “ شريكا للشريك0

ويذهب الرأي الراجح الى ان القانون لا يشترط ان تكون العلاقة مباشرة بين الشريك والفاعل الأصلي، فإذا توافرت أركان المساهمة التبعية في فعل شريك الشريك اعتد به، ولا شك في أنها متوافرة ، فسلوك شريك الشريك يتخذ صورة إحدى وسائل المساهمة التبعية، وعلاقة السببية متوافرة بين سلوكه وعمل الفاعل الأصلي، والقصد الجنائي متوافر لديه ، فيسأل بوصفه مساهما تبعيا في الجريمة التي ارتكبها الفاعل ، وبهذا الرأي اخذ القانون الإماراتي صراحة في (المادة 45 / ثالثا) عقوبات اتحادي.

3- حكم العدول عن الاشتراك : يحدث ان يعدل الشريك بعد ارتكاب فعله عن المضي في المشروع الإجرامي الذي ساهم فيه بدافع الندم او خشية العقاب، فما اثر هذا العدول ؟

الواقع انه لا صعوبة في شأن عدول الشريك لانه إما ان يترتب عليه عدم ارتكاب الفاعل للجريمة فلا وجود عندئذ للاشتراك ، وأما ان يمضي الفاعل في ارتكابها على الرغم من عدول الشريك، فإذا كانت علاقة السببية قائمة بين نشاط الشريك والجريمة المرتكبة فيستحق الشريك العقاب، أما اذا كان عدول الشريك قد قطع علاقة السببية فتنتفي مسئولية الشريك 0 وبديهي انه اذا كان عدول الشريك لاحق لوقوع الجريمة فلا تأثير له على مسئولية الشريك0

ج- علاقة السببية : يجب لقيام المساهمة التبعية ان تتوافر علاقة السببية بين نشاط الشريك وجريمة الفاعل الأصلي، بمعنى ان يكون ارتكاب الجريمة قد جاء نتيجة التحريض او الاتفاق او المساعدة وهذا ما أوضحته المادة 45 عقوبات اتحادي0

فإذا انقطعت علاقة السببية بين نشاط الشريك وبين جريمة الفاعل فلا محل لمساءلة الشريك عن فعله لانه لم يكن سببا للجريمة المرتكبة، كما لو شاهد "عمرو" "خالدا" يضرب شخصا اخر فأعطاه عصا لاستعمالها في الضرب ولكن “ خالد “ رمى بها واستخدم يديه في اقتراف الجريمة، فلا يسأل "عمرو" عن الجريمة المرتكبة.

2- الركن المعنوي في المساهمة التبعية :
أ- الركن المعنوي لجريمة الشريك بالتسبب في الجرائم العمدية :
اذا كانت الجريمة محل الاشتراك عمدية فان الركن المعنوي في الاشتراك بالتسبب يتخذ صورة القصد الجنائي الذي يتكون من عنصرين : العلم بالجريمة وإرادة المساهمة0

- 2 العلم بالجريمة : ينبغي ان يكون الشريك بالتسبب عالما بماهية السلوك الذي يأتيه، وان من شأنه المساهمة في إقدام شخص على ارتكاب جريمة معينة ، وهو أمر متوافر في التحريض والاتفاق ، أما بالنسبة للمساعدة فقد تحصل دون ان يكون مقدمها عالما بحقيقة ما يرمي اليه الجناة من الحصول عليها، لذلك نص المشرع الاتحادي في المادة (45) ثالثا على شرط علم الشريك بالجريمة التي ساعد على ارتكابها0 وعليه يجب ان يعلم الشريك بأن من شان الوسيلة التي ساهم بها ان تعين على ارتكاب الجريمة0 فإذا انتفى هذا العلم لديه فلا يتوافر القصد الجنائي ولا يسأل عن الجريمة المرتكبة، فمن يقدم سلاحا لشخص لغرض الصيد، فيستخدمه هذا الأخير في جريمة قتل، فلا يعتبر من قدم السلاح شريكا فيها لانه لم يعلم بها مطلقا0

2 - إرادة المساهمة : يجب ان تتجه إرادة الشريك الى الفعل الذي تقوم به وسيلة المساهمة والى نتيجة الاشتراك وهي الجريمة التي يرتكبها الفاعل، ويترتب على ذلك انه لا يعد شريكا من يصنع مفاتيح مقلدة ويبيعها الى جماعة من اللصوص يعلم انهم سوف يستخدمونها في ارتكاب سرقة، فلا يسال عنها لان إرادته لم تتجه الى ارتكاب الجريمة0

ب- الركن المعنوي لجريمة الشريك بالتسبب في الجرائم غير العمدية :
ثار البحث في إمكان قيام الاشتراك بالتسبب في الجرائم غير العمدية ، كالشخص الذي يأمر قائد سيارته بالسير أزيد من السرعة المقررة فيتسبب ذلك في قتل شخص او إصابته، فهل يعد هذا الشخص شريكا بالتحريض مع السائق في الجريمة التي وقعت ؟ الراجح فقها ان الاشتراك بالتسبب كما يكون في جريمة عمدية يتصور أيضا في جريمة غير عمدية ، على أساس ان الاشتراك المعاقب عليه هو الذي يتم إسهاما في فعل غير مشروع بغض النظر عن الركن المعنوي وشكله، فيكفي لتوافر الركن المعنوي للاشتراك في الجرائم غير العمدية ان يعلم الشريك بفعل الفاعل الأصلي المتصف بالإهمال او عدم الاحتياط، وان تتوافر له إرادة المساهمة في هذا الفعل دون ان تنصرف الى إحداث النتيجة التي وقعت0

المبحث الثالث- المسئولية والعقاب في المشاركة الإجرامية

أولا : المسئولية عن النتائج المباشرة :
- 1 مسئولية الفاعل والفاعل مع غيره (الشريك المباشر) :
الأصل ان الفاعل لا يتأثر بوجود فاعلين آخرين معه في ذات الجريمة فيسأل عنها ويعاقب بالعقوبة المقررة لها0 فإذا تعدد الفاعلون عوقب كل منهم بالعقوبة المقررة للجريمة كما لو كان قد ارتكبها وحده لان الفاعل يستمد إجرامه من فعله0 ويتعين الإشارة الى ان كل من ساهم في الجريمة بصفة فاعل يسأل عن الجريمة التامة اذا وقعت ولو كان دوره فيها لم يصل الى مرتبة الشروع، كما في حالة الدخول بدور فعال في الجريمة0

-2 مسئولية الشريك بالتسبب : سوى المشرع الاتحادي بمقتضى المادة 47 ع0 إ بين عقوبة الفاعل وعقوبة الشريك بالتسبب، وهذه المساواة هي مساواة قانونية بمعنى خضوع الشريك المباشر والشريك بالتسبب لنص قانوني واحد هو النص الخاص بالجريمة التي ساهموا في ارتكابها واستحقاقهم للعقوبة المقررة في هذا النص0 غير ان القاضي يملك إجراء تفريد للعقاب في حدود الحد الاقصى والحد الأدنى الذي يقرره القانون، فله ان يحكم على الشريك بالتسبب بعقوبة تختلف عن العقوبة التي يحكم بها على الشريك المباشر، كأن تكون اشد او اخف0
وقد يخرج المشرع عن هذه القاعدة في حالات خاصة فيقرر للشريك بالتسبب عقوبة اشد من عقوبة الفاعل ، من ذلك ما تقرره المواد 280 ، 282 ، 284 ع0 إ التي تجعل عقوبة من يساعد مقبوضا عليه على الهرب اشد من عقوبة الهارب نفسه0 وما تقرره المادة 231 عقوبات اتحادي للموظفين العامين اذا امتنعوا عمدا عن تأدية واجب من واجبات وظيفتهم عقوبة أخف (الحبس الذي لا يزيد عن سنة) مما تقرره لمن يحرضهم على ذلك (الحبس الذي يصل حده الاقصى الى ثلاث سنوات)0
ثانيا : المسئولية عن النتائج المحتملة :
الفرض هنا ان تقع من أحد الفاعلين نتيجة اخرى غير التي قصد بقية المساهمين في الجريمة0 وتطبيقا للقواعد العامة في المسئولية الجنائية فان النتيجة المختلفة التي يحققها أحد الفاعلين لا يسأل عنها الا الفاعل الذي حققها او الشريك الذي انصرفت إرادته الى إحداثها وساهم فيها بسلوك يرتبط بها بعلاقة سببية0 الا انه حفاظا على وحدة الجريمة التي تقع نتيجة مساهمة اكثر من شخص في إحداثها اتجهت بعض التشريعات ومنها القانون الإماراتي الى تقرير مسئولية بقية المساهمين في الجريمة سواء كانوا فاعلين او شركاء متسببين عن النتيجة التي يحدثها أحد الفاعلين حتى ولو كانت غير التي قصدها المساهم معه، متى كانت الجريمة التي وقعت بالفعل نتيجة محتملة للمساهمة التي حصلت0

*شروط مسئولية الشريك (المباشر او بالتسبب) عن النتيجة المحتملة :
يتعين لإمكان مساءلة الشريك مباشرا كان او متسببا عن الجريمة الأخرى التي تقع من غيره من الفاعلين توافر شرطين أساسيين هما كالتالي :
-1 توافر أركان الاشتراك : لا يعد المتهم شريكا الا اذا توافرت أركان الاشتراك التي يتطلبها القانون سواء بالنسبة للشريك المباشر او بالنسبة للشريك المتسبب، واهم هذه الأركان ان تتجه إرادة الشخص الى المساهمة في فعل يعد في ذاته جريمة ، فإذا اتجهت إرادته الى المساهمة في فعل مشروع ثم ارتكبت جريمة تعد نتيجة محتملة فلا يؤاخذ عنها غير مرتكبها ، لعدم توافر أركان الاشتراك0 مثال ذلك ان يتنازع شخصان على حيازة عقار، فأقام أحدهما حارسا عليه وطلب منه منع اي شخص من الدخول في العقار، فارتكب الحارس قتلا في سبيل تنفيذ الأمر، فلا يعد الآمر مسئولا عن القتل الذي وقع0


-2 أن تكون الجريمة التي يرتكبها الفاعل نتيجة محتملة لفعل الاشتراك : يقتضي هذا الشرط ان يرتكب الفاعل جريمة اخرى غير الجريمة التي قصد الشريك المساهمة في ارتكابها، وان تكون نتيجة محتملة لفعل الاشتراك 0 وتكون النتيجة محتملة اذا كانت متوقعة وفقا للسير العادي للأمور ، اي كان في استطاعة الشريك مباشرا او متسببا ومن واجبه عندما تدخل بعمله ان يتوقعها ولو لم يكن قد توقعها بالفعل0 ومعيار الاحتمال هنا موضوعي لا شخصي، فلا ينظر فيه الى ما توقعه الشريك بالفعل كنتيجة لمشاركته الإجرامية ، بل الى ما كان الشخص المعتاد يتوقعه عند تدخله بنشاطه0 مثال ذلك اذا اتفق خالد مع بكر على سرقة متاع منزل معين ، وعندما ذهب بكر لارتكابها قاومه حارس المنزل فقتله، فان الشريك خالد يسأل عن جريمة القتل لأنها نتيجة محتملة للسرقة0

ثالثا : المسئولية عن الظروف المختلفة :
1- المسئولة عن الظروف المادية : الظروف المادية هي التي تلتصق بماديات الجريمة وتضاف الى جانبها المادي، وبالتالي يسري أثرها على كل من اشترك في الجريمة بالمباشرة او التسبب علم بها او لم يعلم (م 49/1 ع0 إ) ويستوي ان يكون أثرها تشديد العقوبة كظرف الترصد في جريمة السرقة، وظرف حمل السلاح في السرقة ، او تخفيف العقوبة وهذا نادر الحدوث كأن تقع السرقة على أشياء تافهة0

2- المسئولية عن الظروف الشخصية :
اثر الظروف الشخصية : الظروف الشخصية هي تلك التي تتصل بشخص مرتكب الفعل، مثالها صغر السن ، صفة الزوج في جريمة قتل الزوجة حال مفاجأتها متلبسة بالزنا 0 والقاعدة ان هذه الظروف لا يتعدى أثرها شخص من تعلقت به، ولا تتعداه الى غيره من المساهمين سواء علموا بها او لم يعلموا (م 49/3 ع0 إ)0 أ-
اثر الظروف المشددة : تقرر المادة 49/2 ع0 إ استثناء على القاعدة السابقة، فنصت على ان الظروف الشخصية المشددة التي سهلت ارتكاب الجريمة يقتصر أثرها على من توافرت لديه فقط و لا تسري على بقية المساهمين الا اذا علموا بها0 مثال ذلك صفة الطبيب في الإجهاض وصفة الخادم في السرقة0 ب-
3 - المسئولية عن الأعذار القانونية :
نص المشرع الاتحادي في المادة 50 ع0 إ على نوعين من الأعذار الشخصية:
الأعذار المعفية من العقاب : فهي أسباب للإعفاء من العقاب فهي لا تنفي أركان الجريمة او شروط المسئولية عنها، فهي تحول دون توقيع العقاب فقط0 ويقتصر اثر هذه الأعذار على من توافر فيه سببها، فلا يستفيد منها سائر المساهمين في الجريمة 0 مثال ذلك اذا كان الفاعل موظفا غير مكلف بالبحث عن الجرائم او ضبطها وأهمل او أرجأ إبلاغ السلطة المختصة بجريمة علم بها أثناء تأديته وظيفته، فانه يجوز إعفاءه من العقاب اذا كان هذا الموظف زوجا لمرتكب الجريمة او من أصوله او فروعه 00000 (المادة 272 ع0إ)، الا ان الشريك معه في الجريمة لا يستفيد من العذر المعفي وتوقع عليه العقوبة0 أ-
الأعذار الشخصية المخففة للعقاب : هي حالات حددها المشرع على سبيل الحصر يلتزم فيها القاضي بان يهبط بالعقوبة المقررة للجريمة وفقا لقواعد معينة في القانون0 ويترتب على هذه الأعذار تخفيف العقوبة وجوبا0 ب-
ويعد من الأعذار المخففة للعقوبة حداثة سن المجرم (فيما بين 16 و 18 سنة) ، (المادة 10 من قانون الأحداث الجانحين والمشردين) ، وكذلك ارتكاب الجريمة لبواعث غير شريرة او بناء على استفزاز خطير صدر من المجني عليه بغير حق (م 96 ع0 إ)0
وحكم هذه الأعذار الشخصية انه لا يتعدى أثرها الى غير من تعلقت به ، بمعنى انه اذا توافر هذا العذر لدى أحد الشركاء استفاد وحده من التخفيف دون غيره0
4- حكم الظروف المتصلة بالقصد من الجريمة او بكيفية العلم بها :
تنص المادة (62) ع0 إ على ان الأصل ان الظروف التي تغير وصف الجريمة او العقوبة باعتبار قصد فاعلها او كيفية علمه بها ذات صفة شخصية بحتة، وعليه فان كل مساهم في الجريمة مباشرا او متسببا يسأل بحسب قصده منها او كيفية علمه بها، دون ان يتأثر في ذلك بقصد غيره او كيفية علمه بها، سواء أكانت هذه الظروف تغير وصف الجريمة او تغير عقوبتها فقط0
الظروف التي تغير وصف الجريمة باعتبار قصد مرتكبها : في بعض الصور قد يتوافر لدى أحد المساهمين ظرف متصل بقصده من الجريمة يقتضي تغيير وصفها ولا يتوافر لدى باقي المساهمين معه، وبالتالي فانه ظرف يتعلق بالركن المعنوي للجريمة الذي يستقل فيه كل مساهم عن الآخر0 مثال ذلك ان يقوم (أ) و (ب) بضرب (ج) وثبت ان قصد (أ) هو إزهاق روح المجني عليه، في حين كان قصد (ب) مجرد إيلامه بالضرب، فيؤاخذ كل منهما بحسب قصده، (أ) عن قتل عمدي او شروع فيه اذا لم تتحقق النتيجة الإجرامية، ويسأل (ب) عن جريمة ضرب0 أ-
كذلك اذا ارتكب شخصان جريمة قتل وثبت سبق الإصرار لدى أحدهما دون توافره لدى الآخر، فلا تطبق العقوبة المشددة الخاصة بالقتل مع سبق الإصرار الا على من توافر الظرف لديه بينما يعاقب الآخر بعقوبة القتل البسيط (المادة 332 ع0إ)0
الظروف المتعلقة بكيفية العلم بالجريمة : تتصل هذه الظروف بكيفية علم المساهم في الجريمة بوقائع معينة، فيترتب عليه تغيير في وصف الجريمة، مثال ذلك ان يقدم شخص منزله الى صديق لإخفاء مسروقات به، فيقوم هذا الأخير باستخدام المنزل في إخفاء مسروقات متحصلة من جريمة سرقة مقترنة بالإكراه مع علمه بذلك، في حين انتفى علم صاحب المنزل بهذا الظرف، يخضع الفاعل للعقوبة المشددة (م 385 ع0إ) وتعد الواقعة جناية، في حين يخضع الشريك للعقوبة المقررة في (المادة 390 ع0إ) وتعد الجريمة جنحة0 ب-
الظروف الشخصية التي تغير من العقوبة 5-
يقصد بهذه الظروف تلك التي لو تحققت في شخص المساهم تغير العقوبة دون تغيير وصف الجريمة0 وان تغيير العقوبة قد يكون بالتشديد مثل ظرف العود (م 106 الى 108 ع0إ) او بالتخفيف كظرف صغر السن، فيقتصر اثر الظرف على من توافر لديه دون غيره .
أكمل قراءة الموضوع ...

أركان الجريمة القسم العام_جامعة الشارقة

الفصل الثالث
أركان الجريمة

المبحث الأول : الركن المادي :
سنتناول بالدراسة عناصر الركن المادي في الجريمة التامة ثم دراسة الشروع في الجريمة0
المطلب الأول : الجرائم التامة :
يقوم الركن المادي في الجريمة التامة على ثلاثة عناصر هي : السلوك الإجرامي والنتيجة الضارة وعلاقة السببية بين السلوك والنتيجة0

أولا - السلوك الإجرامي :
ماهيته : السلوك الإجرامي هو النشاط الإرادي الخارجي الذي يصدر عن الجاني ليحقق النتيجة الإجرامية التي يعاقب عليها القانون0 فالجريمة تبدأ بفكرة في ذهن الجاني قد يصرف النظر عنها وقد يصمم على تنفيذها، والمشروع الجنائي لا يعاقب على النوايا الآثمة والمقاصد الشريرة مالم تخرج الى حيز الوجود في شكل سلوك مادي ملموس0 بل ان المشرع الجنائي لا يعاقب على الأفعال التي تعد من قبيل الأعمال التحضيرية وهي الأعمال المادية التي يباشرها الجاني استعدادا لتنفيذ الجريمة كإعداد الجاني السلاح الذي ينوي استخدامه في الجريمة0 ويرجع عدم العقاب على الأعمال التحضيرية لكونها لا تشكل خطرا يهدد المجتمع ولتشجيع الفاعل على العدول عن تنفيذ مشروعه الاجرامي0 1-
واستثناء قد يرى المشرع تجريم بعض صور التصميم على الجريمة والتحضير لها ، من ذلك : جريمة محاولة قلب نظام الحكم في الدولة (م 174 و 189 ع0 إ) وجريمة تكوين عصابة لمهاجمة طائفة من السكان او مقاومة رجال السلطة العامة في تنفيذ القوانين (م 186 ع0إ) ، فالمشرع يعاقب على هذه الجرائم باعتبارها جرائم مستقلة قائمة بذاتها لا بوصفها مرحلة في الجريمة المراد ارتكابها0

صور السلوك الإجرامي : ان السلوك الإجرامي قد يكون في صورة ارتكاب فعل يحظره القانون وهو الأمر في الجرائم الإيجابية، وقد يكون في صورة عدم القيام بفعل يأمر به القانون وهو الأمر في الجرائم السلبية0
2-
الفعل الإيجابي : هو كل حركة عضوية إرادية تصدر من الجاني ليتوصل بها الى ارتكاب جريمته، وهذه الحركة قد يؤديها بيده او ساقه او فمه او غير ذلك من أعضاء جسمه0 ويستوي في نظر القانون ان تقع هذه الحركة العضوية بأية كيفية او باستخدام اداة تنفذها او دون استخدام اية اداة، فمثلا القتل قد يقع بوسيلة قاتلة بطبيعتها كسلاح ناري، وقد يقع بوسيلة غير قاتلة بطبيعتها ولكن تؤدي الى إحداث الوفاة بحسب قصد الجاني منها وطريقة استخدامه لها كركل المجني عليه في مقتل ، بل ان القتل قد يقع حتى ولو لم يلامس الجاني جسم المجني عليه مباشرة كأن يضع له في فراشه ثعبانا ساما0 غير ان الحركات العضوية لا تكفي في الفعل لكي يكتسب قيمته الجنائية بل يلزم توافر عنصر اخر نفسي يتمثل في الإرادة التي تسبب الحركة العضوية، فإذا صدرت الحركة العضوية بغير قوة الإرادة فإنها حركة آلية لا تنسب الى صاحبها، فإذا أصيب شخص بإغماء مفاجئ فسقط على طفل فأصابه بجراح فان فعل الإصابة لا يسند اليه بل الى قوة الجاذبية الارضية0 أ-
والأصل ان المشرع لا يعتد بوسائل السلوك الإجرامي ولا بزمانه ولا مكانه الا انه استثناء قد يأخذ المشرع هذه الامور في الاعتبار.
فقد يشترط المشرع لقيام بعض الجرائم ان يكون وقوعها بوسائل معينة فمثلا يلزم استعمال النار في تخريب الأموال الثابتة او المنقولة (م 304 عقوبات اتحادي) واستخدام الطرق الاحتيالية في النصب (م 399 ع0 إ)0
وقد يعتبر المشرع الزمن الذي يرتكب فيه الفعل عنصرا يدخل في تكوين الجريمة مثل الإخلال العمدي بتنفيذ كل الالتزامات التي يفرضها عقد مقاولة او نقل او توريد او أشغال عامة مرتبط بها شخص مع الحكومة لحاجات القوات المسلحة فلا تعد جريمة الا اذا وقعت زمن الحرب (م 164/1 ع0 إ)0
أما عن مكان السلوك الإجرامي فقد يعتبره المشرع عنصرا يدخل في تكوين الجريمة كالسب والقذف العلني إذ يستلزم وقوعها في مكان علني (م 372 ع0 إ)0
الامتناع (الشكل السلبي للسلوك) : ب-
الامتناع هو إحجام الجاني عن القيام بعمل إيجابي يفرضه عليه القانون في ظروف معينة وعلى ذلك فان الامتناع يقوم بتوافر عناصر ثلاثة هي :
الإحجام عن أداء عمل إيجابي : لا يتألف الركن المادي في جرائم الامتناع من مجرد إحجام الجاني مجردا وإنما من ذلك الامتناع الذي يترك فيه الجاني أداء عمل معين يلزمه القانون بالقيام به ، ففي مقام التجريم يستوي لدى المشرع ان يقع اعتداء على الحق او المصلحة المحمية بارتكاب الفعل المجرم او بالتخلي عن أداء العمل الواجب، مثال ذلك امتناع الشاهد عن الإدلاء بشهادته أمام القاضي (م 261 ع0 إ)0
1-
وجود واجب يفرضه القانون : ان الامتناع المؤثم في قانون العقوبات هو ذلك الذي يرتب عليه المشرع الجنائي آثارا جنائية ، فإذا لم يكن هناك واجب قانوني يفرضه قانون العقوبات فلا جريمة في حق من أحجم عن الفعل، كمن يشاهد طفلا يعبث بأسلاك كهربائية عارية فلا يحذره حتى يصعقه التيار فيقتله0
2-
الصفة الإرادية للامتناع : مصدر الامتناع الإرادة والصفة الإرادية في الامتناع لا تقتصر على توجيه الإرادة الى عدم القيام بالالتزام الذي يفرضه القانون بل تنصرف الى عدم توجيهها للقيام به مع القدرة على ذلك، لان الإرادة تتطلب القدرة على التنفيذ حيث لا تكليف بمستحيل0
3-
ثانيا - النتيجة :
تردد الفقه الجنائي بين مدلولين للنتيجة : مدلول مادي وآخر قانوني0
1- المفهوم المادي للنتيجة : هي عبارة عن التغيير الذي يحدث في العالم الخارجي كأثر للسلوك الإجرامي، فإذا ترتب على الجريمة عدة آثار مادية في العالم الخارجي فان المشرع لا يعتد الا بأثر واحد يشترط تحققه لتمام الجريمة وهذا هو المقصود بالنتيجة.
فمن يرتكب فتلا يحدث اثر يتمثل في وفاة إنسان حي 0 ولا يلزم ان تتوافر النتيجة بمدلولها المادي في كل الجرائم حيث توجد طائفة من الجرائم يكفي لقيامها حدوث السلوك الإجرامي ، ولذلك تنقسم الجرائم الى :
جرائم ذات النتائج : هي الجرائم التي ينطوي ركنها المادي على نتيجة معينة مثل القتل0 *
جرائم شكلية : هي جرائم السلوك المجرد وتتميز بانعدام النتيجة فيها مثل جرائم إحراز وحمل السلاح دون ترخيص0
*
ثانيا : المفهوم القانوني للنتيجة : هي الاعتداء على المصلحة التي يحميها القانون سواء أدى هذا الاعتداء الى الإضرار بالمصلحة المعتدى عليها او تهديدها بالخطر0 فالنتيجة في القتل هي الاعتداء على حق الإنسان في الحياة ، وفي السرقة هي الاعتداء على حق الملكية والحيازة0 والنتيجة بهذا المفهوم ليست ضررا ماديا ينجم عن سلوك إجرامي وإنما عبارة عن ضرر معنوي يقع على حق يحميه القانون، ويترتب على ذلك ان لكل جريمة نتيجة، غاية الأمر ان هناك جرائم تكون لنتائجها مظهر ملموس كما هو الحال في القتل، وجرائم ليس لها مظهر ملموس ولكنها تمثل ضررا معنويا يقع على مصلحة يحميها القانون مثل جريمة امتناع الشاهد عن الحضور وأداء الشهادة التي تتمثل النتيجة فيها في اعتداء الفاعل على حق المجتمع في الاستعانة بفرد من أفراده في كشف الحقيقة0 ولذلك قسم الفقه الجرائم وفقا للمفهوم القانوني للنتيجة الى جرائم ضرر وجرائم خطر :
جرائم الضرر : هي التي تتمثل النتيجة فيها في تحقق ضرر فعلي على المصلحة التي أراد المشرع حمايتها0 *
جرائم الخطر : النتيجة فيها تتمثل في مجرد خطر يهدد المصلحة التي يحميها القانون، فهذا الجرائم تستهدف حماية المصلحة من احتمال التعرض للخطر دون استلزام الإضرار الفعلي0
*
ثالثا - علاقة السببية :
لا يثير بحث العلاقة السببية اية صعوبة اذا كان سلوك الجاني هو العامل الوحيد الذي أدى الى النتيجة المعاقب عليها كمن يطلق عيارا ناريا على اخر فيقتله ، فيكفي لقيام السببية إسناد الفعل الى الجاني 0 الا انه غالبا ما تنضم الى فعل الجاني عوامل متعددة اخرى مستقلة عنه فتشترك معه في إحداث النتيجة الإجرامية، وتختلف العوامل التي تتضافر في إحداث النتيجة الإجرامية فمنها ما هو سابق على السلوك الإجرامي كأن يتم الاعتداء على شخص مصاب بمرض القلب مما يساعد على وفاته، ومنها ما يكون معاصرا كأن يطعن الجاني المجني عليه بسكين في ذات اللحظة التي يطلق فيها عليه اخر النار فيقتله، ومنها ما يكون لاحقا على السلوك الإجرامي كأن يطلق شخص النار على المجني عليه فيصيبه ولكن المصاب يهمل في العناية بإصابته مما يؤدي الى وفاته0
فهل تظل علاقة السببية قائمة بين فعل الجاني والنتيجة الإجرامية على الرغم من تدخل عوامل اخرى؟ للإجابة على هذا التساؤل وجدت عدة نظريات في علاقة السببية .

أولا - نظريات السببية :
1- نظرية تعادل الأسباب : ان جميع العوامل التي تساهم في إحداث النتيجة الإجرامية تعتبر عوامل متكافئة متعادلة، فكل واحد يعتبر سببا في إحداث النتيجة التي لولاه لما كانت لتقع وبغض النظر عن قيمة كل سبب منفردا0 فعلاقة السببية بين سلوك الجاني والنتيجة تعتبر قائمة ما دام سلوكه أحد العوامل اللازمة لتحقيقها بالإضافة الى الأسباب الأخرى التي ساهمت معه، فسلوك الجاني هو السبب الأول الذي أدى الى سير الامور على النحو الذي انتهت اليه ولولاه لبقيت العوامل الأخرى عاجزة عن تحقيق النتيجة0 فلو طعن شخص اخر فأصابه ونقل الى المستشفى وهناك شب حريق أدى الى موته حرقا ، تنسب الوفاة الى سلوك الجاني لانه هو السلوك الأول الذي أدى الى سير الامور على الوجه الذي انتهت اليه0
أما اذا كان انتفاء سلوك الجاني لم يكن ليؤثر على تحقيق النتيجة فان رابطة السببية لا تقوم بين سلوكه والنتيجة التي تحققت0
وقد انتقدت نظرية تعادل الأسباب على النحو التالي :
أنها غير منطقية لأنها تؤدي الى توسع غير مقبول في علاقة السببية إذ تحمل الجاني نتائج العوامل الأخرى التي ساهمت مع فعله في إحداث النتيجة0 *
أنها تناقض نفسها حيث أنها تقر ان الأسباب كلها متعادلة في إحداث النتيجة ثم تعود وتختار نشاط الجاني وحده لتلقي عليه وحده مسئولية النتيجة0
*
2- نظرية السبب الأقوى او الفعال : يسأل الجاني عن النتيجة متى كان نشاطه هو السبب الفعال او الأقوى في حدوثها، أما العوامل الأخرى التي ساعدت في إحداث النتيجة تعتبر ظروفا لا أسبابا لان فعل الجاني كان كافيا لوحده لإحداث النتيجة، فإذا قام بالدور الفعال عامل اخر سابق على فعل الجاني او لاحق عليه فان هذا العامل يعتبر سببا لوفاة المجني عليه ، ويعد فعل الجاني مجرد ظرف0 ولذلك فان السببية تتطلب ارتباطا ماديا ومباشرا بين الفعل والنتيجة0
اخذ على هذه النظرية أنها وضعت معيارا غامضا يحتاج الى تحديد فمتى يعتبر فعل الجاني عاملا فعالا او أساسيا - كما أنها تضيق من نطاق السببية وبالتالي المسئولية الجنائية0

3- نظرية السببية الملائمة : لا يعتبر نشاط الجاني سببا لوقوع نتيجة إجرامية معينة الا اذا تبين ان هذا النشاط صالح لإحداث تلك النتيجة وفقا للسير العادي للامور0 فيعتبر نشاط الجاني سببا في النتيجة ولو ساهمت معه في إحداثها عوامل اخرى ما دامت هذه العوامل متوقعة ومألوفة0
أما اذا تضافر مع نشاط الجاني في إحداث النتيجة عامل شاذ غير متوقع فانه ينفي رابطة السببية بين الوفاة وبين نشاط الجاني، ويسأل عن شروع في القتل اذا توافر لديه القصد0 ويقاس التوقع بمعيار موضوعي هو ما يتوقعه الشخص العادي اذا وجد في مثل ظروف الجاني0 ومن أمثلة العوامل المتوقعة المألوفة التي لا تقطع علاقة السببية ان يهمل المجني عليه في علاج نفسه إهمالا ينتظر عادة ممن كان في مثل ظروفه وبيئته ، او ان يخطئ الطبيب المعالج خطأ يسيرا في علاجه0 ويعد من قبيل العوامل الشاذة غير المألوفة التي تقطع علاقة السببية ان يتعمد المجني عليه عدم معالجة نفسه بقصد تسويء مركز المتهم، وخطأ الطبيب في علاج المجني عليه خطأ جسيما0

ثانيا - بيان السببية في الحكم :
لما كانت محكمة الموضوع ملزمة ببيان الواقعة في الحكم فانه يجب تضمين الحكم توافر علاقة السببية بين فعل الجاني والنتيجة فإذا خلا الحكم من بيان رابطة السببية فانه يكون مشوبا بالقصور في التسبيب متعينا نقضه0 ويعد الدفع بانتقاء علاقة السببية دفعا جوهريا يجب في حالة رفضه ان ترد عليه المحكمة بما يفنده والا كان حكمها قاصرا0 ويقدر قاضي الموضوع من وقائع الدعوى توافر علاقة السببية من عدمه ولا رقابة لمحكمة النقض في ذلك الا من حيث فصله في ان أمرا معينا يصلح قانونا لان يكون سببا لنتيجة معينة او لا يصلح0

ثالثا - معيار السببية في قانون العقوبات الاتحادي :
نص المشرع الاتحادي في المادة 32 عقوبات على تحديد ضابط لعلاقة السببية وقد اخذ بمعيار السبب الملائم0

المطلب الثاني : الجريمة الناقصة (الشروع في الجريمة)

في الجرائم ذات النتائج قد لا يتوصل الجاني الى تحقيق الجريمة كاملة اي إحداث النتيجة المقصودة وذلك بان يوقف نشاطه الإجرامي او يخيب أثره بسبب خارج عن إرادته، وعندئذ لا يكون هذا النشاط الناقص إجراميا الا اذا اتخذ صورة الشروع المعاقب عليه0

أولا : مراحل ارتكاب الجريمة : لا ترتكب الجريمة ذات النتيجة دفعة واحدة وإنما يمر الجاني في سبيل ارتكابها بمراحل متتالية :
مرحلة التفكير في الجريمة والتصميم عليها : تبدأ الجريمة بفكرة تراود الجاني حتى تثبت في ذهنه فيصمم على ارتكابها، ولما كانت هذه المرحلة نفسية محضة ليس لها اي وجود مادي خارجي ملموس ، فانه لا عقاب على ما يأتيه الجاني في هذه المرحلة ، وقد نص قانون العقوبات الاتحادي على عدم العقاب على هذه المرحلة في المادة 34/3 عقوبات0 1-
ويلاحظ ان المشرع اذا قدر ان بعض صور إعلان النية الإجرامية والعزم عليها تنطوي على خطر معين كما هو الحال في الاتفاق الجنائي او التهديد الكتابي او الشفوي بارتكاب جريمة (المواد من 315 الى 353 ع0 إ ) فانه يعاقب عليها بوصفها جريمة قائمة بذاتها0



مرحلة التحضير للجريمة : ان الجاني متى عقد العزم على ارتكاب جريمة معينة فانه لا ينفذها على الفور وإنما يبدأ في إعداد ما يلزم لارتكابها كشراء السلاح او تجهيز المادة السامة او تجهيز الأدوات اللازمة لكسر الخزائن ، ويشمل التحضير التواجد في المكان الذي يمكن معه تنفيذ الجريمة كالسير في الطريق الموصل الى المكان المراد سرقته 0 والقاعدة انه لا عقوبة على هذه الأعمال لتشجيع الفاعل على العدول و عدم التمادي في مشروعه الإجرامي، كما ان الأعمال التحضيرية ذاتها غالبا ما تكون غامضة ولا تكشف عن النية الإجرامية للفاعل فشراء السلاح قد يكون لغرض الدفاع عن النفس او الصيد وليس لغرض الاعتداء0 وقد نص المشرع الاتحادي في (المادة 34) على عدم العقاب على الأعمال التحضيرية0 ومع ذلك فان القانون قد يعاقب على الأعمال التحضيرية باعتبارها جرائم قائمة بذاتها اذا كانت تشكل خطورة تهدد مصلحة المجتمع او كانت تدل على خطورة خاصة لدى مرتكبها مثل تجريم إحراز السلاح بدون ترخيص0 وقد يجعل المشرع الأعمال التحضيرية ظرفا مشددا لبعض الجرائم، فحمل السلاح اذا ضبط مع الجاني أثناء ارتكاب جريمة السرقة فان العقاب يشدد عليه0 وقد يجعل المشرع الأعمال التحضيرية وسيلة اشتراك في الجريمة بطريق المساعدة كمن يسلم سلاحا لاخر لاستخدامه في القتل فيسأل عن جريمة القتل باعتباره شريكا فيها بالمساعدة0
2-
مرحلة البدء في التنفيذ : بعد الانتهاء من الإعداد للجريمة يبدأ الجاني في تنفيذ الركن المادي لها ، وهنا يتدخل المشرع بالعقاب لان البدء في التنفيذ يهدد الحق او المصلحة التي يحميها القانون. وعندما يبدأ الجاني في التنفيذ قد يتمكن من تحقيق النتيجة الإجرامية فتقع الجريمة تامة ، وقد يعجز عن تحقيق النتيجة التي أراد تحقيقها لسبب خارجي لا دخل لإرادته فيه ، وعندئذ نكون بصدد الشروع في الجريمة الذي يعاقب عليه المشرع ، وقد يعدل الجاني باختياره عن المضي في تنفيذ نشاطه الاجرامي0 وهنا يرى المشرع عدم توقيع العقاب تشجيعا للجاني على عدم التمادي في ارتكاب الجريمة الا اذا كان سلوكه يكون جريمة اخرى مستقلة فيعاقب عليها0 3-
مرحلة إتمام الجريمة : تقع الجريمة تامة اذا اكتملت أركانها وعناصرها كما نص عليها القانون وذلك بتمام النشاط الإجرامي ووقوع النتيجة الإجرامية التي ارادها0
4-
ثانيا : أركان الشروع :
عرف الشرع الاتحادي الشروع في المادة (34 ع0 إ) بقوله " الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة اذا أوقف او خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها " 0 ويتضح من ذلك ان الشروع لا يكون الا بالنسبة للجرائم ذات النتائج كالقتل او السرقة، ولا يتصور وجوده في الجرائم الشكلية او جرائم السلوك حيث يتكون ركنها المادي من مجرد سلوك تتم الجريمة بارتكابه او لا يقع فلا تقوم الجريمة مثل جريمة السب و القذف0 كما ان الشروع يقتصر على الجرائم العمدية التي يسعى فيها الجاني الى تحقيق نتيجة معينة، لان الجاني في الجرائم غير العمدية يريد السلوك ولا يريد النتيجة ولا يسعى اليها ولذلك لا يتصور الشروع فيها0 ومن التعريف الذي أورده المشرع يتضح ان الشروع يقوم على أركان ثلاثة هي :
البدء في تنفيذ فعل0 *
القصد الجنائي0 *
عدم ارتكاب الجريمة لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها0
*
أولا : البدء في التنفيذ :
معيار البدء في التنفيذ : لم يضع المشرع معيارا للتفرقة بين ما يعد من الأعمال التحضيرية وما يعد من الأعمال التنفيذية رغم أهمية التفرقة بينهما حيث يدخل النوع الأول في نطاق الأعمال المباحة بينما يدخل النوع الثاني في نطاق الأعمال المعاقب عليها0 وتعرض في الواقع حالات واضحة لا يثار بشأنها اي صعوبات فيسهل التمييز بينها، كمن يشتري سلاحا او يعد خنجرا للقتل يعد عملا تحضيريا، أما ضبط الجاني وهو يطلق السلاح الناري على المجني عليه وإصابته في غير مقتل فانه يعد بدء في تنفيذ القتل اي شروعا فيه0 ولكن هناك حالات لا تعرض دائما بهذا الوضوح، وتتأرجح بين العمل التحضيري والبدء في التنفيذ مما استدعى ضرورة البحث عن معيار واضح يميز بينهما ، واختلفت الآراء بشأنه الى مذهبين :
1-
المذهب الموضوعي : يرى أنصار هذا الاتجاه ان الضابط في تحديد العمل التنفيذي من العمل التحضيري هو الفعل المكون للجريمة كما ورد في النموذج القانوني لها، وبناء عليه فان الجاني لا يعد شارعا في جريمة السرقة الا اذا وضع يده على المال المراد سرقته اي بدأ في تنفيذ فعل الاختلاس الذي يقوم به ركنها المادي، أما الأفعال السابقة على ذلك فتدخل في الأعمال التحضيرية التي لا يعاقب عليها بوصف الشروع مثل كسر الخزانة التي تحتوي على الأشياء المسروقة0
أ-
وعلى الرغم من وضوح هذا المعيار وسهولة تطبيقه الا انه عيب عليه انه يضيق من نطاق الشروع في الجريمة مما يؤدي الى إفلات كثير من الجناة من العقاب رغم خطورة ما ارتكبوه من افعال0 وإزاء شعور أنصار هذا المعيار بنقصه حاولوا التوسع فيه وقالوا ان البدء في التنفيذ يتوافر اذا حقق الجاني بسلوكه ما يعتبر ظرفا مشددا للجريمة، وعليه يعتبر شروعا في جريمة السرقة حالة ما اذا ضبط الجاني وهو يتسلق سور المنزل باعتباره ظرفا مشددا لجريمة السرقة0

غير ان الأخذ بهذا الرأي يؤدي الى نتائج غير مقبولة ، حيث توجد بعض الجرائم ليست لها ظروف مشددة كجريمة النصب ، وبعض الظروف المشددة كظرف الليل والخدمة في جريمة السرقة لا يتصور البدء في التنفيذ بالنسبة لها0

ولذلك ذهب أصحاب هذا المذهب الى القول بمعيار ثالث مؤداه ان الفعل يعتبر بدء في التنفيذ اذا كان دالا بذاته على اتجاه إرادة الجاني الى ارتكاب جريمة معينة كتصويب سلاح ناري على شخص0 أما اذا كان الفعل غير قاطع في دلالته على ارتكاب جريمة معينة إذ قد يصح ان يكون مقصودا به تحقيق أغراض أخرى تحمل التأويل فانه يعد عملا تحضيريا لا عقاب عليه ، كما هو الحال بالنسبة لشراء سلاح او حمله0
ولقد اخذ على هذا الرأي انه من النادر ان يكون للفعل دلالة واحدة مما يؤدي الى إفلات الكثير من الأفعال الخطرة من العقاب على أساس أنها لا تمثل شروعا، فدخول منزل الغير بقصد السرقة لا يعد شروعا في هذه الجريمة لان واقعة الدخول في منزل الغير تحتمل التأويل 0

المذهب الشخصي : لا يعتمد أنصار هذا الاتجاه على ماديات الفعل الإجرامي للتفرقة بين البدء في التنفيذ والعمل التحضيري، وإنما ينظر الى الأفعال التي يأتيها الجاني والتي تكشف على خطورة الجاني وعزمه الأكيد على بلوغ النتيجة الإجرامية 0 وقد اختلف أنصار المذهب الشخصي في صيغة هذا الضابط0 ولعل افضل الصيغ هو الذي قال به الفقيه الفرنسي "جارو" والذي يرى ان الجاني يعتبر قد بدأ في التنفيذ اذا ارتكب سلوكا يؤدي حالا ومباشرة الى الركن المادي للجريمة كما وصفه نموذجها في القانون ، ولو لم يكن السلوك قد حقق بالفعل بداية هذا الركن المادي، ولذلك لا يلزم لقيام الشروع في السرقة ان يضع الجاني يده بالفعل على المال المراد سرقته بل يكفي ان يكون قد أتى فعلا يكون من شأنه ان يؤدي الى ذلك حالا ومباشرة0
ب-
وقد اخذ على هذا الرأي ان اشتراطه ان يكون الفعل مؤديا حالا الى الركن المادي للجريمة قد يؤدي الى إفلات عدد من صور السلوك الخطرة والتي لا تتحقق النتيجة فيها الا بعد فترة طويلة نسبيا ، كمن يحفر نفقا تحت خزائن بنك لسرقتها، لذلك استبعد لفظ حالا من معيار البدء في التنفيذ ويكتفي في تعريف الشروع بأنه " الفعل المؤدي مباشرة الى ارتكاب الجريمة"0

مذهب قانون العقوبات الاتحادي : تبنى المشرع الاتحادي معيارا مختلطا يجمع بين المذهبين المادي والشخصي ويستفاد ذلك من نص المادة (34 ع0 إ) التي نصت على انه " ويعد بدء في التنفيذ ارتكاب فعل يعتبر في ذاته جزء من الأجزاء المكونة للركن المادي للجريمة او يؤدي اليه حالا ومباشرة". ج-
ثانيا : القصد الجنائي في الشروع : ان الركن المعنوي في الشروع يتمثل في قصد ارتكاب الجريمة في صورة تامة الا ان نتيجتها لا تتحقق بسبب خارج عن إرادة الفاعل حال في اللحظة الأخيرة دون وقوعها0 ولذلك فان القصد الجنائي يتوافر في الشروع على نفس النحو الذي يتوافر فيه في الجريمة التامة فيتمثل في انصراف إرادة الجاني الى ارتكاب النشاط الإجرامي والى تحقيق النتيجة الإجرامية مع العلم بعناصر الجريمة القانونية.
وبناء على ذلك فان الشروع يتوافر في الجرائم العمدية ولا يتصور أبدا في الجرائم غير العمدية كالقتل الخطأ لان إرادة الجاني فيها تتجه الى السلوك الإجرامي دون إرادة تحقيق النتيجة التي تقع بسبب ما يشوب السلوك من إهمال او عدم حيطة0 وكذلك لا شروع في الجرائم المتعدية القصد كما هو الشأن في جريمة الضرب المفضي الى عاهة مستديمة فالجاني لما باشر الضرب لم يقصد إحداث العاهة المستديمة والا اعتبرت العاهة عمدية ومن ثم فانه لا يتصور الشروع بالنسبة لنتيجة لم يقصدها الجاني0

ثالثا : عدم تمام الجريمة لسبب غير إرادي :
أولا : صور الشروع :
الجريمة الموقوفة : هي الصورة التي يبدأ الجاني فيها نشاطه الإجرامي الا ان هذا النشاط يوقف و لا يكتمل بسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيه ، ومن ثم لا تحدث النتيجة التي كان يسعى الى تحقيقها ، مثال ذلك من يصوب سلاحه نحو المجني عليه بقصد قتله فيتدخل شخص ثالث ويمسك السلاح ويطلق على هذه الحالة الجريمة الموقوفة0
1-
الجريمة الخائبة : يستنفذ الجاني في هذه الصورة كل نشاطه الإجرامي في سبيل ارتكاب الجريمة وتحقيق النتيجة ولكن رغم ذلك لا تتحقق هذه النتيجة لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه ، مثال ذلك من يطلق عيارا ناريا على شخص بقصد قتله ولكنه يخطئه او يصيبه في غير مقتل ويشفى بعد علاجه0 ولأن اثر الجريمة خاب رغما عن الجاني تسمى هذه الصورة بالجريمة الخائبة0 2-
الجريمة المستحيلة : هي الجريمة التي يستنفذ فيها الجاني كل نشاطه الإجرامي ومع ذلك لا تحقق النتيجة لاستحالة وقوعها أصلا 0 فالجريمة المستحيلة تشبه الجريمة الخائبة من حيث ان الجاني استنفذ كل نشاطه الإجرامي لتحقيق النتيجة الإجرامية ، ولكنها تختلف عن الجريمة الخائبة ، فهذه الأخيرة ممكنة الوقوع وكان من الممكن ان تتحقق نتيجتها لولا تدخل أسباب طارئة ، فلو نفذت الجريمة بمعرفة شخص اخر اكثر دراية لتحققت النتيجة0 أما الجريمة المستحيلة فهي جريمة غير ممكنة الوقوع أصلا لاستحالة تحقق النتيجة وقت مباشرة الجاني نشاطه، كمن يطلق الرصاص على شخص بقصد قتله فإذا به ميت قبل ذلك. 3-
وقد ترجع الاستحالة الى وسيلة تنفيذ الجريمة كاستخدام مادة غير سامة في القتل، وقد تتعلق بمحل الجريمة كما لو كان المجني عليه مات قبل إطلاق النار عليه 0
وقد اختلف الفقه بشأن الجريمة المستحيلة وهل تعتبر نوعا من الجريمة الخائبة او أنها تنفرد بحكم خاص؟
*
عدم العقاب على الجريمة المستحيلة : ذهب البعض الى عدم العقاب على الجريمة المستحيلة سواء أكانت الاستحالة تتعلق بالوسيلة المستعملة ام بموضوع الجريمة، لان القانون يتطلب للعقاب على الشروع البدء في تنفيذ الفعل ، فإذا كانت الجريمة مستحيلة كان البدء في تنفيذها مستحيلا، وبذلك يتعذر قيام الركن المادي للجريمة فتنتفي الجريمة وينتفي الشروع فيها0 1-
وقد انتقد هذا الرأي على أساس انه يؤدي الى تهديد مصلحة المجتمع بعدم العقاب على أفعال رغم دلالتها على خطورة الجناة0

التفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية : تكون الاستحالة مطلقة اذا كانت ترجع الى أسباب يستحيل معها ان تقع الجريمة مطلقا، إما بسبب انعدام موضوع الجريمة كمن يطلق النار على شخص فارق الحياة قبل ذلك، او بسبب عدم صلاحية الوسيلة المستخدمة لإحداث النتيجة كمن يحاول قتل شخص بمادة غير سامة0 2-
أما الاستحالة النسبية فهي الاستحالة التي لا يمكن معها للجريمة ان تقع في الظروف التي ارتكبت فيها وان كانت في الأصل ممكنة الوقوع لوجود موضوعها وصلاحية الوسيلة المستخدمة في التنفيذ0 وقد تتعلق الاستحالة النسبية بالوسيلة كمن يضع في طعام المجني عليه كمية من السم لا تكفي لإحداث الوفاة0 وقد تتعلق بموضوع الجريمة كمن يطلق النار على شخص في مكان اعتاد على التواجد به ولكنه تصادف عدم وجوده به لحظة إطلاق النار0 وتأخذ الاستحالة النسبية حكم الشروع المعاقب عليه0
وقد اخذ على هذا الرأي انه يقيم تفرقة تحكمية للاستحالة ، فالجريمة إما ان تكون ممكنة او مستحيلة ولا وسط بينهما0

الاستحالة المادية والاستحالة القانونية : تكون الاستحالة قانونية اذا انعدم في الجريمة أحد أركانها التي نص عليها القانون كركن الحياة في جريمة القتل ، فمن يطلق مقذوفا على شخص ميت لا يعد قاتلا، ففي هذه الحالة لا يوقع العقاب على ما أتاه الشخص من نشاط لعدم إمكان قيام الجريمة0 3-
وتكون الاستحالة مادية اذا كان تحقق النتيجة ممكنا من الناحية القانونية لتوافر العناصر المكونة للجريمة، ولكن عدم تحققها يرجع الى ظروف مادية لا دخل لإرادة الجاني فيها، مثال ذلك من يطلق عيارا ناريا على المكان الذي تعود المجني عليه ان ينام فيه بقصد قتله ولكن تصادف عدم وجوده به في ذلك الوقت، وفي هذه الحالة يعاقب الجاني باعتباره شارعا في الجريمة0
وقد اخذ على هذا الرأي انه ينتهي الى ذات النتائج التي توصل اليها الاتجاه السابق الذي يفرق بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية0

العقاب على الجريمة المستحيلة بكافة صورها : ذهب البعض الى وجوب العقاب على الجريمة المستحيلة أيا كانت صورتها سواء كانت مطلقة او نسبية او قانونية او مادية0 فتوافر الشروع لا يتوقف على البدء في تنفيذ عمل يدخل في تكوين الركن المادي للجريمة وإنما يكفي ان يأتي الفاعل أعمالا تقطع بنيته الإجرامية لارتكاب الجريمة، وعلى ذلك يعاقب الجاني بوصفه شارعا في الجريمة متى تعمد ارتكابها واتخذ لتحقيقها وسيلة صالحة في نظره الا اذا كانت الوسيلة التي استخدمها تدل على سذاجته كما لو لجأ الى السحر لقتل شخص معين0 4-
وقد انتقد هذا الاتجاه على أساس انه يوسع من نطاق العقاب حيث يكتفي بالنية الإجرامية لاستحقاق العقاب الأمر الذي قد يؤدي الى العقاب على الجريمة المستحيلة في صورة الجريمة الظنية او الوهمية التي ليس لها وجود قانوني في الواقع0
موقف قانون العقوبات الاتحادي :
لم يتعرض قانون العقوبات الاتحادي ولا القانون المصري لمشكلة الجريمة المستحيلة0
ثانيا : العدول الاختياري :
مفهوم العدول : الشروع هو ان يكون التنفيذ قد أوقف او خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها وهذا يعني بمفهوم المخالفة انه حيث تتدخل إرادة الجاني لوقف التنفيذ او عدم تحقق النتيجة لا يقوم الشروع قانونا، ويحدث ذلك حين يتوقف الجاني بمحض إرادته عن المضي في تنفيذ جريمته حتى يبلغ هدفه على الرغم من استطاعته ذلك0 والحكمة من عدم العقاب على هذه الصورة هو تشجيع الفاعل على عدم المضي في تنفيذ جريمته لانه لو علم ان العقاب سيحل به عدل او لم يعدل عنها لفضل انهاءها0 1-
شروط العدول الاختياري : 2-
ان يكون الجاني قد بدأ فعلا في تنفيذ جريمته اي بلغ مرحلة الشروع وقبل إتمامها، فلا مجال للبحث في وجود العدول الاختياري من عدمه بالنسبة للأعمال التحضيرية0
أ-
يجب ان يكون العدول الاختياري تلقائيا نابعا من ذات الجاني لا من أسباب خارجة عن إرادته، ومثال ذلك ان يتأهب الجاني لإطلاق عيار ناري على المجني عليه بعد ان صوب سلاحه اليه ثم يعدل عن إطلاق الرصاص بدافع الندم او خشية من العقاب0 فيجب إذن الا يكون الجاني مضطرا للعدول إذ في هذه الحالة ينتفي دور الإرادة في عدوله0
ب-
ويترتب على العدول الاختياري عدم معاقبة الجاني عن الشروع في الجريمة التي بدأ في تنفيذها بقصد ارتكابها، ولكن ليس هناك ما يمنع من معاقبته اذا كانت الأعمال التنفيذية التي قام بها تكون عناصر جريمة اخرى نص عليها القانون بصفة مستقلة0

العدول الاضطراري : يرجع الى عوامل خارجية مستقلة عن إرادة الجاني أجبرته على إيقاف تنفيذ جريمته، كمن يحاول سرقة محتويات منزل غير انه يتعرض لمقاومة المجني عليه فيعجز عن التغلب عليه، او ان يشهر الجاني خنجره ليطعن به المجني عليه الا ان أحدا يقبض على ذراعه، في هذه الحالة ليس لهذا العدول أي اثر ويظل الشروع معاقبا 0 3-
ثالثا - العقاب على الشروع في قانون العقوبات الاتحادي :
تقتصر أحكام الشروع على الجنايات والجنح ولا شروع في المخالفات0
مقدار العقاب على الشروع في الجنايات : نصت المادة 35 من قانون العقوبات على انه " يعاقب على الشروع في ارتكاب الجناية بالعقوبة التالية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك : 1-
السجن المؤبد اذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الاعدام0 أ-
السجن المؤقت اذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد0 ب-
السجن مدة لا تزيد على نصف الحد الاقصى المقرر للجريمة او الحبس اذا كانت العقوبة السجن المؤقت0 ج-
ويلاحظ ان التخفيف الذي أورده المشرع في نص المادة (35 ع0 إ) قد ورد في شأن العقوبات الاصلية وهذا يعني ان العقوبات الفرعية والتدابير الجنائية توقع دون تعديل0

مقدار العقاب على الشروع في الجنح : تنص (المادة 36 ع0 إ) على انه لا عقاب على الشروع في الجنح الا اذا نص القانون على خلاف ذلك 0 وتعدد النصوص التي تقضي بالعقاب على الشروع في الجنح مقدار عقوبة هذا الشروع .




2-
المبحث الثاني : الركن المعنوي :
لا يكفي لقيام الجريمة واستحقاق العقاب عنها مجرد تحقق الركن المادي وإنما يلزم فضلا عن ذلك ان يتوافر الركن المعنوي0 وقد يتخذ الركن المعنوي في الجريمة صورة القصد الجنائي فتكون الجريمة عمدية وقد يتخذ صورة الخطأ فتكون الجريمة غير عمدية.

المطلب الأول : القصد الجنائي :
أولا - ماهية القصد الجنائي : نص المشرع الاتحادي على القصد الجنائي في المادة38 /1 ع0 إ ويتضح منها ان القصد الجنائي او العمد هو اتجاه إرادة الجاني نحو ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها وعناصرها كما يتطلبها القانون، فالقصد الجنائي يقوم على عنصرين الإرادة والعلم0

الإرادة : تتمثل الإرادة في نشاط نفسي يتجه الى تحقيق غرض معين عن طريق وسيلة معينة ، وهي عنصر لازم في جميع صور الركن المعنوي سواء اتخذ صورة العمد او الخطأ غير العمدي، ففي العمد تتجه الإرادة الى الفعل والنتيجة أما في حالة الخطأ غير العمدي فإنها تنصرف الى الفعل دون النتيجة، فإذا أطلق شخص عيارا ناريا على شخص معين بقصد قتله يسأل عن جريمة قتل عمدية ، أما اذا أطلق العيار الناري ابتهاجا فأصاب شخصا فقتله فانه يسأل عن قتل غير عمدي لانه لم يرد تحقيق النتيجة0
1-
حكم الباعث على الجريمة : هو القوة المحركة للإرادة او العلة النفسية التي تدفع الجاني الى ارتكاب الجريمة مثل الانتقام ، الغيرة ، الاستفزاز ، البغضاء 0 والباعث على الجريمة ليس ركنا من أركانها او عنصرا فيها ومن ثم فلا اثر له في وجود الجريمة او انعدامها، وهذا ما قضت به المادة (40 ع0 إ)0 *
ولكن قد يكون للباعث أثره في تقدير العقوبة التي يحكم بها القاضي وفقا لسلطته التقديرية، فإذا كان الباعث الذي حمل الجاني على ارتكاب الجريمة شريفا فانه يخفف العقوبة كما لو قتل شخص زوجته ليخلصها من آلام المرض، أما اذا وجد ان الباعث كان خبيثا فانه يشدد العقوبة0 وقد يعتد المشرع بالباعث من ذلك جعله ارتكاب الجريمة لبواعث غير شريرة او لاستفزاز خطير صادر من المجني عليه عذرا مخففا (المادة 96 ع0 إ)0
العلم : يجب لتوافر القصد ان يعلم الجاني بعناصر الجريمة من حيث الواقع والقانون0 2-
أولا - العلم بالوقائع : سوف نتناول بالدراسة الوقائع التي يلزم إحاطة علم الجاني بها والوقائع التي لا يلزم إحاطة علمه بها ثم موضوع الجهل والغلط بالوقائع0
1- الوقائع التي يلزم إحاطة علم الجاني بها :
*العلم بكافة عناصر الركن المادي : لكل جريمة ركنها المادي الخاص بها فيلزم ان يتوافر علم الجاني بكافة عناصره على النحو التالي :
أ- العلم بالواقعة المكونة لنشاطه الإجرامي : يجب ان يعلم الجاني ان فعله يكون عدوانا على الحق الذي يحميه القانون، ففي جريمة القتل يلزم ان يعلم الجاني ان يوجه فعله ضد إنسان حي بغية إزهاق روحه فإذا انتفى هذا العلم انتفى القصد الجنائي0 فإذا استلزم المشرع لقيام بعض الجرائم ثبوت ارتكاب الفعل في مكان معين او في زمن معين او بوسيلة معينة فيجب ان ينصرف علم الجاني الى ذلك حتى يتوافر القصد لديه ، فجريمة زنا الزوج لا تقوم الا اذا ارتكبت في منزل الزوجية (م 334/2 ع0 إ) فيلزم ان يعلم الزوج وشريكته في الزنا بأن المكان الذي يرتكب فيه الزنا هو بيت الزوجية0 وكذلك اذا تطلب المشرع لارتكاب جريمة معينة ان تكون الوسيلة المستخدمة عنصرا فيها وجب ان يحيط الجاني علمه بها كعلمه بالطرق الاحتيالية التي تقوم بها جريمة النصب (م 330 ع0 إ) 0

ب- توقع النتيجة : يجب ان يعلم الجاني بان النتيجة الإجرامية سوف تترتب كأثر مباشر لفعله، فيتعين ان يتوقع النتيجة الإجرامية بعناصرها التي يحددها القانون ففي جريمة القتل على الجاني ان يتوقع حدوث الوفاة من جراء فعل الاعتداء الذي أتاه، فإذا لم يتوقع النتيجة انتفى القصد الجنائي لديه0

ج- توقع علاقة السببية : يجب على الجاني ان يتوقع كيفية حدوث النتيجة الإجرامية كأثر للفعل0

*- الظروف المشددة التي تغير من وصف الجريمة : تأخذ هذه الظروف حكم الأركان فيلزم لمحاسبة الجاني عنها ان يكون عالما بها، ذلك ان الظرف الذي يغير من وصف الجريمة ينشئ في الحقيقة جريمة جديدة، فظرف حمل السلاح في جريمة السرقة ظرف مشدد يقلب الجريمة من جنحة الى جناية لذلك يجب ان ينصرف علم الجاني اليه وهذا ما قضت به المادة (41 ع0 إ)0

* العنصر المفترض : اذا نص القانون على عنصر مفترض للجريمة فيجب ان يعلم الجاني به، فإذا كان يجهل وجوده انتفى القصد لديه، ولذلك ينتفي القصد الجنائي في جريمة القتل العمد اذا كان الجاني يجهل ان فعله يرد على إنسان حي (م 332 ع0 إ)0


2 - الوقائع التي لا يلزم إحاطة علم الجاني بها :
* عناصر الأهلية الجنائية : تقوم الأهلية الجنائية على عنصري الإدراك والتمييز وتنتفي بما ينفي الإدراك كالجنون او ينفي التمييز كحالة الصبي غير المميز 0 وان انتفاء العلم بعناصر الأهلية الجنائية لا يحول دون قيام القصد ، فمن يعتقد وقت ارتكاب الفعل انه مصاب بعاهة في عقله اي فاقد الإدراك ، ثم يثبت للقاضي انه كان في ذلك الوقت مكتمل القوى العقلية فان القصد الجنائي يعد متوافرا لديه0

* الظروف المشددة التي لا تغير من وصف الجريمة : لا يتطلب القانون العلم بهذا النوع من الظروف لأنها ليست من أركان الجريمة، فمن يجهل ظرف سبق الإصرار في القتل لدية تشدد عقوبته0

* النتائج المتجاوزة قصد الجاني : قد يقصد الجاني نتيجة إجرامية معينة حين مباشرته نشاطه الإجرامي فتقع نتيجة اخرى اشد جسامة من تلك التي قصدها 0 فإذا كان القانون يتطلب ان يتوقع الجاني النتيجة الأقل جسامة اي القريبة ويحيط علمه بها فانه لم يتطلب ان يعلم بالنتيجة الجسيمة، وعليه فمن يرتكب جريمة ضرب يسأل عن الوفاة التي يفضي اليها فعله وان لم يتوقع ذلك0
3 - الجهل بالوقائع او الغلط فيها :
الجهل بالواقعة يعني انتفاء العلم بها مطلقا أما الغلط فيها فيعني العلم بالواقعة على نحو مغاير لحقيقتها0 ويشترك الجهل والغلط في ان كليهما ينتفي فيه العلم بحقيقة الواقعة الإجرامية وقد استقر الفقه على استخدام لفظ الغلط للدلالة على كل الحالات التي ينتفي فيها العلم بالحقيقة0
فإذا انصب الغلط على عنصر أساسي لازم لقيام الجريمة اي حالة الغلط الجوهري فانه ينفي القصد الجنائي ولكنه قد تقوم مسئولية الجاني عن الجريمة في صورتها غير العمدية.
أ- الغلط في ركن من أركان الجريمة : اذا ورد الغلط على ركن من أركان الجريمة فانه يؤدي الى انتفاء القصد الجنائي ، ففي جريمة القتل مثلا اذا خرج صياد للصيد فسمع حركة بين الأشجار فأطلق الرصاص معتقدا انه حيوان فإذا به يقتل إنسانا فانه لا يسأل عن قتل عمدي لانتفاء القصد لديه لان غلطه انصب على نتيجة الجريمة0 الا ان الجاني قد يظل مسئولا عن فعله على أساس الخطأ غير العمدي0

ب- الغلط في ظرف من الظروف المشددة : قد يلحق بالجريمة ظرف من الظروف المشددة للعقوبة مثل ظرف الخادم في السرقة (المادة 388/3 ع إ) كما لو سرق خادم منقولات مملوكة لمخدومه معتقدا أنها مملوكة لغيره، اي يجهل الظرف المشدد للسرقة، فان القصد ينتفي بالنسبة للظرف المشدد0 أما الظروف المشددة العينية مثل الكسر في السرقة فقد قرر المشرع أنها تنطبق على جميع الجناة علموا بها ام جهلوها0

ج- الغلط في المجني عليه : لا ينتفي القصد الجنائي بوقوع الجاني في غلط ينصب على الشخص او الشخصية كمن يطلق النار على بكر وإذا هو في الحقيقة زيد لان الغلط ورد على صفة ثانوية في محل الجريمة فيسأل الجاني عن قتل عمدي لان القانون يحمي الحق في الحياة دون الاعتداد بصفات او ذات المجني عليه فيسأل الجاني عن قتل عمدي0
د- الحيدة عن الهدف : اذا اخطأ الجاني في توجيه فعله كمن يطلق النار على شخص فيخطئه وتصيب الرصاصة شخصا بجواره فيقتله ، يسأل الجاني عن جريمتين ، جريمة قتل عمد بالنسبة لمن ازهق روحه وشروع في قتل لمن أراد قتله فأخطأه0

ثانيا - العلم بالقانون :
1 - افتراض العلم بالقانون : العلم بالقانون الجنائي والقوانين العقابية المكملة له مفترض في حق كل إنسان فلا يقبل من أحد الاعتذار بجهله للقانون او الغلط فيه0 وقد نصت على هذه القاعدة المادة 42 ع0 إ 0 وعلى الرغم من انه واقعيا لا يعقل ان يحيط كل شخص بكل القوانين او ان يفهمها على الوجه الصحيح، الا ان هذا الافتراض تمليه المصلحة العامة حتى لا يحتج الأفراد بالجهل بالقانون الجنائي او الغلط في نصوصه مما يعطل أحكامه، ويفوت الأغراض الأساسية التي تهدف اليها الدولة من حقها في العقاب0

2- الجهل او الغلط في قانون غير قانون العقوبات : قصر المشرع في المادة 42 ع0 إ افتراض العلم بالقانون على القوانين الجنائية فقط، وهذا يعني انه يجوز للجاني ان يحتج بجهله احكام قوانين غير جنائية مثل القانون المدني والتجاري والإداري و الأحوال الشخصية، مثال ذلك ان يتعلق الجهل او الغلط بقاعدة من قواعد القانون المدني ، كمن يستأجر منزلا ويعثر على كنز مخبئ به فيستولي عليه معتقدا بأنه ملكه، جاهلا حكم القانون المدني الذي يقرر ان هذا الكنز يكون لمالك العقار الذي اكتشف فيه، في هذه الحالة ينتفي القصد الجنائي 0
ثانيا - وقت تحقق القصد الجنائي :
يجب ان يكون القصد الجنائي معاصرا للركن المادي للجريمة، اي معاصرا لارتكاب السلوك الإجرامي وتحقيق النتيجة الإجرامية 0 ولا صعوبة اذا توافر القصد في المرحلتين 0 فإذا توافر القصد وقت ارتكاب السلوك الإجرامي ثم انتفى وقت تحقق النتيجة فان الجاني يكون مسئولا عنها مسئولية عمدية، كمن يطلق النار على شخص بقصد قتله ثم يندم على فعله ويسارع الى إسعافه ولكنه يموت، فالجاني مسئول عن قتل عمدي بسيط0 أما اذا لم يتوافر القصد وقت مباشرة السلوك الإجرامي ولكنه توافر قبل تحقق النتيجة او وقت تحققها فلا اعتداد به ، كما لو أطلق شخص عيارا ناريا ابتهاجا فإذا به يصيب أحد الأشخاص فتمنى الجاني موته، فلا يسأل عن قتل عمدي بل يسأل عن جريمة قتل غير عمدية0

ثالثا - صور القصد الجنائي :
- 1 القصد العام والقصد الخاص :
القصد العام هو توجيه الإرادة نحو ارتكاب جريمة مع العلم بعناصرها القانونية، فهو يقوم على عنصري الإرادة والعلم ويستلزم القانون وجوده في جميع الجرائم العمدية، وقد يكتفي به في اغلب الجرائم0
وقد يتطلب المشرع أحيانا لقيام بعض الجرائم ان يكون ارتكابها لغاية معينة او ان يكون الدافع اليها باعث خاص، فيتخذ الركن المعنوي صورة القصد الخاص الذي يتكون من علم وإرادة منصرفين الى ارتكاب الجريمة ثم يضاف إليهما الغاية او الباعث0 ومن أمثلة الجرائم العمدية التي يتطلب فيها القانون قصدا خاصا جريمة التزوير حيث يتطلب القانون فيها بالإضافة الى تعمد تغيير الحقيقة ان تنصرف نية الجاني الى استعمال المحرر المزور (م 216/1 ع0 إ)0
ويلاحظ ان القصد الخاص يؤدي في الجريمة أحد دورين :
* قد يترتب على تخلفه عدم توافر الصفة الجنائية في الفعل مثل جريمة التزوير0
* وقد ينبني على عدم توافر القصد الخاص وقوع الفعل تحت نص جنائي اخر، فجريمة التعذيب لحمل المتهم على الاعتراف (المادة 242 ع0 إ) يشترط لانطباق حكم هذه المادة ان يقع التعذيب على المتهم بقصد حمله على الاعتراف، فإذا وقع التعدي من الموظف على المتهم ليس بقصد حمله على الاعتراف فإننا نكون بصدد جريمة استعمال قسوة (المادة 245 ع0إ)0
2- القصد المحدد والقصد غير المحدد :
يكون القصد الجنائي محددا اذا اتجهت إرادة الجاني الى تحقيق النتيجة الإجرامية في موضوع معين بالذات، كأن تتجه إرادة الجاني الى إزهاق روح شخص معين او عدة أشخاص معينين0 أما القصد غير المحدد فهو الذي تتجه فيه إرادة الجاني الى تحقيق النتيجة الإجرامية دون تحديد لموضوعها كأن تتجه إرادة الجاني الى إزهاق الروح دون تعيين للشخص او الأشخاص الذين يحتمل ان يكونوا ضحايا لفعله0
والمسلم به ان المشرع يسوي بين القصد المحدد والقصد غير المحدد إذ تتوافر بهما عناصر القصد الجنائي في جريمة القتل العمد لانه لا عبرة بشخص المجني عليه0
-3 القصد المباشر والقصد الاحتمالي :
أ - القصد المباشر هو الذي تتجه فيه إرادة الجاني الى تحقيق نتيجة إجرامية يرغب في إحداثها0 فقد يتوقع الجاني حدوث الوفاة كنتيجة حتمية وضرورية لفعله فيقدم رغم ذلك على ارتكاب فعل الاعتداء 0 ولما كانت النتيجة الإجرامية تترتب حتما على الفعل وتنجم عنه مباشرة فيمكن القول ان من أراد الفعل فقد أراد أيضا النتيجة، كمن يطلق الرصاص على شخص في مقتل فيقتله يسأل عن جريمة قتل عمدي0
ب - أما القصد الاحتمالي فهو الذي تتجه فيه إرادة الجاني الى الفعل مع توقع النتيجة كأثر ممكن لفعله يحتمل في تقديره ان تحدث او لا تحدث، ولكنه يقبل احتمال تحققها في سبيل تحقيق النتيجة التي يستهدفها بفعله ، مثال ذلك ان يقصد الجاني قتل " عمرو" فيضع له سما في طعامه ولكنه يتوقع ان يتناول معه "بكر" فيتوقع وفاته ثم يمضي في فعله راضيا بهذا الاحتمال ويحدث ان يأكل "بكر" مع "عمرو" فيموت فيسأل عن النتائج المترتبة على فعله مسئولية عمدية0
ويتميز القصد الاحتمالي عن الخطأ غير العمدي في ان الجاني في جريمة الخطأ غير العمدي كان باستطاعته توقع النتيجة او من واجبه توقعها وإذا توقعها فانه لا يرغب في حدوثها ويأمل في تجنبها0
رابعا - إثبات القصد الجنائي :
يجب على المحكمة التثبت من توافر القصد الجنائي، وإقامة الدليل على تحققه حتى تحكم بالإدانة 0 والقصد باعتباره حقيقة نفسية لا تستطيع المحكمة إثباته الا بطريق الاستدلال من المظاهر والأمارات الخارجية التي تحيط بفعل الجاني، وتنم عما يجول في نفسه وهو بذلك مسألة موضوعية يفصل فيها قاضي الموضوع، ويتعين ان يكون استخلاص ثبوت القصد الجنائي او انتفائه سائغا بأن تكون الأسباب التي تستند اليها المحكمة للقول بتوافر القصد تؤدي فعلا الى ثبوته0

المطلب الثاني - الخطأ غير العمدي :
أولا : ماهية الخطأ غير العمدي : لم يعرف المشرع الاتحادي الخطأ وإنما اكتفى بذكر بعض صوره في بيانه للجرائم غير العمدية من ذلك جرائم القتل والإصابة الخطأ0 فذكر في المادة 38/2 ع0 إ الإهمال ، عدم الانتباه ، عدم الاحتياط، الطيش، الرعونة وعدم مراعاة القوانين او اللوائح او الانظمة او الاوامر0
ويمكن تعريف الخطأ بأنه إخلال بالتزام عام يفرضه المشرع على الأفراد بالتزام ومراعاة الحيطة فيما يباشرونه من نشاط حرصا على الحقوق والمصالح التي يحميها القانون0
فالخطأ غير العمدي يتمثل في الآتي :
* عدم التزام الجاني باجتناب التصرفات الخطرة، او عدم مباشرتها في حدود تسمح بتجنب خطرها0
*عدم توقع الجاني حدوث النتيجة الإجرامية التي كان من واجبه وفي استطاعته توقعها، او حتى مع توقعه لها اعتقد أنها لن تقع، لانه لم يتخذ عند مباشرته لسلوكه ما كان في وسعه وما يجب عليه ان يتخذه من عناية واحتياط وحذر0
ثانيا : صور الخطأ غير العمدي : لم ينص المشرع الاتحادي على صور الخطأ على سبيل الحصر بل أوردها على سبيل المثال ويكفي ان يتوافر أحدها حتى يقوم الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية، وسوف نوجز فيما يلي كل صورة على حدة :
1- الرعونة : هي الطيش و الخفة لغة ، وتعني سوء التقدير ونقص المهارة والجهل بالمبادئ الأساسية والأصول الفنية لمباشرة المهنة 0 فتتحقق الرعونة اذا اقدم الجاني على نشاطه دون مراعاة الاصول الفنية إما لخفته وسوء تصرفه وإما لنقص كفاءته الفنية،مثل الطبيب الذي يجري عملية جراحية دون مراعاة المبادئ الأساسية والأصول العلمية المتعارف عليها ، والمهندس الذي يصمم بناء وهو غير ملم بالقواعد العلمية والأصول الفنية فأدى ذلك الى انهياره0 وتتوافر الرعونة اذا اقدم الجاني على عمل غير مقدر خطورته وغير منتبه الى النتائج الضارة التي يمكن ان تترتب عليه كمن يقود سيارة ثم يغير اتجاه سيره فجأة دون ان ينبه المارة فيصيب انسانا0
2- عدم الاحتياط والتحرز : يتحقق عدم الاحتياط اذا كان الجاني يتوقع النتائج الضارة التي تترتب على فعله ومع ذلك لا يتخذ الاحتياطات التي من شأنها الحيلولة دون وقوع هذه النتائج، كسائق السيارة التي يقودها بسرعة كبيرة في طريق مزدحم بالناس فيصدم أحدهم فيموت، وصاحب السفينة التي يحملها بأكثر مما تحتمل فتغرق بركابها0
3- الإهمال وعدم الانتباه : يتمثل في إغفال الجاني اتخاذ ما يقتضيه واجب الحيطة والحذر وما تمليه قواعد الخبرة الإنسانية العامة عند توقع النتائج الضارة، فالخطأ في هذه الصورة يتخذ مظهرا سلبيا يتمثل في الامتناع عن اتخاذ العناية اللازمة لتجنب النتيجة الإجرامية كالأم التي تترك وليدها بجانب موقد غاز مشتعل على ماء فيسقط الماء الساخن عليه فيموت0
4- عدم مراعاة القوانين واللوائح والأنظمة : ان مخالفة ما تنص عليه القوانين واللوائح والأنظمة خطأ قائم بذاته يترتب عليه مسئولية الجاني عن القتل الخطأ او الإصابة الخطأ وان لم يتوافر في حقه اي صورة من صور الخطأ الاخرى0 ويتحقق الخطأ هنا عندما يرتكب الجاني فعلا او امتناعا مخالفا لقواعد السلوك الآمرة التي لها قوة الإلزام القانوني، سواء أكانت صادرة عن السلطة التشريعية كالقوانين او عن السلطة التنفيذية كاللوائح او القرارات الإدارية او عن أفراد عاديين كالأنظمة التي يفرضها رب العمل على عماله في منشأته0
ويجب ان تترتب على مخالفة القوانين واللوائح نتيجة إجرامية وان تتوافر علاقة سببية بين تلك المخالفة وبين النتيجة ، مثال ذلك من يقود سيارة دون ترخيص فيصدم شخصا فيقتله0
ويقصد باللوائح جميع القوانين والقرارات والأوامر التي توضع لحفظ النظام والأمن وتنظيم المهن المختلفة، كما تشمل المواد الواردة في الباب الخاص بالمخالفات في قانون العقوبات ، ويعاقب على عدم مراعاتها وان لم يترتب عليها ضرر، فإذا ترتب عليها نتيجة يعاقب عليها القانون، فان الجاني يرتكب جريمتين مخالفة اللائحة والقتل او الإصابة الخطأ، فإذا كانا ناشئتين عن فعل واحد فان حالة التعدد المعنوي للجرائم تتوافر وتوقع اشد العقوبتين ، كمن يجري عملية جراحية دون ترخيص ، فتتوافر مخالفة لائحة ممارسة الطب وجنحة إصابة خطأ 0 ولا يستطيع الجاني الاعتذار بجهله اللائحة او عدم تعمده مخالفتها0
ثالثا : معيار الخطأ : اختلف الفقه بشأن العناية التي يجب على الجاني اتخاذها :
1- ذهب البعض الى الأخذ بالمعيار الشخصي البحت والذي يرجع في تقدير العناية الى الظروف الخاصة بالجاني نفسه كدرجة ذكائه ومستوى تعليمه وخبراته 0
2- واتجه البعض الآخر الى المعيار الموضوعي قوامه الشخص العادي المتوسط في حذره وانتباهه0 فإذا التزم الشخص في سلوكه القدر من الحيطة التي يلتزمها الشخص العادي فلا ينسب اليه الخطأ0 أما اذا ثبت انه نزل في سلوكه عن هذا القدر فلم يتوقع النتيجة الإجرامية ولم يعمل على تفاديها فانه يكون قد أخطأ.
3- واخذ البعض الآخر بمعيار مختلط قوامه الشخص المعتاد من نفس الفئة التي ينتمي اليها الجاني، لو وجد في نفس الظروف الخارجية التي أحاطت بالجاني خاصة زمان ومكان النشاط0 فإذا التزم الجاني في تصرفه قدرا من الحيطة والحذر يوافق ما كان يلتزم به الشخص المعتاد اذا وجد في مثل ظروفه فلا ينسب الخطـأ اليه، أما اذا بذل قدرا اقل من الحيطة والحذر فانه يكون قد أخطأ.
والراجح هو اختيار الشخص المعتاد من فئة الأشخاص الذين ينتمي اليهم الجاني وليس من بين جميع الناس كافة0
رابعا : نوعا الخطأ : قسم الفقه الخطأ الى نوعين هما كما يلي :
1- الخطأ غير الواعي : يطلق عليه الخطأ بغير تبصر وكذلك الخطأ البسيط 0 ويتحقق هذا الخطأ اذا لم يتوقع الجاني ان سلوكه قد يؤدي الى حدوث النتيجة الإجرامية، بينما كان في استطاعته وواجب عليه ان يتوقعها وان يعمل على تلافيها، كما لو تركت ام كوبا به مادة سامة قرب يد طفلها غير متصورة انه سيشرب من الكوب ويموت وتحدث الوفاة فعلا ، فالنتيجة متوقعة وتدخل في نطاق السير العادي للامور0 أما اذا كانت النتيجة الإجرامية غير متوقعة، اي حدثت نتيجة عوامل شاذة لا تدخل في نطاق السير العادي للأمور، فان علاقة السببية تنقطع بين الخطأ والنتيجة، كما لو أخطأت الممرضة وأعطت المريض الدواء مرتين بدل مرة واحدة وفيما بين المرتين وضع شخص سما في زجاجة الدواء فتناول المريض الجرعة الثانية ومات0 فرغم إخلال المريضة بواجبات الحيطة والحذر المفروضة عليها الا انه لا يمكن نسبة النتيجة الى خطئها0
2- الخطأ الواعي : يطلق عليه الخطأ مع التوقع او الخطأ مع التبصر 0 ويتحقق اذا توقع الجاني حدوث النتيجة المترتبة على نشاطه، ولكنه لا يقبلها ويأمل في عدم تحققها ويعتقد أنها لن تتحقق معتمدا على مهارته0 كأن ينطلق شخص بسيارته مسرعا في شارع مكتظ بالمارة متوقعا ان يصيب أحدهم، ولكنه يعتمد على مهارته في القيادة لتفادي وقوع الحادث، ومع ذلك تقع النتيجة الاجرامية0
وغني عن البيان انه اذا ثبت ان الجاني قد التزم قواعد الحيطة والحذر والعناية الواجبة، ولم يتوقع النتيجة الإجرامية او توقعها ولم يتمكن من تجنب حدوثها بالرغم من اتخاذه الاحتياطات التي يتخذها الشخص المعتاد في مثل ظروفه فلا ينسب الخطأ اليه0
خامسا : درجة الخطأ : ثار البحث في الفقه و القضاء عن درجة الخطأ اللازم لقيام المسئولية الجنائية في الجرائم غير العمدية ، فوجد اتجاهان :
1- ازدواج الخطأ :
الخطأ المدني هو كل خطأ جسيما كان او غير جسيم سبب ضررا للغير يلزم مرتكبه بالتعويض0 أما الخطأ الجنائي فيجب ان يكون اشد جسامة من الخطأ المدني، ذلك لأن المسئولية المدنية يكفي لقيامها وجود خطأ يسير وحجتهم الآتي :
* ان الضرر في الخطأ المدني يلحق المضرور فقط، أما الضرر في الخطأ الجنائي فيلحق المجتمع0
*القانون المدني يهدف الى تعويض الضرر فقط أما القانون الجنائي فيهدف من وراء العقاب الى ردع الجاني وحماية المجتمع من شره0

* ان القول بوحدة الخطـأ ينافي العدالة لان القاضي إما ان يجبر على الحكم بالإدانة رغم تفاهة الخطأ تسهيلا لحصول المضرور على التعويض، وإما ان يحكم ببراءة المتهم من الخطأ الجنائي فيضيع على المضرور حقه في التعويض رغم ثبوت الخطأ والضرر0
2- وحدة الخطأ :
يرى أنصار هذا الرأي ان اي درجة من الخطأ ترتب المسئولية المدنية تكفي في الوقت ذاته لترتيب المسئولية الجنائية في الجرائم غير العمدية 0 فالقانون الجنائي لا يعلق العقاب على درجة جسامة الخطأ بل على حصول نتيجة ضارة يرى فيها من الجسامة ما يستدعي تجريمها والعقاب عليها0 ولذلك يجب العقاب على الخطأ مهما كانت درجته ومهما كانت جسامته0 وإذا كان لا يجوز الاعتداد بدرجة الخطأ لقيام المسئولية الجنائية فان من الجائز ان يكون لدرجة الخطأ اعتبارها عند تقدير القاضي للجزاء. وقد استند أنصار هذا الاتجاه الى عدد من الحجج منها الآتي :
* من التناقض ان يقضي القاضي الجنائي ببراءة المتهم لعدم وجود الخطأ ثم يأتي القاضي المدني بعد ذلك ويحكم عليه بالتعويض0 فالقول بوحدة الخطأين المدني والجنائي يزيل التناقض بينهما في القضية الواحدة0
* في العصر الحديث انتشر نظام التأمين ضد الاخطار والإصابات والذي يتكفل بتغطية التعويض المحكوم به فلا يشعر الفاعل المخطئ بنتيجة خطئه مما يستلزم وجود جزاء جنائي مهما كان الخطأ يسيرا0
وهذا الاتجاه الأخير هو الراجح يؤيده القضاء الفرنسي وكذلك المصري0
سادسا : إثبات الخطأ : يقع عبء إثبات الخطأ الجنائي في جانب الجاني على سلطة الاتهام0 ولما كان الخطأ هو الركن المعنوي في الجريمة غير العمدية فيجب على المحكمة ان تثبت توافره في حكمها الصادر بالإدانة وان تبين عناصره بوضوح، والا كان الحكم مشوبا بالقصور في التسبيب 0 ومتى اثبت القاضي توافر الخطأ يكون قد فصل في مسألة موضوعية لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض طالما ان استنتاجه لم يكن مخالفا لتعريف الخطأ او مجافيا للمنطق0
أكمل قراءة الموضوع ...
تصميم القالب : مدونة الأحـرار