السبت، 2 أكتوبر، 2010

المشاركة الإجرامية القسم العام_جامعة الشارقة

الفصل الرابع
المشاركة الإجرامية

تمهيد :
قد ترتكب الجريمة من طرف شخص واحد وقد يساهم في ارتكابها عدة أشخاص وهذه الصورة يطلق عليها المشاركة الإجرامية او المساهمة الجنائية 0 وقد تناول المشرع الاتحادي المساهمة الجنائية في الفصل الثالث من الباب الثالث في المواد من (44) الى (52) 0

شروط قيام حالة المشاركة الإجرامية :
لقيام المشاركة الإجرامية يلزم توافر شرطين هما : تعدد الجناة ووحدة الجريمة.

1- تعدد الجناة : لا تتصور المساهمة بغير تعدد الجناة، اي ان يساهم في ارتكاب الجريمة اكثر من شخص واحد0 وتختلف أدوار المساهمين في الجريمة ، فمنهم من يساهم في الجريمة بصفة أصلية فيكون فاعلا فيها، ومنهم من يساهم بصفة تبعية او ثانوية فيكون شريكا فيها0 ولكنه يلزم في جميع الأحوال وجود فاعل واحد على الأقل 0 ولذلك لا يتصور ان يكون كل المساهمين في الجريمة شركاء0
ويترتب على ما تقدم انتفاء المشاركة الإجرامية اذا كان الجاني واحدا وان تعددت جرائمه، كما لا تتوافر المساهمة الجنائية اذا تعددت الجرائم وتعدد تبعا لها الجناة فيسأل كل مجرم عن جريمته استقلالا وان ارتكبت هذه الجرائم في زمان ومكان واحد بل وبباعث واحد، كما لو احرق متظاهرون متاجر خصومهم0
وتجدر الإشارة الى ان تعدد الجناة في الجريمة لا تقوم به المساهمة الجنائية الا اذا كان عرضيا اي لا يشترطه القانون لقيام الجريمة ، من ذلك المشاركة في جريمة القتل، فهذه الجريمة تقبل القيام بشخص واحد، كما تقوم بتعدد الأشخاص فيها وهذا التعدد عرضي0 وفي المقابل هناك جرائم لا تقوم قانونا الا بتعدد الجناة فيها، فالتعدد هنا ضروري لوقوعها، كما هو الحال في جريمة الرشوة والاتفاق الجنائي، فإذا توافر في جريمة الرشوة الموظف المرتشي والشخص الراشي فلا محل للقول بتوافر المشاركة الإجرامية0

-2 وحدة الجريمة : يجب ان تكون الجريمة المرتكبة من المساهمين واحدة، وهذا يعني ان يساهموا في تحقيق نتيجة واحدة، وان تجمعهم رابطة معنوية واحدة0

أ - الوحدة المادية للجريمة : تفترض المساهمة الجنائية تعدد الأفعال الصادرة من المساهمين، ولكن يجب ان تؤدي الى نتيجة واحدة، ففي جريمة القتل يجب ان تؤدي أفعال الجناة الى نتيجة إجرامية واحدة وهي إزهاق روح المجني عليه0 كما تتطلب الوحدة المادية للجريمة ان تتوافر علاقة السببية بين كل فعل صدر من المساهمين وبين النتيجة الإجرامية، فإذا حرض شخص اخر على قتل ثالث فارتكبت جريمة القتل بناء على هذا التحريض فعلاقة السببية قائمة بين نشاط المحرض ووفاة المجني عليه0

ب - الوحدة المعنوية : يجب ان تتوافر لدى المساهمين كافة رابطة ذهنية او معنوية تجمع بينهم في الجريمة الواحدة0
وقد ذهب البعض الى ان الرابطة المعنوية لا تتوافر الا اذا كان بين المساهمين في الجريمة اتفاق سابق على ارتكابها او على الأقل تفاهما فيما بينهم على ذلك، ويستوي ان يكون سابقا على تنفيذ الجريمة او معاصرا لها0 المهم ان يدرك كل مساهم انه متضامن مع الآخرين في العمل الإجرامي وانه لا يستقل به لحسابه الخاص0
وقد انتقد هذا الرأي على أساس انه يمنع قيام المساهمة الجنائية في الحالات التي ينعدم فيها الاتفاق او التفاهم السابق بين المساهمين، ويثبت فيها وجود تعاون بينهم كما لو رأى شخص اخر يوشك ان يطعن المجني عليه بسكين فيمسك بهذا الأخير ليمنعه من مقاومة الجاني0
ولذلك يذهب الرأي الراجح الى ان الرباط المعنوي بين الجناة يستلزم في الجرائم العمدية ان يكون بينهم قصد جنائي مشترك، فيتوافر لدى كل مساهم قصد المشاركة في الجريمة، وهو عالم بسلوك الآخرين مع إرادة تحقيق الجريمة بفعله وأفعال الآخرين 0 ولا يلزم ان يكون هناك اتفاق او تفاهم سابق بين الجناة، فالخادم الذي يعلم بان لصا ينوي سرقة منزل مخدومه فيتعمد ترك بابه مفتوحا لكي يمكنه من ذلك يعتبر مساهما في جريمة السرقة 0 ولم يشترط المشرع الاتحادي الاتفاق او التفاهم السابق بين المساهمين لقيام حالة المساهمة الجنائية ، فوفقا لنص المادة 44/2 ع إ يكفي لاعتبار الشخص شريكا مباشرا في الجريمة ان يشترك اي يدخل في ارتكاب الجريمة فيأتي عمدا عملا من الأعمال المكونة لها 0 وأما بالنسبة للشريك بالتسبب فاكتفى القانون ، المادة(45/1 ثالثا) بأن يكون الشريك بالتسبب قد قدم المساعدة مع علمه بالجريمة 0 وان مجرد توارد الخواطر او التوافق بين اكثر من شخص في ارتكاب الجريمة اي ان يقصد كل واحد منهم ارتكاب فعل معين ينتويه بقية الأشخاص بصفة مستقلة دون وجود اتفاق بينهم لا تقوم به المساهمة الجنائية وإنما نكون بصدد تعدد في الجرائم بتعدد الجناة0

وأما في الجرائم غير العمدية فان الرابطة المعنوية تتحقق اذا كان الخطأ قد شمل فعل المساهم نفسه وفعل الآخر معه بخروجهما معا عن واجب الحيطة والحذر، فمن يسلم سيارة الى صديقه وهو يعلم انه يجهل القيادة ويترتب على ذلك قتل أحد المارة فانه يكون مساهما بخطئه في الجريمة التي وقعت0

المبحث الأول - المساهمة الاصلية :
نص المشرع الاتحادي في المادة (44 ع إ) على ثلاثة صور للمساهمة الاصلية 0
أولا : الفاعل عن طريق ارتكاب الجريمة (الفاعل المباشر) :
تتضمن هذه الصورة حالتين هما :
1 - ارتكاب الشخص وحده الجريمة (الفاعل وحده) : تتحقق هذه الحالة اذا ارتكب الجاني بمفرده الركن المادي المكون للجريمة سواء أكانت في صورتها التامة او اقتصرت على مرحلة الشروع، فإذا كانت الجريمة قتلا فان الفاعل هو الذي يباشر إزهاق روح إنسان حي0 ولا يغير من هذا الوضع ان يساهم مع الفاعل الأصلي الوحيد شريك او اكثر يقوم بالاعمال التي تساند نشاط الفاعل ولا تدخل في الأعمال المكونة للركن المادي0
-2 الفاعل مع غيره : ان يقوم كل فاعل من الجناة المتعديين بارتكاب الركن المادي للجريمة بأكمله، بحيث لو نظرنا الى نشاطه مجردا عن نشاط من معه لكان ما ارتكبه كافيا وحده لاعتباره مرتكبا للجريمة بأكملها، مثال ذلك ان ينهال عدد من الجناة ضربا على المجني عليه قاصدين إزهاق روحه فمات نتيجة لذلك0 ويلاحظ ان ما أتاه كل من الجناة من فعل مادي يكفي وحده لوقوع الجريمة كاملة في حق كل واحد منهم ولكن انصراف القصد الى المساهمة هو الذي جعل الفعل واحدا رغم تعدد الفاعلين، فيسأل كل واحد عن الجريمة التي وقعت سواء كانت تامة ام ناقصة بوصفه فاعلا لها0

ثانيا : الفاعل عن طريق الدخول في ارتكاب الجريمة :
نصت على هذه الصورة من المساهمة الجنائية الاصلية المادة 44/ثانيا عقوبات اتحادي0 ان الفاعل عن طريق الدخول في ارتكاب الجريمة لا يكون الا في جريمة تتكون من عدة اعمال، فيأتي عملا من الأعمال الداخلة في تكوينها حتى وان لم يقم بباقي الاعمال0

1 - الدخول في الجريمة بعمل يعد شروعا : ان الفاعل لا يرتكب جميع الأفعال المكونة للركن المادي في الجريمة بل يقتصر نشاطه على بعض هذه الأعمال فقط والا كنا بصدد الصورة الاولى0 فإذا كانت الأعمال التي أتاها الجاني تعتبر من الأعمال التنفيذية فإنها تكفي بذاتها لكي يعد فاعلا في الجريمة، أما اذا كانت هذه الأعمال لا تخرج عن كونها أعمالا تحضيرية فلا يعد مرتكبها فاعلا اصليا بل شريكا متى وقعت الجريمة وتوافرت شروط المساهمة الجنائية. مثال ذلك في القتل ان يتقدم زيد وبكر لقتل عمرو فيوقف الأول سيارة المجني عليه، وتولى الثاني قتله فكلاهما يعد فاعلا للقتل، بشرط ان يكون زيد قد أوقف السيارة بقصد قتل عمرو0 والمقصود بتطبيق معيار الشروع على فعل المساهم هو لمعرفة ما اذا كان فعل المساهم مستقلا عن أفعال غيره يكفي لكي يعد بدءا في التنفيذ، فيعتبر مرتكبه فاعلا، ام ان فعله لا يعدو ان يكون عملا تحضيريا ومن ثم يعتبر مرتكبه شريكا بالتسبب0
ويجب ان يكون قصد الجاني قد انصرف الى المساهمة في تنفيذ الجريمة بصفة أصلية 0
-2 الدخول في الجريمة بدور فعال : يعتبر فاعلا بالدخول في ارتكاب الجريمة كل من يتواجد على مسرح الجريمة وقت ارتكابها لما يترتب على هذا التواجد من شد أزر المنفذين لمادياتها ومعاونتهم او الإقلال من مقاومة المجني عليه لهم0 وقد تبنى قانون العقوبات الاتحادي هذا الرأي، فنص في (المادة 46) على ان من يقوم بدور ثانوي في الجريمة (الشريك بالتسبب) يعد فاعلا مع غيره (الشريك المباشر) اذا وجد في مكان الجريمة أثناء ارتكابها0

ثالثا : الفاعل المعنوي :
الفاعل المعنوي هو من يسخر شخصا غير مسئول جنائيا لتنفيذ الجريمة، فيكون في يده بمثابة اداة يستعين بها لتحقيق هذا الغرض0 وتفترض هذه الحالة وجود فاعلين :
*فاعل مادي : قام بتنفيذ ماديات الجريمة دون ان تتوافر لديه المسئولية الجنائية0
* فاعل معنوي : قام بتسخير الفاعل المادي واستعمله كأداة لتنفيذ الجريمة0
فالفاعل المعنوي هو الذي ينفرد بتنفيذ الجريمة ولكن بواسطة غيره، كمن يغري مجنونا على قتل المجني عليه، ومن يدفع طفلا غير مميز إلى إشعال النار في منزل، وقد يكره شخص خادمه لدس السم في الأكل الذي سيتناوله شخص اخر وتحدث الوفاة0 في هذه الأمثلة كان منفذ الجريمة غير أهل للمسئولية لفقد الإدراك كالمجنون والصبي غير المميز ولفقد الاختيار كالمكره0 كما يعد فاعلا معنويا من يدفع الى الجريمة شخصا حسن النية لا يعلم بحقيقة الصفة الإجرامية للفعل الذي يرتكبه، مثل موثق العقود الذي يدون في أوراقه بيانات مزورة يمليها عليه أحد طرفي التعاقد0
وقد اخذ قانون العقوبات الاتحادي لدولة الامارات العربية المتحدة بنظرية الفاعل المعنوي في (المادة 44/ثالثا) ولم يقصر المشرع الاتحادي نظرية الفاعل المعنوي على أحوال انتفاء الأهلية الجنائية لدى المنفذ بل وسع نطاقها لتشمل المنفذ المسئول ولكنه حسن النية لعدم توافر القصد الجنائي لديه0 فيعد الفاعل المعنوي فاعل الجريمة ويسأل عنها، ما دام منفذها غير مسئول لانعدام المسئولية الجنائية او لانتفاء القصد الجنائي0

المبحث الثاني - المساهمة التبعية (الشريك بالتسبب)

تتحقق المساهمة التبعية بإسهام الجاني في الجريمة بدور ثانوي بأن يرتبط السلوك الذي يأتيه بالفعل الإجرامي ونتيجته بعلاقة سببية دون ان يتضمن هذا السلوك تنفيذا للجريمة او قياما بدور رئيسي في ارتكابها0

أولا : أساس مسئولية الشريك بالتسبب :
اختلفت الآراء في تحديد أساس مسئولية الشريك عن الجريمة التي يرتكبها الفاعل الى نظريات ثلاث هي : نظرية الاستعارة ، نظرية التبعية ونظرية الاستقلال0

1 - مذهب الاستعارة : يقوم هذا المذهب على أساس وحدة الجريمة التي ارتكبها الفاعل وساهم فيها الشريك، والأصل ان نشاط الشريك غير إجرامي في ذاته فهو مشروع لو ارتكب منفردا، ولكن بسبب ارتباطه بالجريمة الاصلية فانه يستعير إجرامه من إجرام الفاعل الأصلي0 وظهر في هذا المذهب اتجاهان :
أ- الاستعارة المطلقة : يرى هذا الاتجاه وجوب المساواة بين الفاعل والشريك في المسئولية الجنائية وفي مقدار العقاب، وذلك لان مساهمة شخص في جريمة غيره تجعله يتبناها ويعتبرها جريمته ويتقبل كل النتائج التي تترتب عليها0 وعليه فان أفعال الشريك تستعير الصفة الإجرامية من الفعل الإجرامي المرتكب من قبل الفاعل الأصلي استعارة مطلقة، ولذلك يسأل الشريك عن الجريمة الاصلية ويخضع لعقوبتها دون اي تمييز بينه وبين الفاعل، ويسري عليه اثر الظروف المادية شأنه شأن الفاعل ويخضع لأثر الظروف الشخصية المتوافرة لدى الفاعل0 أما اثر ظروف الشريك الشخصية فلا تمتد الى الفاعل لانه يستمد إجرامه من فعله0

ب- الاستعارة النسبية : يستعير فعل الشريك إجرامه من الفعل الأصلي الا أنها استعارة نسبية او مخففة تتناسب مع ما قام به من دور ثانوي في الجريمة، ولذلك يجب ان تكون مسئولية الشريك أخف من الفاعل وبالتالي تخفيف عقوبته عن عقوبة الفاعل0 كما لا يتأثر الشريك بالظروف الشخصية التي تقوم لدى الفاعل مشددة او مخففة ولا تأثير لظروف الشريك على الفاعل0

وقد انتقد مذهب الاستعارة على أساس انه لا يتفق مع مبادئ السياسة الجنائية الحديثة التي تعتمد في تحديد إجرام الجاني على شخصيته وحده لا على إجرام غيره، فمسئولية الشريك وعقابه مستقل عن إجرام الفاعل الاصلي0

- 2 مذهب التبعية : ان سلوك الشريك لا يملك في ذاته المقومات التي تجعله يطابق نص التجريم ولما كان الفعل الأصلي هو الذي تتوافر فيه عدم المشروعية، فان عقاب الشريك على ما يأتيه من سلوك يتوقف على قيام الفاعل بالبدء في تنفيذ الفعل المكون للجريمة، وهذا يعني ان الشريك مجرم تبعي لا يستقل بذاته، بل لابد له من إجرام فاعل اصلي ليشتق منه الصفة غير المشروعة0

والراجح فقها ان تبعية فعل الاشتراك للسلوك المرتكب من الفاعل الأصلي تبعية مقيدة، بمعنى انه يكفي لمعاقبة الشريك ان يرتكب الفاعل سلوكا غير مشروع، ولا يشترط ان يكون الفاعل مسئولا جنائيا عن فعله، حيث يستقل كل مساهم بأحواله وظروفه الشخصية سواء كانت مشددة او مخففة او مانعة من العقاب0

3- مذهب استقلال إجرام الشريك عن إجرام الفاعل : يرى أنصار هذا المذهب ان إجرام الشريك مستقل ومختلف عن إجرام الفاعل سواء من حيث الأعمال التي قام بها كل منهما، او من حيث النية الإجرامية التي توافرت لكل منهما ، وعليه فانه يستقل كل شريك بجريمته كما يستقل كل فاعل بجريمته ، فمن يحرض على القتل يسأل عن جريمة التحريض بغض النظر عما اذا كان القتل قد نفذ او لم ينفذ ، وتحدد لفعله العقوبة التي تناسب خطورته وظروفه والتي قد تختلف عن عقوبة الفاعل الأصلي0 فكل مساهم يستقل بظروفه وحدها من حيث التشديد او التخفيف0 وبذلك تتعدد الجرائم وفقا لهذا المذهب بتعدد الجناة ثم يستقل كل شريك بجريمته كما يستقل كل فاعل بجريمته0

موقف قانون العقوبات الاتحادي : لم يأخذ المشرع الاتحادي بمذهب معين على إطلاقه بل حاول التوفيق بين المذاهب المتقدمة جميعها، فقد اخذ بنظرية الاستعارة المطلقة عندما جعل أساس المشاركة وحدة الجريمة على الرغم من تعدد المساهمين فيها، واخضع الشريك للعقوبة المقررة قانونا للجريمة التي اشترك فيها0 واخذ بفكرة الاستعارة النسبية عندما قرر ان الشريك بالتسبب لا تنصرف اليه سوى الظروف المادية والظروف المشددة الشخصية التي سهلت اقتراف الجريمة0 واخذ بمذهب التبعية عندما قرر بان عقاب الاشتراك بالتسبب يتوقف على وقوع الجريمة بناء على هذا الاشتراك0 كما اخذ في نطاق محدود بفكرة اعتبار عمل الشريك جريمة مستقلة من ذلك تجريم التحريض على بعض الجرائم بوصفه جريمة قائمة بذاتها بالرغم من عدم وقوع الجريمة المحرض عليها (المادة 91 ع0 إ)0
*
ثانيا : أركان جريمة الشريك بالتسبب :
تقوم جريمة الشريك بالتسبب على ركنين : ركن مادي وآخر معنوي :

1- الركن المادي : تتمثل عناصر الركن المادي لجريمة الشريك في فعل الاشتراك، ونتيجة إجرامية تتمثل في ارتكاب الفاعل لجريمته، وعلاقة سببية تربط بين سلوك الشريك وجريمة الفاعل0

أ- فعل الاشتراك : حدد المشرع الاتحادي وسائل الاشتراك في المادة (45) عقوبات اتحادي، ويتبين من هذا النص ان الشخص لا يكتسب صفة الشريك بالتسبب في الجريمة الا اذا اتخذ اشتراكه صورة من الصور المنصوص عليها على سبيل الحصر وهي التحريض او الاتفاق او المساعدة 0 وان الاشتراك في الجريمة لا يتحقق الا اذا كان التحريض او الاتفاق سابقا على وقوعها او كانت المساعدة سابقة او معاصرة لها وكان وقوع الجريمة بناء على ذلك الاشتراك0

1- التحريض : لم يعرف قانون العقوبات الاتحادي التحريض، ويمكن القول بأن التحريض هو بث فكرة الجريمة في نفس الجاني وتدعيمها حتى ينعقد التصميم على ارتكابها0 فنشاط المحرض ذو طبيعة معنوية، حيث يتجه الى نفسية الجاني كي يؤثر فيه ليدفعه الى ارتكاب الجريمة، ولا عبرة بالوسائل التي يتم بها التحريض، فقد يقع بالوعد او التهديد او بالإغراء او استعمال النفوذ كما قد يقع عن طريق الأقوال التي تهيج شعور الجاني وتدفعه الى ارتكاب الجريمة0

محل التحريض : يجب ان يرد التحريض على فعل يعتبر جريمة أيا كان نوعها، وهذا يعني ان التحريض باعتباره وسيلة من وسائل الاشتراك في الجريمة يجب ان يكون مباشرا اي منصبا على ارتكاب جريمة معينة بالذات كالقتل او السرقة0
*
أما اذا كان التحريض غير مباشر اي غير وارد على جريمة بعينها، فانه لا يعد وسيلة للاشتراك وبالتالي لا عقاب عليه، كما لو كان محله مجرد إثارة الحقد او البغضاء او العداوة بين شخصين مما يدفع أحدهما الى ارتكاب الجريمة، فهذا السلوك لا يعد تحريضا0

التحريض الفردي والتحريض العام : ان التحريض الذي عنته المادة 45 ع0 إ هو التحريض الموجه الى فرد بعينه او أفراد معينين بذواتهم 0 ولكن يتصور ان يكون التحريض عاما اي موجها الى جماعة او جمهور غير معينين بالذات، ولا يقع التحريض العام الا عن طريق العلن 0 ويشترك التحريض الفردي والتحريض العام في الحكم ، فالمحرض في الحالتين يعد شريكا بالتسبب اذا وقعت الجريمة التي انصب عليها تحريضه سواء في صورة تامة او في صورة الشروع 0
*
2- الاتفاق : هو تلاقي إرادة شخصين او اكثر وانعقادها على ارتكاب الجريمة موضوع الاتفاق، فهو يتطلب انعقاد نية المتفقين على ارتكاب الجريمة، فإذا وقعت بفعل أحدهم كان هو الفاعل الأصلي وكان الباقون شركاء له0

ولما كان الاتفاق عبارة عن تقابل ارادتين او اكثر على ارتكاب الجريمة، فانه يفترض وجود فكرة الجريمة في ذهن كل من دخل في الاتفاق، ولذلك لا يلزم اقتران الاتفاق بالتحريض او العكس0 ولا يشترط القانون مضي وقت معين بين الاتفاق على الجريمة وتنفيذها0

الاتفاق والتوافق : الاتفاق يتطلب تقابل الارادات وانعقاد العزم بينما على ارتكاب جريمة معينة0 أما التوافق فهو توارد الخواطر لدى الجناة على ارتكاب فعل إجرامي معين ، اي قيام فكرة الجريمة ذاتها لدى اكثر من شخص في وقت واحد دون سابق تفاهم بينهم0 كما لو خطرت "لزيد" و "بكر" قتل عمرو دون ان يفصح اي منهما للآخر عما عزم عليه، فإذا قام بكر بقتل عمرو فلا يعد زيد شريكا له في جريمته بطريق الاتفاق0
*
فالتوافق يختلف عن الاتفاق في انه لا يرتب تضامنا بين الجناة في المسئولية الجنائية، بل يسأل كل منهم عن نتيجة فعله الذي ارتكبه فقط، في حين ان الاتفاق يستوجب مساءلة سائر من اتفقوا على الجريمة التي ارتكبها بعضهم0

3- المساعدة : المساعدة هي مد الفاعل بما يعينه على ارتكاب جريمته، سواء لتجهيز او تسهيل ارتكابها او تذليل ما قد يعترض طريقه من عقبات0 ويستوي في نظر القانون ان تتم المساعدة بأية وسيلة كانت0
وقد تكون المساعدة سابقة على تنفيذ الجريمة فترد على الأعمال المجهزة لارتكابها، فتتحقق المساعدة بإرشاد القاتل إلى كيفية تحضير المادة السامة التي تستخدم في القتل، او بتقديم المعلومات الى السارق عن كيفية دخول المسكن المراد سرقته0 وقد تتمثل في تقديم أسلحة او آلات تستخدم في ارتكاب الجريمة، كمن يقدم مفتاحا مقلدا للاستعانة به في ارتكاب جريمة السرقة0
وقد تكون المساعدة معاصرة لتنفيذ الجريمة وعبر عنها المشرع بقوله الأعمال المسهلة او المتممة لارتكابها، ومثال الأعمال المسهلة ان يترك الخادم باب المنزل مفتوحا ليسهل للسارق الدخول للسرقة، ومثال الأعمال المتممة من يشاهد شخصا يعتدي على اخر بالضرب فيسارع الى إعطائه عصا لاستعمالها في الضرب0

ويلاحظ ان الاشتراك بالمساعدة لا يتحقق الا اذا كانت المساعدة سابقة او معاصرة لارتكاب الجريمة وكان وقوع الجريمة ثمرة لذلك الاشتراك0 أما الأعمال المساعدة اللاحقة على ارتكاب الجريمة فلا تصلح ان تكون وسيلة من وسائل الاشتراك0 فمن يساعد السارق في إخفاء الأشياء المسروقة فانه لا يكون شريكا في السرقة وإنما مرتكبا لجريمة إخفاء الأشياء المسروقة (م 407 ع0 إ) ، ومع ذلك فقد يعتبر الشخص شريكا بالرغم من تقديمه المساعدة بعد ارتكاب الجريمة، وذلك في حالة ما اذا كان هناك اتفاق سابق على تقديمها، فيعتبر شريكا بالاتفاق في الجريمة وليس بالمساعدة.

التفرقة بين الشريك بالمساعدة والفاعل بالدخول : *
ان المساعدة قد تكون معاصرة لتنفيذ الجريمة بان تكون في صورة اعمال مسهلة او متممة لارتكابها، وهي تفترض تدخل المساعد حين يأتي الفاعل الأعمال المنفذة للجريمة، وهذا قد يستدعي ان يتواجد الشريك مع الفاعل وقت ارتكاب الجريمة مما يثير بعض الدقة عند التمييز بين الشريك بالمساعدة في الأعمال المسهلة او المتممة لارتكاب الجريمة وبين الفاعل الذي يدخل في ارتكاب الجريمة بإتيانه عملا من الأعمال المكونة لها0 لذلك فانه يرجع الى معيار الشروع ، فيعد فاعلا من تدخل أعماله في مرحلة البدء في التنفيذ، بينما يعد شريكا بالمساعدة من تقتصر أعماله على مرحلة الأعمال التحضيرية0
ويرى جانب من الفقه ان الشريك بالمساعدة يظل يتميز عن الفاعل بطريق الدخول بدور فعال بأمرين :
- ان دور الشريك ثانوي بينما دور الفاعل يمثل عملا من اعمال ارتكاب الجريمة.
- ان النية الإجرامية لدى الشريك تنحصر في مجرد المساعدة، أما عند الفاعل مع غيره فهي نية ارتكاب الجريمة على قدم المساواة مع باقي المساهمين0
والواقع ان الفصل في هذا الأمر من اختصاص قاضي الموضوع.

المساعدة بطريق الامتناع : ثار البحث حول مدى تحقق الاشتراك بالمساعدة في شكل سلبي او امتناع0 وذهب البعض الى ان المساعدة تتطلب عملا إيجابيا يبذله المساعد ويقدم عن طريقه العون الى الفاعل، أما الموقف السلبي الذي يتخذه الشخص من الجريمة عند ارتكابها لا يجعل منه شريكا فيها0
*
الا ان الراجح ان الاشتراك بالمساعدة يمكن ان يقع بطريق سلبي، فنشاط الفاعل يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا، فلماذا لا يكون الأمر كذلك بالنسبة للشريك، كما ان المساعدة تتحقق بإزالة العقبات التي تعترض تنفيذ الجريمة وهو ما يمكن ان يتحقق بطريق سلبي كالشرطي الذي يرى آخرين يسرقون محلا فيغير طريقه حتى يسهل لهم ارتكاب الجريمة0


ب- النتيجة الإجرامية لنشاط الشريك :
1- ماهية النتيجة الإجرامية : لا يكفي لقيام جريمة الشريك ان يرتكب نشاطا يدخل في إحدى صور الاشتراك التي نص عليها القانون، بل يلزم ان يترتب على نشاطه ارتكاب الفاعل لجريمته، فهذه هي النتيجة الإجرامية لنشاط الشريك ، لان الشريك يستمد إجرامه من إجرام الفاعل0 ويستفاد هذا صراحة من نص المادة 45 ع0 إ0

ويترتب على ذلك انه اذا كان الفعل الذي ارتكبه الفاعل لا يعد جريمة، فلا يتحقق معنى الاشتراك قانونا، ولذلك فلا عقاب على من يساهم في فعل لا عقاب عليه أصلا، او في فعل واحد من أفعال العادة لانه يلزم قانونا ان يساهم الشريك في كل فعل يدخل في تكوين العادة0 ولا يعد شريكا من يساهم في فعل توافر له سبب من أسباب الإباحة كمن يقدم سلاحا لشخص يستعمل حقه في الدفاع الشرعي0
ويجب ان تبقى الجريمة التي ارتكبها الفاعل واسهم فيها الشريك معاقبا عليها ، فإذا صدر عفو شامل عن الجريمة الاصلية فانه يؤدي الى محو آثارها فيستفيد الشريك من ذلك لان العفو الشامل ينفي عن الفعل الصفة الإجرامية بأثر رجعي. وكذلك الحال اذا مضت على جريمة الفاعل المدة اللازمة لسقوط الدعوى الجنائية عنها، فان ذلك يمنع من محاكمة الشريك0

ويكفي ان تكون الجريمة التي ارتكبها الفاعل وساهم فيها الشريك معاقبا عليها في ذاتها فلا عبرة بعد ذلك بما يلحق الفاعل الأصلي من أسباب شخصية مانعة للمسئولية او للعقاب، فيعاقب الشريك رغم توافر هذه الأسباب، كما لو كان الفاعل غير مسئول جنائيا كأن يكون مجنونا0 بل ان الشريك يعاقب ولو ظلت شخصية الفاعل مجهولة0

2- حكم الاشتراك في الاشتراك :
قد لا يترتب على فعل الاشتراك النتيجة الإجرامية المتمثلة في جريمة يقترفها الفاعل الأصلي، وإنما يترتب عليها اشتراك اخر، وصورته ان يحرض “ خالد “ “ زيد “ على قتل "عمرو" فيقدم “ زيد “ سلاحا الى "بكر" كي يستخدمه في ارتكاب الجريمة ، فيكون "بكر" فاعلا اصليا بينما يعد “ زيد “ شريكا مباشرا له و” خالد “ شريكا للشريك0

ويذهب الرأي الراجح الى ان القانون لا يشترط ان تكون العلاقة مباشرة بين الشريك والفاعل الأصلي، فإذا توافرت أركان المساهمة التبعية في فعل شريك الشريك اعتد به، ولا شك في أنها متوافرة ، فسلوك شريك الشريك يتخذ صورة إحدى وسائل المساهمة التبعية، وعلاقة السببية متوافرة بين سلوكه وعمل الفاعل الأصلي، والقصد الجنائي متوافر لديه ، فيسأل بوصفه مساهما تبعيا في الجريمة التي ارتكبها الفاعل ، وبهذا الرأي اخذ القانون الإماراتي صراحة في (المادة 45 / ثالثا) عقوبات اتحادي.

3- حكم العدول عن الاشتراك : يحدث ان يعدل الشريك بعد ارتكاب فعله عن المضي في المشروع الإجرامي الذي ساهم فيه بدافع الندم او خشية العقاب، فما اثر هذا العدول ؟

الواقع انه لا صعوبة في شأن عدول الشريك لانه إما ان يترتب عليه عدم ارتكاب الفاعل للجريمة فلا وجود عندئذ للاشتراك ، وأما ان يمضي الفاعل في ارتكابها على الرغم من عدول الشريك، فإذا كانت علاقة السببية قائمة بين نشاط الشريك والجريمة المرتكبة فيستحق الشريك العقاب، أما اذا كان عدول الشريك قد قطع علاقة السببية فتنتفي مسئولية الشريك 0 وبديهي انه اذا كان عدول الشريك لاحق لوقوع الجريمة فلا تأثير له على مسئولية الشريك0

ج- علاقة السببية : يجب لقيام المساهمة التبعية ان تتوافر علاقة السببية بين نشاط الشريك وجريمة الفاعل الأصلي، بمعنى ان يكون ارتكاب الجريمة قد جاء نتيجة التحريض او الاتفاق او المساعدة وهذا ما أوضحته المادة 45 عقوبات اتحادي0

فإذا انقطعت علاقة السببية بين نشاط الشريك وبين جريمة الفاعل فلا محل لمساءلة الشريك عن فعله لانه لم يكن سببا للجريمة المرتكبة، كما لو شاهد "عمرو" "خالدا" يضرب شخصا اخر فأعطاه عصا لاستعمالها في الضرب ولكن “ خالد “ رمى بها واستخدم يديه في اقتراف الجريمة، فلا يسأل "عمرو" عن الجريمة المرتكبة.

2- الركن المعنوي في المساهمة التبعية :
أ- الركن المعنوي لجريمة الشريك بالتسبب في الجرائم العمدية :
اذا كانت الجريمة محل الاشتراك عمدية فان الركن المعنوي في الاشتراك بالتسبب يتخذ صورة القصد الجنائي الذي يتكون من عنصرين : العلم بالجريمة وإرادة المساهمة0

- 2 العلم بالجريمة : ينبغي ان يكون الشريك بالتسبب عالما بماهية السلوك الذي يأتيه، وان من شأنه المساهمة في إقدام شخص على ارتكاب جريمة معينة ، وهو أمر متوافر في التحريض والاتفاق ، أما بالنسبة للمساعدة فقد تحصل دون ان يكون مقدمها عالما بحقيقة ما يرمي اليه الجناة من الحصول عليها، لذلك نص المشرع الاتحادي في المادة (45) ثالثا على شرط علم الشريك بالجريمة التي ساعد على ارتكابها0 وعليه يجب ان يعلم الشريك بأن من شان الوسيلة التي ساهم بها ان تعين على ارتكاب الجريمة0 فإذا انتفى هذا العلم لديه فلا يتوافر القصد الجنائي ولا يسأل عن الجريمة المرتكبة، فمن يقدم سلاحا لشخص لغرض الصيد، فيستخدمه هذا الأخير في جريمة قتل، فلا يعتبر من قدم السلاح شريكا فيها لانه لم يعلم بها مطلقا0

2 - إرادة المساهمة : يجب ان تتجه إرادة الشريك الى الفعل الذي تقوم به وسيلة المساهمة والى نتيجة الاشتراك وهي الجريمة التي يرتكبها الفاعل، ويترتب على ذلك انه لا يعد شريكا من يصنع مفاتيح مقلدة ويبيعها الى جماعة من اللصوص يعلم انهم سوف يستخدمونها في ارتكاب سرقة، فلا يسال عنها لان إرادته لم تتجه الى ارتكاب الجريمة0

ب- الركن المعنوي لجريمة الشريك بالتسبب في الجرائم غير العمدية :
ثار البحث في إمكان قيام الاشتراك بالتسبب في الجرائم غير العمدية ، كالشخص الذي يأمر قائد سيارته بالسير أزيد من السرعة المقررة فيتسبب ذلك في قتل شخص او إصابته، فهل يعد هذا الشخص شريكا بالتحريض مع السائق في الجريمة التي وقعت ؟ الراجح فقها ان الاشتراك بالتسبب كما يكون في جريمة عمدية يتصور أيضا في جريمة غير عمدية ، على أساس ان الاشتراك المعاقب عليه هو الذي يتم إسهاما في فعل غير مشروع بغض النظر عن الركن المعنوي وشكله، فيكفي لتوافر الركن المعنوي للاشتراك في الجرائم غير العمدية ان يعلم الشريك بفعل الفاعل الأصلي المتصف بالإهمال او عدم الاحتياط، وان تتوافر له إرادة المساهمة في هذا الفعل دون ان تنصرف الى إحداث النتيجة التي وقعت0

المبحث الثالث- المسئولية والعقاب في المشاركة الإجرامية

أولا : المسئولية عن النتائج المباشرة :
- 1 مسئولية الفاعل والفاعل مع غيره (الشريك المباشر) :
الأصل ان الفاعل لا يتأثر بوجود فاعلين آخرين معه في ذات الجريمة فيسأل عنها ويعاقب بالعقوبة المقررة لها0 فإذا تعدد الفاعلون عوقب كل منهم بالعقوبة المقررة للجريمة كما لو كان قد ارتكبها وحده لان الفاعل يستمد إجرامه من فعله0 ويتعين الإشارة الى ان كل من ساهم في الجريمة بصفة فاعل يسأل عن الجريمة التامة اذا وقعت ولو كان دوره فيها لم يصل الى مرتبة الشروع، كما في حالة الدخول بدور فعال في الجريمة0

-2 مسئولية الشريك بالتسبب : سوى المشرع الاتحادي بمقتضى المادة 47 ع0 إ بين عقوبة الفاعل وعقوبة الشريك بالتسبب، وهذه المساواة هي مساواة قانونية بمعنى خضوع الشريك المباشر والشريك بالتسبب لنص قانوني واحد هو النص الخاص بالجريمة التي ساهموا في ارتكابها واستحقاقهم للعقوبة المقررة في هذا النص0 غير ان القاضي يملك إجراء تفريد للعقاب في حدود الحد الاقصى والحد الأدنى الذي يقرره القانون، فله ان يحكم على الشريك بالتسبب بعقوبة تختلف عن العقوبة التي يحكم بها على الشريك المباشر، كأن تكون اشد او اخف0
وقد يخرج المشرع عن هذه القاعدة في حالات خاصة فيقرر للشريك بالتسبب عقوبة اشد من عقوبة الفاعل ، من ذلك ما تقرره المواد 280 ، 282 ، 284 ع0 إ التي تجعل عقوبة من يساعد مقبوضا عليه على الهرب اشد من عقوبة الهارب نفسه0 وما تقرره المادة 231 عقوبات اتحادي للموظفين العامين اذا امتنعوا عمدا عن تأدية واجب من واجبات وظيفتهم عقوبة أخف (الحبس الذي لا يزيد عن سنة) مما تقرره لمن يحرضهم على ذلك (الحبس الذي يصل حده الاقصى الى ثلاث سنوات)0
ثانيا : المسئولية عن النتائج المحتملة :
الفرض هنا ان تقع من أحد الفاعلين نتيجة اخرى غير التي قصد بقية المساهمين في الجريمة0 وتطبيقا للقواعد العامة في المسئولية الجنائية فان النتيجة المختلفة التي يحققها أحد الفاعلين لا يسأل عنها الا الفاعل الذي حققها او الشريك الذي انصرفت إرادته الى إحداثها وساهم فيها بسلوك يرتبط بها بعلاقة سببية0 الا انه حفاظا على وحدة الجريمة التي تقع نتيجة مساهمة اكثر من شخص في إحداثها اتجهت بعض التشريعات ومنها القانون الإماراتي الى تقرير مسئولية بقية المساهمين في الجريمة سواء كانوا فاعلين او شركاء متسببين عن النتيجة التي يحدثها أحد الفاعلين حتى ولو كانت غير التي قصدها المساهم معه، متى كانت الجريمة التي وقعت بالفعل نتيجة محتملة للمساهمة التي حصلت0

*شروط مسئولية الشريك (المباشر او بالتسبب) عن النتيجة المحتملة :
يتعين لإمكان مساءلة الشريك مباشرا كان او متسببا عن الجريمة الأخرى التي تقع من غيره من الفاعلين توافر شرطين أساسيين هما كالتالي :
-1 توافر أركان الاشتراك : لا يعد المتهم شريكا الا اذا توافرت أركان الاشتراك التي يتطلبها القانون سواء بالنسبة للشريك المباشر او بالنسبة للشريك المتسبب، واهم هذه الأركان ان تتجه إرادة الشخص الى المساهمة في فعل يعد في ذاته جريمة ، فإذا اتجهت إرادته الى المساهمة في فعل مشروع ثم ارتكبت جريمة تعد نتيجة محتملة فلا يؤاخذ عنها غير مرتكبها ، لعدم توافر أركان الاشتراك0 مثال ذلك ان يتنازع شخصان على حيازة عقار، فأقام أحدهما حارسا عليه وطلب منه منع اي شخص من الدخول في العقار، فارتكب الحارس قتلا في سبيل تنفيذ الأمر، فلا يعد الآمر مسئولا عن القتل الذي وقع0


-2 أن تكون الجريمة التي يرتكبها الفاعل نتيجة محتملة لفعل الاشتراك : يقتضي هذا الشرط ان يرتكب الفاعل جريمة اخرى غير الجريمة التي قصد الشريك المساهمة في ارتكابها، وان تكون نتيجة محتملة لفعل الاشتراك 0 وتكون النتيجة محتملة اذا كانت متوقعة وفقا للسير العادي للأمور ، اي كان في استطاعة الشريك مباشرا او متسببا ومن واجبه عندما تدخل بعمله ان يتوقعها ولو لم يكن قد توقعها بالفعل0 ومعيار الاحتمال هنا موضوعي لا شخصي، فلا ينظر فيه الى ما توقعه الشريك بالفعل كنتيجة لمشاركته الإجرامية ، بل الى ما كان الشخص المعتاد يتوقعه عند تدخله بنشاطه0 مثال ذلك اذا اتفق خالد مع بكر على سرقة متاع منزل معين ، وعندما ذهب بكر لارتكابها قاومه حارس المنزل فقتله، فان الشريك خالد يسأل عن جريمة القتل لأنها نتيجة محتملة للسرقة0

ثالثا : المسئولية عن الظروف المختلفة :
1- المسئولة عن الظروف المادية : الظروف المادية هي التي تلتصق بماديات الجريمة وتضاف الى جانبها المادي، وبالتالي يسري أثرها على كل من اشترك في الجريمة بالمباشرة او التسبب علم بها او لم يعلم (م 49/1 ع0 إ) ويستوي ان يكون أثرها تشديد العقوبة كظرف الترصد في جريمة السرقة، وظرف حمل السلاح في السرقة ، او تخفيف العقوبة وهذا نادر الحدوث كأن تقع السرقة على أشياء تافهة0

2- المسئولية عن الظروف الشخصية :
اثر الظروف الشخصية : الظروف الشخصية هي تلك التي تتصل بشخص مرتكب الفعل، مثالها صغر السن ، صفة الزوج في جريمة قتل الزوجة حال مفاجأتها متلبسة بالزنا 0 والقاعدة ان هذه الظروف لا يتعدى أثرها شخص من تعلقت به، ولا تتعداه الى غيره من المساهمين سواء علموا بها او لم يعلموا (م 49/3 ع0 إ)0 أ-
اثر الظروف المشددة : تقرر المادة 49/2 ع0 إ استثناء على القاعدة السابقة، فنصت على ان الظروف الشخصية المشددة التي سهلت ارتكاب الجريمة يقتصر أثرها على من توافرت لديه فقط و لا تسري على بقية المساهمين الا اذا علموا بها0 مثال ذلك صفة الطبيب في الإجهاض وصفة الخادم في السرقة0 ب-
3 - المسئولية عن الأعذار القانونية :
نص المشرع الاتحادي في المادة 50 ع0 إ على نوعين من الأعذار الشخصية:
الأعذار المعفية من العقاب : فهي أسباب للإعفاء من العقاب فهي لا تنفي أركان الجريمة او شروط المسئولية عنها، فهي تحول دون توقيع العقاب فقط0 ويقتصر اثر هذه الأعذار على من توافر فيه سببها، فلا يستفيد منها سائر المساهمين في الجريمة 0 مثال ذلك اذا كان الفاعل موظفا غير مكلف بالبحث عن الجرائم او ضبطها وأهمل او أرجأ إبلاغ السلطة المختصة بجريمة علم بها أثناء تأديته وظيفته، فانه يجوز إعفاءه من العقاب اذا كان هذا الموظف زوجا لمرتكب الجريمة او من أصوله او فروعه 00000 (المادة 272 ع0إ)، الا ان الشريك معه في الجريمة لا يستفيد من العذر المعفي وتوقع عليه العقوبة0 أ-
الأعذار الشخصية المخففة للعقاب : هي حالات حددها المشرع على سبيل الحصر يلتزم فيها القاضي بان يهبط بالعقوبة المقررة للجريمة وفقا لقواعد معينة في القانون0 ويترتب على هذه الأعذار تخفيف العقوبة وجوبا0 ب-
ويعد من الأعذار المخففة للعقوبة حداثة سن المجرم (فيما بين 16 و 18 سنة) ، (المادة 10 من قانون الأحداث الجانحين والمشردين) ، وكذلك ارتكاب الجريمة لبواعث غير شريرة او بناء على استفزاز خطير صدر من المجني عليه بغير حق (م 96 ع0 إ)0
وحكم هذه الأعذار الشخصية انه لا يتعدى أثرها الى غير من تعلقت به ، بمعنى انه اذا توافر هذا العذر لدى أحد الشركاء استفاد وحده من التخفيف دون غيره0
4- حكم الظروف المتصلة بالقصد من الجريمة او بكيفية العلم بها :
تنص المادة (62) ع0 إ على ان الأصل ان الظروف التي تغير وصف الجريمة او العقوبة باعتبار قصد فاعلها او كيفية علمه بها ذات صفة شخصية بحتة، وعليه فان كل مساهم في الجريمة مباشرا او متسببا يسأل بحسب قصده منها او كيفية علمه بها، دون ان يتأثر في ذلك بقصد غيره او كيفية علمه بها، سواء أكانت هذه الظروف تغير وصف الجريمة او تغير عقوبتها فقط0
الظروف التي تغير وصف الجريمة باعتبار قصد مرتكبها : في بعض الصور قد يتوافر لدى أحد المساهمين ظرف متصل بقصده من الجريمة يقتضي تغيير وصفها ولا يتوافر لدى باقي المساهمين معه، وبالتالي فانه ظرف يتعلق بالركن المعنوي للجريمة الذي يستقل فيه كل مساهم عن الآخر0 مثال ذلك ان يقوم (أ) و (ب) بضرب (ج) وثبت ان قصد (أ) هو إزهاق روح المجني عليه، في حين كان قصد (ب) مجرد إيلامه بالضرب، فيؤاخذ كل منهما بحسب قصده، (أ) عن قتل عمدي او شروع فيه اذا لم تتحقق النتيجة الإجرامية، ويسأل (ب) عن جريمة ضرب0 أ-
كذلك اذا ارتكب شخصان جريمة قتل وثبت سبق الإصرار لدى أحدهما دون توافره لدى الآخر، فلا تطبق العقوبة المشددة الخاصة بالقتل مع سبق الإصرار الا على من توافر الظرف لديه بينما يعاقب الآخر بعقوبة القتل البسيط (المادة 332 ع0إ)0
الظروف المتعلقة بكيفية العلم بالجريمة : تتصل هذه الظروف بكيفية علم المساهم في الجريمة بوقائع معينة، فيترتب عليه تغيير في وصف الجريمة، مثال ذلك ان يقدم شخص منزله الى صديق لإخفاء مسروقات به، فيقوم هذا الأخير باستخدام المنزل في إخفاء مسروقات متحصلة من جريمة سرقة مقترنة بالإكراه مع علمه بذلك، في حين انتفى علم صاحب المنزل بهذا الظرف، يخضع الفاعل للعقوبة المشددة (م 385 ع0إ) وتعد الواقعة جناية، في حين يخضع الشريك للعقوبة المقررة في (المادة 390 ع0إ) وتعد الجريمة جنحة0 ب-
الظروف الشخصية التي تغير من العقوبة 5-
يقصد بهذه الظروف تلك التي لو تحققت في شخص المساهم تغير العقوبة دون تغيير وصف الجريمة0 وان تغيير العقوبة قد يكون بالتشديد مثل ظرف العود (م 106 الى 108 ع0إ) او بالتخفيف كظرف صغر السن، فيقتصر اثر الظرف على من توافر لديه دون غيره .

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

بحث محترم وقيم جداً , جزاكم الله خيراً على هذه المعلومات

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار