الأربعاء، 22 ديسمبر، 2010

مقدمة في بيان أهمية الدراسة الموضوعية للسنة النبوية و بيان محاور هذه المادة العلمية

مقدمة في بيان أهمية الدراسة الموضوعية للسنة النبوية و بيان محاور هذه المادة العلمية

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه و التابعين لهم باحسان الى يوم الدين و بعد :

فإن من دلائل عظمة هذا الدين و خلود رسالته , أن أرسل الله رسوله بالهدى و دين الحق , و جعل سنته الشريفة و سيرته الطاهرة منهج حياة المسلمين تعطي الصورة العملية لهذا النبي العظيم صلى الله عليه و على آله و صحبه ...

و لما كانت الدراسات و العلوم المتعلقة بالسنة النبوية كثيرة و متعددة , فكان منها ما يتعلق بمعرفة الضعيف من الصجيح و المقبول من المردود , و منها ما يتعلق بمعرفة كيفية سماع الحديث و تحمّله و صفة ضبطه , و منها ما يتعلق بمعرفة آداب المحدث و طالب الحديث , و ما يتعلق بمعرفة الرجال و حياة الرواة , و منها ما يتعلق بشرح السنة و بيان مدلولها و استنباط الأحكام منها ... كل ذلك خدمة للسنة الشريفة و بيان لعظم مكانتها .

و تأتي الدراسة الموضوعية للسنة النبوية كواحدة من الدراسات الحديثية التي تسهم في بيان مكانة السنة النبوية , إذ بهذه الدراسة يتم تسليط الضوء على مواضيع شتى و دراستها دراسة تأصيلية يكون المرجع فيها بالأساس حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما قاله شراح السنة و أهل العلم في ذلك الموضوع , كل ذلك من خلال جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد و دراستها .

و قد وقع الإختيار على دراسة المواضيع الآتية :

- الدعوة الى الله في ضوء السنة النبوية : وكان القصد من دراسة هذا الموضوع إشعار المسلم المعاصر بدوره في هذا العالم الذي يموج بالعقائد و الأفكار المخالفة للإسلام و كيف يجب أن يستشعر مسؤوليته في الدعوة الى الله و إقامة الحجة على الآخرين و نشر تعاليم الإسلام بينهم تحقيقا للشهادة المطلوبة شرعا منا ( وكذلك جعلناكم أمة و سطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا )

و لما كان المدعوون أصنافا و مراتب فقد تم تسليط الضوء على منهج الدعوة لبعض هذه الأصناف .

- سمو الأخلاق الإسلامية في ضوء السنة النبوية : و هو موضوع يسلط الضوء على سمو أخلاق رسول الله في تعامله مع غيره من غير المسلمين و كيف كان ذلك صورة مشرقة في حياته , و

هي الصورة التي يحتاجها المسلمون المعاصرون في تعاملهم مع من حولهم .

- حرمة المسلمين في ضوء السنة النبوية : و ذلك ببيان ضوابط التعامل بين المسلمين و بيان حقوق بعضهم مع بعض حماية لهم من أي منزلق يشين صفاء علاقة المسلمين ووحدتهم , كل ذلك من خلال جمع الأحاديث الواردة في هذه المواضيع و بيان ما قاله أهل العلم و شراح السنة فيها .

و الله نسأل السداد و التوفيق لكل طالب علم و أن ينفع به أمته و دينه .

أستاذ المادة الدكتور

نور الدين بن يربح

الدعوة إلى الله في ضوء السنة النبوية

الباب الأول : دعوة عامة الناس

- قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي , حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد رضي الله عنه : سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول يوم خيبر : ( لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه ) , فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى فغدوا وكلهم يرجوا أن يعطى , فقال : ( أين علي ؟ ) فقيل يشتكي عينيه فامر فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء , فقال : نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : ( على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم , فوالله لئن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم )

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم و البيهقي ( 1 )

- قال مسلم : حدثناقتيبة بن سعيد و زهير بن حرب قالا: حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما أنزلت هذه الأية ( و أنذر عشيرتك الأقربين ) الشعراء 214 دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعمّ و خصّ فقال : ( يا بني كعب بن لؤي انقذوا أنفسكم من النار , يابني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار , يابني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار , يابني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار , يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا غيرأن لكم أرحاما سأبلها ببلالها )

التخريج : أخرجه مسلم والترمذي (2)

(1) – صحيح البخاري – كتاب : المغازي – باب : دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبوة و الإسلام ( 7/605) ( 4206)

- صحيح مسلم – كتاب :فضائل الصحابة – باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( 4/1872) (2460)

- سنن البيهقي – كتاب : السير – باب : دعاء من لم تبلغه الدعوة من المشركين ( 9/106 ) ( 18009 )

(2) – صحيح مسلم – كتاب الإيمان - باب : في قوله تعالى ( و أنذر عشيرتك الأقربين)

(1/192) (348) - سنن الترمذي كتاب التفسير – باب : و من سورة الشعراء ( 5/316)

-1-

قال ربيعة بن عباد الدؤلي : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المجاز (1) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله عز و جل , ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول : أيها الناس لا يغرنكم هذا من دينكم و دين آبائكم . قلت : من هو ؟ قالوا : هذا أبو لهب.

التخريج : رواه أحمد و الحاكم (2).

ومما خاطب به الناس في ذي المجاز : ( يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ) وكان الناس يزدحمون عليه غير أنهم لا يقولون شيئا و هو لا يسكت بل يكرر دعوتهم و أبو لهب يصيح : إنه صابئ كذاب .

التخريج : رواه أحمد و الحاكم (3) .

(1) – موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام , و قال الأصمعي : ذو المجاز ماء من أصل كبكب و هو لهذيل و هو خلف عرفة

أنظر : معجم البلدان لياقوت الحموي (5/55)

(2) – مسند أحمد ( 3/492) , وروى الحاكم نحوه في مستدركه (1/15) و قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و رواته عن آخرهم ثقات .. ووافقه الذهبي

(3) مسند أحمد (4/341) و الحاكم في مستدركه (1/15)

-2-

الشرح :

لقد كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير المسلمين هو دعوتهم إلى دين الله و تعريفهم به و السعي إلى كسبهم رصيدا جديدا في صف المسلمين

و الأحاديث التي بين أيدينا واضحة الدلالة في أن هدف الدعوة إلى الإسلام هو هداية الناس لا قتالهم و الظفر بهم و إكراههم على الإسلام

و تعليقا على حديث علي رضي الله عنه قال ابن حجر :( و يؤخذ من هذا الحديث أن تالف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله ) (1)

إذ يعد الإسلام دعوة الناس إلى دين الله تعالى و تعريفهم به فضل لا يعلوه فضل والتسبب في هداية رجل واحد أفضل عند الله تعالى مما حوته الأرض من مال و متاع .

قال النووي : ( وفي هذا الحديث بيان فضيلة العلم و الدعاء إلى الهدى و سن السنة الحسنة ) (2)

وقال الشوكاني : ( و الحديث فيه الترغيب غي التسبب لهداية من كان على ضلالة و أن ذلك خير للإنسان من أجلّ النعم الواصلة إليه في الدنيا ) (3)

و يمنع الإسلام من المبادرة إلى مخاصمة الناس أو العمل على مقاتلتهم , لأن ذلك خلاف للأصل و قفز وتجاوز لمرحلة واجبة التنفيذ و هي دعوتهم إلى الإسلام و تعريفهم به و إقامة الحجة عليه

قال السرخسي : ( و إذا غزا الجيش أرضا لم تبلغهم الدعوة لا يحل لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الإسلام ليعرفوا أنهم على ماذا يقاتلون , و هو معنى حديث إبن عباس رضي الله عنهما ( ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط حتى دعاهم إلى الإسلام ) (4) ولو قاتلوهم بغير دعوة كانوا آثمين) (5)

(1) – فتح الباري (7/607)

(2) – صحيح مسلم بشرح النووي (15/178-179)

(3) - نيل الأوطار – باب : دعوة الكفار إلى الإسلام قبل مقاتلتهم (8/55)

(4) - مسند أحمد (1/231) و سنن البيهقي – كتاب : السير – باب دعاء من لم تبلغه الدعوة (9/107)

(5) – المبسوط (9/31)

-3-

و مما تجب ملاحظته – من خلال هذه الأحاديث أن المطلوب من الداعي هو دعوة الناس إلى الإسلام و ليس المطلوب منه أن يهديهم , قال تعالى :( و ما على الرسول إلا البلاغ المبين ) سورة النور الآية 54 و قال تعالى : ( إن عليك إلا البلاغ ) سورة الشورى الآية 48

فمن أراد دعوة غيره إنما هو محتسب أمره بالمعروف و نهيه عن المنكرلله تعالى الذي بيده تصريف القلوب , قال النووي : ( ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه , بل يجب عليه فعله , فإن الذكرى تنفع المؤمنين , وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر و النهي لا القبول (1)

فالواجب على المسلم أن يدعو إلى دين الله و يحسن التعريف به سواء حسن المقصود و استجابوا له أم لم يستجيبوا , لأن الهداية و الإستجابة بيد الله وحده , قال تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء ) سورة القصص الآية 56

مقومات نجاح الدعوة إلى الله :

و من مقومات النجاح في هذه الوظيفة السامية ,و تحقبق المقصود – بإذن الله تعالى – و هو إستجابة المدعوين لدين الله : ضرورة تزود الداعية المسلم بالعدة التي تعينه على تحقيق ذلك , و هي أن يؤدي دعوته لهؤلاء عن فهم دقيق و بايمان عميق مع إتصال بالله تعالى و ثيق :

أ - الفهم الدقيق : إذا كان من المجمع عليه أن يكون الداعي على بصيرة و علم بما يدعو إليه و بشرعية ما يقوله و يفعله و يتركه , فإن الفهم الدقيق يعد من العلم العزيز النادر الذي يغفل عنه الكثيرون , و بدونه لا يعد العالم عالما و إن حفظ الشروح و المتون و الأحكام و ملأ رأسه منها و رددها على لسانه (2)

ويقوم الفهم الدقيق على تدبر معاني النصوص الشرعية من قرآن كريم و سنة صحيحة و فهم عميق للمصطلحات الشرعية مثل : الإيمان و الكفر و الشرك و النفاق و الجاهلية .. (3)

فهذه مصطلحات لها أثرها الكبير في تحديد طبيعة الشخص المدعو من جهة , و أسلوب دعوته من جهة أخرى لأن هذه المسألة هي جوهر قضيتنا : كيف نتعامل مع أصناف الخلق و طبقات المجتمع ؟

فأصحاب الدعوة و الإصلاح قد لا يختلفون في تقرير الأحكام الشرعية المجردة , و لكنهم يتنازعون في تحديد أسلوب التعامل مع أصناف البشر , وهذا هو محل النزاع الذي يحتاج إلى تحرير

(1) – صحيح مسلم بشرح النووي (2/23)

(2) - انظر : أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان ( 237)

(3) – الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع و التفرق المذموم للدكتور يوسف القرضاوي (77)

-4-

و تحقيق و فهم دقيق بوعي و بصيرة راشدة .

و قد أدرك العلماء القدامى – رحمهم الله تعالى - خطر غياب الفهم عن المسلم في تعامله مع النصوص الشرعية أو في تعامله مع غيره من الناس بناء على هذه النصوص .

يقول الإمام الشاطبي – و هو يتحدث عن صفات العالم - : ( ... أن يحصل له فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب , و معرفة إصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب , و ذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء , و أما ماهو راجع إليه و هو معنى قول من قال : كان العلم في صدور الرجال ثم إنتقل إلى الكتب و مفاتحه بأيدي الرجال . و الكتب و حدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء و هو مشاهد معتاد ) (1)

فالإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – يقرر حقيقة كبرى و هي أن أخذ العلم من بطون الكتب ثم التوجه به نحو الناس لتعليمهم و دعونهم به دون الرجوع إلى العلماء فيه خطر كبير (2)

و يؤيده في هذا العلامة إبن القبم – رحمه الله – الذي يكشف عن خطر سوء الفهم على الداعي و المدعو على السواء بقوله : ( ينبغي أن يُفهم عن الرسول صلى الله عليه و سلم مراده من غير غلو و لا تقصير , فلا يحمل كلامه ما لا يحتمل ولا يقصر به عن مراده و ما قصده من الهدى و البيان , و قد حصل بإهمال ذلك و العدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله , بل سوء الفهم عن الله و رسوله أصل كل بدعة و ضلالة نشأت في الإسلام , بل هو أصل كل خطأ في الأصول و الفروع ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد , فيتفق سوء الفهم

(1) – الموافقات (1/97)

(2) – و هو ما يعبر عنه المعاصرون بفقه الأوراق : و هو فهم أوراق الكتب و ما تحويه من المعاني المجردة بعيدا عن الأحوال و الملابسات و المؤثرات المحيطة بذلك المعنى , و من أهم أسباب هذه الظاهرة السلبية : عدم

التلمذة على العلماء الربانيين الذين يحسنون التربية و التوجيه و يعطون لطلابهم المعرفة مقعدة منضبطة مقدرة بمقدار دقيق , و مايتخرج الطالب من بين أيديهم إلا و قد وعى العلم مؤصلا مؤسسا متكاملا متوازنا ... على عكس من إنطلق مسرعا يقرأ كتيبات أو يحضر محاضرات أو يسمع تسجيلات , فيأخذ منها ما تسارع إلى فهمه و ينقله إلى الآ خرين بغير وعي كامل مغفلا الظروف و الخلفيات و البواعث لما قرأ أو سمع , فينتج عن ذلك فهم ضحل مبتور عن كثير من الحقائق و المعارف و المفاهيم .

أنظر : الفقه الحركي في العمل الإسلامي المعاصر – دراسة تأصيلية نقدية – لموسى إبراهيم الشيخ (12-15) – بتصرف

-5-

في بعض الأشياء من المتبوع و سوء القصد من التابع فيا محنة الدين و أهله !!! ) (1)

و مما يلزم الداعية المسلم معرفته – إضافة إلى فهمه للنصوص الشرعية – أن يفهم الواقع الذي يتحرك فيه , إذ عليه أن يكون عارفا بالحياة الواقعية دارسا لمشاكلها و أسبابها , محيطا بما جد فبها من مذاهب و عقائد حتى يتسنى له أن يؤثر بدينه في غيره , بدعوة هادية هادفة تراعي إطار الزمان و المكام و حركة الحياة و التاريخ , فيكون قادرا على إقناع الإنسان المعاصر بكل تعقيداته العقلية و الثقافية , و الأخذ بيده نحو الهداية والفلاح من خلال إدراك الكليات الإسلامية , و تمييز الثوابت عن المتغيرات و إدراك المقاصد و تحديد الغايات (2)

ب- الإيمان العميق : و هو تيقن الداعي بأحقية الإسلام , بإيمان عميق ثابت لا يتزعزع , و أن لا يستوحش طريق الدعوة الذي سلكه لقلة المستجيبين (3) , قال تعالى : ( لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) سورة آل عمران الآية 186 .

فإن من سنة الله في عباده المؤمنين الداعين إليه المجاهدين في سبيله أن يبتلوا بأنواع البلاء .. و من البلاء الذي يبتلون به على وجه الإمتحان و حسب مقتضيات سنة الله تعالى في الداعين إليه ما يسمعونه من أهل الكتاب و المشركين و غبرهم من الكفرة من أنواع الأذى القولي كالطعن في الإسلام و في الدعاة إليه و بإلصاق التهم الباطلة بهم لصد الناس عنهم و عن دعوتهم و إن من عزائم الأمور الصبر على هذا الأذى و الإلتزام بالتقوى (4)

و هذا الإيمان ضروري لمن أراد دعوة غيره , لأن وجود الشك و الإهتزاز و قلة العلم عند الداعية المسلم يعد ثغرة يؤتى منها قد تكون سببا في تنفير غير المسلمين من الإسلام بدلا من كسبهم و تحبيبهم إليه, لأن المترددين و المتشككين لا يمكنهم أن يتملكوا جرأة و لا حجة يقنعوا بها خصومهم و إن رأيتهم يتنمقون بالتعابير المنتقاة و يتفاصحون بالكلمات العذاب (5)

(1) – كتاب الروح – المسألة السابعة ( 99)

(2) – دكتور طه جابر العلواني : مقدمة كتاب : كيف نتعامل مع السنة للدكتور القرضاوي - بتصرف

(3) – قال ابن حزم : ( لا تسوحش مع الحق , فمن كان معه الحق فالخالق تعالى معه , و لا تبال بكثرة خصومك و لا بقدم أزمانهم و لا بتعظم الناس إياهم و لا بعدتهم فالحق أكثر منهم ) – إبن حزم و منهجه في دراسة الأديان لمحمد علي حماية ( 209)

(4) – السنن الإلهية في الأمم في الأمم و الجماعات و الأفراد – د /عبد الكريم زيدان (87)

(5) – أساليب التعامل مع الخصوم في ضوء السنة النبوية – د/ نور الدين بن يربح (28)

-6-

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعلى درجة من درجات اليقين بصحة طريقه و سلامة منهجه , وقد عبر عن ذلك يوم تخلت الدنيا كلها عن دعوته بقوله : ( و الله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) (1)

ج- الإتصال الوثيق : و المقصود به تعلق الداعي المسلم بربه و توكله عليه في جميع أموره لاعتقاده الجازم بأن الله وحده هو النافع و الضار و المعطي و المانع .

قال ابن قدامة المقدسي : ( بان يعلم بأن الله تعالى هو المسخّر للقلوب بالمنع و الإعطاء , و أنه لا رزاق سواه , و من طمع في الخلق لم يخل من الذل و الخيبة , وإن وصل إلى المراد لم يخل من المنة و المهانة , فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد ) (2)

فتزداد ثقة الداعي المسلم بربه و يقوى يقينه في نصره , قال الله تعالى :( إنّا للنصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد ) سورة غافر الآية 51

أي : ننصرهم في الدنيا و الآخرة بان يغلبوا أعداءهم في الدنيا بالقتال و بالحجة و إن غلبوا في بعض الأحيان إمتحانا لهم من الله تعالى , و لكن العاقبة دائما لهم (3)

و على الداعية المسلم أن يدرك أن نجاحه في دعوته مرهون بإخلاصه و صدق نيته و تجرده للحق , حتى تكون الغاية من دعوته رضا الخالق لا ثناء الخلق و سعادة الآخرة لا منفعة الدنيا , فيحذر من أن تتحول دعوته إلى بحث عن الجاه و الشهرة و المصلحة أو نصرة لنزعة عصبية ظاهرة أو خفية ..و كل ذلك يحتاج إلى مجاهدة للنفس.

عن علي بن سالم قال : سمعت سهل بن عبد الله و قد قيل له : ( أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص , لأنه ليس لها فيه نصيب ) (4)

فكلما تجردت الموايا و خلصت الأعمال لله تعالى كانت العواقب أسلم و النتائج أحسن في العاجل و الآجل .

يقول إبن حزم رحمه الله : ( إذا تعقبت الأمور كلها فسدت عليك و انتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا الى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط , لأن كل أمر ظفرت به فعقباه حزن إما بذهابه عنك و إما بذهابك عنه , و لا بد من أحد هذين الشيئين , إلا العمل لله

(1) – سيرة ابن هشام (1/330) : صرح ابن اسحاق بالسماع وسنده منقطع , و به يكون الحديث ضعيفا.

(2) – مختصر منهاج القاصدي ( 284-285) .

(3) – أنظر : الكشاف ( 4/172) و تفسير القرطبي ( 15/322) .

(4) – صفة الصفوة لجمال الدين أبي الفرج الجوزي (4/46) .

-7-

عزّوجل فعقباه على كل حال سرور في عاجل أو آجل , أما العاجل فقلة الهمّ بما يهتم به الناس , و إنك به معظّم من الصديق و العدو , وأما في الآجل فالجنّة ) (1)

إن السنة النبوية ترشد الى أن الداعية الحق هو الذي لا يقرن دعوته و سائر عباداته بشء سوى إرضاء خالقه , حتى لا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .

قال العز بن عبد السلام : ( فمن اقترن بعبادته شيء من ذلك، أي من الأغراض الدنيوية أبطلها لأنه جعل عبادة الله و طاعته و سيلة الى نيل أغراض خسيسة دنية , فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فهذا هو الرياء الخالص ) (2)

ومما دلت عليه الأحاديث التي بين أيدينا هو توجيه الدعوة و التعريف بالإسلام الى العامّة من الناس إذ أن الدعوة لا بد أن تمس كل الفئات و الطبقات , لكن ما المقصود بالعامة و لماذا توجيه الدعوة إليهم ؟

المراد بالعامّة : إن في كل مجتمع يوجد من يملك النفوذ و السلطان و بيده مراكز التاثير في المجتمع كما يوجد عوامّ و بسطاء يمثلون عادة الفئة الغالبة , أو ما يعرفون بجمهور الناس .

يقول الدكتور عبد الكريم زيدان : ( نريد من قولنا جمهور الناس : معظمهم , لأن جمهور كل شيء معظمه و أكثره و المقصود بمعظم الناس : ماعدا ( الملأ ) و هم عادة قلة , أما ماعداهم فهم أكثرية الناس في أي مجتمع بشري و هؤلاء الجمهور يكونون عادة مرؤوسين للملأ و تابعين لهم , كما يكونون غالبا فقراء و ضعفاء ) (3)

- ما الحكمة من توجيه الدعوة الى عامة الناس من خلال حديث مسلم ؟

إن اعتماد أسلوب الدعوة تجاه العامة من الناس إنما هو في الحقيقة التحرك الخيّر لأهل الحق في أكبر و أوسع و سط بشري عند المدعوين , فقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه أن يكون العامّة هم أكثر أتباع الأنبياء , قال الله تعالى – مخبرا عن قوم نوح عليه السلام - : ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا و ما نراك اتبعك إلأّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي و ما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) سورة هود الآية 27 .

قال ابن كثير : ( ثم الواقع غالبا أن يتبع الحق ضعفاء الناس ) (4)

(1) – الأخلاق و السير في مداواة النفوس (13) .

(2) – قواعد الأحكام في مصالح الأنام ( 1/147) .

(3) – أصول الدعوة (390) .

(4) – تفسير ابن كثير (3/234) .

-8-

فحين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة الى أولائك البسطاء و الفقراء الذين يرزحون تحت ضغط الكبراء , إنما عمل كل جهده لإنتشالهم من بينهم و سحبهم الى صف المسلمين أين يجدون الرعاية لإنسانيتهم و الإعتبار لكرامتهم بشريعة تعتبر كل إنسان على ظهر البسيطة أهلا لتقبل الحقوق و الإلتزام بالواجبات كأي إنسان آخر , وأن الأصل و الجنس و اللون لا يمكن أن يفرق بين إنسان وآخر أمام القانون الإلهي :( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) سورة الحجرات الأية 13

و من المسلنات التي لا تحتاج الى تأكيد أن هذا الدين إنما جاء للناس كلهم :( و ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ) سورة سبأ الآية 28 , فكان مبعث رسول الله لكل البشر على إختلاف ألوانهم و مراتبهم , عرب و عجم , بيض و سود , أغنياء و فقراء , حكام و محكومين .

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر , فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : أطرد هؤلاء لا يجترؤن علينا ! قال وكنت أنا وابن مسعود و رجل من هذيل و بلال و رجلان لست أسميهما , فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل اله عز و جل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه) (1)

فقد رفض رسول الله تقريب الكبراء و السادة على حساب الفقراء و المستضعفين , لأن الدعوة التي جاء بها دعوة بناء و إعمار للكون و الحياة لا تصلح بالسادة و حدهم و لا بالأغنياء و حدهم , و صناعة الحياة المتكاملة تحتاج الى جهود الجميع , وأن المجتمع المسلم هو الذي يشكل نموذجا صادقا لتعاون جميع أفراده حيث يعرف كل إنسان فيه مكانه و يؤدي دوره .

و على الداعية المسلم أن يدرك أن تغيير مجتمعات الكفر من حال الخصومة للإسلام و أهله الى حال الإعتراف به و الإيمان بشريعته لن يتم – في الغالب - إلا بالتغيير القاعدي و ذلك بحسن عرض الإسلام على بسطائه و عامته و تعريفهم بمبادئ الإسلام التي تحمي كرامتهم و تصون حقوقهم , وأن يحسن توظيف قابلية هؤلاء العامّة لدعوة الإسلام و ذلك لخلوهم من موانع القبول كحب الرّياسة و التسلط و الكبر و هو ما لايوجد عند الكبراء عادة (2)

إن النجاح في دعوة هؤلاء العامّة إنما يعني تحويل طاقات و قدرات بشرية نحو البناء الرسالي في رحاب الإسلام , حيث يجدون الشرائع و الأحكام التي تفجر طاقاتهم نحو الخير و الإعمار , وقد كانت

(1) – صحيح مسلم – كتاب : فضائل الصحابة – باب : فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (4/1878) (2413) –و الآية من سورة الأنعام برقم 52 .

(2) – أنظر: أصول الدعوة (391)

-9-

ثمرة دعوة رسول الله لعامة قومه أن جعل منهم السّادة و القادة و العلماء و الخلفاء .

ولم بكن منهج رسول الله في الدعوة لهؤلاء العامة يقوم على فكرة تجميع البشر و تكثير المنتسبين فحسب , بل إنه منهج يقوم على مبدأ حسن توظيف الطاقات البشرية في ما هو صالح و نافع ,و قد أخذ ذلك من رسول الله الكثير من التدبير و التخطيط و العمل الدؤوب (1)

وقد قدم الإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – تصورا إسلاميا بديعا حول أساليب إختيار الكفاءات و حسن توظيفها خدمة للدين و الأمة , فبقول -رحمه الله - :

( إن الله عزّ وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا و لا في الآخرة , ألا ترى الى قوله تعالى : ( و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) سورة النحل الآية 78 ,ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدرّج و التربية , تارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدي و مصه , وتارة بالتعليم فطلب الناس بالتعلم و التعليم لجميع ما يُستجلب به المصالح و كافة ما تُدرأ به المفاسد .

و في أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من الخلق ما فطر عليه و ما ألهم له من تفاصيل الأحوال و الأعمال، فلا يأتي زمان التعقل إلا و قد نجم على ظاهره ما فطر عليه في أوليته , فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم و آخر لطلب الرياسة و آخر للتصنع لبعض المهن المحتاج إليها و آخر للصراع و النطاح الى سائرالأمور، و يتعين على الناظرين فيهم الإلتفات الى تلك الجهات فيراعونهم بحسبها و يراعونها أن تخرج في أيديهم على الصرا ط المستقيم , فعند ذلك يحصل الإنتفاع و تظهر نتيجة تلك التربية )(2)

و هو الهدف الذي إعتمد رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلوب الدعوة تجاه العامّة و البسطاء حين عمل على إخراجهم من محيط الكفر و الشرك أولا , ثم إعدادهم إعدادا إسلاميا يمكنهم من تحمل الآمانة و أداء الرسالة , فكم من إنسان بسيط كان في مجتمع الكفر نكرة لا يؤبه به أضحى في الإسلام علما يقتدى به ؟

- ما الذي يستنبط من خلال حديث ربيعة بن عباد الدؤلي ؟ (3)

لقد روى ربيعة بن عباد الدؤلي كيف كان رسول الله يتبع الناس في منازلهم يدعوهم الى الله عزّ وجل و كيف كان أبو لهب يصد عنه الناس , فما الذي نفهمه من هذا الموقف ؟

(1) – أساليب التعامل مع الخصوم في ضوء السنة النبوية / د : نور الدين بن يربح (35) .

(2) – الموافقات للإمام الشاطبي (1/179-180) .

(3) – هو ربيعة بن عباد الدؤلي بن كنانة , مدني روى عن ابن المنكدر و أبي الزناد و غيرهم , يعد في أهل المدينة و عمر عمرا طويلا 0 أنظر : الإصابة ( 1/509).

-10-

و الجواب عن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يتوجه بالدعوة الى أولئك العوام إنما كان يعلم أشد العلم أن رؤوس الكفر تسعى بشتى الوسائل الى تحويلهم نحو خطها و عقيدتها حتى تجعل منهم مادة تخاصم الإسلام و المسلمين , لذلك حرص رسول الله كل الحرص على الصلاة فب المسجد الحرام و إظهار شعائر الإسلام، و هنا حاول المشركون تفويت هذه الأغراض بالمضايقة و الإيذاء (1)

فرواية ربيعة بن عباد الدؤلي –و غيرها في السنة النبوية كثير – تؤكد اعتماد الرسول صلى الله عليه و سلم أسلوب " الإتصال بالجماهير " مثلما نسميه بلغة العصر , كان رد الفعل لدى خصومه أن قاموا بعملية " التشويش " على دعوته بشتى السبل, و في سببل جذب العوام إليهم عمدوا الى التكذيب و المجادلة بالباطل و حملات التيئيس و التشكيك و كل ما من شأنه أن يحول دون وصول صوت القرآن الى أسماع المستضعفين , و قد تحدث القرآن الكريم عن محاولاتهم تلك , قال تعالى :(و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون ) سورة فصلت الآية 26

إن الصراع بين أهل الحق و أهل الباطل حول استقطاب عامة الناس و بسطائهم هو ما يمكن تسميته بلغة العصر بكسب " الرأي العام" (2) و المنتصر فيه هو من يحسن انتقاء الأساليب و يتقن ادارة الصراع حتى يحوّل هذا الرأي العام الى خطه و عقيدته .

و ها هم خصوم الإسلام المعاصرون يتحركون اليوم بكل قوة و نشاط لنشر دعواتهم و عقائدهم ضمن دائرة "عامة المسلمين" و فقرائهم و بسطائهم مستخدمين في سبيل ذلك كل الآليات و الوسائل و الإمكانات .

فقد استغلوا المجاعات و الفقر و المرض و الجهل لينشروا دينهم بين المسلمين , وإذا رصد خصوم الإسلام الأموال و سخروا الإعلام ليقتلعوا المسلمين من جذورهم , فلماذا لا يرصد المسلمون أضعافها و يسخّروا من وسائلهم أقواهالحماية أنفسهم و الحفاظ على وجودهم .

فالطريق الذي رسمه الإسلام في الدعوة الى الله هو طريق هداية الخلق و اقامة منار العدل و ذلك من أجلّ العبادات الى الله فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل

(1) – السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري (1/150) – بتصرف .

(2) – برز مصطلح "الرأي العام " مع بروز التجمعات السكنية أو ما يمكن تسميته بالجماهير الغفيرة و قد قسمه البعض الى :

أ‌- الرأي العام المستنير : و هو رأي الطبقة المثقفة

ب‌- الرأي العام المسيطر : و هو رأي القادة و الزعماء و الحكومات

ت‌- الرأي العام المنقاد : و هو رأي السواد الأعظم الذي لا يستطيع المتابعة و البحث

أنظر : المسؤولية الإعلامية في الإسلام للدكتور محمد سيد محمد (165-166) .

-11-

أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ) (1)

إن المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة كان منهجا جادا محدد الأهداف مدروس الوسائل بعيدا عن العفوية و الإرتجال , فكانت الثمرة بناء مجتمع فاضل قوي مترابط , و الى مثل تلك الدعوة يحتاج المسلمون المعاصرون عسى أن يحققوا في أمتهم بعثا جديدا .

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :( إن الدعوة الى الله تعالى ليست صيحة مبهمة أو صرخة غامضة , إنها برنامج كامل يضم في أطوائه جميع المعارف التي يحتاج اليها الناس ليبصروا الغاية من محياهم و ليستكشفوا معالم الطريق التي تجمعهم راشدين ) (2)

(1) – صحيح مسلم - كتاب : العلم - باب : من سن سنة حسنة (4/2060) (2674)

(2) – مع الله – دراسة في الدعوة و الدعاة (37) .

-12-

الباب الثاني : دعوة الزعماء و العلماء

- قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف , حدثنا الليث , قال حدثني سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال , فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما عندك يا ثمامة ؟ ) فقال : عندي خير يا مجمد إن تقتلني تقتل ذا دم و إن تنعم تنعم على شاكر , و إن كنت تريد المال فسل منه ما شئت , فتُرك حتى كان الغد ثم قال له : ( ماعندك يا ثمامة ؟) قال : ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر , فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ( ما عندك يا ثمامة ؟) فقال : عندي ما قلت لك , فقال : ( أطلقوا ثمامة ) , فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا اله إلا الله و أشهد أن مجمدا رسول الله , يا محمد و الله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي , ووالله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي , و الله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي و إن خيلك أخذتني و أنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم و أمره أن يعتمر , فلما قدم مكّة قال له قائل : صبوت ؟ قال : لا و لكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم

التخريج : أخرجه البخاري ومسلم و البيهقي . (1)

- قال البخاري : حدثني ابراهيم بن موسى عن هشام عن معمر ح و حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال حدثني ابن عباس قال حدثني أبو سفيان من فيه الى في أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب الى هرقل عظيم الروم :

( بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى , أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم , و أسلم يُؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و ( قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك

(1) – صحيح البخاري – كتاب: المغازي – باب – وفد بني حنيفة و حديث ثمامة بن أثال (8/109) (4372) .

- صحيح مسلم – كتاب : الجهاد و السير – باب : ربط الأسير و حبسه و جواز المن عليه (3/1386) (1764) .

- سنن البهقي – كتاب : السير – باب : ما يفعله بالرجال البالغين منهم (9/65) .

-13-

به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله , فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون ) .

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم (1)

- قال البخاري : حدثنا مسلم بن ابراهيم , حدثنا قرة , عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود ) .

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم (2)

الشرح : إن الإسلام دين سلام و عقيدة حب و نظام يستهدف جمع كل الناس تحت لواء الدين إخوة متعارفين متحابين , و حين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة العامّة و الزعماء و العلماء إنما أراد تكوين مجتمع فاضل تحميه القيادة الراشدة و الرعية الصالحة .

ولم يعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الزعيم أو العالم عائقا يحول دون توجيه الدعوة إليه , بل كان منهجه دائما هو الحفاظ على أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك و عدالة المعاملة , و هذا الذي تجسد في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال زعيم قومه حين قبض عليه و صار أسيرا بين يديه .

قال ابن حجر : ( و في قصة ثمامة من الفوائد : ربط الكافر في المسجد و المن على الأسير الكافر و تعظيم أمر العفو عن المسيء , لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبا في ساعة واحدة لما أسداه النبي صلى الله عليه وسلم من العفو و المن بغير مقابل، و فيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه ) (3)

(1) – صحيح البخاري – كتاب : التفسير – باب : ( قل يا أهل الكتاب ) ( 8/214)(4553)

- صحيح مسلم – كتاب : الجهاد و السير – باب : كتابة النبي صلى الله عليه وسلم الى هرقل يدعوه الى الإسلام (3/1393) ( 1773) 0و الآية من سورة آل عمران برقم 64 .

(2)- صحيح البخاري – كتاب : مناقب الأنصار – باب : إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ( 7/349) ( 3941) .

- صحيح مسلم – كتاب : صفات المنافقين و أحكامهم – باب : نزول أهل الجنّة ( 4/2151)

(2793) بلفظ :( لو تابعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم ) .

(3) – فتح الباري (8/111)

-14-

و قال النووي : ( هذا من تأليف القلوب لمن يرجى اسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير ) (1)

و معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الزعماء بهذا الأسلوب الرفيع و الحكمة البالغة , سواء بدعوتهم مشافهة أو مكاتبة هو أدب نبوي عال إنتهجه رسول الله كما انتهجه إخوانه من الأنبياء قبله .

قال الإمام أحمد بن محمد التميمي النجدي : ( و قد أدب الله تعالى أنبياءه في خطابهم للرؤساء من أعدائه , فقال لموسى و هارون في حق فرعون : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) طه 44

و ما ذلك ذلك مراعاة لقلبه حتى لا ينصرف بالقول الخشن , فكيف برئيس تقدم في العلم تطلب فوائده و ترجو الخير في ايراده فأحرى بنا أن نذلل له العبارة و نوطىء له جانب الجدل لتنهال فوائده انهيالا ) (2)

إن حسن التعامل الذي يجعله الله تعالى سببا في هداية زعيم أو حاكم ينتج عنه للأمة خير عميم مثلما أن سوء التعامل معه – و الذي قد يكون سببا في تنفيره – ينتج عنه شر كبير .

لهذا نجد كيف أن رسول الله يشدد في النهي عن منابذة الحكام العصاة من المسلمين و الخروج عليهم لما ينجم عنه من فتن و مهالك .

روى عوف بن مالك الأشجعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم و بحبونكم و تصلون عليهم و يصلون عليكم , و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم ) قالوا : قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال :( لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة , ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله و لا ينزعن يدا من طاعة ) (3)

و على الداعية المسلم أن يدرك أن استجابة هذا النوع من المدعوين صعب في الغالب إذ عادة ما يتصورون أن استجابتهم للحق و الهداية تسلبهم مراكزهم , فيُحال بينهم و بين جاههم و عزهم و شهواتهم فيقوى المانع من القبول جدا .

(1)- صحيح مسلم بشرح النووي (12/89) .

(2) – الفواكه العديدة في المسائل المفيدة ( 360) .

(3) – صحيح مسلم – كتاب : الإمارة –باب : خيار الأئمة و شرارهم (3/1482) (1855)

-15-

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :( فإن انضاف الى ذلك خوفه من أصحابه و عشيرته و قومه على نفسه وماله و جاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ازداد المانع من قبول الحق قوة , فإن هرقل عرف الحق و همّ بالدخول في الإسلام , فلم يطاوعه قومه , و خافهم على نفسه , فاختار الكفر على الإسلام بعدما تبين لهم الهدى ) (1)

قال اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله تعالى :( و قد اجمعت المصادر الأجنبية المعتمدة على أن هرقل كان شديد التدين عظيم الإيمان , فليس من الغريب أن يستهويه الكتاب النبوي و ماجاء فيه – بالرغم من ايجازه – من رفق الدعوة و حكمة النبوة، و ليس من المبالغ فيه , ما جاء حول تجاوبه مع الكتاب النبوي تجاوبا واضحا، و لكن تجاوبه لم يخرج أبدا الى حيز التنفيذ , إذ كان ملكه ومصيره في حاضره و مستقبله أغلى عليه من الإيمان , فآثر الدنيا على الآخرة , و ما عند الناس على ماعند الله , و قد حاول أن يجد طريقا لا خطر فيه على ملكه و مستقبله فوارب في ميله لى الإسلام , فقوبلت مواربته بالرفض الشديد العنيف من حاشيته و رجاله و أهل دولته و قساوسته , فتخلى عن تلك المحاولة الى الأبد و مضى مع التيار السائد الذي كان قوي عارما و آثر السلامة على مايمكن أن يحيق به من أخطار ) (2)

على المسلم الذي يري أم يعرض الإسلام على هؤلاء الزعماء أن يدرك أنه يتعامل مع إنسان ذي نفسية و طبيعة لها في الغالب خصائصها التي تميزها و ظروفها التي تحكمها , فان أدرك ذلك كان أسلوب دعوته أنجح و تأثيره- بإذن الله تعالى – أقوى .

و لنا أن نتساءل : لماذا اختار رسول صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب مع ثمامة ؟ و لماذا دعا هرقل بتلك الحكمة ؟

و الجواب : أنه صلى الله عليه وسلم أدرك طبيعة نفوسهم و ظروفهم لأن موانع الإستجابة عندهم كثيرة نذكر منها ما يلي :

أولا : شعورهم بالكبر و الإستعلاء : وهو شعور يحول دون رؤية الحق في الغالب أو قد يرى الحق و لكنه يستنكف عن الإجابة كرها من أن يصير تابعا لغيره و قد ألف أن يتبعه الناس , و من الآيات الدالة على هذه الصفة عندهم قوله تعالى : ( ثم أرسلنا موسى و أخاه هارون بآياتنا و سلطان مبين، الى فرعون و ملأيه فاستكبروا و كانوا قوما عالين، فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا و قومهما لنا عابدون، فكذبوهما فكانوا من المهلكين ) المؤمنون 45-48

(1) – هداية الحيارى (16) .

(2) – السفارات النبوية (75) .

-16-

و قوله تعالى : ( و قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) الزخرف 31-32

قال ابن عباس رضي الله عنه : ( يعنون بالرجل العظيم : جبار من جبابرة قريش ) (1)

فهم بدافع نفوسهم المستعلية إستصغروا شأن الرسول صلى الله عليه وسلم و لم يروه أهلا للرسالة , في حين رأوا أنفسهم و أمثالهم من الكبراء أهلا لها , فراعى رسول الله هذا الجانب من نفوسهم المستعلية إذ خاطبهم بالأسماء و الألقاب التي يحبونها , إذ خاطب هرقل بما يليق به حاكما و ملكا قائلا: ( هرقل عظيم الروم ) و ذلك من أدب رسول الله و حكمته في التعامل مع هذه النفوس .

بل قد اعتبر بعض أهل العلم تسمية الملوك و الرؤساء بما يليق بهم و بمقامهم ليس إلا إقرارا بما اكرمهم به الله تعالى:

فيقول الإمام أبو الحسن الماوردي : ( إن الله عزّ وجل أكرمهم بالصفة التي وصف بها نفسه فسماهم ملوكا و سمى نفسه ملكا فقال :( ملك يوم الدين ) الفاتحة 5 , وقال : ( فتعالى الله الملك الحق ) المؤمنون 116 , و قال فيما وصف به البشر : ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) البقرة 247 , و قال :( إذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا ) المائدة 20 , و قال : (و قتل داوود جالوت و آتاه الله الملك و الحكمة ) البقرة 251 ) (2)

هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب كل إنسان بأسلوب يراعي فيه ما تميل إليه نفسه و تحبه , فخاطب الملوك بهذه اللغة التي تعبر عن حكمة بالغة في انتقاء أساليب الدعوة و التعامل خاطبهم كل حسب موقعه و مكانته بين قومه حتى يرق قلبه و تتهيأ نفسه للتقبل و السماع.

ثانيا : حبهم للرياسة و الجاه : إن الإنسان محب لما ألف العيش فبه -غالبافكيف إذا كان هذا العيش في كنف الجاه و الرياسة , لذلك فإن هؤلاء الزعماء عادة ما يرفضون الإستجابة للدعوة خوفا من أن تسلبهم جاههم و سلطانهم الذي ألفوا العيش فيه .

و قد أقر القرآن الكريم بهذه الحقيقة , فقال الله تعالى :( و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) سورة ص 6 .

(1)- تفسير ابن كثير (5/261) .

(2)- نصيحة الملوك المنسوب لأبي الحسن الماوردي – تحقيق و دراسة : فؤاد عبد المنعم أحمد (51) .

-17-

قال ابن جرير : ( إن الملأ قالوا إن هذا الذي يدعونا اليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم و الإستعلاء و أن يكون له منكم أتباع و لسنا نجيبه ) (1)

فقد رفض هؤلاء الزعماء دعوة نبيهم لظنهم أنها تفقدهم جاههم و سلطانهم على الناس , و تحرمهم حياة الترف و النعمة التي تعودوا عليها .

و عادة المترفين لما يفعله فيهم الترف من بطر النعمة و الإنغماس في الملذات أنهم يسارعون قبل غيرهم في تكذيب رسل الله و رد الحق الذي جاءوا به إستدلالا باطلا بما هم عليه من كثرة المال و الأولاد و سعة الجاه و السلطان و كثرة الأتباع و علو منزلتهم عند الناس (2)

و لذلك قال الله تعالى : ( و ما أرسلنا من قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم كافرون، و قالوا نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذبين، قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر و لكن أكثر الناس لا يعلمون ) سبأ 34-36

سؤال : و لكن هل يصح الإقرار ببعض العز و الشرف لمن يرجى إسلامه , و هل في سنة رسول الله ما يجيز ذلك ؟.

و الجواب : أن علماءنا الأجلاء قد قرروا أن أحكام الإسلام مرتبطة بمقاصدها و تدور مع تلك المقاصد و جودا و عدما , فبقول الإمام الشاطبي : ( إن الأعمال بالنيات , و المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات و العادات , و الأدلة على هذا المعنى لا تنحصر و يكفيك منها أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة و ما هو عبادة و في العبادات بين ما هو واجب و غير واجب ) (3)

و على ذلك فما دام القصد من إقرار هذا الزعيم على بعض العز و الشرف يجذبه الى الإسلام و يحببه اليه فان الواجب هو ذلك , ما لم يكن في ذلك ضر بالإسلام و شريعته , وقد أعطى رسول الله أبا سفيان – و هو يومئذ خصم للإسلام – مرتبة من الشرف و الجاه تأليفا لقلبه , و كان ذلك يوم الفتح حين قال العباس لرسول الله : يا رسول الله إن أبا سفيان يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا , قال : (نعم

من دخل دار أبي سفيان فهو آمن )(1)

(1) – تفسير الطبري ( 4/27)

(2) – السنن الإلهية (184)

(3) – الموافقات (2/246)

(4) -قال الهيثمي : رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح – المجمع (6/166)

-18-

فقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشبع فيه عاطفة الفخر و يستميله للإسلام , و حتى يشعر بأن مكانته محفوظة بين قومه حتى لو أسلم (1) .

ثالثا : جهلهم بحقيقة الإسلام : إن مما يؤسف له أن كثيرا من الناس من غير الملمين لا يعرفون الحقائق الإسلامية إلا عن طريق ما يكتبه و ينقله أعداء الإسلام , فينقلون صورته شائهة كما يحبون و على ما تهوى أنفسهم المعادية للإسلام .

فكثيرا ما تصل هؤلاء الزعماء صور خاطئة و تقارير زائفة عن حقيقة الإسلام , أو قد يتصورون هم صورا مخافة لحقيقة الدين , مثلما أنكر الملأ من قوم نوح عليه دعوته بحجة أمه نبي بشر ! و لو عرفوا و أدركوا أنه لو لم يكن بشرا مثلهم لاستحال عليه أن يكلمهم أو يدعوهم و يفهمهم دعوته , كما أنكروا عليه أن أتباعه ليسوا إلا أولئك الفقراء و البسطاء , فقد جهلوا أن ألفقر و الضعف لا علاقة له بصفاء النفوس و الإستجابة للإيمان , قال تعالى :( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي و ما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) هود 27

كما أن ظروف مواقعهم التي هم فيها عادة ما تكون من أسباب بعدهم عن مجالسة العلماء و بالتالي معرفة صفاء الدين وسمو أحكامه , فيقعون تحت تأثير البطانات التي تتولى غالبا نقل صور الدين والمتدينين شائهة شائبة .

جاء في " نصيحة الملوك " :( أنهم أكثر الناس انشغالا و أعظمهم أثقالا و أبعدهم عن ممارسة أمورهم بأنفسهم , و مشاهدة أقاصي أعمالهم بأعينهم , و ليس كل مستعان به يعين و لا كل وال يستقل بما يلي , و أنهم أبعد الناس عن مجالسة العلماء و حضور مجالسة الفقهاء ) (2)

سؤال : هل كان لسفراء النبي صلى الله عليه وسلم دور في نشر الدعوة الإسلامية بين هؤلاء

الزعماء ؟

يقول اللواء الركن محمود شيت خطاب – رحمه الله - : ( لقد كان هدف السفارات النبوية هو الدعوة الى إعتناق الإسلام , فكان سفراء النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم الى الملوك و الأمراء في زمانه دعاة الى الإسلام و كانوا صفوة الدعاة ...

و دراسة سمات سفراء النبي صلى الله عليه وسلم تستحق العناية الفائقة من أجل الأسوة الحسنة

المقتبسة من النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب اختيار السفراء من أجل ماضي المسلمين و حاضرهم

(1) – أساليب الدعوة والتربية في السنة النبوية – د/ زياد محمود العاني (16)

(2) – نصيحة الملوك (51)

-19-

و مستقبلهم ...

و العبرة من عرض سمات سفراء النبي صلى الله عليه وسلم للحاضر و المستقبل , تكون للذين يملكون القرار في تولية السفراء حتى يحسن الملوك و الرؤساء و الأمراء اختيار السفراء و من يعمل معهم بهدي سمات سفراء النبي صلى الله عليه وسلم ...

و العبرة أيضا تكون لكل فرد من أفراد الأمة , ليعرف كيف ينبغي أم تكون سمات السفير الصالح ليكونوا قادرين على النهوض بواجباتهم من أجل مصالح أمتهم و بلادهم ) (1)

إن الإسلام يدعو الى معرفة قدر الرجال و الإقرار بها تأليفا لقلوبهم , و هو المنهج الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل من كان ذا شأن في قومه .

فهذا عدي بن حاتم النصراني و هو ابن حاتم الجواد المشهور وكان شريفا في قومه يروي عن نفسه فيقول :

(... فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ,فدخلت عيه و هو في مسجده فسلمت عليه , فقال : ( من الرجل ؟ ) فقلت : عدي بن حاتم , فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بيالى المدينة , فوالله إنه لعامد بي اليه – أي قصد بي الى الدار – إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفنه فوقف لها طويلا فكلمته في حاجتها , فقلت في نفسي : و الله ما هذا بملك ! ثم مضى بي صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال :( إجلس على هذه ) فقلت : بل أنت فاجلس عليها , فقال : ( بل أنت ) فجلست عليها و جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض ) (2)

و فعلا كان هذا السلوب في التعامل – مع حسن التعريف بالإسلام – سببا في هداية هذا الرجل الزعيم الى الإسلام .

بل لقد بقي قدر هذا الرجل معروفا و محفوظا حتى بعد إسلامه , فقد روى البخاري عن عدي بن حاتم قال : ( أتينا عمر في وفد فجعل يدعو رجلارجلا و يسميهم فقلت : أما تعرفني يا أمير الؤمنين ؟ قال : بلى أسلمتَ إذ كفروا , و أقبلت إذ أدبروا , ووفيت إذ غدروا , و عرفت إذ أنكروا، فقال عدي : فلا أبالي إذا ) (3)

(1)- السفارات النبوية (270-271) – بتصرف .

(2) – مصنف ابن أبي شيبة ( 7/342) ( 36606) , و الإصابة ( 4/471 ) .

(3) – صحيح البخاري – كتاب : المغازي – باب: قصة وفد طيء ( 8/129) ( 43949 )

-20-

قال بن حجر : : ( فقال عدي : فلا أبالي إذا : أي : إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت علي غيري ) (1) .

و مثلما يحرص الإسلام على إنتقاء الأسلوب الأمثل في دعوة هؤلاء الزعماء , فهو يحرص أيضا على إنتقاء اسلوب النصح لهم بطريق يسقط هيبتهم أمام عامتهم .

روى عياض بن غنم الأشعري (2) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية و ليأخذ بيده فليخل به , فان قبلها قبلها و إلا كان قد أدى الذي عليه ) (3)

- لماذا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على دعوة الزعامات الدينية من خلال حديث البخاري ( لو آمن بي عشرة من اليهود ... ) ؟

تكاد تكون الزعامات الدينية هي الأكثر تأثيرا في أتباعها و من خلال هذا الحديث يظهر الرسول صلى الله عليه وسلم رغبته الشديدة في استجابة أحبار اليهود لدعوته كما يدل على ذلك ظاهر الحديث

قال الإمام النووي : ( المراد : عشرة من أحبارهم ) (4) , إذ تمنى رسول الله أن يسلم لدين الله أقطاب اليهود وزعاماتهم الدينية , و ذلك لما لهم من كبير الأثر في أقوامهم و أتباعه .

قال ابن حجر :( و الذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود , ومن عداهم كان تبعا لهم فلم يسلم منهم إلا قليل , كعبد الله بن سلام و كان من المشهورين بالرياسة في اليهود عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم , ومن بني النظير أبو ياسر بن أخطب و أخوه حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف و رافع بن أبي الحقيق , ومن بني قينقاع عبد الله بن حنيف و فنحاص و رفاعة بن زيد

(1) – فتح الباري (8/129)

(2) – هوعياض بن غنم بن زهير بن أبي شداد القرشي أبو سعيد , له صحبة , أسلم قبل الحديبية و شهدها , كان صالحا فاضلا , و كان يسمى زاد الركب , يطعم الناس زادهم فاذا نفذ نحر لهم جمله توفي سنة 20 هجرية، أنظر : أسد الغابة ( 4/164-165)

(3) – أخرجه الحاكم في مستدركه – كتاب : معرفة الصحابة – باب: ذكر عياض بن غنم الأشعري رضي الله عنه (3/290) , قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجه , قال الذهبي : فيه إبن رزيق واه 0 – و البيهقي في سننه , كتاب : قتال أهل البغي – باب : النصيحة لله و لكتابه و رسوله و للأئمة المسلمين و عامتهم و ما على الرعية من إكرام السلطان المقسط ( 8/164) (16437).

(4) – صحيح مسلم بشرح النووي ( 17/136)

-21-

فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم و كان كل منهم رئيسا في اليهود , و لو أسلم لاتبعه جماعة منهم ) (1)

إن استجابة هذه الزعامات الدينية لدعوة الإسلام عني إزاحة ركام كبير من التحريف و التشويه عن أذهان و عقائد الآلاف من الأتباع و تخليص لهم من ضغط أولائك " الرموز " الدينيين الذبن أعطوا لأنفسهم سلطات كبيرة ما كان الدين الحق ليعطيهم إياها .

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله ) التوبة 34 :

( و ذلك لأنهم يأكلون الدنيا بالدين و مناصبهم ورياستهم في الناس , يأكلون اموالهم بذلك , كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف و لهم عندهم خرج و هدايا و ضرائب تجيئ إليهم , فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إستمروا على ضلالهم و كفرهم و عنادهم طمعا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات ) (2)

و اعتماد الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب الدعوة تجاه هؤلاء الرموز من اقطاب رجال الدين إنما كان ينطلق من فكرة قرآنية تنسجم مع خط الأديان المشترك الذي ينطلق من فكرة أصيلة ترفض كل امتياز لأي بشركان !

فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لكل التاس الذين يدعوهم أنه ليس لأي شخص حق الطاعة المطلقة أمام طاعة الله تعالى و لو كان نبيا , فالعبودية لله و حده .

قال تعالى :( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب و بما كنتم تدرسون، ولا يأمركم ان تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أتم مسلمون ) آل عمران 79-80

وكان من ثمار دعوته صلى الله عليه وسلم لرجال الدين أن آمن به من آمن فكان فتحا للإسلام و المسلمين , ومن كفر منهم فقد أقام عليه رسول الله الحجة ( ليهلك من هلك عن بينة ) الأنفال 42

و من بين هؤلاء الذين استجابوا الحبر اليهودي عبد الله بن سلام الذي يروي الإمام أحمد في مسنده قصة إسلامه :

عن عوف بن مالك الأشجعي قال : (إنطلق النبي صلى الله عليه وسلم و أنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم , فكرهوا دخولنا عليهم , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر

(1) – فتح الباري (7/350) .

(2) – تفسير ابن كثير (3/102) .

-22-

اليهود أروني إثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إاله إلا الله و أن محمدا رسول الله يحط عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه ) فأسكتوا فما أجابه منهم أحد , ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثم ثلث فلم يجبه أحد , فقال ( أبيتم , فو الله لأنا الحاشر و أنا العاقب و أنا المقفي , آمنتم أم كذبتم ) ثن انصرف و أنا معه حتى كدنا أن نخرج , فإذا برجل من خلفه فقال : كما أنت يا محمد , فأقبل فقال ذاك الرجل : أي رجل تعلموني منكم يا معشر اليهود ؟ قالوا : و الله ما نعلم فينا رجلا كان أعلم بكتاب الله و لا أفقهه منك و لامن أبيك قبلك و لا من جدك قبل أبيك، قال : فإني أشهد بالله أنه نبي الله الذي تجدون في التوراة , قالوا : كذبت , ثم ردوا عليه و قالوا فيه شرا و فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كذبتم لن نقبل منكم قولكم , قال فخرجنا و نحن ثلاثة : رسول الله و أنا و ابن سلام ) (1) , فأنزل الله تعالى : ( قل أرءَيتم إن كان من عند الله و كفرتم به و شهد من بني إسراءيل على مثله فآمن و استكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) (2)

لقد كانت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم للزعامات الدينية من غير المسلمين متعددة الحكم غزيرة الفوائد إذ كان يهدف الى كسب هؤلاء الأحبار و الرهبان و كسب من زراءهم من أتباع , كما كان يهدف الى تحطيم كل الأصنام التي تعبد من دون الله .

إننا اذا تأملنا أبعاد هذا الأسلوب النبوي في دعة الزعماء و العلماء من غير المسلمين وجدنا بالحجة العملية و النتائج الواقعية لهذا الأسلوب , أن الحق يجد مكانه في قلب المدعو – بإذن الله تعالى – كائنا ما كان موقعه أو مركزه , بعد تقديم السبب بحسن عرض الإسلام بأمثل الأساليب , فإن لم تثمر تلك الأساليب و أبى أولئك إلا الكفر يكون المسلم قد أدى ما عليه ...

على أن يدرك المسلم أن هذا"الحبر " أو " الراهب " لا يعدو أن يكون إلا إنسانا فيه نوازع الخير و نوازع الشر , و أسلوب التعامل الحكيم القائم على الدعوة بالعلم و الفهم و الحجة و الحكمة هو الذي يحرك في هذا الحبر و الراهب نازع الخير , مثلما أفلح رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن سلام و غيره .

(1) – مسند أحمد (6/25) (24030) و مسند الشاميين للطبراني ( 2/77) (948) .

و الحاكم في مستدركه (3/410-416) و قال : صحيح على شرط الشيخين و لم

يخرجاه ووافقه الذهبي , و ذكره الهيثمي بهذا اللفظ و قال : رواه الطبراني ورجاله

رجال الصحيح , المجمع (10517-106) .

(2) - سورة الأحقاف – الآية (10)

-23-

فمنهج رسول الله في الدعوة هو منهج قرآني حكيم يكشف عن نوازع النفوس البشرية و ما تنطوي عليه من خير أو شر , و قد أشار القرآن الكريم الى ذلك , كقوله تعالى : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون ) المائدة 82

يقول الطبري : ( إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله و رسوله , أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل إجتهاد في العبادة و ترهب في الديارات و الصوامع , وأن منهم علماء بكتبهم و أهل تلاوة لها , فهم لايبعدون عن المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه و لا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه لأنهم أهل دين و اجتهاد فيه و نصيحة لأنفسهة في ذات الله و ليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء و الرسل و معاندة الله في أمره و تحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه ) (1)

و يقول الزمخشري :( بأن منهم قسيسين و رهبانا ) أي : علماء و عباد و أنهم قوم فيهم تواضع و استكانة ولا كبر فيهم , و اليهود على خلاف ذلك (2)

و بشيء من التأمل العميق لهذا الأسلوب النبوي البديع و هو يدعوا الرموز الدينيين من غير المسلمين نلمس إيحاءا آخر عظيم الأهمية و هو أن الدعوة للرهبان و الأحبار تشمل –في إيحائها – العلماء المسلمين الذين يجعلون لأنفسهم مركزا فوقيا يستعلون به على الناس , و يستغلون تمثيلهم للدين في تكديس الثروات بالباطل , كما قال سفيان بن عيينة :( من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود و من فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى ) (3)

إن الرسالات لم تنزل لتخلق من الناس الذين يحملونها أو يمثلونها طبقة جديدة تتمتع بالإمتيازات الكبيرة بدون حق و تمارس كل شيء دون حساب , بل انطلقت لتحرر الإنسان من عبودية أخيه الإنسان و لتمنحه الشعور بالكرامة المنبثقة عن الكفاءة و العمل الصالح ليسعى الى الحق من موقع الإحساس بحريته الفكرية من دون خضوع لبشر أو لغيره , و ليقف بين يدي الله مع كل البشر في وحدة الإخلاص و الطاعة و العبودية المطلقة الخالصة (4)

(1) – تفسير الطبري (10/505-506) .

(2) – الكشاف (1/668) .

(3) – تفسير ابن كثير (3/102) .

(4) – الحوار في القرآن لمحمد حسين ( 1/131) .

-24-

سمو الأخلاق الإسلامية في ضوء السنة النبوة

- قال البخاري : حدثنا عبيد بن اسماعيل , حدثنا أبو أسامة , عن هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنهما – قالت : قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت علي و هي راغبة أفأصل أمي ؟

قال : ( نعم صلي أمك ) .

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم و أحمد و البيهقي. (1)

- قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب , حدثنا حماد و هو ابن زيد عن ثابت , عن أنس رضي الله عنه قال : كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له :( أسلم ) فنظر الى أبيه و هو عنده فقال له : أطع أبا القاسم , فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم و هو يقول : ( الحمد لله الذي أنقذه من النار ) .

التخريج : أخرجه البخاري و النسائي و الحاكم . (2)

- قال البخاري : حدثنا أبو اليمان , أخبرنا شعيب عن الزهري , قال :أخبرني عروة أن عائشةرضي الله عنها قالت : دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السّام عليكم , ففهمتها فقلت : عليكم السّام و اللعنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله ) فقلت : يارسول الله أولم تسمع ما قالوا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فقد قلت و عليكم )

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم (3)

(1) – صحيح البخاري – كتاب : الهبة و فضلها – باب : الهدية للمشركين (5/291) (2620)

صحيح مسلم – كتاب : الزكاة – باب : فضل النفقة و الصدقة على الأقربين و الزوج و الأولاد و

الوالدين و لو كانوا مشركين (2/ 296) , و مسند أحمد (6/347) ( 26985) , و سنن البيهقي –

كتاب : الزكاة –باب : صدقة النافلة على المشركين و على من لايحمد فعله (4/191) .

(2) - صحيح البخاري – كتاب: الجنائز – باب : إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه و هل يعرض على الصبي

الإسلام ( 3/280) ( 1356) , و السنن الكبرى للنسائي (4/356) (7500) بلفظ قريب , و مستدرك

الحاكم – كتاب : الجنائز (1/363) بلفظ قريب .

(3) - صحيح البخاري – كتاب : الإستئذان – باب : كيف الرّد على أهل الذّمة بالسلام (11/41) (6356)

صحيح مسلم – كتاب :السلام – باب : النهي عن إبتداء أهل الكتاب بالسلام ( 4/1706) (2165)

-25-

الشرح : إن حديث أسماء رضي الله عنها مع أمها يعطي الصورة العملية لحسن التعامل الإسلامي و الخلق الرفيع الذي يدعو اليه الإسلام , إذ المسلم مكلف بأن يلقى أهل الأرض قاطبة بفضائل لا ترقى اليها شبهة , فالصدق واجب على المسلم مع المسلم و غيره و السماحة و الوفاء و المروءة و التعامل و الكرم.

بل إن الإسلام لا يعتبر حتى الكفر مانعا من إسداء المعروف و حسن التخلق , قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( فوصف الكفر ليس بمانع من الدفع إليهم ) (1) , أي : دفع الصدقة اليهم , و على ذلك كان عمل الصحابة رضي الله عنهم .

روى عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول : رأى عمر حلة سيراء تباع , فقال يا رسول الله إبتع هذه و البسها يوم الجمعة و إذا جاءك الوفود , قال : ( إنما يلبس هذه من لا خلاق له ) , فأوتي النبي صلى الله عليه وسلم منها بحلل , فأرسل الى عمر بحلة , فقال : كيف ألبسها و قد قلت فيها ما قلت ؟ قال : ( إني لم أعطكها لتلبسها و لكن تبيعها أو تكسوها ) فأرسل بها عمر الى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم (2)

فهذا عمر بن الخطاب لم ير في كفر أخيه مانعا له من إسداء المعروف اليه كيف لا و رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن للصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر أن تحسن معاملة امها المشركة " قيلة بنت عبد العزى " ( 3) لأن سماحة الإسلام تدعو الى حفظ حقوق الآخرين و لو كانوا كافرين .

فالقرآن الكريم هو التصور العام الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرك ضمنه و هو القائل : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين ) الممتحنة8 .

و حفاظا على الأخلاق الإسلامية حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلة الرحم بين البنت المؤمنة وأمها الكافرة , قال ابن حجر ب : جواز صلة القريب و لو كان على غير دين الواصل (4)

كما أورد قول الخطّابي :( فيه أن الرّحم الكافرة توصل بالمال و نحوه كما توصل المسلمة ) (5)

و بمثل ذلك قال النووي : ( و فيه جواز صلةالقريب المشرك ) . (6)

(1) – أحكام اهل الذمة (1/300)

(2) – صحيح البخاري – كتاب: الهبة و فضلها – باب:الهدية للمشركين (5/290) ( 619)

(3) –فتح الباري ( 5/233)

(4) – المصدر نفسه ( 6/281)

(5) – المصدر نفسه ( 5/234)

(6) – صحيح مسلم بشرح النووي ( 4/97)

-26-

و من ملامح سمو الأخلاق الإسلامية في مدرسة النبوة تلك الزيارة التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام اليهودي المريض , فهو السلوك النابع من تلك الرحمة التي قذفها الله تعالى في قلوب عباده المؤمنين , فهو شعور يجعل المسلم يرق لآلام الخلق و يسعى لإزالتها , و هذه الرحمة ليست إلا كمالا في الطبيعة الإنسانية , أما القسوة فهي ارتكاس بالفطرة و نزول بها الى أسوأ المراتب.

قال ابن حجر تعليقا على حديث زيارة النبي الكريم للغلام اليهودي المريض : ( و في الحديث جواز استخدام المشرك و عيادته إذا مرض و فيه حسن العهد ) (1)

و قد سئل الإمام أحمد عن حكم عيادة الكفار فقال : ( أليس قد عاد النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي و دعاه الى الإسلام ) (2)

فهذه السلوكات التي يتعامل بها المسلمون مع غيرهم هي التي تظهر ما في الإسلام من سمو اخلاق و فضيلة و إحسان و رحمة وصدق وأمانة , فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام , كما كان خلافهم أعظم منفر لهم منه.

و ارتقاءا بالأخلاق الإسلامية لم يفرق هذا الدين العظيم بين نفس المسلم و نفس الكافر , فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام لجنازة رآها , و لما بدى التعجب من اصحابه كيف يقوم لها و هي ليهودي ! ؟ كان جوابه الشريف :( أليست نفسا !! ) .

روى البخاري في صحيحه ان سهل بن حنيف و قيس بن سعد بن عبادة كانا بالقادسية , فمُرّ عليهما بجنازة فقاما , فقيل لهما : إنه من أهل الأرض , فقالا : مُرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة فقام , فقيل له : إنه يهودي ! فقال : ( أليست نفسا ) (3)

قال ابن حجر : ( و مقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت , فمن ثمة استوى فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم ) (4)

و تأكيدا على الأخلاق الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين ذهب أهل العلم الى جواز مواساتهم ف مصابهم و ذلك بتعزيتهم في موتاهم , عن ابن جريج و الثوري قالا : ( يعزي المسلم الذمي بقوله : لله

(1) – فتح الباري (3/221)

(2) – أحكام أهل الذمة (1/200)

(3) – صحيح البخاري – كتاب : الجنائز – باب : من قام لجنازة يهودي ( 3/231) ( 1312 )

و صحيح مسلم – كتاب : الجنائز – باب : القيام للجنازة ( 2/661) ( 961)

(4) - فتح الباري (3/232)

-27-

السلطان و العظمة عش يا إبن آدم ما شئت و لا بد من الموت ) (1)

و كان أبو عبد الله بن بطة يقول :( يقُال في تعزية الكافر : اعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل دينك ) (2) , و للمسلم أن يختار من الأدعية ما يراه مناسبا مما ليس فيه دعاء للميت ولا قوة للحي .

و على المسلمين أن يفهموا جيدا هذه السنة الربانية و هم يتعاملون مع غيرهم , ولا يشفع لهم -إن عدموا الرحمة و الرفق و حسن الخلق – أنهم يدعون الى الإسلام و أن على الناس أن يتحملوا القسوة و الغلظة لأنهم يعملون لمصلحتهم و يدعونهم الى الجق .

فالناس لا يميلون الى دعاة الإسلام إلا إذا كانوا رحماء بهم متواضعين معهم يخصونهم بوجوه البر و الشفقة و المعونة بدون تكبر أو استعلاء او خشونة او سوء خلق .

فالناس في حاجة الى كنف رحيم و الى رعاية فائقة و الى بشاشة سمحة و الى ود يعمهم و حلم لا يضيق بجهلهم و ضعفهم و نقصهم , إنهم في حاجة الى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم , يحمل همومهم و يجدون عنده دائماالإهتمام و الرعاية و العطف و السماحة (3)

و قد استطاع خصوم الإسلام المعاصرون ان يسحبوا البساط من تحت أقدام المسلمين برفعهة شعار " الله محبة " و يجذبوا اليهم آلاف المسلمين ( 4)

لقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصول وقواعد الخلق الرفيع بما سنه من أحكام و تشريعات و صدق الله في كتابه العزيز ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء 107 , إذ جسد رسول الله صلى الله عليه و سلم الإنسانية الكاملة في أخلاقه و معاملاته مع المسلمين وغير المسلمين .

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى : ( و لقد أراد الله أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه و يخفف أحزانه و يرثي لخطاياه و يستميت في هدايته و يأخذ بناصر الضعيف و يقاتل دون قتال الأم عن صغارها , فأرسل حمدا صلى الله عليه وسلم و سكب في قلبه من العلم و الحلم و في خلقه من الإيناس و البر , و في طبعه من السهولة و الرفق , و في يده من السخاوة و الندى ما جعله أزكى عباد الله رحمة و

(1) - مصنف عبد الرزاق – باب : تعزية المسلم الذمي (6/42) ( 9947)

(2) – المغني و الشرح ( 2/410)

(3) – السنن الإلهية –للدكتور عبد الكريم زيدان (248) – بتصرف

(4) – و ذلك من خلال الهيئات و الجمعيات التنصيرية المشبوهة المزروعة في معظم بلدان العالم الإسلامي و المدعومة بترسانة من الوسائل المادية و البشرية لتمسح عن الأيتام دموعهم و تخفف عن المرضى آلامهم , و بين هذه وتلك يمرّر مشروع التنصير باسم " الله محبة " , فأين المسلمون !! ؟

28

أوسعهم عاطفة و ارحبهم صدرا ) (1)

أما في حديث عائشة رضي الله عنها فيبدو التعامل بالمثل السامية و الأخلاق الفاضلة جليا من رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يتلقى من اليهود سوء خلق .

كيف لا و هو النبي العظيم الذي ما فتئ يوصي أصحابه و أمته بحسن الخلق :

روى الإمام مالك في" الموطأ " أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : ( لآخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رجلي في الغرز (2) أن قال : ( أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل ) (3)

و عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إتق الله حيثما كنت , و أتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن ) (4)

سؤال : إ ذا تعامل المسلم مع غيره ثم ظهر منه سوء خلق و إنحراف طبع , فهل له أن يسايره في هذا الإنحدار الخلقي بدعوى الرد بالمثل ؟

و الجواب : أن منطق الإسلام في التعامل مع الناس هو الدفع بالتي هي أحسن و عدم رد السيئة بالسيئة , و الحذر من الإستراج نحو الخطأ و المشي وراء لمنحدرين خلقيا , و من توجيهات القرآن الكريم في ذلك قوله تعالى : ( و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الفرقان 63 .

قال القرطبي : ( أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق و لين ) (5)

و قال ابن كثير : ( إذا سفه عليهم الجهال بالسيء لم يقابلوهم عليه بمثله , بل يعفون و يصفحون و لا يقولون إلا خيرا , كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما) (6)

فالمسلمون في جدهم ووقارهم و قصدهم الى ما يشغل نفوسهم من اهتمامات كبيرة لا يلتفتون الى حماقة

(1) - خلق المسلم ( 304)

(2) – الغرز: موضع الركاب من رحل البعير , أي عند سفره الى اليمن رسولا من قبل رسول الله صلى الله عليه

و سلم – أنظر : النهاية في غريب الحديث لإبن الأثير – مادة (غرز) ( 3/359)

(3) - موطأ مالك – كتاب : حسن الخلق – باب : ما جاء في حسن الخلق ( 2/902)

(4) – سنن الترميذي – كتاب : البرو الصلة – باب : ما جاء في معاشرة الناس ( 4/313) ( 1987)

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح

(5) - تفسير القرطبي ( 13/69-70 )

(6) – تفسير ابن كثير (4/259)

-29-

الحمقى وسفه السفهاء , و لا يشغلون وقتهم و جهدهم بالإشتباك مع السفهاء و الحمقى في جدل أو عراك , و يترفعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين ... لا عن ضعف و لكن عن ترفع , و لا عن عجز و لكن عن استعلاء عن صيانة للوقت و الجهد أن ينفقا في ما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن الهاترة لما هو أهم و أكرم و أرفع ) (1)

و كذا قوله تعالى :( و لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم ) فصلت 34

قال ابن كثير :( أي من أساء اليك فادفعه بالإحسان اليه , فإذا فعلت قادته تلك الحسنة اليه الى مصافاتك و محبتك و الحنو عليك حتى يصير كأنه قريب اليك ) (2)

فالصبر و التسامح و الإستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة الى الهدوء و الثقة , فتنقلب الخصومة الى الولاء و من الجماح الى اللين ... غير أن تلك السماحة تحتاج الى قلب كبير يعطف و يسمح و هو قادر على الإساءة و الرد , و هذه القدرة ضرورية لتؤتي السماجة أثرها حتى لا يصور الإحسان في نفس المسيء ضعفا , و لئن أحس أنه ضعف لم يحترمه و لم يكن للحسنة أثرها إطلاقا ( 3)

لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على سمو الأخلاق الإسلامية وإن ساءت أخلاقهم معنا و موقفه مع اليهود الذين سلموا عليه بما يفيد الموت خير دليل , كما أنه أنكر على عائشة رضي الله عنها ردها بالتعنيف على هؤلاء اليهود و نهاها عن الغلظة في الكلام و أمرها بالرفق واللين في الأمر كله (4)

و على المسلم أن يدرك حقيقة ما , وهي أن لا يكون كل الناس طيبين مسالمين , فانه سيجد فيهم الغليظ و اللئيم و الظالم و المجرم .

يقول الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله :( الناس في أخلاقهم على سبع مراتب : فطائفة تمدح في الوجه و تذم في المغيب , و هذه صفة أهل النفاق من العيابين , و هذا خلق فاش في الناس غالب عليهم و طائفة تذم في المشهد و المغيب و هذه صفة أهل السلاطة و الوقاحة من العيابين , و طائفة تمدح في الوجه و المغيب و هذه صفة أهل الملق و الطمع , و طائفة تذم في المشهد و تمدح في المغيب و هذه صفة أهل السخف , و أما أهل الفضل فيمسكون عن المدح و الذم في المشاهدة و يثنون بالخير في المغيب , أو

(1) - في ظلال القرآن لسيد قطب (5/2578) .

(2) – تفسير ابن كثير (5/224) .

(3) – في ظلال القرآن (5/3121) .

(4) – أحاديث الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لعبد الله المشبب اليماني (331) .

-30-

يمسكون عن الذم , و أما العيابون البرآء من النفاق و الوقاحة فيمسكون في المشهد و يذمون في المغيب , وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح و عن الذم في المشهد و المغيب , ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا و بلونا ) (1)

كما يقول ابن القيم رحمه الله – مبينا أصناف الناس مع المسلم - :( إن الناس معه قسمان : موافق له موال , و معاد له معارض , و عليه في كل واحد من هذه واجب , فواجبه في أمرهم و نهيهم أن يأمر بالمعروف , و هو المعروف الذي به صلاحهم و صلاح شأنهم , و ينهاهم عن ضده و عدم مقابلتهم بالمثل و الإنتقام منه لنفسه , فقد قال تعالى : " خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين" ) (2)

وقد انتبه أعداء الإسلام الى التراجع الخلقي الظاهر في حياة المسلمين و مدى اتساع الهوة بينهم و بين ما يدعو اليه دينهم .

يقول مارسيل بوازار :( و يشكل الخلق الإسلامي جزءا لا ينفصل عن الدين الذي هو في نظر السنة : طريقة التعامل مع الآخرين , و لن نحكم الى أي مدى هو مطبق و محترم في أيامنا , فقد ذهب مصلح إسلامي كبير (3) الى حد القول بأن حياة المسلمين أصبحت في الوقت الحاضر " مظاهرة ضد دينهم "

فقد يكون ضعف الإيمان و انحرافاته مماثلة في الواقع لما قد تكونه الرذائل المتناقضة للفضائل المتعلمة من الله ]ٍ تعالى ٍ] و النبي محمد [ صلى الله عليه وسلم ] و هي رذائل تسيء الى المسلمين : فساد العقيدة , و الجهل الفكري , و الظلم و الإستبداد , و الخيانة و الغش و المخادعة حتى حيال الله [ تعالى ] (4)

(1) - الأخلاق و السير في مداواة النفوس (47-48) .

(2) - مدارج السالكين (2/290) , و الآية من سورة الأعراف برقم 199 .

(3) - يقصد الإمام محمد عبده في رسالة التوحيد (195-200) .

(4) - إنسانية الإسلام لمارسيل بوازار – ترجمة د / عفيف دمشقية (63) .

-31-

حرمة المسلمين في ضوء السنة النبوية

- قال البخاري : حدثنا اسماعيل , قال حدثني مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم و الترميذي وأحمد و مالك (1)

- قال مسلم : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب , حدثنا حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح و حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله غليه وسلم قال :( إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم )

التخريج : أخرجه مسلم و أبو داود و أحمد ومالك (2)

- قال البخاري : حدثنا سعيد بن عفير , قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك و هو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قد أنكرت بصري و أنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سار الوادي الذي بيني و بينهم لم أستطع ان آتي مسجدهم فأصلي بهم ووددت يارسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى, قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سأفعل ان شاء الله ) قال عتبان : فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر حين

ارتفع النهار فاستأذن رسول الله فأذنت له , فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال :( أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ ) قال : فأشرت له الى ناحية من البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر فقمنا فصفنا فصلى ركعتين ثم سلم , قال : و حبسناه على خزيرة صنعناها له قال :فآب في البيت رجال من أهل

الدار ذوو عدد فاجتمعوا فقال قائل منهم : أين مالك بن الدخيشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب

(1) - صحيح البحاري – كتاب : الأدب – باب : من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال ( 10/360) ( 6104)

- صحيح مسلم – كتاب : الإيمان – باب: حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر (1/79)

سنن الترمذي –كتاب : الإيمان – باب : من رمى أخاه بكفر (5/23) ( 2637)

مسند أحمد (2/60) ( 2559)

موطأ مالك – كتاب : الكلام – باب : ما يكره من الكلام ( 2/984) ( 1777)

(2) - صحيح مسلم – كتاب : البر و الصلة و الآداب – باب : النهي عن القول : هلك الناس

( 4/2024) , سنن أبي داود – كتاب : الأدب ( 4/296) ( 4983) , مسند أحمد

( 2/272) موطأ مالك – كتاب : الكلام – باب : ما يكره من الكلام ( 2/984)(1778)

-32-

الله و رسوله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله ) قال : الله ورسوله أعلم , قال فإنا نرى و جهه و نصيحته الى المنافقين , قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : ( فإن الله قد حرم على النار من قال لاإله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم وأحمد و البيهقي (1)

- قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يوسف , أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من حمل علينا السلاح فليس منا )

التخريج : أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي (2)

الشرح : من المبادئ الإسلامية المهمة في التعامل بين المسلمين , إلتماس المعاذير لهم و ترك الطعن و التجريح لهم , و أن يدرك المسلم أن لأخيه المسلم حرمة لا يجوز له إنتهاكها و إن كان في خلاف مع أخيه في فكر أو منهج , وأن يتجنب المخاصمة و اللدد فيها لأنها ليست من شيم المسلمين , يقول الإمام ابن القيم رحمه الله - متحدثا عن صفاي الداعية المسلم - : ( ... لا يخاصم بلسانه , ولا ينوي الخصومة بقلبه , ولا يخطرها على باله , هذا في حق نفسه , أما في حق ربه فالفتوة أن يخاصم بالله و في

(1) - صحيح البخاري – كتاب : الصلاة – باب : المساجد في البيوت (1/638) (425)

صحيح مسلم – كتاب : المساجد و مواضع الصلاة – الرخصة في التخلف عن الجماعة

بعذر (1/455) (33) , مسند أحمد ( 5/449) (23821) , سنن البيهقي – كتاب :

آداب القاضي – باب : لايقبل جرح فيمن ثبتت عدالته ( 10/124)

(2) - صحيح البخاري – كتاب : الفتن – باب : قوله صلى الله عليه وسلم : ( من حمل علينا فليس منا )

(13/29) ( 7070)

صحيح مسلم – كتاب : الإمام – باب : قوله صلى الله عليه وسلم : ( من حمل علينا فليس منا )

(1/98) (98) و سنن الترمذي – كتاب: الحدود – باب: فيمن شهر السلاح ( 4/59) ( 1459)

السنن الكبرى ( النسائي ) ( 2/311) ( 3563)

-33-

الله ويحاكم الى الله كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الإستفتاح " و بك خاصمت و اليك حاكمت " و هذه درجة فتوة العلماء الدعاة الى الله تعالى )(1)

و الأحاديث التي بين أيدينا فيها التأصيل النبوي لقواعد التعامل مع المسلمين , وأهمها : حفظ حرمتهم و مراعاة حقوقهم و الحذر من منزلقات سوء التعامل معهم .

و في حديث البخاري الأول تحذير نبوي الى المسلم من أن يقع في أخطر المزالق و أضرها عليه و على أمته , و هو أن يتمادى سوء التعامل الى حد تضيع فيه حرمة المسلمين الى أن يكفر فيه بعضهم بعضا , فيتراشقون بأحكام التكفيلر و التضليل دون ضابط من شرع أو عقل , و ظاهر الحديث فيه الترهيب الشديد من هذا المنزلق الخطير , يقول الإمام القسطلاني – مفسرا علة هذا الترهيب من تضييع حرمة المسلمين - : ( لأنهم إن كان القائل صادقا في نفس الأمر فالمرمي كافر , وإن كان كاذبا جعل الرامي الإيمان كفرا , و من جعل الإيمان كفرا فقد كفر ) (2) , حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة من يضيع حرمة أخيه المسلم بالتكفير دون أي ضابط , أن يبوء بها أحدهما , فيستطرد الإمام القسطلاني شرحه للحديث قائلا : ( ... فقد باء : أي رجع بالكلمة أحدهما , قيل المراد بأحدهما القائل خاصة , و هذا على مذهبهم في استعمال الكناية و ترك التصريح بالسوء , كقول الرجل لمن أراد أن يكذبه : و الله إن أحدنا لكاذب , و يريد خصمه على التعيين , و حمله بعضهم على المستحل لذلك إذ المسلم لا يكفر بالمعصية , أو المراد : يرجع عليه التكفير , إذ كأنه كفر نفسه لأنه كفر من هو مثله) (3)

و ما قد يقع بين المسلمين من إختلاف في الإجتهادات و تعدد في الآراء لا يجوز بحال أن يوصلهم الى رمي بعضهم بعضا بكل نعوت النقائص و الضلالة لأن الخطأ في الإجتهاد وارد و لايصح التشنيع عليه .

و هاهو الإمام الشاطبي رحمه الله يحذر المسلمين من أن يشنعوا على بعضهم أو أن يبلغ بهم الأمر حتى الى التشنيع بعلمائهم , فيقول رحمه الله : ( ... إن زلة العالم لا يصح إعتمادها من جهة, و لا الأخذ بها تقليدا له و ذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع و لذلك عُدت زلة, .. كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها الى التقصير و لا أن يُشنّع عليه بها و لاينتقص من أجلها ) ( 4)

(1) - مدارج السالكين (2/344) .

(2) - إرشاد الساري (9/66) .

(3) - المصدر نفسه (9/66) .

(4) - الموافقات (4/168) .

-34-

وفي مدرسة النبوة تعلم المسلمون أنهم مأمورون بمراعاة و حفظ حقوق بعضهم , فلم ينتهكوا حرمتهم بالتكفير أو التضليل , لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ بين يديه الصحابة الكرام في مسائل عديدة فما كفرهم ولا فسقهم .

قال ابن حزم رحمه الله :( .. و كذلك أخطأ جماعة من الصحابة رضي الله عنهم في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الفتيا فبلغه عليه الصلاة و السلام فما كفر بذلك احدا منهم و لا فسقه و لاجعله بذلك آثما ) (1)

لأن فتح باب الطعن في المسلمين لمجرد وقوعهم في الخطأ او لإختلاف في الفكر أو الإجتهاد قد تطور الى أن تطاول جهال و عوام المسلمين على حرمة علمائهم , و الى ذلك اشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قائلا : ( فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات و إنما أصل هذا من الخوارج و الروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين .

وقد اتفق أهل السنة و الجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض , بل كل يؤخذ من قوله و يترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم , و ليس كل من يُترك بعض كلامه لخطأ أخطأه لا يُكفر و لا يُفسق بل ولا يأثم ) ( 2)

كما يقول ابن أبي العز :( فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله و رسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن , خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر و البحر , و قد أجمع المسلمون على هدايتهم و درايتهم , إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم فإنهم خلفاء الرسول من أمته و المحيون لما مات من سنته ) (3)

سؤال : هل الجهل ببعض الأمور العقدية أو الأحكام الشرعية يستلزم التكفير أو التأثيم أو الإساءة الى حرمة الجاهل و المخطئ ؟

و الجواب : أن رفع الملام عن المخطئين من اصحاب الإجتهاد هو منحة ربانية أصلا تكرم بها الله تعالى على المسلمين , فكيف يسلب المسلم منحة الله على أخيه المسلم المخطئ !

(1) - الفصل في الملل و الأهواء و النحل (3/354) .

(2) – مجموع الفتاوى ( 35/100) .

(3) – شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (377) .

-35-

قال تعالى : ( و ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) الأحزاب 5

قال ابن تيمية رحمه الله : ( و لا ريب أن من اجتهد في طلب الحق و الدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم و أخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيّه و للمؤمنين حيث قال :( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ) (1)

فالمطلوب من المسلمين هو العمل الجاد الى إيصال الحق و صافي العلم الى العوام من المسلمين بدل رميهم بالكفر و الضلال , و نصوص الشريعة كثيرة في بيان رفع الملام عن الجاهل ووجوب التنبيه الى تعليمه قبل إدانته و تكفيره .

و استدلالا من السنة النبوية على أن الجهل ببعض الأمور لا يستلزم التكفير و إنما يستلزم التعليم و التفهيم , الحديث الذي ورد في صحيحي البخاري و مسلم عن الرجل الذي قال :

( إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقونني ثم اذروني في الريح في البحر , فوالله لإن قدرعلي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد , قال : ففعلوا ذلك به , فقال للأرض : أدّي ما أخذت فإذا هوقائم , فقال له : ماحملك على ما صنعت ؟ فقال : خشيتك يا رب , فغفرله بذلك ) (2)

و تعليقا و شرحا لهذا الحديث يقول ابن تيمية رحمه الله :

( فهذا رجل شك في قدرة الله و في إعادته إذا ذري , بل اعتقد أنه لا يُعاد ! و هذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك و كان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك , و المتأوّل من أهل الإجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا ) (3)

و على نفس الأمر استدل ابن حزم بمثال آخر فقال :

( و أبين شيء في هذا قول الله تعالى : " إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها و تطمئن قلوبنا و نعلم أن قد صدقتنا و نكون عليها من الشاهدين " المائدة 112-113

(1) - درء تعارض العقل و النقل (2/103) – و الآية من سورة البقرة برقم 286 .

(2) – صحيح البخاري – كتاب : التوحيد – باب : قال تعالى : " أنزله بعلمه و الملائكة يشهدون"

(13/571) (7508)

صحيح مسلم – كتاب : التوبة – باب : سعة رحمة الله تعالى و أنها تغلب غضبه

(4/2109) ( 2110)

(3) - مجموع الفتاوى (3/230-231)

-36-

فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عز وجل عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام :هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ! ؟ و لم يبطل بذلك إيمانهم و هذا ما لا مخلص منه و إنما كانوا يكفرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة و تبيينهم لها ) (1)

فمما يجب على المسلم مراعاته في تعامله مع غيره من المسلمين أن لا يندفع بتكفيرهم و إنما يراعي اختلاف أحوالهم و تباين ظروفهم من حيث انتشار العلم الشرعي في بلدانهم أو قصوره عنها , كما يراعي حال الأحكام الشرعية التي خالفها الناس من حيث ظهورها و اختفاؤها , فأن كان العلم الشرعي قليلا و البلد يسوده الجهل كان الواجب الشرعي على أهل العلم تعليم هؤلاء و إقامة الحجة عليهم لا تضليلهم و إدانتهم .

و قد ذكر شيخ الإسلام في هذا الباب أصلا عظيما و قاعدة جليلة يجب أن تكون نصب عين كل مسلم و هي " أن من ثبت إسلامه بيقين , لم يزل عنه ذلك بالشك , بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة و إزالة الشبهة " ( 2)

إن خدمة الدين و نشر تعاليم الإسلام إنما تحتاج الى دقة النظر و كثير من الحذر و الحيطة حتى لا يسيء الإنسان الى اهل ملته من حيث يظن أنه يحسن , و أول مظاهر هذه الحيطة أن يحذر المسلم من الإساءة الى حرمة المسلمين دون ضابط من شرع أو دين و قد كان علماء المسلمينيدركون هذا الأمر جيدا , و عن مثل هذا يقول الإمام العارف الشعراني :

( و قد رأيت سؤالا بخط الشيخ شهاب الدين الأذرعي قدمه الى شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله , و صورته : ما يقول سيدنا و مولانا شيخ افسلام في تكفيرأهل الأهواء و البدع ؟ فكتب إليه : إعلم يا أخي وفقني الله و إياك أن الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جدا و كل من في قلبه إيمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء و البدع مع قولهم لا اله إلا الله محمد رسول الله , فإن التكفير أمر هائل عظيم الخطر , و من كفر إنسانا فكأنه أخبر عن ذلك الإنسان بأن عاقبته في الآخرة العقوبةالدائمة أبد الآبدين و أنه في الدنيا مباح الدم و المال , لا يمكن من نكاح مسلمة و لا تجري عليه أحكام الإسلام في حياته ولا بعد مماته , و الخطأ غي قتل مسلم أرجح في الإثم من ترك قتل ألف

كافر ) (3)

(1) - الفصل في الملل و الأهواء و النحل (3/253) .

(2) – مجموع الفتاوى (12/466) .

(3) – اليواقيت و الجواهر ( 2/113) .

-37-

سؤال : ما الذي يستفاد من حديث مسلم في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول الرجل : هلك الناس ؟

إن رسول الله صلى الله عيه وسلم يعلم المسلمين منهج التعامل الذي يحفظ لهم أخوتهم و يصون حرمتهم , يعلمهم إحسان الظن بالآخرين و ترك اسلوب الإدانة لهم أو الإستعلاء عليهم أو تتبع عوراتهم ونشر عثراتهم , و ظاهر الحديث فيه النهي الشديد عن مثل هذا الأسلوب في التعامل مع المسلمين .

قال الإمام النووي : ( و اتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس و احتقارهم و تفضيل نفسه عليهم و تقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه ) (1)

فالمطلوب من المسلم أن تكون مراقبته و متابعته لنفسه أولا , إذ عليه اتهام نفسه و عدم التسامح معها و دوام استشعار تقصيرها في جنب الله تعالى و في حقوق عباده , فتزكية النفس ليست من صفات المؤمنين الصادقين , و عن ذلك ينهانا الله تعالى فيقول : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) النجم 32 , وقال أيضا و هو يذم اليهود الذين يزكون انفسهم بإدعائهم أنهم أبناء الله و أحباؤه : ( ألم تر الى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء و لا يظلمون فتيلا ) النساء 49

و قال الإمام الزرقاني :( إذا قال الرجل " هلك الناس " إعجابا بنفسه و تيها بعلمه و عبادته و إحتقارا للناس فهو أهلكهم أي اشدهم هلاكا لما يلحقه من الإثم في ذلك القول , أو أقربهم الى الهلاك

لذمه الناس و ذكر عيوبهم ) (2)

فمن أعظم شعب الإيمان حسن الظن بالله و حسن الظن بالمسلمين , و في مقابلهما : سوء الظن بالله و سوء الظن بالمسلمين , إذ الأصل هو حمل المسلم على الصلاح و أن لا يعامل بالإدانة و يحكم عليه بالهلاك .

إن مخاطبة الناس من برج و النظر إليهم من علو لم تكن من صفات الرسول صلى الله عيه وسلم و لا من صفات صحابته و تابعيهم رضي الله عنهم , فقد كان أبغض الناس إليهم الباغين للبرآء العثرات الذين لا هم لهم إلا كشف عورات المسلمين و التشنيع عليهم بأقسى الأحكام .

(1) - شرح النووي على صحيح مسلم (16/175)

(2) - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (4/400)

-38-

جاء في " عون المعبود " –شرحا للحديث - : ( أنّ الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله يقولون : هلك الناس : أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم , فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى , و لا عبرة بإيجابه لهم , فإن فضل الله واسع و رحمته تعمهم , أو هو الذي لمّا قال لهم ذلك و آيسهم , حملهم على ترك الطاعة و الإنهماك في المعاصي , فهو الذي أوقعهم في الهلاك ) (1)

إن المسلم الذي يرى في نفسه الصلاح و الإستقامة و الإجتهاد في الطاعة ينبغي ان لا يزيده ذلك إلا تواضعا لله تعالى و رأفة على عباده الذين حادوا عن سواء السبيل , و لعل هذا هو الإستثناء الوحيد الذي يبيح للإنسان أن يقول ( هلك الناس ) , و يجعل نفسه على رأس هؤلاء الناس , نظرا لشدة التقصير و قلة الزاد .

قال الإمام النووي : ( قالوا – أي العلماء - : فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه و في الناس من النقص في امر الدين فلا بأس عليه ) (2)

فيكون هذا الإستثناء بالترخيص في قول ( هلك الناس ) ليس إلا اتهاما للنفس و رأفة بالخلق , و هو ما يقابل الحالة الأخرى النهي عنها , و التي ليست إلا تزكية للنفس و إدانة و إتهاما للخلق .

بل إن من المراتب العالية في الإيمان و الدين مرتبة الإنبساط مع الخلق و ذلك بأن يسعهم المؤمن بقلبه و حسن خلقه , فقد جعل الإمام ابن القيم رحمه الله " منزلة الإنبساط " من منازل " إياك نعبد و إياك نستعين " و فسر ذلك بقوله ( باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة , فخذ منهم ما أمر الله نبيّه أن يأخذه من أخلاق الناس و هو العفو ) (3)

و كذلك كان منهج رسول الله صلى الله عليه و سلم في تعامله مع المخطئين و المذنبين فكان إذا أراد الإنكار على أشخاص بدر منهم الخطأ و الذنب لا يواجههم بالإدانة و الوعيد , وإنما يعتمد أسلوب اللطف مع التعميم كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول , و لكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ) (4)

(1) - عون المعبود (13/328) .

(2) – شرح النووي على صحيح مسلم (16/175-176) .

(3) – مدارج السالكين (2/356) .

(4) – سنن أبي داود – كتاب : الأدب – باب : في حسن العشرة (4/250) ( 4788) .

-39-

فقد كان يكره إشاعة عيوب المخطئين , لأن هدفه لم يكن سوى تطهير النفوس من المفاسد التي وقعت فيها .

و من مواقفه صلى الله عليه وسلم العملية التي تبتعد مطلقا عن أسلوب الإدانة و الوعيد و تفيض حبا و حلما موقفه من ذلك الشاب الذي جاء يستأذنه في الزّنى !؟

فقد جاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إئذن لي في الزنى ! فأقبل القوم عليه و جرّوه قالوا : مه مه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ادنه ) فدنا منه قريبا , قال : فجلس , قال : ( أتحبه لأمك ؟ ) قال :لا و الله جعلني الله فداك

قال : ( و لا الناس يحبونه لأمهاتهم ), قال : ( أفتحبه لإبنتك ؟ ) قال: لا و الله يا رسول الله جعلني الله فداك , قال : ( و لا الناس يحبونه لبناتهم ) قال : ( أفتحبه لأختك ؟) قال : لا و الله جعلني الله فداك , قال : ( و لا الناس يحبونه لأخواتهم ) قال : ( أفتحبه لعمتك ؟ ) قال : لا و الله جعلني الله فداك , قال : ( و لا الناس يحبونه لعماتهم ) قال : ( أفتحبه لخالتك ؟ ) قال : لا و الله جعلني الله فداك , قال : ( و لا الناس يحبونه لخالاتهم ) قال : فوضع يده عليه و قال : ( اللهم اغفر ذنبه , و طهر قلبه , وحصن فرجه ) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت الى شيء ( 1)

بهذا الأسلوب تحفظ حرمة المسلمين و توجه الأنفس الى الخير لا بأسلوب الإدانة و الحكم بالهلاك الذي يبعث على الإحباط و النفور .

و من مزالق هذا الأسلوب في التعامل – أي اسلوب الإدانة و الحكم بالهلاك – انه يوصل أصحابه الى حد الشعور بأمهم مفوضون عن الله تعالى في محاكمة عباده ! و هذا الذي يرفضه و يبطله الإسلام بكل شدة و حزم , فليس لأي شخص أن يجعل لنفسه موقع المحاكم لعباد الله مهما علا شأنه في العلم و زاد إيمانه بالتقوى ليس له أن يجعل لنفسه مركزا فوقيا يستعلي به على الناس و منه يحاكمهم و يحدد مصائرهم إن ذلك ليس لأحد إلا لله تعالى , و في ذلك يأتي الرفض القرآني لهذه المواقع الإستعلائية , قال تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب و الحكم و النبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب و بما كنتم تدرسون ) آل عمران 79

إن الإستعلاء على عوام المسلمين و سرعة رميهم بالضلال ووعيدهم بالهلاك دون تقديم الواجب الكامل و العمل التام لتعريفهم الحق و ترغيبه إليه إن هو غلا تسرع في الإدانة و حكم مسبق على أناس لا يعلم خاتمتهم إلا الله تعالى .

(1) - مسند أحمد (5/256) ( 22265) .

-40-

قال ابو الدرداء رضي الله عنه : ( إذا تغير أخوك و حال عمّا كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك , فإن أخاك يعوجّ مرة و يستقيم أخرى ) (1)

و قال ابراهيم النخعي : ( لا تقطع أخاك و لا تهجره عند الذنب بذنبه , فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غدا ) (2)

و هكذا يدفع هذا الأسلوب الى سوء الظن و إتهام الآخرين لأدنى سبب , فلا يلتمس لهم المعاذير بل يفشي العيوب و يضخم الأخطاء حتى يجعل من الخطأ خطيئة ومن الخطيئة كفرا !!

و قد يقول قائل إن الحكم بهلاك الناس إنما هو نتيجة لما يُرى منهم من انحراف و فشو للمعاصي و تقصير في طاعة الله !

و الجواب : أن الحزن في التقصير في طاعة الله و الخوف على الناس من عواقب الإنحراف أمر يدل على الإخلاص لله تعالى و الحب لدينه و الغيرة على شريعته كما يدل على حب الخير للناس و الرحمة لهم و هذا يستوجب مضاعفة الجهد و تقوية العزيمة على اتشال هؤلاء الغرقى من وحل المعاصي و إيصالهم الى شاطئ الطهارة و العبادة و الطاعة , على ان لا يوصلنا الخوف على دين الله تعالى الى حد إدانة كل مخطئ و اتهام كل مخالف فنكون كمن يريد تغيير خطأ بخطأ آخر .

يقول ابن القيم : ( سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله , فإذا زاد على ذلك فهو غير محتاج اليه ) (3)

و يعلق ابن القيم على كلام شيخه بقوله :( و هذا الخوف الموقع في الإياس إساءة ادب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه و جهل بها ) (4)

كما أن الخوف على دين الله تعالى و الحزن على ما يظهر على سلوك الناس من انحراف لا يجب أن يوقعنا في خطأ الحكم عليهم كلهم ووضعهم جميعا في دائرة إدانة واحدة دون تمييز بين الضعيف و القوي و المبتدئ و المنتهي , و لا تمييز بين مراتب الأخطاء التي وقعوا فيها وقد فرق الله تعالى بين مراتب الناس من حيث طاعاتهم أو أخطاؤهم , فقال تعالى : (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) فاطر 32

(1) - إحياء علوم الدين (2/181) .

(2) – المصدر نفسه (2/181) .

(3) - مدارج السالكين (2/394) .

(4) – المصدر نفسه ( 2/394) .

-41-

و قد فسر العلماء الظالم لنفسه بأنه المقصر في بعض الواجبات و المرتكب لبعض المحرمات (1) و مع ذلك جعله الله تعالى داخلا ضمن الأمة المصطفاة التي أورثها الله تعالى الكتاب , و ماحكم عليهم بالخروج من الملة أو توعدهم بالويل و الهلاك .

و مما يجدر التبيه إليه أن الخوف على دين الله تعالى و السعي الى إرجاع المخطئين الى صراط الله المستقيم لا يكون بتحويل الناس الى ملائكة منزهين أو دفعهم كلهم الى مصاف الأبرار و المقربين , و إلا تسرعنا في رميهم بالهلاك و الخروج عن الدين , لأن ذلك إنكار لسنة من سنن الله تعالى في خلقه و هو معاملتهم على أنهم آدميون و بشر يصدر منهم الخطأ و الغفلة و التقصير , لأن القرآن الكريم لم يجعل من التقصير في الطاعة أو من الإلمام ببعض الذنوب موجبا للإدانة و الوعيد و الهلاك و لا عدّه مسقطا لإحسان المحسنين .

يقول الله تعالى :( و لله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) النجم 31-32

و قد فسر ابن كثير معنى المحسنسن و بين حقيقتهم بأنهم هم الذين ( لا يتعاطون المحرمات و الكبائر و إن وقع منهم بعض الصغائر , فإنه يغفر لهم و يستر عليهم كما قال تعالى في آية أخرى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم و ندخلكم مدخلا كريما ) النساء 31 و قال ها هنا ( الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلا اللمم ) و هذا استثناء منقطع لأن اللمم و محقرات الأعمال (2) .

فإن المسلم الذي لم تصبح المعاصي و الذنوب خطا ثابتا في حياته يجد في دين الله تعالى المتسع , لأن رحمة الله تعالى و سعت كل شيء .

إننا قلما ننظر الى الداخل , لأن الإنشغال بعيوب الناس و التشهير بها و الإسقاط عليها لم يدع لنا فرصة التأمل في بنائنا الداخلي , و الأثر يقول ( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ) (3) .

سؤال : ما الذي نفهمه من دفاع رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حرمة مالك بن الدخشن ؟

(1) - أنظر : تفسير ابن كثير (5/49-50) .

(2) – المصدر نفسه ( 6/29) .

(3) – أنظر : رسالة الألفة بين المسلمين للشيخ عبد الغتاح أبي غدة (8) .

-42-

و الجواب عن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقبل أن يذكر أصحابه رضوان الله عليهم واحدا من المسلمين بسوء لشبهة عرضت عليهم فيه و رد بحزم من اتهم ابن الدخشن بالنفاق و عدم حب الله و رسوله فقال له : ( لا تقل ذلك ) , فكانت شهادة الرجل بالتوحيد لله تعالى و الإقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه و سلم كافية لأن تجعل له حرمة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم يذود بها عنه بين أصحابه .

يقول ابن حجر رحمه الله : ( من فوائد هذا الحديث أن العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى , وأن من نسب من يظهر الإسلام الى النفاق و نحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك و لا يفسق بل يعذر بالتأويل ) (1) .

فكان عليه الصلاة و السلام يقدم لأصحابه الصورة الطيبة للمعاملة المثلى التي تحفظ حرمة المسلمين و ذلك بحسن الخلق الذي عده رسول الله من دلائل كمال الإيمان كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :( أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ) (2) .

و قد عرف أهل العلم حسن الخلق بأنه ( كظم الغيظ لله و و إظهار الطلاقة و البشر إلا للمبتدع و الفاجر و العفو عن الزالين إلا تأديبا و إقامة للحد , و كف الأذى عن كل مسلم و معاهد ) (3) .

و ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في يوم من الأيام أنه اعتمد أسلوب الفظاظة أو الفحش أو اللعنةلأنه جاء رحمة للعالمين تنفي كل إذية عن الناس أجمعين .

روى أنس رضي الله عنه قال :( لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم فاحشا و لا لعانا و لا سبابا ) (4) , و قال الإمام النووي مؤكدا : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم فاحشا و لا متفحشا و لا لعانا و لا منتقما لنفسه ) (5) و بذلك أوصى القرآن الكريم فقال (فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) آل عمران 159

فإذا كان الله تعالى يوصي رسوله صلى الله عليه و سلم بالرفق و اللين بالمؤمنين لأن الخشونة و القسوة تؤذي قلوبهم فينفضوا من حوله , فكيف القول معنا !؟

(1) - فتح الباري (1/688) .

(2) – سنن أبي داود – كتاب : السنة – باب : الدليل على زيادة الإيمان و نقصه (4/220) (4682) .

(3) – جامع العلوم و الحكم لإبن رجب الحنبلي ( 172-173) .

(4) – صحيح البخاري – كتاب : الأدب – باب : ما ينهى من السباب و اللعن ( 10/569) ( 6046) .

(5) – صحيح مسلم بشرح النووي ( 16/152) .

-43-

قال الإمام أحمد : ( الناس يحتاجون الى مداراة و رفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة , إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق و الرّدى , فبجب عليه نهيه و إعلامه لأنه يقال ليس لفاسق حرمة فهذا لا حرمة له (1) .

فخير الناس من ألهمه الله تعالى خلقا حسنا يحفظ به حرمة إخوانه , و يجنبه الفظاظة و إيذاء الخلق .

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم :( من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير و و من حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير ) (2) و أي عقوبة أشد و أقسى من أن يحرم الإنسان الخير كل الخير !؟

و شر الناس من يعمد الى إيذاء عباد الله و لو كان متسترا بستار الدين , لأن دين الله تعالى لم يرخص لأحد أن يؤذي الناس أو يجرحهم أو يسيء الى حرمتهم .

فقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه ) (3) فكيف يكون الخير في من يفر الناس منه اتقاء إذيته وضرره ؟ .

أين يلجأ المسلم و هو يرى حرمته نهبا (لإخوانه!! ) في العقيدة و الدين ؟ و بمن يحتمي و كلمات الطعن و التجريح توجه اليه من ( مسلمين !! ) مثله ؟ .

إن إيذاء مسلم عند الله تعالى عظيم و لو كان بكلمة واحدة لقوله صلى الله عليه و سلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق و المغرب ) (4) .

قال الإمام النووي : ( معناه : لا يتدبرها و يفكر في قبحها و لا يخاف ما يترتب عليها و هذا كالكلمة التي يترتب عليها إضرار مسلم و نحو ذلك ) (5) .

و قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله : ( سب الناس و شتمهم مشافهة هو جناية على القلوب , و كذلك غيبتهم و ذكرهم بالقبيح .. و هو كل كلام لا يُحسن أن يقال له في وجهه , فإذا قاله في غيبة منه فقد إغتابه و كفارته أن يذكر له ذلك و يستحله , فإن كانوا جماعة فواحدا واحدا , و من مات منهم قبل ذلك فتدارك بتكثير الحسنات ) (6).

(1) - الآداب الشرعية لإبن مفلح المقدسي ( 1/1149 ) .

(2) – سنن الترمذي – كتاب : البر و الصلة – باب : ما جاء في الرفق (4/367) (2013)

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح

(3) - صحيح البخاري – كتاب : الأدب – باب : ما يجوز من اغتياب أهل الفساد و الريب (10/578) .

(4) – صحيح مسلم – كتاب : الزهد و الرقائق – باب : التكلم بكلمة يهوي بها في النار (4/2290) .

(5) – صحيح مسلم بشرح النووي (18/177) .

(6) – الغنية (2/580)

-44-

لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصا على صون حرمة أفراد أمته رحيما بها كالأم الرؤوم على أولادها , لا يقبل من مسلم – كائنا ما كان قربه أو موقعه – أن يؤذي اخاه و لو بكلمة واحدة .

روى انس رضي الله عنه قال : بلغ صفية أن حفصة قالت : بنت يهودي ! فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه و سلم و هي تبكي فقال : ( ما يبكيك ؟ ) فقالت : قالت لي حفصة إنني بنت يهودي ! فقال النبي صلى الله عليه و سلم : (إنك لابنة نبي و إن عمك لنبي و إنك لتحت نبي , ففيم تفخر عليك ؟ ) ثم قال : ( إتق الله يا حفصة ) (1) .

بهذا الأسلوب البديع كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو الى الحفاظ على حرمة المسلمين و يزجر إخوانه المخطئين في حقهم من أن يلحقوا أي ضرر بإخوانهم و اعتبر من يفعل ذلك بعيدا عن رحمة الله فقال صلى الله عليه و سلم – عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه - : ( ملعون من ضارّ مؤمنا أو مكر به ) (2) .

و معنى ذلك أن ( من أدخل على مسلم مضرّة في ماله أو نفسه أوعرضه بغير حق ضارّه الله , أي جازاه من نفس فعله و أدخل عليه المضرّة ) (3) .

و من دلائل الإنحراف عن منهج الله تعالى و عدم الرسوخ في دينه و الإحاطة بآفاق شريعته , أن يبلغ المساس بحرمة المسلمين حد استباحة الدماء و الأرواح !

و تحذيرا من هذا الأمر الكارثي على الأمة و الدين نفى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون حامل السلاح لمقاتلة إخوانه من أمته وأتباعه .

قال النووي : ( من حمل السلاح على المسلمين بغير حق و لا تأويل و لم يستحله فهو عاص , و لا يكفر بذلك , فإن استحله كفر ) (4) .

(1) - سنن الترمذي – كتاب : المناقب – باب : فضل أزواج النبي صلى الله عليه و سلم (5/666) (3894)

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

(2) - سنن الترمذي – كتاب :البر و الصلة – باب: ما جاء في الخيانة و الفحش (4/293) (1941) .

قال أبو عيسى : هذا حديث غريب

(3) - سبل السلام (4/1591) .

(4) - صحيح مسلم بشرح النووي (2/108) .

-45-

و بمثل ذلك يقول ابن حجر : ( و معنى الحديث : حمل السلاح على المسلمين و قتالهم بغير حق لما في ذلك من تخويفهم و إدخال الرعب عليهم , و كأنه كنّى بالحمل على المقاتلة أو القتل ... و على كل حال ففيه دلالة تحريم قتال المسلمين و التشديد فيه ) (1) .

و قال الإمام الصنعاني :( أي ليس على طريقتنا و هدينا , فإن طريقته صلى الله عليه و سلم نصر المسلم و القتال دونه لا ترويعه و إخافته و قتاله , و هذا في غير المستحل , فإن استحل القتال للمسلم بغير حق فإنه يُكفّر باستحلالة المحرم القطعي ) (2)

فكيف تسقط حرمة المسلم الى حد يُستباح فيه دمه و القرآن الكريم يسد كل أبواب الترخيص في ذلك , إلا ما كان خطأ لا قصد للمسلم فيه لقوله نعالى :( و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) النساء 92

قال ابن كثير : ( ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه ) (3) , حتى لقد جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم إيذاء المسلمين و سفك دمائهم من علامات الردة و الكفر بدين الله , فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم :( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) (4) .

فعلى المسلم أن يدرك جيدا أن الدفاع عن حرمة الدين لا تكون بانتهاك حرمة المسلمين و إيذائهم و استباحة دمهم لأن من صميم الدين حماية المسلمين و الذود عنهم .

كما عليه أن يدرك أن أعظم ركيزة بنى عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم المجتمع الإسلامي هو " الإنسان المسلم " الذي دعا الى احترامه و نهى عن إيذائه و لو بالإشارة .

روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار ) (5) .

قال ابن حجر :( فيقع في حفرة من النار : هو كناية عن وقوعه في المعصية التي تفضي به الى دخول النار ) (6) .

(1) - فتح الباري (13/29) .

(2) – سبل السلام (3/1228) .

(3) – تفسير ابن كثير (2/133) .

(4) – صحيح البخاري – كتاب : الفتن – باب: قوله صلى الله عليه و سلم : ( لا ترجعوا بعدي

كفارا 000) (13/32) (7077) .

(5) - صحيح البخاري – كتاب : الفتن – باب: من حمل علينا السلاح فليس منا (13/29) (7072) .

(6) – فتح الباري (13/30) .

-46-

إن دين الله واسع و شريعته فسيحة فلماذا يضيق المسلم على نفسه بحرمة مسلم ينتهكها و قطرة دم يسفكها ؟ .

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) (1) .

قال ابن العربي : ( الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة , حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبول الغفران بالتوبة , حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ) (2) .

و قد عبر سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن هذا الإنحراف السيء " بالورطة " في الدين فقال : ( إن من ورطات الأمور التي لا مخرج منها لمن أوقع نفسه فيها : سفك الدم الحرام بغير حلّه) (3)

ذلك أن كل الآثام يمكن التوبة منها إلا إزهاق الروح بغير حق , فكيف النجاة منها و هي من حقوق العباد العسيرة ؟ !

لقد حذر رسول الله صلى الله عليه و سلم من أن يتمادى المس بحرمة المسلمين الى حد سفك دمائهم فشدد في النهي عن ذلك مادام الإسلام ظاهرا على الإنسان و لو في آخر لحظة من عمره أو كان محتميا بأبسط شعائر الإسلام .

روى المقداد بن عمرو قال : قلت يارسول الله إن لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسّيف فقطعها ثم لاذ بشجرة و قال : أسلمت لله ! أأقتله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

( لا تقتله ) قال يا رسول الله فإنه طرح إجدى يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها , أأقتله ؟ قال : (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله و أنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ) (4) .

قال ابن حجر : ( و نقل ابن بطال عن المهلب معناه فقال : أي أنك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما , فأنتما في حالة واحدة من العصيان . و قيل : إن قتلته مستحلا لقتله فأنت مثله في الكفر ) (5) .

(1) -صحيح البخاري – كتاب : الديات – باب : قوله تعالى : ( و من يقتل مؤمنا متعمدا ) (12/229) (6862)

(2) – فتح الباري (12/231) .

(3) - صحيح البخاري – كتاب : الديات – باب : قوله تعالى : ( و من يقتل مؤمنا متعمدا ) (12/229) (6863)

(4) – صحيح البخاري – كتاب : الديات – باب : قوله تعالى : ( و من يقتل مؤمنا متعمدا ) (12/230) (6865)

(5) - فتح الباري (12/233) .

-47-

إنه لا شيء يشين علاقة المسلمين بعضهم ببعض سوى العنف و الغلظة التي تفسد ذات بينهم , مع أن القرآن الكريم لم يذكر الغلظة و الشدة إلا في موضعين :

الأول : في قلب المعركة و مواجهة الأعداء حيث توجب العسكرية الناجحة الصبلابة عند اللقاء و عزل

مشاعر اللين حتى تضع الحرب أوزارها , و في هذا يقول الله تعالى : ( يا أيّها الذين ءامنوا

قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار و ليجدوا فيكم غلظة ) (1) .

الثاني : في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها , حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله

تعالى , فقال : ( و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ) (2)

أما في علاقة المسلمين مع بعضهم فلا مكان للعنف و لا للإيذاء و استباحة الدماء .

قال ابن العربي :( ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق و الوعيد في ذلك , فكيف بقتل الآدمي ؟

فكيف بالمسلم ؟ فكيف بالتقي الصالح ؟ ) (3) .

(1) - سورة التوبة – الآية (123) .

(2) – سورة النور – الآية (2) .

(3) – فتح الباري (12/ 232) .

-48-

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار