السبت، 2 أكتوبر، 2010

الجرائم التي تقع اعتداء على الأشخاص وفق القانون الامارات

تمهيد وتقسيم:
خصص المشرع الاتحادي الكتاب الثاني من قانون العقوبات الاتحادي لنصوص القسم الخاص، وقد قسم إلى ثمانية أبواب استناداً إلى المصلحة القانونية أو الحق محل الحماية الجنائية، والذي يكون محلاً للاعتداء بارتكاب الجريمة.
ومن هذا المنطلق جاء الباب السابع من الكتاب الثاني متضمناً مجموعة الجرائم الواقعة على الأشخاص وذلك في المواد من 331 إلى 380 عقوبات اتحادي
وتعد جرائم الاعتداء على الأشخاص من أكثر الجرائم أهمية ووقوعاً في العمل، ويقصد بها تلك المجموعة من الجرائم التي تقع اعتداء على جوانب الشخصية الإنسانية، ومن ثم فهي تستهدف إما المساس بشخصية الإنسان الطبيعية أو العضوية، فتمس حقه في الحياة، أو سلامته البدنية، أو عرضه أو حريته (جرائم القتل، الإيذاء البدني، العرض كالاغتصاب واللواط، وجرائم الحرية كالخطف والقبض). وأما أنها تستهدف المساس بشخصية الإنسان المعنوية، أي بقيمة الإنسان الاعتبارية كجرائم الشرف والاعتبار (ومنها جرائم القذف والسب وإفشاء الأسرار).
وقد جاءت جرائم الاعتداء على الأشخاص في قانون العقوبات الاتحادي على النحو المتقدم، لتوفر الحماية اللازمة لمقومات شخصية الإنسان المادية والمعنوية، فمنها ما يصيب الإنسان في حياته كالقتل (المادة 332 وما بعدها)، ومنها ما يصيبه في صحته وسلامة بدنه كالايذاء البدني (المادة 336 وما بعدها) ومنها ما يصيبه في حريته كالخطف والقبض (المادة 334 وما بعدها) ومنها ما يصيبه في عرضه كالاغتصاب وهتك العرض والفعل الفاضح (المادة (354 وما بعدها) ومنها ما يصيبه في سمعته وشرفه كالقذف والسب وإفضاء الأسرار (المادة 371 وما بعدها).
وسوف نتناول في القسم الأول من هذا الؤلف أهم الجرائم التي تقع اعتداء على الأشخاص وهي جرائم القتل والإيذاء البدني، من خلال بابين، يخصص الأول لجرائم القتل بينما يخصص الثاني لجرائم الاعتداء على السلامة البدنية.

الباب الأول
جرائـــم القتـــل

تمهيد وتقسيم :
الثابت أن القتل هو إزهاق روح إنسان آخر دون وجه حق. وتكمن علة تجريم فعل القتل في حماية حق الإنسان في الوجود، وبالتالي حق المجتمع ذاته في الاستمرار والبقاء، لأن وجود المجتمع مرتبط بحماية وجود أفراده .
وتعد جريمة القتل من أقدم الجرائم وأبشعها في جميع الشرائع ومنها الشريعة الإسلامية التي نهت عن القتل العمد، واعتبرته من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم لقوله تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقـد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً"( )، وقوله تعالى "والذين لايدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما " ( ) .
ويقسم أغلب الفقه الجنائي الإسلامي القتل إلى ثلاثة أقسام ( ): عمد، شبه عمد وخطأ .
1- القتل العمد وهو أن يتعمد الجاني الفعل المزهق قاصداً إزهاق روح المجني عليه ، وصورته أن يتعمد الجاني قتل النفس بما يقطع بحده كالحديد أو مايقتل بثقله كالحجارة ، ويعاقب عليه بالقتل إلا أن يعفو ولي الدم مقابل الدية أو بدون مقابل .
2- القتل شبة العمد وهو ماتعمد فيه الجاني الاعتداء على المجني عليه دون أن يقصد قتله ، ونتج عن الاعتداء موت المجني عليه . وتسمى هذه الصورة في القانون الوضعي الاعتداء على سلامة الجسم المفضي إلى الموت ، ومثاله أن يضرب معلم صبياً بمعهود فتلف ، فلا قود عليه في هذا القتل ، وفيه الدية على العاقلة مغلظة ، وتغليظها في الذهب والورق أن يزداد عليها ثلثها ، وفي الإبل أن تكون أثلاثاً منها ثلاثون حقة وثلاثون جدعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها .
3- القتل الخطأ وفيه يتسبب الجاني في القتل من غير قصد أي نتيجة خطأ ، كرجل رمى هدفاً فأمات إنساناً ، أو وضع حجراً فعثر به إنسان فمات، فهذا القتل يوجب الدية دون القود وتكون على عاقلة الجاني مؤجلة ثلاث سنين من حين موت القتيل .
ولقد حرصت التشريعات الجنائية على اختلاف مشاربها على حماية حق الإنسان في الحياة، وعموماً يعرف القتل بأنه إزهاق روح إنسان بفعل إنسان آخر دون حق عمداً أو عن خطأ ( ) . وسوف نتولى دراسة جرائم القتل في ثلاثة فصول متتابعة ، نخصص الفصل الأول لدراسة الأحكام العامة لجرائم القتل ، ونتناول في الفصل الثاني الأحكام الخاصة بالقتل العمدي ، أما الفصل الثالث فنخصصه لدراسة أحكام القتل غير العمدي .

الفصل الأول
الأحكام العامة لجرائم القتل

نتناول في هذا الفصل دراسة الأحكام العامة لجرائم القتل أيا كانت صورة الركن المعنوي فيها، وعليه ينقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، يخصص الأول لدراسة محل جريمة القتل ، والثاني لدراسة السلوك الإجرامي والنتيجة المترتبة عليه المتمثلة في الوفاة ، ثم علاقة السببية بين الفعل والنتيجة .

المبحث الأول
محل جريمة القتل

نتعرض في هذا المبحث لتحديد محل جريمة القتل، ثم لمسألة بداية الحياة ونهايتها، ونتناول أخيراً المشاكل التي يثيرها محل القتل وتحديداً مشكلة القتل إشفاقاً، ثـم الانتحار، وذلك كله من خلال ثلاثة مطالب متتالية وفق الآتي:

المطلب الأول
تحديد محل جريمة القتل

يقصد بمحل جريمة القتل تلك المصلحة التي يرمي القانون إلى حمايتها بالجزاء الجنائي وتقوم الجريمة بتحقق الاعتداء عليها ، وتتمثل هذه المصلحة في جريمة القتل في حماية حق الإنسان في الحياة ( ). فالاعتداء في جرائم القتل يستهدف إذن الإنسان الحي، فلا تقع جريمة القتل إلا إذا كان المجني عليه إنساناً حياً، وقد عبر المشرع الاتحادي على ذلك في المادة 332/1 عقوبات بقوله "من قتل نفسا..... " وينصرف لفظ النفس إلى الإنسان دون غيره. ويترتب على ذلك عدم وقوع جريمة القتل إذا كان محل الاعتداء حيواناً، وإن شكل هذا الفعل جريمة أخرى هي جريمة قتل حيوان دون مقتضي التي نص عليها المشرع الاتحادي في المادة 426/1 عقوبات في باب " إتلااف المال والتعدي على الحيوان "أي أن المشرع اعتبره عدواناً على مال يملكه الغير، فمحل الحماية الجنائية هو حق الملكية وليس حق الحيوان في الحياة .
ولا يتطلب القانون في الإنسان سوى أن يكون حياً بصرف النظر عن جنسيته أو لونه أو دينه أو مركزه الاجتماعي أو الوظيفي أو جنسه، لأن الناس متكافئون في قدر الحماية الجنائية لأرواحهم . فيستوي في نظر القانون بعد أن يكون الإنسان حياً أن يكون وطنياً أو أجنبيا، أبيضاً أو أسوداً، ذكراً أو أنثى، فقيراً أو غنياً، ثابت النسب أو لقيطا .




المطلب الثاني
مدلول الإنسان الحي

الإنسان هو كل كائن حي تضعه المرأة، ولما كان القانون يتطلب في محل جريمة القتل أن يكون المجني عليه إنساناً حياً، لذلك تبدو أهمية تحديد اللحظة التي تبدأ فيها حياة الإنسان واللحظة التي تنتهي فيها، حتى يتحدد نطاق الحماية الجنائية لحق الحياة .
الفرع الأول : بداية حياة الإنسان :
لا تبدأ حياة الإنسان ساعة مولده بل تبدأ قبلها ، فالجنين في بطن أمه كائن تدب فيه الحياة في لحظة معينة، إلا أن صفة الإنسان لاتخلع قانوناً على هذا الكائن بل يسمى جنيناً أو حملا مستكنا حتى يولد( ). وقد احاط المشرع الاتحادي هذا الجنين بالحماية الجنائية فجرم الاجهاض بمقتضى المادتين 339/3 و340 عقوبات، وعليه فإن القضاء على حياة الإنسان يعد قتلاً والإجهاز على الجنين يعد إجهاضاً ( ).
فلحظة الميلاد هي إذن بداية حياة الإنسان الفعلية لتمتعه بكيانه المستقل عن كيان أمه، إلا أن الوضع لايتم دفعة واحدة بل يتقدمه مخاض قد يمتد أمداًمن الوقت حتى إذا تهياً الوليد للنزول برزت بعض أجزائه تم توالي بروز سائره. وتثور هنا مشكلة أن هذا الوليد قد يتعرض خلال عملية الوضع لفعل يقضي عليه ، فهل يعد ذلك إجهاضا أو قتلاً ؟
اتفق الفقه الجنائي على أنه في تطبيق نصوص القتل لايشترط لبدء الوجود القانوي للإنسان أن يخرج الوليد بأكمله من رحم أمه ، بل يعتبر إنساناً حتى قبل أن يتم انفصاله. إلا أن الاختلاف حدث بالنسبة للحظة التي يكتسب الوليد فيها وصف الإنسان.
- فذهب البعض إلى أن الوليد يكتسب صفة الإنسان إذا انفصل جزئياً عن أمه وبرز بعض جسمه إلى الوجود( ).
- وذهب أغلب الفقه ( ) إلى أنه يكفي اكتمال نضج الجنين وتمتعه بحياة مستقلة عن حياة أمه واستعداده للنزول. ومن ثم يثبت للإنسان وجوده القانوني من اللحظـة التي تبدأ فيها عملية الوضع ولو تراخى نزول الوليد لبعض الوقت .
والرأي الأخير هو الراجح لأن تمام النضج لايتوقف على اكتمال الوضع، حيث قد يحدث اكتمال النضج ويتراخى الوضع لعسر في الولادة. ومتى اكتمل نضج الجنين اعتبر إنساناً تحميه نصوص القتل .
ويترتب على ما تقدم أنه إذا ارتكب الطبيب خطأ جسيما أثناء الإشراف على عملية الولادة فمات المولود ، يسأل الطبيب عن قتل خطأ، لأن المولود قد اكتسب صفة الإنسان منذ لحظة بداية عملية الوضع التي تدل على اكتمال نضجه( ).
وإذا كان محل القتل هو الإنسان الحي فإنه لايشترط أن يكون سليماً أو معافى من الأمراض ، بل يتمتع بالحماية القانونية كل ما تلده المرأة ولو أجمع الأطباء على أنه مقضي عليه بالموت بعد ساعات من ولادته ، ولو كان مشوهاً مالم يصل الشذوذ في تكوينه إلى حد يخرجه من عداد بني الإنسان .
ويعتبر الفعل قتلاً من باب أولى إذا وقع على محكوم عليه بعقوبة الإعدام ولو تم قبل تنفيذ الحكم بدقائق معدودة ، لأن حياة الإنسان لها حصانتها فلا يجوز إزهاقها إلا في الأحوال المنصوص عليها قانوناً .

الفرع الثاني : نهاية حياة الإنسان :
تنتهي حياة الإنسان بوفاته ، واعتبارا من هذه اللحظة يسقط عنه وصف الإنسان ويتحول جثة لاترد عليها جريمة القتل . وتقرير حدوث الوفاة مسألة فنية يستعين فيها القاضي بأهل الخبرة من الأطباء الذين يستدلون على الموت عادة بتوقف الجهاز الدموى والعصبي والتنفسي توقفاً تاماً عن العمل( ) . غير أن توقف أجهزة الحياة لدى شخص عن العمل لايؤدي بالضرورة إلى القطع بحدوث الوفاة ، إذ قد يقرر الأطباء إمكان استعادة الحياة في بعض الحالات خلال فترة من توقف الأجهزة العضوية عن العمل ، وذلك عن طريق تنشيط الدورة الدموية وإنعاش القلب . ولهذا فإنه لايقصد بالموت في تطبيق أحكام قانون العقوبات مجرد فقدان الحياة ، بل استحالة استردادها مطلقاً . وعليه فإنه إذا لم يصبح الإنسان في عداد الموتى على نحو أكيد ، فإنه يعد في حكم الأحياء . وعلى هذا الأساس يعد قاتلاً من أطلق النار على شخص توقفت أجهزة الحياة لديه ، وكان الأطباء قد شرعوا في تنشيط قلبه مقررين إمكانية استعادة الحياة ، ولكن ترتب على الاعتداء استحالة انقاذه .
وبثبوت وفاة الشخص واستحالة استعادة حياته يصير شيئاً لاإنساناً فلا يكون محلا لجريمة القتل ، بل إن المشرع الإماراتي ترك هذه الجثة دون حماية من أي اعتداء يقع عليها من لحظة الوفاة إلى لحظة دخول القبر ، ثم تعود لها الحماية إذا تم العبث بها لأن ذلك يشكل انتهاكاً لحرمة جثة أو رفات آدمي (المادة 316 عقوبات اتحادي) ( ) .

المطلب الثالث
مشاكل محل القتل

تتطلب دراسة محل القتل التعرض لبعض المشاكل التي يثيرها هذا المحل، ومنها القتل بدافع الشفقة، ومشكة الانتحار، وسوف نتولى دراستها تباعاً.

الفرع الأول : القتل إشفاقاً :
القتل إشفاقاً La bonne mort هو وضع حد لحياة مريض لا يرجى شفاؤه لتخليصه من آلامه المبرحة ( ). فجوهر المشكلة يكمن في التعجيل بإنهاء حياة محكوم عليها بالهلاك حتما هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العدوان الواقع في مثل هذا القتل لايصدر عن إرادة إجرامية، بل عن نفس رحيمة مشفقة على الإنسان محل هذا الاعتداء. فهل تقوم جريمة القتل في هذه الحالة ؟
لايشترط في محل القتل سوى أن يكون إنسانا حيا، ولو كان مريضاً مرضاً مبرحاً وميئوساً من شفائه طالما لم تحن بعد لحظة وفاته الطبيعية، وأي فعل يقع على مثل هذا الإنسان سواء أكان فعلاً إيجابياً أو امتناعاً عن إعطاء العلاج، واقترن بقصد إحداث الوفاة، كان صالحاً لقيام جريمة القتل العمدي. ولا يغير من هذا الحكم أن يكون المريض راضياً بوقوع الفعل عليه، لأن رضاء المجني عليه لاقيمة له في جريمة القتل، كما لايغير من ذلك أن يكون الفاعل مدفوعاً بباعث الشفقة، لأنه لاعبرة في القانون بالبواعث من حيث وجود الجريمة ذاتها.
ولما كان القتل في هذه الصورة ذا باعث شريف، نصت بعض التشريعات الجنائية( ) على اعتباره عذراً مخففاً للعقاب إذا وقع القتل بناء على إلحاح المريض، على أساس أن القاتل في هذه الحالة ليس مجرماً عاديا بل مجرما مثالياً يقدم على اقتراف فعله تحت تأثير عاطفة نبيلة( ).
ولقد اعتد المشرع الإماراتي بالباعث الشريف وجعله عذراً مخففاً للعقاب بمقتضى (المادة 96) عقوبات اتحادي حيث نصت على أنه " يعد من الأعذار المخففة حداثة سن المجرم أو ارتكاب الجريمة لبواعث غير شريرة أو بناء على استفزاز خطير صادرة من المجني عليه بغير حق".
وقضت (المادة97) عقوبات اتحادي بأنه " إذا توفر عذر مخفف في جناية عقوبتها الإعدام نزلت العقوبة إلى السجن المؤبد أو المؤقت أو إلى الحبس الذي لاتقل مدته عن سنة، فإن كانت عقوبتها السجن المؤبد أو المؤقت نزلت إلى عقوبة الحبس الذي لايقل عن ثلاثة أشهر، وذلك كله مالم ينص القانون على خلافه".
وتطبيقاً لهذين النصين يعتبر دافع الشفقة في القتل عذراً قانونياً مخففاً للعقوبة ، فإذا اقترن بالقتل البسيط وجب على القاضي أن ينزل بالعقوبة من السجن المؤبد أو المؤقت إلى الحبس الذي لايقل عن ثلاثة أشهر. أما إذا اتصل بالقتل إشفاقاً ظرف من الظروف المشددة المنصوص عليها في المادة 332/2 عقوبات اتحادي، تعين على القاضي أن يخفف العقوبة من الإعدام إلى السجن المؤبد أو المؤقت أو الحبس الذي لاتقل مدته عن سنة. فإذا حكم القاضي بالحبس الذي لايتجاوز سنة جاز له أن يقضي بوقف تنفيذ العقوبة إذا قدر من ظروف الدعوى أن المحكوم عليه لن يعود إلى ارتكاب جريمة أخرى، ويجوز له أن يجعل وقف التنفيذ شاملاً أية عقوبة فرعية ماعدا المصادرة ، وهذا تطبيقاً لنص المادة 83 عقوبات اتحادي( ) .

الفرع الثاني : الانتحـار :
الانتحار كالقتل هو إزهاق لروح إنسان حي لايختلف عنه إلا في وقوعه من المنتحر على نفسه أي وحدة شخص القاتل والمقتول ، أما القتل فهو إزهاق روح إنسان بفعل إنسان آخر .
فهل يعتبر الانتحار جريمة كالقتل باعتباره عدواناً على إنسان حي؟
وإن كان الانتحار يعد جريمة من الناحيتين الدينية والاجتماعية( ) على حد سواء، فإن القانون الإماراتي وسائر القوانين الجنائية المعاصرة لاتعاقب على الانتحار على أساس أن تمام الانتحار يعني إنعدام المحل الذي كان يمكن إصلاحه بالعقوبة، فلا يتصور توقيع العقوبة على المنتحر. كما أنه لاعقاب على الشروع في الانتحار على أساس أن الشروع يتطلب البدء في تنفيذ فعل ذي صفة إجرامية، وقد انتفت هذه الصفة في الانتحار ، فضلاً على أن من هانت عليه نفسه يهون عليه أي عقاب، وإن كان الأمر قد يتطلب معالجته عقليا أو نفسيا ( ) .
غير أن التشريعات الجنائية تختلف في موقفها من التحريض والمساعدة على الانتحار ؛ إذ يتحه أغلبها إلى معاقبة كل من حمل إنساناً على الانتحار أو ساعده على ذلك ، لأن في سلوكهما مساهمة جدية في إهدار حياة إنسان حي . وعلي هذا الأساس قررت (المادة 335) ( ) عقوبات اتحادي عقاب من حرض آخر أو ساعده بأية وسيلة على الانتحار وتم الانتحار بناء على ذلك . وبمقتضى هذه المادة ميز المشرع الإماراتي بين حالات ثلاث على النحو الآتي :-
1- أن يكون المنتحر كامل الإرادة والإدراك : إذا تم الانتحار بناء على التحريض أو المساعدة يعاقب من أتي هذا النشاط بالحبس الذي لاتزيد مدته عن خمس سنين . فالجريمة إذن جنحة ولكن المشرع رفع حدها الأقصى عن الحد المقرر للجنح بثلاث سنوات (المادة 69/2) عقوبات اتحادي .
2- عدم بلوغ المنتحر الثامنة عشر (18) سنة أو كان ناقص الإرادة أو الإدراك: فإذا تم الانتحار بناء على التحريض أو المساعدة ، اعتبر المشرع الإماراتي صغر سن المنتحر لعدم بلوغه الثامنة عشر ونقص إرادته وإدراكه إذا كان قد بلغ هذا السن ظرفاً مشدداً، وعليه فإن العقوبة الموقعة على من حرض أو ساعد على الانتحار في هذه الصورة قد تصل إلى الحبس لمدة عشر سنوات مع بقاء الجريمة جنحة ( ) .
3- أن يكون المنتحر أو من شرع في الانتحار فاقد الاختيار أو الإدراك، كالمجنون والمعتوه والصغير غير المميز، فاعتبر من أتى سلوك التحريض أو المساعدة فاعلاً معنويا أي مرتكباً جناية قتل عمدي أو شروع فيه، لأن المنتحر أو من شرع في الانتحار يكون بين يديه مجرد أداة لتنفيذ الفعل لافتقاده التمييز والإرادة، كمن يحرض مجنوناً على تناول مادة سامة، أو لافتقاده الاختيار كمن يكره شخصاً على قتل نفسه، ففي هذه الأحوال لايكون سلوك القتيل هو السبب في إزهاق روحه لأن إرادة هذا السوك منتفية لديه لانعدام إرادته أو اختياره، وإنما ينسب هذا السلوك إلى الفاعل المعنوي للجريمة وهو الشخص الذي حرض القتيل على تناول المادة السامة أو أكرهه على الانتحار. وعليه تكون العقوبة المقررة في حالة وقوع الانتحار هي السجن المؤبد أو المؤقت ، فإذا توافر ظرف من الظروف المشددة تكون العقوبة الإعدام. فإذا وقفت الجريمة عند حد الشروع تكون العقوبة المقررة وفقا لنص (المادة 35) عقوبات اتحادي( ).
ومن التشريعات الجنائة التي سلكت نهج المشرع الإماراتي فعاقبت على التحريض والمساعدة على الانتحار بنصوص خاصة باعتبارها جريمة قائمة بذاتها، القانون العماني (المادة 241 عقوبات)، والقانون القطري (المادتان 158 و 159 عقوبات)، والقانون اللبناني (المادة 553) .
أما المشرع المصري فلم يعاقب على التحريض والمساعدة على الانتحار بنص خاص، كما وأن هذا النشاط لايخضع للعقاب باعتباره فعل اشتراك لأن الفعل الأصلي الذي يستمد منه فعل الاشتراك الصفة الجرمية، وهو الانتحار هو فعل مباح أصلا ( ) .

المبحث الثاني
الركن المادي في جريمة القتل

جريمة القتل بطبيعتها لاتقع بسلوك مجرد، بل تتم بحدوث الوفاة كأثر لفعل القتل وهي بذلك تعد من الجرائم ذات النتائج. ولاكتمال الركن المادي في جريمة القتل ينبغي أن يصدر عن الجاني فعل تعقبه وفاة شخص، وأن تقوم بين الفعل وهذه الوفاة علاقة السببية .

المطلب الأول
فعـــل القتــل

حدد نص القانون السلوك المكون لجريمة القتل بأنه قتل نفس عمداً (المادة 332 عقوبات اتحادي)، ولم يصف القانون تفصيلاً صورة هذا السلوك وكيفية تحقق القتل به، وقد قصد المشرع من ذلك أن يستوعب النص أية طريقة ينتهجها المتهم وتترتب عليها وفاة إنسان. ولذلك تندرج جريمة القتل في عداد جرائم القالب الحر. وعليه سوف نتطرق لماهية فعل القتل ثم لمسألة القتل بالامتناع.

الفرع الأول : فعل القتل ووسائله :
الفعل في القتل هو كل سلوك إرادي يزهق به الجاني روح إنسان آخر. ولم يضع المشرع الإماراتي وصفاً محدداً لهذا الفعل، بل كل سلوك في نظره يصلح ليكون فعلاً في الركن المادي للقتل، مادام قد أدى إلى إزهاق روح إنسان آخر، ففعل القتل إذن لايتحدد بذاته ولا بشكله وإنما يتحدد بأثره.
وعليه فإن حصول الفعل كسلوك مادي أمر لازم لقيام جريمة القتل، فلا يقوم الركن المادي من مجرد العزم على ارتكاب الجريمة أو التصميم عليها، لأن هذا العزم لايشكل فعلا صالحا لإحداث الوفاة .
ولما كان الفعل في الركن المادي لجريمة القتل هو أي سلوك إرادي صالح لإحداث الوفاة، فإنه قد يتمثل في حركة عضوية واحدة كضربة واحدة بعصا غليظة على الرأس أو دفعه أمام قطار أو إلقائه من شاهق. وقد يتكون الفعل من جملة حركات كتقديم جرعات متعددة من السم أو تكرار الطعن بالسكين .
وتستوي في نظر القانون الوسائل التي يستعملها الجاني في ارتكاب فعل القتل، لأن الخطر لايكمن في الوسيلة وإنما فيما يترتب على استعمالها من نتيجة، ولهذا فلا فرق بين وسيلة وأخرى لامن حيث التجريم ولامن حيث العقاب، وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه : " فإذا ما تحققت الوفاة بسبب تعمد هذا الفعل كان القتـل عمـداً أيـا كانـت الآلــه المستعملــة في إحداث الإصابة التي نجمت عنها الوفاة ..... " ( ). ومن هذا الأصل استثنى المشرع الإماراتي لاعبتارات خاصة وسيلة القتل بمادة سامة أو مفرقعة فجعل منها ظرفاً مشدداً للعقوبة (المادة 332/2 عقوبات).
وقد تكون الوسيلة قاتلة بطبيعتها كالأسلحة النارية والمواد السامة، وقد تكون غير قاتلة بطبيعتها ولكنها تؤدي إلى الوفاة نتيجة استخدامها على نحو معين كالعصي والفؤوس ( ) .
ولا يشترط أن يلامس الجاني جسم المجني عليه مباشرة كما هو الحال في الركل والخنق، بل يكفي أن يهيىء الجاني أسباب الموت ثم يسخرها لتحدث أثرها، كمن يرسل طرداً إلى المجني عليه يحوي قنبلة تنفجر عند فتحه، وكذلك وضع عقرباً أو أفعى سامة في فراش المجني عليه فتلدغه.
وإن كانت كل الوسائل سواء في نظر القانون من حيث وقوع فعل القتل فإن النقاش يثور حول صلاحية الوسائل المعنوية لإحداث القتل . وتتميز الوسائل المعنوية عن الوسائل المادية في عدم وقوعها على الجسم المادي للمجني عليه، وإنما ينصرف أثرها إلى نفسيته فتحدث فيها جرحاً يؤثر في أجهزته الداخلية تأثيراً يصل إلى إزهاق روحه. ومن أمثلتها : إلقاء نبأ مفجع كمصرع ابن وحيد على شخص مريض بالقلب بطريقة معينة بقصد قتله، فيقع فريسة نوبة قلبية تقضي عليه، أو ترويع طفل صغير بطريقة متتابعة حتى يموت .
أولاً – اتجه البعض( ) إلى القول بعدم كفاية الوسائل المعنوية لإحداث القتل، وانه يلزم استعمال وسائل مادية تصيب جسد المجني عليه، وقد استند هذا الرأي في تبرير موقفه إلى اعتبارات عملية تتمثل في استحالة إثبات علاقة السببية بين الوفاة والوسيلة المعنوية ، فضلاً على صعوبة إثبات القصد الجنائي في هذه الحالة إذ كيف يمكن إقامة الدليل على أن النبأ المفجع كان سبباً للوفاة التي حدثت .
ثانياً – إلا أن الرأي الراجح( ) استقر على التسوية بين الوسائل المعنوية والوسائل المادية في إحداث القتل، فالقانون يعاقب" من قتل نفساً عمداً "... أو من "تسبب بخطئه في موت شخص..." (المادتان 332/1 و 342/1 عقوبات اتحادي) دون أن يخصص القتل في الحالتين بوسيلة معينة.
ولايغير من ذلك القول بصعوبة إثبات علاقة السببية بين الوسيلة النفسية وبين الوفاة ، لأن الإثبات ليس معياراً لتحديد السلوك الذي يشكل عنصراً في الركن المادي للجريمة، فضلاً على أن هذه المشكلة تتعلق بذوي الخبرة وعليهم يقع واجب حلها.
علاوة على ما تقدم فإن الوسائل المعنوية لايقتصر أثرها على الحالة النفسية، بل يمتد إلى سائر أعضاء الجسم عن طريق التأثير على الجهاز العصبي الذي بدوره يؤثر على أجهزة الجسم فيحدث بها اضطرابا يؤدي إلى الوفاة . وأما عن إثبات القصد الجنائي في هذه الصورة فذلك متاح من خلال الظروف المحيطة بالواقعة وعلاقة المجني عليه بالجاني، وهي مسألة تقع على عاتق قاضي الموضوع الذي إن تعذر عليه إثبات القصد فلن يتعذر عليه إثبات الخطأ .
وعلى هذا فالوسائل المعنوية تعد من وسائل القتل شأنها شأن الوسائل المادية، فيعاقب من استخدمها في القتل، متى توافرت علاقة السببية بين الفعل والوفاة وكان القصد الجنائي ثابتاً .

الفرع الثاني : القتل بالامتناع :
السلوك الإنساني له مظهران : فعل إيجابي وامتناع أو ترك. والقتل بطبيعته جريمة إيجابية لأنه يتطلب فعل اعتداء على الحياة. ويقودنا هذا إلى التساؤل عن إمكانية وقوع القتل بطريق الامتناع، إذا ثبت قصد إحداث الوفاة بهذا الترك ؟
إبتداء يتعين الإشارة إلى أن الامتناع المسبوق بفعل إيجابي ، كمن يخطف طفلاً ويحدث به إصابات جسيمة تعجزه عن الحركة، ثم يتركه في الصحراء ليموت جوعاً، فإنه لاخلاف في الفقه حول مسئولية صاحبه عن قتل عمدي إذا توافر القصد الجنائي لديه، لأن دور الامتناع اقتصر على تمكين الفعل الإيجابي من إنتاج آثاره، فيتحمل الفعل الإيجابي عبء النتيجة ويكون سببا لها .
أما الامتناع الذي يثير المشكلة في مجال جريمة القتل فهو الامتناع الخالص ومثاله امتناع الأم عن إرضاع طفلها حتى يموت، وامتناع الممرضة عن إعطاء الدواء للمريض بقصد قتله، فإذا توفي المجني عليه، فهل يتحقق الركن المادي لجريمة القتل بهذا الامتناع؟ للإجابة على هذا السؤال نميز بين اتجاهين هما كالآتي :-




أولاً : عدم وقوع القتل بطريق الامتناع :
يذهب هذا الرأي( ) متأثراً بالفقه الفرنسي إلى عدم إمكان وقوع القتل بطريق الامتناع لأن القتل جريمة إيجابية يتطلب ركنها المادي فعلاً إيجابيا، وإن تفسير نصوص القتل لتشمل الفعل والامتناع فيه خروج على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يحظر القياس في التجريم .
كما أن الامتناع عدم ولايمكن أن يكون سبباً في حدوث نتيجة إيجابية، لأن العدم لايفضي إلا إلى عدم مثله( ).
ويرد على هذا الرأي بأن نصوص القتل لاتحدد شكل السلوك الذي تقع به الجريمة ولا طبيعته، بل تعاقب على كل سلوك تترتب عليه الوفاة. فضلاً عن ذلك فإن الامتناع كالفعل الإيجابي سلوك إرادي، فبينما تكون الإرادة دافعة للحركة في الفعل، تكون مانعة للحركة في الامتناع، وعليه فالامتناع سلوك يتجسد واقعاً في الكف عن عمل معين.

ثانياً : وقوع القتل بطريق الامتناع :
يذهب أنصار هذا الرأي( ) إلى تأكيد صلاحية الامتناع لتكوين الركن المادي في جريمة القتل إذا توافرت علاقة السببية بينه وبين الوفاة. ويتطلب هذا الاتجاه لمساءلة الممتنع عن جريمة القتل توافر شرطان هما :
1- أن يكون على الممتنع واجب قانوني أو تعاقدي يلزمه بأداء عمل إيجابي يحول به دون وقوع القتل فيمتنع إرادياً عن الوفاء بهذا الواجب، يسأل الجاني عن قتل عمدي إذا كان ملزما قانونا أو تعاقديا بأداء عمل إيجابي يحول بمقتضاه دون وقوع جريمة القتل، كالأم التي تمتنع عن إرضاع وليدها تعد قاتلة إذا توافر لديها قصد القتل، والممرضة التي تمتنع عن إعطاء الدواء للمريض إلى أن يموت، تعد قاتلة أيضاً. إلا أنه إذا كان الملتزم بواجب قانوني أو تعاقدي غير قادر على التدخل بفعل إيجابي يمنع به حدوث القتل فلا يسأل عن امتناعه عن أداء هذا الإلتزام، لأنه لاتكليف بمستحيل، كما لو شاهد الأب ابنه يموت غرقاً فلم ينقذه لأنه لايحسن السباحة، ولم يكن بوسعه أن يستعين بمن يقدم له المساعدة.
فإذا لم يكن على الممتنع أي واجب قانوني أو تعاقدي يفرض عليه التدخل للحيلولة دون وقوع القتل، فلا يمكن مساءلته عن القتل العمد وإن توافر لديه القصد الجنائي، كما لا يسأل عن قتل خطأ إذا انتفى لديه هذا القصد، لأن الغالب أن الإقدام على منع وقوع الجريمة ينطوي على قدر من المخاطرة، والقانون لايفرض على الناس التضحية لمساعدة الغير، وعلى ذلك لايسأل عن قتل من يشاهد غريقاً يشرف على الهلاك فلا ينقذه .
2- توافر علاقة السببية بين الامتناع والنتيجة التي تحققت : يجب أن يكون الامتناع هو السبب في حدوث الوفاة وفق السير العادي للأمور . فيجب أن يكون امتناع الممرضة عن إعطاء الدواء للمريض هو العامل الذي أدى إلى حدوث وفاة الطفل. فإذا توافر عامل آخر كان هو السبب الذي أدى إلى حدوث النتيجة الإجرامية، واقتصر دور الامتناع على جعل هذا السبب أكثر ملاءمة لتحقيق النتيجة، فإن علاقة السببية بين الامتناع والنتيجة تنتفي، ولا يسأل الممتنع عنها ( ) .
وأما التشريع العقابي الإماراتي فقد ساوى بين الفعل الإيجابي والامتناع، وعلى ذلك فلا فرق بين القتل الذي يقع بإطلاق أعيرة نارية على المجني عليه، أو بالامتناع عن إطعامه أو إعطائه الدواء، فكلها صور لسلوك إجرامي ترتبت عليه نتيجة واحدة هي الوفاة. وقد عبَّر المشرع الإماراتي عن هذا المضمون في المادة (31) عقوبات اتحادي بقوله : "يتكون الركن المادي للجريمة من نشاط إجرامي بارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل متى كان هذا الارتكاب أو الامتناع مجرماً قانوناً " .

المطلب الثاني
النتيجـة الإجراميـة

سوف نتطرق في هذا المطلب لبيان ماهية النتيجة الإجرامية في جريمة القتل، ثم دراسة مسألة تعدد الجناة في إحداث النتيجة، كما نتعرض للشروع في القتل وذلك في فروع متتالية :
الفرع الأول: ماهية النتيجة الإجرامية في القتل :
إزهاق روح المجني عليه هو النتيجة الإجرامية في القتل، وبدونها تنتفي جريمة القتل. ولا أهمية لوقت تحقق النتيجة، فقد تتحقق فور ارتكاب فعل الاعتداء على الحياة، وقد يتراخى تحققها فترة من الزمن بعد إتيان فعل الاعتداء، ولا يحول ذلك دون قيام جريمة القتل مادامت علاقة السببية بين فعل الاعتداء وتحقق الوفاة قائمة.
وتحقق الوفاة شرط لاستكمال الركن المادي في جريمة القتل، فإذا ارتكب الجاني فعل الاعتداء على الحياة، وتوافر لديه قصد إحداث الوفاة، إلا أن النتيجة لم تتحقق لسبب لادخل لإرادة الجاني فيه، فإن الواقعة لاتعد قتلاً، وإنما شروعا في قتل عمدي، وصورة ذلك أن يقوم شخص بطعن عدوه بسكين بقصد قتله، ولكن يتم إسعاف المجني عليه بالعلاج، فيسأل الجاني عن شروع في القتل. أما إذا كان فعل الاعتداء مقترناً بالخطأ فإن حدوث الوفاة شرط لقيام جريمة القتل غير العمدي، فإذا لم تتحقق الوفاة، وترتب على الفعل مساس بسلامة جسم المجني عليه، سئل الجاني عن الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم.
وتتحقق الوفاة حين يلفظ المجني عليه نفسه الأخير. وتثبت الوفاة بكافة طرق الإثبات ، فإذا نازع المتهم في تحديد وقت الوفاة، فإن ذلك يعد دفاعاً جوهرياً، يتعين تحقيقه بالإلتجاء إلى المختص فنياً، وإلا شكل ذلك إخلالاً بحق الدفاع( ). ويقع عبء إثبات وفاة المجني عليه على عاتق النيابة العامة، ولا يلزم لهذا الإثبات وجود جثة المجني عليه( ). غير أن اختفاء الشخص لايكفي لإثبات وفاته( ).



الفرع الثاني : حكم تعدد الجناة في إحداث النتيجة:
إذا تحققت النتيجة وهي الوفاة من شخص واحد فلا صعوبة في هذه الحالة من حيث قيام المسئولية الجنائية وتحديد نطاقها، بل تظهر الصعوبة إذا تعـدد المساهمون في قـتل مجني عليه واحد. عندئذ يتعين التفرقة بين فرضين :-
أولاً – وجود تفاهم سابق بين الجناة: تعتبر الجريمة واحدة ويسأل عنها سائر المساهمين فيها إذا كان بينهم اتفاق أو تفاهم سابق على ارتكاب القتل، أو تم هذا الاتفاق بينهم أثناء التنفيذ وقبل تمام الجريمة، وذلك إما باعتبارهم شركاء مباشرين (فاعلين) أو شركاء بالتسبيب (شركاء) وفق ماتقتضيه أحكام المشراكة الإجرامية، وفي ذلك قضت محكمة تمييز دبي بأنه " .... من المقرر أن تصميم الجناة على قتل المجني عليه يرتب تضامنا بينهم في المسئولية يستوي في ذلك أن يكون الفعل الذي قارفه كل منهم محدداً بالذات أو غير محدد وبصرف النظر عن مدى مساهمة هذا الفعل في النتيجة المترتبة ..... " ( ). فإذا ساهم كل منهم بفعل أصلي توافرت الجريمة في حقهم جميعاً بغض النظر عن صاحب الضربة القاتلة .
ثانياً : انعدام الرباط المعنوي بين المساهمين : في حالة ما إذا انعدم التفاهم السابق بين الجناة تتعدد الجرائم بتعدد المساهمين فيها، فيسأل كل مساهم عن فعله وحده، فإذا تعذر تحديد محدث الضربة القاتلة من المساهمين فـإن كلا منهم يسأن عن شروع في قتل فقط لأن ذلك هو القدر المتيقن في حقه .


الفرع الثالث : الشروع في القتل :
قد يرتكب الجاني فعل الاعتداء على الحياة، ويتوافر لديه قصد القتل، ولكن لاتترتب الوفاة كأثر لفعله لسبب لادخل لإرادته فيه . فهذه الواقعة لاتعد قتلاً، بل شروعاً في قتل عمدي، كما لو أطلق شخص عياراً نارياً على المجني عليه بقصد قتله، فأصابه في غير مقتل، فيسأل عن شروع في قتل. والواقع أنه تسري القواعد العامة للشروع على الشروع في القتل، وتقتضي هذه القواعد توافر البدء في تنفيذ فعل الاعتداء على الحياة، والقصد الجنائي المتثمل في إرادة الفعل الإجرامي وإرادة تحقيق الوفاة مع العلم بأركان وعناصر جريمة القتل، ثم انتفاء النتيجة لسبب لادخل لإرادة الجاني فيها. ولقد عرفت المادة 34 عقوبات اتحادي الشروع بنصها على أن " الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لادخل لإدارة الجاني فيها.... " .
ويتصور الشروع في جريمة القتل العمدي، ولا يتصور في جرائم القتل الخطأ لأن الجاني لا يريد تحقيق النتيجة المتمثلة في الوفاة. وإذا أقدم الجاني على ارتكاب فعل الاعتداء على الحياة، ولكن النتيجة لم تتحقق لأسباب لاترجع لإرادة الجاني، فإن هذا الشروع قد يتخذ إحدى الصور الآتية:-
1- الجريمة الموقوفة : وصورتها أن يبدأ الجاني ارتكاب الفعل الإجرامي، ولكنه لا يستنفذ كل نشاطه الإجرامي، حيث يوقف لسبب خارجي قبل تحقق النتيجة الإجرامية. مثال ذلك من يضبط وهـو يصوب سلاحة قبل
المجني عليه قاصداً قتله، فيتدخل شخص آخر وينتزع منه السلاح. ففي هذه الصورة تدخل عامل غير إرادة الجاني أوقف النشاط الإجرامي، فلم تتحقق الوفاة.
2- الجريمة الخائبة ( ) : يستنفذ الجاني في هذه الصورة كل نشاطه الإجرامي في سبيل تحقيق النتيجة الإجرامية ، ومع ذلك لاتتحقق الوفاة لسبب لادخل لإرادة الجاني فيها ، مثال ذلك من يطلق عياراً ناريا على المجني عليه ولم يصبه ، أو أصابه في غير مقتل .
ويتعين الإشارة إلى أنه إذا كان تخلف الوفاة يرجع إلى إرادة الجاني ، الذي أوقف نشاطه أو خيب أثر فعله بإرادته إذا كان ذلك ممكنا، فإن ذلك يعد عدولاً اختيارياً ينفي وجود الشروع قانوناً . وعليه إذا تأهب الجاني لإطلاق عيار ناري على المجني عليه ، وبعد أن صوب سلاحه قام بإلقائه باختيارة خشية العقاب ، فلا يسأل عن شروع في قتل( ).

الفرع الرابع : استحالة القتل :
صورة ذلك أن يرتكب الفاعل كل نشاطه الإجرامي قاصداً تحقيق النتيجة الإجرامية وهي الوفاة ، إلا أنها لاتتحقق لكونها مستحيلة الوقوع. واستحالة جريمة القتل قد ترجع إلى استحالة موضوع الجريمة، كما لو كان المجني عليه قد توفى قبل إطلاق النار عليه ، وقد ترجع إلى استحالة الوسيلة التي استعملها الجاني لإحداث الوفاة ، كما لو استخدم الجاني مادة غير سامة بطبيعتها في القتل ، أو بكمية قليلة لاتكفي لقتل المجني عليه خلافاً لما اعتقده الجاني . فإذا كانت المادة 34/1 عقوبات اتحادي تعاقب على الجريمة الخائبة بوصفها شروعاً . فهل يصح اعتبار الجربمة المستحيلة صورة من صور الجريمة الخائبة ، ومن ثم يعاقب عليها بوصف الشروع ، أم تظل سلوكاً غير معاقب عليه ؟
وقد اختلفت الآراء حول الجريمة المستحيلة ويمكن ردها إلى المذهبين الموضوعي والشخصي .
أولاً : المذهب الموضوعي : ذهب أنصار المذهب الموضوعي في إلى عدم العقاب على الجريمة المستحيلة مطلقا ، سواء كانت الاستحالة راجعة إلى موضوع الجريمة ، أو كانت راجعة إلى الوسيلة المستعملة فيها . ذلك لأن الشروع يفترض بدءاً في التنفيذ، وهو غير متصور في حالة الاستحالة، ومن ثم لاتوجد ماديات إجرامية، بل مجرد إفصاح عن نية آثمة( ) .
وقد انتقد هذا الرأي على أساس عدم العقاب على بعض حالات الاستحالة التي تكشف على خطورة إجرامية بالنسبة للمجتمع ، والتي يتعين التصدي لها بالجزاء المناسب لاستئصالها .
وقد حاول بعض أنصار المذهب الموضوعي تفادي هذا الانتقاد ، فميزوا بين نوعين من الاستحالة : الاستحالة المطلقة حين ينعدم محل الجريمة ، أو تفقد الوسيلة المستخدمة صفة الصلاحية لإحداث النتيجة كمحاولة قتل إنسان بسلاح تالف ، أو محاولة قتل إنسان توفي قبل إطلاق الرصاص عليه . فلا عقـاب على هذه الاستحالة ، لأنه لاسبيل لتنفيذ هذه الجريمة في جمبع الأحوال .
وأما الاستحالة النسبية فتتحقق حين تكون الوسيلة المستعملة مما يصلح حسب طبيعته لإحداث الوفاة ، لكنها لم تحدثها في الظروف التي استعملت فيها، إما لعدم كفايتها ، كمن يضع في طعام المجني كمية قليلة من السم لاتكفي لقتله، أو لإساءة استعمال الجاني لهذه الوسيلة ، كمن يستعمل سلاحاً لايجيد استعماله. وهذه الاستحالة يعاقب عليها باعتبارها صورة من صور الجريمة الخائبة، لأن عدم التنفيذ لم يكن مستحيلاً .
ثانياً – المذهب الشخصي : يرى أنصار هذا المذهب وجوب العقاب على الجريمة المستحيلة بكافة صورها أيا كان سبب استحالتها . فالشروع لايتوقف على البدء في تنفيذ الفعل ، بل يكفي لقيامه أن يأتي الشخص أعمالاً تؤكد نيته الإجرامية وإن لم يكن الفعل الذي ارتكبه مما يدخل في ماديات الجريمة ويشكل بدءاً في تنفيذها . وعليه فإن الجريمة المستحيلة هي شروع معاقب عليه في كافة صورها، إلا إذا كانت الوسيلة المستخدمة تدل على سذاجة الجاني، كمن يلجأ إلى السحر والشعوذة لقتل عدوه.
وقد انتقد هذا الرأي على أساس إفراطه في العقاب إلى الحد الذي جعله يكتفي بالنية لاستحقاق العقاب ، الأمر الذي يؤدي إلى العقاب على الجريمة التي لاتقوم إلا في تصور الجاني دون أن يكون لها وجود واقعي وقانوني أي الجريمة الظنية.
ولتفادي عيب الإفراط في العقاب ، ميز الفقيه الفرنسي Garraud بين الاستحالة القانونية التي تتحقق في حالة انعدام أحد أركان الجريمة ، فإن هذه الجريمة لايمكن أن تقوم حتى ولو سار الجاني في نشاطه حتى النهاية ، مثل انتفاء صفة الإنسان الحي في القتل . وعليه فلا يعاقب الجاني في هذه الصورة بوصفه شارعاً في الجريمة ، والاستحالة المادية أو الواقعية التي لاتتعلق بركـن مـن الأركان القانونية للجريمة ، بل بوسيلة ارتكاب الجريمة
التي لايعتد بها القانون كقاعدة عامة ، وهنا يخضع الجاني للعقاب باعتباره شارعاً في الجريمة .
وقد أصبح الراجح في الفقه الحديث الاتجاه الذي يفرق بين الاستحالة المطلقة وبين الاستحالة النسبية ، وتقرير العقاب على الجريمة المستحيلة استحالة نسبية لأن خطر وقوع الجريمة يكون قائما ولم يخب إلا بالمصادفة . أما الجريمة المستحيلة استحالة مطلقة فلا عقاب عليها لأن خطر وقوعها منعدماً( ) .
وأما على مستوى التشريع فإن المشرع الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة لم يتعرض لمسألـة الجريمة المستحيلة ولم يبد رأيه بشأن العقاب عليها .

المطلب الثالث
علاقـــة السببية

الفرع الأول : أهمية علاقة السببية :
جريمة القتل من جرائم النتيجة، وتتمثل وفق النموذج القانوني لها في إزهاق روح إنسان حي. ويتطلب الركن المادي لهذا النوع من الجرائم ليس فقط وقوع فعل القتل من الجاني، وإزهاق روح إنسان حي، بل أيضاً توافر علاقة سببية بين فعل الاعتداء على الحياة ووفاة المجني عليه، أي أن تقوم بينهما رابطة السبب بالمسبب.
ولا تثير علاقة السببية صعوبة في مدى توافرها بين فعل الجاني ووفاة المجني عليه إذا كان هذا الفعل قد أدى بمفرده وفور ارتكابه إلى تحقق الوفاة، كمن يطعن آخر طعنات متتالية حتى يلفظ أنفاسه، أو يسدد إليه عياراً في القلب فيموت في الحال. فيكون واضحاً وملموساً أن سلوك الجاني هو سبب الوفاة .
إلا أن إسناد الوفاة إلى سلوك الجاني وحده لايعرض بهذه البساطة في واقع الحياة، ففي الغالب تتعدد العوامل التي تساهم في إحداث الوفاة، ويكون سلوك الجاني أحد هذه العوامل ، فيصعب تحديد العامل الذي كان سبباً في حدوثها. هذه العوامل قد تكون سابقة على وقوع فعل الاعتداء كاعتلال صحة المجني عليه، وقد تكون معاصرة للفعل كما لو أطلق شخص عياراً نارياً على غريمة فأصابه، وفي ذات اللحظة أصيب المجني عليه بسكته قلبية. وقد تكون تلك العوامل لاحقة على فعل الاعتداء، كإهمال المجني عليه في علاج نفسه، أو خطأ الطبيب المعالج في استخراج العيار الناري، وقد يشب حريق في المستشفى يودي بحياة المجني عليه. لاشك في أن إطلاق الرصاص يعد أحد العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، ولكن هل يسوغ المنطق القانوني مساءلة من اطلق الرصاص عن النتيجة التي تضافرت عوامل أخرى مع سلوك الجاني في إحداثها .
وتكتسي علاقة السببية أهمية بالغة في تحديد المسئولية الجنائية للفاعل في جرائم القتل خاصة، ففي القتل العمدي لايكفي إسناد فعل الاعتداء على الحياة إلى الجاني، بل يلزم ربط وفاة المجني عليه سبباً بهذا الفعل، فإذا انتفت علاقة السببية بينهما كانت الواقعة شروعاً في قتل. وفي القتل الغير عمدي يلزم أيضاً توافر علاقة سببية بين الإصابة والوفاة وإلا كنا بصدد جنحة اعتداء غير عمدي على سلامة الجسم لاقتل غير عمدي .



الفرع الثاني : معيار علاقة السببية :
تعددت النظريات التي حاولت إيجاد معيار منضبط لها ، وتجد هذه النظريات تطبيقاً لها في جريمة القتل ( ).
أولاً : نظرية تعادل الأسباب: تسلم هذه النظرية بتعادل الأسباب وتساويها في القيمة، فسبب نتيجة من النتائج هو مجموع العوامل التي أدت إلى إحداثها بصرف النظر عن قيمة كل منها منفرداً ، مادام هذا العامل كان لازما لوقوع النتيجة . ويكون العامل لازما لوقوع النتيجة إذا كانت لم تكن لتقع لو لم يكن هذا العامل موجوداً . فإذا ساهم فعل الجاني مع عوامل أخرى سواء كانت طبيعية أو إنسانية في خلق النتيجة ، تحمل الجاني تبعة النتيجة .
ويؤدي تطبيق هذه النظرية على جريمة القتل إلى القول بتوافر علاقة السببية بين فعل الجاني ووفاة المجني عليه ، متى ثبت أن فعله كان أحد العوامل التي ساهمت في إحداثها . غاية الأمر أنه إذا تعددت الأسباب في إحداث النتيجة، فلا عبرة إلا بالأسباب الأولية أو الابتدائية التي أثارت الأسباب الأخرى، لأن هذا السب هو الذي هيأ للأسباب الأخرى ظروف تحقيق آثارها . فلو أن شخصاً طعن آخر بقصد قلته، فأصابه في غير مقتل، ثم نقل إلى المستشفى للعلاج ، فارتكب الطبيب خطأ جسيما في علاجه ، ثم شب حريق بالمستشفى توفي المجني عليه على إثره ، اعتبر محدث الإصابة مسئولاً عن وفاة المجني عليه، لأنه لولا الإصابة لما دخل المجني عليه المستشفى ومات فيه . فالعوامل الأخرى التي أسهمت مع فعل الجاني في إحداث النتيجة، لا تنفي علاقة السببية بين الفعل والوفاة، وإن جاء تدخلها تاليا لفعل الجاني، وزاد هذا التدخل من جسامة الفعل وأدي إلى الوفاة .
أُخذ على هذه النظرية أنها متناقضة، فهي تقرر المساواة بين الأسباب في إحداث النتيجة، ثم تُسند النتيجة إلى سبب واحد منها . ويترتب على هذه النظرية مساءلة الجاني عن نتائج أشد جسامة من النتائج التي كان سوف يؤدي إليها فعله، لولا تدخل العوامل الأخرى التي أسهمت في إحداث وفاة المجني عليه.
ثانياً – نظرية السبب المباشر أو الفعال : مقتضاها أنه عند تعدد العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، يتعين إقصاء الأسباب البعيدة في علاقتها بالنتيجة، بحيث تتوقف المسئولية الجنائية على السبب الذي لعب دوراً مباشراً، فعالاً وفوريا في إحداث النتيجة .
أما الأسباب الأخرى فهي مجرد ظروف ساعدت السبب الأساسي في إحداث النتيجة. وعليه يمكن أن يكون سلوك الجاني أو عامل آخر غيره هو السبب الفعال في حدوث النتيجة.
ويقتضي تطبيق هذه النظرية بحث مختلف العوامل التي ساهمت في إحداث النتيجة، لمعرفة مايعد منها سبباً فعالاً فيتحمل تبعتها، وما يعد مجرد ظرف عارض لاينسب إليه حدوثها .
انتقدت هذه النظرية على أساس أنها حلت الصعوبة بمثلها ، ذلك أنها لم تضع معياراً للتفرقة بين السبب والظرف ، فضلاً على أنها تحصر السببية في نطاق ضيق .
ثالثاً : نظرية السبب الملائم : تقوم هذه النظرية على التفرقة بين العوامل التي أدت إلى النتيجة الإجرامية . فالعامل الذي يعتد به هو الذي ينطوي في ذاته على صلاحية إحداث النتيجة وفق السير العادي للأمور. فيعد سلوك الجاني سبباً للنتيجة الإجرامية ولو ساهمت معه في إحداثها عوامـل أخـرى سابقة أو معاصرة أو لاحقـه عليـه، مادامت هذه العوامل متوقعة ومألوفة، أما إذا تدخل في التسلسل السببي عامل شاذ غير متوقع ولا مألوف، فإنه يقطع علاقة السببية بين سلوك المتهم ووفاة المجني عليه، وتقف مسئولية الجاني عند حد الشروع في القتل إذا توافر لديه القصد الجنائي، بينما يتحمل العامل الشاذ تبعة النتيجة الإجرامية .
ويتم تحديد كون العامل مألوفاً ومتوقعاً، أو شاذاً وغير متوقع بمعيار موضوعي يقوم على مايتوقعه الشخص العادي إذا وجد في مثل ظروف الجاني، وليس على ما يتوقعه الجاني نفسه.
ومن أمثلة العوامل المتوقعة المألوفة التي لاتقطع علاقة السببية بين فعل الجاني والوفاة، ضعف المجني عليه أو مرضه، وتسمم الجروح، وإهمال المجني عليه في علاج نفسه إهمالاً يتوقع أن يصدر ممن يوجد في مثل ظروفه، وخطأ الطبيب البسيط في العلاج. وفي مقابل ذلك يعد من قبيل العوامل الشاذة غير المألوفة التي تقطع علاقة السببية، تعمد المجني عليه عدم علاج نفسه لتسويء مركز المتهم، والخطأ الجسيم للطبيب في العلاج، واحتراق المستشفى الذي نقل إليه المجني عليه.
وتعد هذه النظرية أكثر قبولاً لدى غالبية الفقة وكذلك القضاء. فقد قضت محكمة النقض المصرية " بأن المتهم مسئول في صحيح القانون عن جميع النتائج المحتمل حصولها من الإصابة ولو كانت عن طريق غير مباشر، كالتراخي في العلاج أو الإهمال فيه، مالم يكن متعمداً لتجسيم مسئولية الجاني " ( ) .
هذا وقد أخذ المشرع الإماراتي بنظرية السببية الملائمة وذلك بنص (المادة 32) عقوبات اتحادي التي تقضي بأنه " لايسأل الشخص عن جريمة لم تكن نتيجة لنشاطه الإجرامي غير أنه يسأل عن الجريمة ولو كان قد أسهم مع نشاطه الإجرامي في إحداثها سبب آخر سابق أو معاصر أو لاحق متى كان هذا السبب متوقعاً أو محتملاً وفقاً للسير العادي للأمور ... " .

الفرع الثالث : إثبات علاقة السببية
علاقة السببية عنصر في الركن المادي لجريمة القتل ، وشرط لتحقق مسئولية الجاني عن الوفاة ، لذلك يجب على محكمة الموضوع عند إدانة المتهم بجريمة القتل، أن تثبت في حكمها توافر علاقة السببية بين سلوكه ووفاة المجني عليه، وإلا كان حكمها مشوباً بالقصور بما يستوجب نقضه( ). وعلاقة السببية مسألة موضوعية، يقدر توافرها أو عدم توافرها قاضي الموضوع من وقائع الدعوى دون معقب، مادام حكمه مؤسساً على أسانيد معقولة مستمدة من وقائع الدعوى. وهذا يعني أن محكمة النقض لاتراقب قاضي الموضوع في استخلاص علاقة السببية، إلا إذا كان ماخلص إليه مشوباً بسوء الاستدلال، كأن يكون العامل الذي ربط النتيجة به لايصلح لأن يكون سبباً لها .
وفي أغلب جرائم القتل يلجأ القاضي في إثبات علاقة السببية إلى الخبرة الفنية التي تتمثل في التقرير الطبي ، فتستند المحكمة في استخلاص توافر علاقة السببية إلى ما ورد في التقرير الطبي .

الفصل الثاني
القتـــل العمـــدي

تمهيد وتقسيم :
إن الجريمة لاتخرج عن كونها عمدية يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي ، أو غير عمدية فيتمثل الركن المعنوي فيها في صورة الخطأ. وينطبق هذا على القتل الذي قد يقع عمداً ، كما قد يقع خطأ .
وسوف نخصص هذا الفصل لدراسة القتل العمدي ، فنتعرض لدراسة الركن المعنوي في القتل العمدي المتمثل في القصد الجنائي ثم نتطرق لأسباب الإباحة في القتل العمد لنخلص في النهاية لدراسة عقوبة القتل العمدي .

المبحث الأول
القصـــد الجنائـــي

جناية القتل جريمة عمدية، لذلك يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي . وعليه فإننا سنخصص هذا المبحث لبيان عناصر القصد الجنائي في القتل ، وأنواع القصد، وغيرها من الأحكام المتصلة به .


المطلب الأول
عناصر القصد الجنائي في القتل

يلزم لتوافر القصد الجنائي أن تتجه إرادة الجاني نحو ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها وعناصرها كما يتطلبها القانون، فقد عرف المشرع الإماراتي القصد الجنائي في المادة 38/1 عقوبات اتحادي بقوله "ويتوفر العمد باتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل متى كان هذا الارتكاب أو الامتناع مجرما قانونا وذلك بقصد إحداث نتيجة مباشرة أو أية نتيجة أخرى مجرمة قانونا يكون الجاني قد توقعها " ولايشذ قصد القتل عن ذلك، فهو يقوم على عنصرين هما: العلم بالأركان التي يقوم عليها الكيان القانوني للجريمة والعناصر التي يتضمنها كل ركن منها، واتجاه الإرادة إلى ارتكاب فعل الاعتداء على الحياة، وتحقيق النتيجة المترتبة عليه وهي إزهاق روح المجني عليه.
وفـي بيـان القصـد الجنائي في القتل العمدي قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه ".... وركن القصد فيه أن يكون إتيان الفعل المؤدي للموت عمدا عدوانا ولاعبرة بما إذا كانت الآلة المستعملة في القتل قاتلة أو غير قاتلة .... " ( ) .

الفرع الأول : العلم بأركان وعناصر القتل :
ينصب العلم ابتداء على محل الاعتداء في القتل وهو الإنسان الحي، فيتعين أن يعلم الجاني بأن فعله يرد اعتداء على إنسان، فإذا اعتقد أنه يوجه فعله إلى غير إنسان انتفى القصد لديه، كمن يطلق عياراً ناريا على شبح في الظلام معتقداً أنه حيوان، ثم يتبين أنه كان إنساناً ، فلا يسأل عن قتل عمدي لانتفاء علمه بصفة الإنسان في المجني عليه .
ويجب أن يعلم بصفة الحياة في الإنسان محل الاعتداء ، فإن اعتقد أنه يوجه فعله إلى جثة، انتفى القصد الجنائي لديه، كالطبيب الذي يشرح جثة يعتقد أن صاحبها قد مات، ثم يتضح أن صاحبها كان وقت التشريح حياً، وأنه مات بفعل الطبيب، فلا يسأل عن قتل عمدي وإن أمكن أن يسأل عن قتل خطأ إذا توافرت شروطه.
ويجب أن يعلم الجاني بخطورة فعله على حياة المجني عليه ، أي يعلم أن من شأن إتيان هذا الفعل إحداث الوفاة، فإذا انتفى علمه بذلك انتفى القصد الجنائي لديه، كمن يطلق عياراً نارياً بقصد فض مشاجرة، فإذا بهذا العيار يصيب جسد إنسان ويقتله، فإنه لايسأل عن قتل عمدي.
كما يتعين أن يتوقع الجاني وفاة المجني عليه كأثر لفعله. فإذا لم يتوقع أن نشاطه يمكن أن تترتب عليه وفاة المجني عليه، كمن يعطي آخر مادة سامة متوقعاً استعمالها في إبادة الحشرات، فإذا به يتناول بعضاً منها فيموت. فإن القصد الجنائي لايتوافر لدى من أعطى هذه المادة وبالتالي لايسأل عن قتل عمدي.
وإذا كان القانون يتطلب ضرورة ارتباط فعل الاعتداء بالوفاة سببياً، فإنه لايلزم أن يحيط علم الجاني بعلاقة السببية، إذ الغلط فيها لاينفي القصد الجنائي. فالغالب أن يتوقع الجاني علاقة السببية التي تربط بين فعله ووفاة المجني عليه، فإذا خالف التسلسل السببي كما حدث في الواقع، ماكان يتوقعه الجاني، فلا يؤثر ذلك على توافر القصد الجنائي، مثال ذلك أن يطلق شخص عياراً نارياً على آخر واقفاً على سطح بناء شاهق فأخطأه، ولكن إطلاق العيار الناري في ذاته جعل توازن المجني عليه يختل، فسقط ومات. فيسأل الجاني عن قتل عمدي، لتوافر القصد الجنائي الذي لاينتفي بالغلط في علاقة السببية.

الفرع الثاني : إرادة الفعل والنتيجة :
إن جوهر القصد الجنائي في القتل العمد هو اتجاه إرادة الجاني إلى فعل الاعتداء على حياة المجني عليه واتجاهها إلى إزهاق روحه بعد العلم بهما، فالعلم هو مقدمة لازمة لإمكان القول بتوافر الإرادة . فيجب أن تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل الاعتداء على حياة المجني عليه، فإذا انتفت إرادة فعل الاعتداء، كما لو أكره شخص على ارتكابه، انتفى القصد الجنائي.
ويجب أن تتجه إرادة الجاني إلى إحداث وفاة المجني عليه، فانصراف الإرادة إلى إحداث النتيجة، أي الاعتداء على حياة إنسان حي، هو الذي يميز القتل العمدي.
فإذا أراد الجاني الفعل دون انتيجة، يسأل عن جريمة قتل خطأ . فلا يتوافر القصد الجنائي لدى الطبيب الذي أجرى عملية جراحية لمريض بقصد إنقاذه، وتوفي المريض، لأن إرادته لم تتجه إلى إحداث الوفاة .
وإذا توافر العلم والإرادة على النحو المتقدم، توافر القصد الجنائي في القتل العمد. وهذا القصد هو قصد عام، فضلاً على ذلك يتطلب القتل توافر قصد جنائي خاص، فقد ذهب عدد كبير من الفقهاء( )، وكذلك القضاء( ) إلى أن القصد الجنائي في القتل هو قصد خاص، ووجه الخصوصية فيه أن تتوافر للجاني نية خاصة، هي انتواء القتل وإزهاق الروح .
وفي مقابل ذلك يرى البعض أن نية إزهاق الروح ليست سوى إرادة إزهاق روح المجني عليه، أي إرادة تحقيق النتيجة التي تعد عنصراً في الركن المادي للقتل، والقصد الجنائي في القتل كما تقدم يقوم على إرادة فعل الاعتداء على الحياة، وكذلك إرادة تحقيق النتيجة التي يجرمها القانون، والتي تتمثل في القتل العمدي في إزهاق روح المجني عليه، فهي بذلك تدخل في نطاق القصد العام، ولا يصح اعتبارها لوحدها محققة للقصد الخاص( ).








المطلب الثاني
مشاكل القصد الجنائي في القتل

إن دراسة القصد الجنائي في القتل تقتضي التطرق لعدد من المشاكل المتصلة به، ومن ذلك الغلط في النتيجة، والغلط في الشخصية، والحيدة عن الهدف.

الفرع الأول : الغلط في النتيجة ( ) :
يقصد بالغلط في النتيجة إنصراف الفعل الإجرامي إلى نتيجة مختلفة غير النتيجة التي قصدها الجاني، فهذا الغلط يؤدي إلى تغيير المصلحة القانونية التي تناولها الفعل بالاعتداء، ومن أمثلة ذلك أن شخصاً أراد أن يسرق من سيدة حقيبة يدها، فقاومته فسقطت وارتطم رأسها بالرصيف فماتت. وأن شخصاً أراد قتل شخص فأطلق عياراً نارياً عليه، فأخطأه وأصاب واجهة محل تجاري. يلاحظ في هذه الأمثلة أن النتيجة المتحققة غيرت المصلحة القانونية التي تناولها الفعل بالاعتداء، فتحولت من الاعتداء على المال إلى الاعتداء على الحياة في المثال الأول، وتغيرت من الاعتداء على الحق في الحياة إلى الاعتداء على المال، كما في المثال الثاني .
الراجح فقهاً أنه تتوافر في هذه الحالة جريمتان : الجريمة المقصودة أصلاً (القتل أو السرقة)، فيسأل عنها الجاني كجريمة تامة إذا تحققت النتيجة، أو كجريمة ناقصة أي شروع، إذا انتفت النتيجة المقصودة لسبب غير إرادي وكان القانون يعاقب على الشروع فيها، وتكون المسئولية عن هذه الجرائم مسئولية عمدية. أما الجريمة الثانية التي تحققت ولم يقصدها الجاني(الإتلاف أو القتل)، فيسأل عنها الجاني كجريمة تامة لأنها تحققت بالفعل، إلا أن المسئولية عنها تكون غير عمدية لأن النتيجة لم تكن محل علم الجاني وبالتالي انتفى لديه القصد الجنائي، فتوقع على الجاني أشد العقوبتين( ).

الفرع الثاني : الغلط في الشخصية :
يتطلب القانون لتوافر القصد الجنائي في القتل ، العلم بمحل الجريمة وصفته الأساسية وهي كونه إنساناً حياً، وينفي الغلط في هذا المحل القصد الجنائي، وأما الغلط في أية صفة أخرى غير ذلك لايؤثر في توافر القصد، ومن ذلك الغلط في شخصية المجني عليه، وذلك بأن يقصد الجاني قتل شخص معين، فيقتل غيره معتقداً أنه الشخص الذي يقصده هذا الغلط لاينفي القصد الجنائي، لأن القانون لم يتطلب في محل الجريمة إلا أن يكون إنساناً، فهو يحمي الإنسان في حد ذاته مجرداً من أية صفة أخرى، فكل إنسان حي يحميه القانون بصرف النظر عن شخصيته، وعليه يستوي أن يكون المجني عليه الذي ازهقت روحه هو الشخص الذي قصده الجاني أو شخصاً آخر غيره . فلو أراد شخص قتل شخص معين لعداوة قائمة بينهما، فتربص له ليلاً وأطلق النار على شخص آخر معتقداً أنه عدوه المقصود، فإذا به يكتشف أن المجني عليه هو شخص آخر غيره. يسأل الجاني عن قتل عمدي لأن الغلط ورد على أمر ثانوي لا أهمية له في قيام القصد .

الفرع الثالث : الحيدة عن الهدف :
يطلق على حالة الحيدة عن الهدف تعبير الخطأ في توجيه الفعل، وصورته أن يطلق الجاني النار على شخص قاصداً قتله، ولانه لم يحسن توجيه فعله، حاد عن هدفه وأصاب شخصاً آخر كان بجواره فقتله. والراجح فقهاً أن القصد الجنائي يتوافر لدى الجاني بالنسبة للجريمة التامة التي تحققت، فيسـأل الجانـي عنـها بوصفها جريمة عمدية، لأن كل ما يتطلبه القانون في المحل أي المجني عليه أن يكون إنساناً حياً ، يستوي أن يكون زيداً أو بكراً ( ) .
أما بالنسبة للجريمة التي حاد عنها الجاني أي الشخص الذي قصد قتله، فقد اختلف رأي الفقه، ذهب البعض ( ) إلى القول بأن الجاني يسأل عن جريمتين: أولاهما عمدية وهي الشروع في قتل من وجه الفعل إليه أساساً فأخطأه، والأخرى غير عمدية وهي قتل من أزهق الفعل حياته، ولم تكن هذه النتيجة هي ما يسعى إليه الجاني، ومع ذلك تحققت بسب إهماله أو عدم دقته في التسديد. ويرى فريق آخر أن الجاني يسأل في حالة إنحراف الفعل عن جريمتين عمديتين: أولهما الشروع في قتل من أراد قتله فأخطأه، والثانية قتل عمد بالنسبة إلى من انحرف إليه الفعل فقتله. فيقوم التعدد المعنوي طبقاً للمادة 87 عقوبات اتحادي، فتوقع على الجاني عقوبة واحدة هي عقوبة القتل التام( ) . والراجح في الفقه يذهب إلى اعتبار الفعل جريمة عمدية واحدة، وقعت على من تحققت فيه النتيجة الإجرامية، على أساس أن ماحدث هو خطأ في توجيه الفعل، لايؤثر في القصد، ولا يغير من ماهية الفعل الذي ارتكب( ) .
المطلب الثالث
صور القصد الجنائي

قد يكون القصد مباشراً أو غير مباشر أي احتمالي، كما قد يكون محدداً أو غير محدد.

الفرع الأول : القصد المباشر والقصد الاحتمالي :
القصد المباشر هو الذي تتجه فيه الإرادة على نحو يقيني إلى تحقيق النتيجة الإجرامية التي يتوقعها الجاني كأثر حتمي لازم لفعله . فالجاني يعلم علما يقينياً أن فعل الاعتداء سوف يؤدي حتما إلى وفاة المجني عليه . ولما كانت النتيجة الإجرامية تترتب حتماً على الفعل وتنجم عنه مباشرة ، فهي إذن جزء منه بحيث يمكن القول بأن من أراد هذا الفعل فقد أراد أيضاً النتيجة المترتبة عليه . فمن يطلق عياراً نارياً على شخص في مقتل فيقتله ، يسأل عن جريمة قتل عمدي ، ويكون قصده مباشراً ، لأنه توقع هذه النتيجة كأثر لازم لفعله . ويعد القصد المباشر الصورة العادية للقصد العام .
أما القصد الاحتمالي فصورته أن يتوقع الجاني حدوث الوفاة كنتيجة ممكنة لفعله يحتمل في تقديره أن تحدث أولا تحدث، ولكنه يقبل احتمال تحققها في سبيل تحقيق النتيجة التي يستهدفها بفعله . فهنا لايتوافر للجاني العلم اليقيني بتحقق النتيجة الإجرامية، بل يتوقع إمكان حدوثها، فيقبل حدوثها، وعليه يتجه بإرادته إلى ارتكاب الفعل الذي يحتمل أن يحقق هذه النتيجة، فالإرادة اتجهت إلى قبول النتيجة. ومثال ذلك أن يقصد الجاني قتل "علي" فيضع له سما في طعامه، ولكنه يتوقع أن يتناول معه "عمر" هذا الطعام ، رغم هذا التوقع يمضي قدما في ارتكاب فعله، ويشارك عمر في أكل
الوجبة السامة مع علي ، فيموت ، فيسأل الجاني عن قتل عمدي، ويكون قصده احتماليا .
وقد عبر المشرع الإماراتي عن مضمون القصد الاحتمالي وتوافر العمد به في المادة 38/2 عقوبات اتحادي بقوله : " ويتوافر العمد باتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل متى كان هذا الارتكاب أو الامتناع مجرماً قانونا وذلك بقصد إحداث .... أية نتيجة أخرى مجرمة قانونا يكون الجاني قد توقعها " .
ونخلص من هذا إلى أن درجة العلم المتطلبة في القصد العام لجريمة القتل هي اليقين أو التوقع ، فليزم إذن لتوافر القصد العام أن يكون الجاني متيقنا بأن من شأن فعله إحداث الوفاة أو على الأقل توقع حدوث الوفاة كنتيجة لفعله.
بقي في هذا المقام التعرض للتفرقة بين القصد الاحتمالي والخطأ الواعي غير العمدي فالأول يقوم على أساس توقع الجاني للنتيجة كأثر ممكن للفعل وقبولها، أما الخطأ غير العمدي فلا يشترط فيه أن يتوقع الجاني النتيجة فعلاً، بل يكفي أن يكون باستطاعته توقعها أو كان من واجبه توقعها، وحتى وإن أمكنه توقعها فإنه لايرغب في حدوثها ويأمل في تجنبها. وعليه يسأل عن قتل خطأ من يقود سيارة بسرعة كبيرة في طريق مزدحم ويتوقع أن يؤدي فعله إلى قتل أو إصابة أحد المارة ، فلا يريد النتيجة ويعتمد على مهارته في قيادة السيارة لتلافيها، ويحدث أن يصدم شخصاً فيقتله.




الفرع الثاني : القصد المحدد واقصد غير المحدد :
يستوي أن يكون القصد الجنائي في القتل محدداً أو غير محددا. فالقصد المحدد هو الذي تتجه فيه إرادة الجاني إلى إزهاق روح شخص أو أشخاص محددين معينين بذواتهم .
أما القصد غير المحدد، فهو الذي تتجه فيه إرادة الجاني إلى إزهاق روح شخص أو أشخاص أيا كانوا غير معينين تحديداً، ومثاله أن يضع شخص قنبلة في مكان عام، فيترتب على إنفجارها قتل شخص أو عدة أشخاص لم يقصدهم الجاني بذواتهم.
والثابت أن حكم القصد المحدد والقصد غير المحدد واحد، حيث تتوافر بهما عناصر القصد الجنائي في جريمة القتل العمد. وعلة هذه التسوية بين القصد المحدد والقصد غير المحدد في القتل العمد، أن القانون يكفيه وقوع القتل على إنسان حي ، ولا تعنيه شخصيات المجني عليهم في القتل .
وقد اعترف المشرع الإماراتي صراحة بالتسوية بين القصد المحدد وغير المحدد ، وذلك عندما عرف سبق الإصرار في المادة 333 عقوبات اتحادي بقوله " الإصرار السابق هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جريمة ضد أي شخص .... "( ) .





المطلب الرابع
أثر الباعث على القتل

الباعث هو القوة المحركة للإرادة أو العلة النفسية التي دفعت الجاني إلى ارتكاب الجريمة كالانتقام والحقد، والشفقة وغير ذلك. لذلك فهو يختلف من جريمة إلى أخرى بل وفي الجريمة الواحدة يختلف من جان إلى آخر .
ولايعد الباعث على الجريمة ركنا من أركانها أو عنصراً من عناصرها، وعليه فإنه لا أهمية للباعث على إتكاب القتل ، فهو ليسعنصراً من عناصر التجريم ، وليس بالتالي عنصرا في الركن المعنوي، هـذا ما قررته المادة 40 عقوبات اتحادي بقولها "لايعتد بالباعث على ارتكاب الجريمة مالم ينص القانون على خلاف ذلك " . ومن ثم يستوي أن يكون الدافع إلى ارتكاب القتل شريفاً أو شريرا، بل يجب العقاب وإن لم يتضح الباعث الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة، وعليه إذا لم يتعرض الحكم لبيان الباعث على القتل فإن ذلك لايعيبه ، مادامت المحكمة قد أوردت الأدلة على توافر القصد ذاته .
وتطبيقاً لذلك يتوافر القصد الجنائي لدى الجاني الذي ارتكب القتل إشفاقا بالمجني عليه لتخليصه من آلام شديدة لمرض لا أمل في الشفاء منه، أو أقدم على القتل انتقاماً من موظف كبير أصدر قرارا بفصله من عمله.
ولئن كان الأصل أن الباعث لايعد من عناصر القصد الجنائي، ولا يؤثر في قيام الجريمة وإن كان باعثاً شريفاً ، فإنه بإمكان القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار الباعث الشريف عند تقدير العقوبة استعمالا لسلطته التقديرية في الحدود التي يقررها القانون، بل هناك من التشريعات مانص على ذلك صراحة، فجعل من الباعث الشريف أو غير الشرير عذراً مخففاً، من ذلك قانون العقوبات الاتحادي، حيث نصت المادة 96 منه على أنه " يعد من الأعذار المخففة حداثة سن المجرم أو اتكاب الجريمة لبواعث غير شريرة..... " .
فيلتزم القاضي عند توافر الباعث الشريف بأن يخفف العقوبة في الحدود والتي يسمح بها القانون على النحو الوارد في نص المادة 97 عقوبات اتحادي( ) . ومقابل ذلك نص المشرع الإماراتي على تشديد العقوبة إذا كان الدافع إلى الجريمة شريراً أو شائنا ، وذلك بمقتضي المادة 102 عقوبات اتحادي التي تنص على أنه : " مع مراعاة الأحوال التي يبين فيها القانون أسباباً خاصة للتشديد يعتبر من الظروف المشددة ما يلي :
ارتكاب الجريمة بباعث دنيء " ( ) .







المطلب الخامس
وقت توافر القصد الجنائي وإثباته

الفرع الأول : وقت توافر القصد الجنائي :
تطبيقاً للقواعد العامة يجب أن يتعاصر القصد الجنائي مع النشاط الإجرامي الذي يترتب عليه الوفاة. فيجب أن يتوافر العلم بكل عناصر الجريمة وإرادة الفعل والنتيجة الإجرامية وقت ارتكاب الفعل، فإذا انتفى العلم بأحد هذه العناصر أو الإرادة في ذلك الوقت، انتفى القصد الجنائي في القتل.
فإذا توافر القصد الجنائي وقت ارتكاب الفعل الإجرامي، فلا عبرة بتخلفه قبل إتيان الفعل ، أو تخلفه عند تحقق النتيجة . فإذا دس شخص السم في طعام شخص آخر وقصد بذلك قتله ، ثم ندم على فعله فلم يرد إزهاق روحه قبل تحقق الوفاة ، يسأل عن قتل عمدي متى تحققت الوفاة، إلا إذا عدل اختياراً ، فخـيب آثار فعلـه فلم تحدث الوفاة ، فبذلك ينتفي أحد أركان الشروع .
إذا لم يتوافر القصد وقت ارتكاب الفعل ، فلا يعتد بتوافره وقت تحقق النتيجة لأن القصد لايرتد إلى الفعل ، فلا رجعية في القصد الجنائي ، فيكون قصداً لاحقاً على الفعل لايعتد به القانون ، كمن يطلق عياراً نارياً ابتهاجاً بمناسبة سعيدة، فيصيب أحد المدعوين ، فلما علم بشخصه اتضح أنه عدو له، فتمنى وفاته ، لايسأل الجاني عن قتل عمدي إذا توفي المجني عليه ، ولا عن شروع في قتل عمدي إذا انتفت النتيجة، بل يسأل عن القتل الخطأ أو الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم حسب النتيجة المتحققة .


الفرع الثاني : إثبات القصد الجنائي :
والقصد الجنائي باعتباره ظاهرة نفسية ، لايتسنى إثباته إلا باعتراف الجاني به، أو بالمظاهر الخارجية التي تفترض وجوده، هذه المظاهر يمكن استنتاجها من الوقائع المعروضة على قاضي الموضوع، فهو المختص وحده دون غيره بتقديرها لإثبات توافر القصد، أو القول بعدم توافره . ولارقابة على القاضي في هذا الشأن، إلا إذا كان استخلاصه غير سائغ، أي حدوث تناقض بين ما انتهى إليه القاضي من توافر أو عدم توافر قصد القتل والوقائع التي استنتج منها القصد من حيث إثباته أو نفيه .
ومن المظاهر الخارجية التي يمكن أن يستدل منها عقلاً على وجود قصد إحداث الوفاة ، استعمال آلة قاتلة بطبيعتها ، إصابة المجني عليه في مقتل ، تكرار طعن المجني عليه عدة مرات ، والضغائن والثأر بين الجاني والمجني عليه .
ويلاحظ أن العبرة ليست بهذه المظاهر في ذاتها ، فهي مجرد قرائن بسيطة لا أهمية لها إلا بما يمكن أن تدل عليه ، وفقاً لظروف كل حالة ، من توافر القصد أو عدم توافره . ولذلك لايكفي أن يثبت القاضي وجود مظهر منها ، للقول بتوافر القصد مثلاً . فالإصابة في مقتل قد لاتفيد توافر قصد القتل ، كما لو قصد الجاني من ضرب المجني عليه في هذا الموضع تعجيزه عن الحركة .

المبحث الثاني
أسباب أباحة القتل العمد

يعتبر القتل فعلاً مباحاً إذا شمل القتل سبب من أسباب الإباحة في القانون ، كأن يتركب استعمالاً لحق الدفاع الشرعي ، أو كان أداء لواجب ولانريد أن نعرض لقواعد الإباحة في القتل ، فهي ذات القواعد العامة الواردة في قسم الأحكام العامة، بل نريد أن نتعرض في هذا المقام لبعض التطبيقات الخاصة في القتل المباح، مع بيان أن رضاء المجني عليه بالقتل لايبيح القتل ولا يحول دون توقيع العقاب المناسب .

المطلب الأول
رضاء المجني عليه وإباحة القتل

يحمي القانون حق الإنسان في الحياة حتى يكفل للجسم استمرار أدائه لوظائفه الأساسية وبالتالي استمرار الإنسان في أداء دوره في مجتمعه حتى لاتتعطل مصالحه. فالحق في الحياة إذن يمثل قيمة اجتماعية ، فالمجتمع يهمه محافظة أفراده على حياتهم لتمكينه من الاحتفاظ بكيانه. ولذلك فإن حقوق الفرد مرهونة بحقوق الجماعة، يترتب على ذلك أنه لايجوز للفرد أن يتنازل عن حقه في الحياة، فرضاء المجني عليه بإزهاق روحه لايمنع من قيام جريمة القتل العمد، ولايحول دون مساءلة مرتكبها، فيظل القتل ولو برضاء المجني عليه معاقباً عليه وفقاً لأحكام قانون العقوبات .
فحق الإنسان في الحياة مرهون بحقوق الجماعة التي يعيش فيها، ولذلك فإن القوانين التي تحمي حق الإنسان في حياته وسلامة جسده هي قوانين متعلقة بالنظام العام

المطلب الثاني
القتل العمد أداء للواجب

أداء الواجب يعد سبب إباحة لشخص سواء كان موظفاً عاماً أو لا ، ويعتبر عمل الموظف العام أو المكلف بخدمة عامة مشروعاً وبالتالي مباحاً إذا أتاه أي منهما تنفيذاً لأمر رئيس تجب طاعته، أو اعتقاداً بأن الفعل مشروع ويعد تنفيذا لما تأمر به القوانين ، فهذا الاعتقاد يبيح الفعل آخذا بنظرية " الغلط في الإباحة أو " الإباحة الظنية "، على أن المشرع الإماراتي لم يطلق حدود الإباحة، بل قيدها بشرط حسن النية .
وتطبيقاً لذلك يعد فعل الموظف المكلف بتنفيذ حكم الإعدام في المحكوم عليه فعلا مباحاً لأن هذا التنفيذ جاء بناء على أمر صادر إليه من السلطة المختصة التي يتبعها والتي تجب عليه طاعتها .
كذلك تعد مباحة أفعال رجال الشرطة التي يرتكبونها بحسن نية أثناء تصديهم للمجرمين ، من ذلك لو أن شرطياً شاهد لصاً يخرج بالمسروقات من أحد المساكن ، فحاول الإمساك به ، إلا أن اللص بادر إلى الهرب فأطلق الشرطي رصاصة لإرهابه وإجباره على الوقوف ، فلم يتوقف ولاذ بالفرار ، فما كان من الشرطي إلا أن أطلق النار على ساقه فأصيب، وترتب على هذه الإصابة وفاته تالياً . فهنا يعتبر فعل الشرطي (القتل) مباحا، لأنه أتى هذا الفعل تنفيذاً لما يقتضيه عمله وما تأمر به القوانين واقترن ذلك بحسن نيته.

المطلب الثالث
القتل في حالة الدفاع الشرعي

تطبيقاً للقواعد العامة يجوز الدفاع عن النفس أو المال بالقتل العمدي أو الاعتداء الذي قد يفضي إلى الموت، طالما أن الجريمة كانت لازمة ومتناسبة مع الاعتداء.
ولقد حدد المشرع الإماراتي الحالات التي يجوز الإلتجاء فيها إلى القتل العمد دفاعاً عن النفس أو المال ( )، فنصت المادة 57 عقوبات اتحادي على أنه "لايبيح حق الدفاع القتل عمداً إلا إذا أريد به دفع أحد الأمور الآتية:
1- فعل يتخوف أن يحدث عنه الموت أو جراح بالغة إذا كان لهذا التخوف أسباب معقولة .
2- مواقعة أنثى كرها أو هتك عرض أي شخص بالقوة .
3- اختطاف إنسان .
4- جنايات الحريق أو الإتلاف أو السرقة .
5- الدخول ليلاً في منزل مسكون أو في أحد ملحقاته " .
ويتضح من هذا النص أن المشرع الاتحادي حدد على سبيل الحصر الحالات التي تبيح الدفاع الشرعي عن طريق القتل العمد، غير أن هذه الإباحة ليست مطلقة، أي أن الدفاع الشرعي عن طريق القتل العمد جائز دون قيود كلما توافرت إحدى هذه الحالات، على أن يتوافر شرط التناسب بين فعل الدفاع وخطر الاعتداء، أي ثبوت أن القتل كان هو القدر اللازم لدفع الاعتداء في الظروف التي ارتكب فيها .
يترتب على ماتقدم أنه إذا لجأ المدافع إلى القتل العمد في غير الحالات التي نصت عليها المادة 57 المشار إليها، فإن حالة الدفاع الشرعي تنتفي ويتعين إنكارها( ). أما إذا قامت حالة الدفاع الشرعي، وثبت أنه كان بالإمكان دفع خطر الاعتداء بوسيلة دون القتل العمد، وأن المدافع استخدم القتل العمد، فإن ذلك يعد تجاوزا لحدود الإباحة.
وقد نصت المادة 59 عقوبات اتحادي على أن تجاوز حدود الإباحة بحسن نية يعد عذراً مخففاً ويجوز الحكم بالعفو إذا رأى القاضي محلاً لذلك. فالمتجاوز حسن النية هو الذي يستعمل حقه في الدفاع الشرعي بعد قيامه قانوناً، ولم يقصد باستعمال القوة أن يحدث ضرراً أشد مما يقتضيه رد الاعتداء. فهذا المدافع يختلف عن المعتدي الذي لايسنده حق أو الذي تمادى في استخدام القوة بسوء نية، لذلك فهو متعدي ويستحق العقاب ولكنه في ذات الوقت معذور، لذلك على القاضي تخفيف العقوبة تطبيقاً لحكم المـادة (97) عقوبات اتحادي، بل ويجوز له الإعفاء من العقوبة إذا قدر لذلك مقتض.


المبحث الثالث
عقوبة القتل العمدي

تختلف العقوبة المقررة قانونا لجريمة القتل العمدي بحسب ما إذا كان قتلاً عمداً بسيطاً، غير مقترن بأي ظرف من الظروف التي تشدد أو تخفف العقوبة، أم كان قتلاً عمدياً مشدداً أي اتصل به ظرف مشدد للعقوبة، أو كان قتلاً عمدياً مخففاً أي اقترن به ظرف أو عذر مخفف. وسوف نتولى دراسة صور هذه العقوبات المختلفة من خلال المطالب التالية.

المطلب الأول
عقوبة القتل العمد البسيط

تقوم جريمة القتل العمد في صورته البسيطة وقد حدد لها القانون الاتحادي في المادة 332/1 عقوبة السجن المؤبد أو المؤقت . وبذلك ترك المشرع الاتحادي للقاضي سلطة تقديرية في توقيع العقوبة بين حديها الأدني والأقصى، وقد توقع عقوبة القتل العمد البسيط على الجاني وحده ، إذا كان قد ارتكب الجريمة منفرداً . ولكن يحدث أن يتعدد الشركاء في القتل العمدي البسيط، ويتم تحديد العقوبة في هذه الحالة بالتمييز بين صورتين وفق الآتي:
أولاً - وجود رابطة تضامن بين المشاركين في القتل :-
الأصل أن الفاعل لايتأثر بوجود فاعلين آخرين معه في ذات الجريمة ، فيسأل عنها ويعاقب بالعقوبة المقررة لها . وهذا يعني أن تعدد المساهين في القتل لايؤثر على الفاعلين المتعددين، بل يسأل كل منهم عن الجريمة التي وقعت كما لو انفرد بارتكابها، لأنه يستمد إجرامه من فعله هو . وينطبق هذا الحكم إذا كان هذا الفاعل قد ارتكب الجريمة على قدم المساواة مع الآخرين ، كما لو قام شخصان بالإمساك بالمجني عليه ، وألقايا به من شاهق فمات جراء ذلك . فما أتاه كل منهما يكفي وحده لوقوع الجريمة، ولكن انصراف القصد إلى المشاركة جعل الجريمة واحدة ، فيسأل كل واحد منهما عن جريمة القتل العمد . وكذلك الأمر لو ارتكب الفاعل عمداً عملاً من الأعمال المكونة لها ، كما لو قام مجموعة من الأشخاص بالاتفاق على ارتكاب جريمة قتل ، وتنفيذاً لذلك قاموا بالاعتداء على المجني عليه ، فكل واحد منهم يعد فاعلاً في الجريمة، سواء عرف محدث الضربة القاتلة أو لم يعرف . بل إن الفاعل يسأل عن الجريمة التامة وإن لم يصل دروه فيهـا إلى درجـة الشروع، كما لو دخل في ارتكابها بدور فعال فيها بالتواجد على مسرح تنفيذها بقصد ارتكابها إذا لم يرتكبها غيره (المادة 46 عقوبات اتحادي) .
ويقصد برابطة التضامن بين الجناة ، علم كل منهم بماهية فعله وأفعال المساهمين معه في الجريمة، واتجاه إرادته إلى المساهمة فيها بفعله الذي يتضافر مع أفعال الآخرين بقصد تحقيق النتيجة الإجرامية المقصودة .
ويلاحظ هنا أن الشريك بالتسبب في القتل توقع عليه ذات العقوبة المقررة للفاعل الأصلي، وهي عقوبة الجريمة كما حددها القانون تطبيقاً لنص المادة 47 عقوبات اتحادي( )، ويملك القاضي سلطة تفريد العقوبة فيما بين الحدين الأقصى والأدنى، فيجوز مثلاً أن يحكم على الفاعل الأصلي بالسجن المؤبد ويحكم على الشريك بالسجن المؤقت .

ثانياً - إنعدام رابطة التضامن بين المشاركين في القتل :-
متى انتفت رابطة التضامن بين المشاركين انتفت المساهمة الجنائية، وتتجسد الواقعة في صورة توارد للخواطر على ذات الجريمة، أي قيام فكرة جريمة القتل ذاتها لدى أكثر من شخص في وقت واحد دون سابق اتصال أو تفاهم بينهم ، فيترتب على ذلك مساءلة كل واحد عن فعله وما ترتب عليه من نتيجة بغض النظر عن أفعال الآخرين لانعدام تلك الرابطة التي توحد المشروع الإجرامي، فنكون بصدد تعدد في الجناة يقابله تعدد في الجرائم. ومثال هذه الصورة أن يشرع "عمرو" في قتل "بكر" وتركه على أنه أزهق روحه والواقع خلاف ذلك، فجاء "زيد" وقتل "بكرا" فعلا فلا يسأل "عمر" عن جريمة القتل التامة التي حققها "زيد" وذلك لانعدام رابطة المشاركة بينهما، فيسأل "عمرو" عن شروع في جريمة القتل، ويسأل زيد عن قتل عمدي تام.

المطلب الثاني
القتل العمد المشدّد

شدّد المشرع الإماراتي عقوبة القتل العمد إذا اقترن بظرف من الظروف التي نصت عليها المادة 332/2 عقوبات اتحادي وهي: سبق الاصرار، الترصد ، اقتران القتل أو ارتباطه بجريمة أخرى، وقوع القتل على أحد أصول الجاني، وقوع القتل على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة، وارتكاب القتل باستعمال مادة سامة أو مفرقعة. فإذا توافر ظرف من هذه الظروف يلتزم القاضي بتشديد العقوبة فتصبح الاعدام.

الفرع الأول : سبق الاصرار :
أولاً – ماهيـة سبق الاصرار وحكمة تشديد العقوبة عند توافره:-
عرف المشرع الإماراتي سبق الاصرار في المادة 333/1 عقوبات اتحادي، بقوله "الاصرار السابق هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جريمة ضد أي شخص وتدبير الوسائل اللازمة لتنفيذ الفعل تدبيراً دقيقاً " .
فسبق الاصرار هو التصميم على ارتكاب جريمة القتل قبل تنفيذها بوقت كاف، يتاح فيه للفاعل التفكير الهادىء في الجريمة، وتدبر عواقبها، بما يسمح له الاقدام على اقترافها باطمئنان وروية. وعليه فإن العبرة في توافر سبق الاصرار لاتكمن في التصميم على ارتكاب الجريمة، ومضي فترة من الزمن بين عزم الجاني على ارتكابها وإقدامه فعلا على تنفيذها، بل العبرة أو جوهر الاصرار السابق هو مايقع خلال هذه الفترة الزمنية من تفكير وتدبر، بحيث يكون الجاني قد فكر فيما عقد العزم عليه، وهيأ نفسه لذلك بتجهيز وسائله وتدبر عواقبه، فيقدم على ارتكابه هادىء النفس، مطمئن البال. وتكمن علة تشديد العقوبة في هذا الظرف، في أنه يكشف عن الخطورة الإجرامية الكامنة في الجاني ، حيث يقدم على ارتكاب الجريمة بعد تفكير وروية وهدوء لا عن اندفاع وتهور .
فمن يقدم على ارتكاب جريمة القتل برباطة جأش وبرودة أعصاب، فإنه يكشف عن شخصية إجرامية لايردعها تدبر العواقب الوخيمة عن المضي في مشروعها الإجرامي، فهذا الشخص إذن أخطر ممن يندفع إلى ارتكاب القتل في ثورة غضب بعيداً عن تقدير عواقب هذا الفعل، لذلك قدّر المشرع استحقاقه لجرعة أكبر من العقاب، فرفع عقوبته إلى الإعدام .
ثانياً : عناصر سبق الاصرار :-
1- عنصر نفسي : يتمثل في تفكير الجاني في الجريمة تفكيراً هادئاً، قبل التصميم عليها واقترافها. فالجريمة ترد على بال الجاني كفكرة، فلا يقدم على ارتكابها فوراً ، بل يفكر فيها بهدوء وروية متدبراً عواقبها، ثم ينعقد تصميمه على ارتكابها . وقد أغفل المشرع الإماراتي إظهار هذا العنصر النفسي في تعريفه لسبق الاصرار، مكتفيا ببيان العنصر الزمني الذي لايكفي بذاته لقيام هذا الظرف، فلو ثبت مرور فترة زمنية بين التفكير في الجريمة وارتكابها، دون أن يثبت تفكير الجاني في الجريمة بهدوء وروية وسيطرة على النفس، فإن سبق الإصرار لايعد متوفراً
2- عنصر زمني : يراد به أن يكون التفكير في الجريمة قد سبق الاقدام على ارتكابها فسبق الاصرار يقتضي مرور فترة زمنية بين قيام فكرة الجريمة لدى الجاني وتفكيره فيها ، ثم الاقدام على تنفيذها . وهذه الفترة ليست محددة بمدة معينة ، وإنما العبرة بمدى كفايتها لكي تهيء للجاني حالة من الهدوء النفسي ، تمكنه من الاقدام على الجريمة بنفس مطمئنة . وعلى ذلك لايمكن القول بانتفاء سبق الاصرار بسبب قصر الفترة الزمنية بين التفكير في الجريمة والتصميم عليها وبين ارتكابها .




ثالثاً - مالا يؤثر في توافر سبق الاصرار :-
سبق الاصرار عنصر يضاف إلى القصد الجنائي البسيط في القتل، فيجعله قصداً مشدداً يترتب على ذلك أن مالا ينفي القصد البسيط لاينفي كذلك القصد في صورته المشددة .
فلا يشترط القانون في سبق الاصرار أن يكون محددا بالاعتداء على إنسان معين بذاته . فيتوافر سبق الاصرار لدى الشخص الذي يفكر في إشاعة الرعب بين الناس ، فيصمم على قتل أي إنسان يصادفه . وتؤكد هذا الحكم نص المادة 333/1 عقوبات اتحادي بقولها " الاصرار السابق هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جريمة ضد أي شخص ..... " .
وكما لاينتفي القصد البسيط بالغلط في شخصية المجني عليه أو الحيدة عن الهدف ، فإنه لاينتفي سبق الإصرار بذلك أيضاً ، فمن يصمم على قتل عمرو ، لكنه يخطىء في التصويب فيصيب زيدا ، أو يخلط بينه وبين زيد ، يسأل عن قتل عمدي معَ سبق الاصرار .
ولا ينتفي سبق الإصرار إذا كان معلقاً على حدوث أمر معين أو كان موقوفا على شرط ، فيسأل عن قتل مقترن بسبق الاصرار من يصمم على قتل إنسان إذا لم يشهد لصالحه في قضية منظورة أمام القضاء ، أو إذا لم يدفع ما عليه من دين.

رابعاً - طبيعة سبق الاصرار وإثباته :
سبق الاصرار ظرف ذو طبيعة شخصية، وعليه فإنه لايسري على المساهمين في الجريمة إلا بالنسبة لمن ثبت توافره لديه. فإذا تعدد المساهمون في جريمة القتل، وقام سبق الاصرار لدى بعضهم، أخذ كل منهم بقصده، فتشدد عقوبة من توافر لديه سبق الاصرار دون غيره .
وسبق الاصرار من الأمور الموضوعية التي يفصل فيها قاضي الموضوع، الذي يستخلص توافره من أي واقعة في الدعوى يصح أن تكون عقلا شاهداً عليه.
ولما كان سبق الاصرار حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني، فإنه لايمكن إثباته بشهادة الشهود، وإذا لم يعترف به الجاني، فإن السبيل لإثباته هي المظاهر الخارجية والأفعال المادية التي صدرت عن الجاني، من ذلك الأعمال التحضيرية السابقة على تنفيذ الجريمة كسبق شراء السلاح المستعمل في ارتكاب الجريمة، أو تعقب المجني عليه لمعرفة الأماكن التي يتواجد بها . إلا أن هذه المظاهر الخارجية هي قرائن بسيطة قابلة لإثبات العكس .

الفرع الثاني : الترصد :
أولاً - ماهية الترصد :
هو تربص وترقب الجاني للمجني عليه فترة من الزمن، طالت أو قصرت في مكان يراه مناسباً لتنفيذ جريمته تنفيذاً مباغتاً. فقد يكون هذا المكان عاما كالطريق العام ، وقد يكون خاصاً بالجاني أو المجني عليه . والعبرة في الترصد هي انتظار الجاني للمجني عليه ومباغته بالاعتداء ، فلا أهمية للاختفاء ، فقد يكون الجاني ظاهراً أو مختفياً أثناء انتظاره المجني عليه ، كما لا أهمية أيضاً لمدة الانتظار فقد تمتد فترة طويلة وقد تستغرق برهة يسيرة .
وتكمن حكمة تشديد العقوبة عند توافر ظرف الترصد ، في أنه يكشف على خطورة شخصية الجاني، الذي يجهز الوسائل المناسبة لنجاح مشروعة الإجرامي، فيفاجىء ضحيته بالاعتداء عليه وإزهاق روحه من حيث لا يشعر. ومن جهة أخرى فإن الترصد يكفل للجاني سهولة ارتكاب الجريمة، حيث يضمن له مباغتة المجني عليه في غفلة من أمره، مما لايتيح له مجالاً للتفكير في وسيلة يدفع بها الاعتداء الواقع عليه، والمشرع غالباً مايقابل سهولة ارتكاب الجريمة بتشديد عقوبتها.

ثانياً - طبيعة الترصد وأحكامه :-
الترصد ظرف مشدد لايتعلق بقصد جنائي، بل يتعلق بكيفية تنفيذ الجريمة أي بركنها المادي، وعليه فإنه ظرف عيني أو مادي يسري على كل المساهمين في القتل سواء كانوا فاعلين أو شركاء، علموا به أو لم يعلموا.
ومن ثم فإن الترصد يختلف عن سبق الإصرار من حيث الطبيعة القانونية، فسبق الإصرار يتعلق بالقصد الجنائي فهو ظرف شخصي لايسري إلا على من ثبت توافره لديه ، ونتيجة هذا التباين بين الظرفين في الماهية والطبيعة، فقد يتحقق أحدهما دون الآخر ويتم تشديد العقاب لعدم اشتراط المشرع تلازمهما. وصورة ذلك قيام الترصد دون سبق الاصرار، كمن يتشاجر مع شخص فيتربص له ويقتله تحت ثورة انفعاله وغضبه، وقد يتوافر سبق الاصرار دون الترصد، كما لو صمم شخص بنفس هادئه على قتل شخص، ونفذ جريمته دون أن يتربص له.
ومقابل ذلك يمكن أن يقترن سبق الاصرار بالترصد لدى شخص معين، كمن يفكر في قتل عدو له ثم يصمم على ذلك ويتربص له فيقتله بغته بنفس مطمئنة.

ثالثاً : إثبات الترصد:
إن إثبات الترصد مسألة موضوعية يستقل بها قاضي الموضوع دون معقب عليه من محكمة النقض إلا من حيث سلامة الاستنتاج، فإذا قرر القاضي تشديد العقاب بسبب الترصد تعين عليه أن يورد في الحكم الأدلة التي تفيد توافره، دون أن يلتزم بأن يذكره لفظاً .
ولما كان الترصد واقعة مادية، فإن إثباته يكون أسهل من إثبات ظرف سبـق الإصرار، ويتم ذلك بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود والقرائن.
وإذا ثبت توافر الترصد، كانت عقوبة القتل المقترن به هي الإعدام.

الفرع الثالث : القتل المقترن بجريمة أخرى :
أولاً : ماهية الاقتران وعلة التشديد :-
شدد المشرع الإماراتي عقوبة جناية القتل إذا اقترنت به جريمة أخرى. وقد نص على هذا التشديد في الفقرة الثانية من المادة 332 عقوبات اتحادي التي تقـرر أنه " وتكون العقوبة الاعدام إذا وقع القتل.... مقترناً بجريمة أخرى " .
فالتشديد هنا يتطلب تعدد الجرائم خلال فترة زمنية وجيزة، فالجاني ارتكب جناية القتل ولم يكتف بها، بل ارتكب معها جريمة أخرى، وهذه الجريمة الأخرى تعد ظرفاً مشدداً لعقوبة القتل العمد، على الرغم من كونها جريمة مستقلة قائمة بذاتها. وتقتضي القواعد العامة في تعدد الجرائم توقيع العقوبة المقررة لاشدهما إذا جمعت بين القتل والجريمة الأخرى وحدة الغرض، والارتباط الذي لايقبل التجزئة، فإذا انعدم الارتباط تعددت العقوبات بتعدد الجرائم طبقاً للقواعد العامة .
لكن المشرع الإماراتي خرج عن حكم القواعد العامة واعتد بحالة الاقتران بين القتل والجريمة الأخرى، فاعتبر الجريمتين جريمة واحدة، وقرر لهما عقوبة واحدة هي الإعدام معتبراً الاقتران ظرفاً مشدداً.
وتكمن علة تشديد العقاب في حالة اقتران القتل بجريمة اخرى في الخطورة الإجرامية التي يكشفها الجاني، الذي لايتردد في ارتكاب جريمتين إحداهما جريمة القتل العمد خلال فترة زمينة قصيرة .

ثانياً : شروط الاقتران الموجب للتشديد :-
يشدد القانون عقوبة القتل العمد إذا سبقته أو اقترنت به أو تلته جريمة أخرى، فهذا الظرف لايتطلب أكثر من ارتكاب جريمة أخرى إلى جانب جريمة القتل العمد في فترة زمنية وجيزة تدل على اقترانهما .
1- وقوع جريمة قتل عمدي : يجب لتوافر هذا الظرف أن يرتكب الجاني جريمة قتل عمدي ، فإذا كان ماوقع من الجاني هو جريمة قتل خطأ اقترنت به جريمة أخرى ، فلا يتوافر الظرف المشدد ، كما لو صدم شخص آخر بسيارته فقتله، ولما حاول الهرب أمسك به المارة فأصاب أحدهم في سلامة جسمه، فتتعدد في حقه الجرائم والعقوبات.
ويلزم أن يكون القتل العمد تاماً ( )، فإذا وقف عند حد الشروع، انتفى الظرف المشدد ، ذلك أن المشرع قصد تشديد عقوبة القتل العمد البسيط، فنص في الفقرة الأولى من المادة 332 على عقوبة القتل العمد البسيط ، ونصت الفقرة الثانية على الظرف المشدد للعقوبة ذاتها الواردة في الفقرة الأولى، ونص الفقرة الأولى لايتعلق بالشروع في القتل العمد . والقول بخلاف ذلك سيؤدي إلى جواز اقتران الشروع في القتل العمد بالشروع في الجريمة الأخرى – لأن الجريمة الأخرى لايشترط ارتكابها تامة – وفي هذه الحالة ستوقع عقوبة الإعدام وهي ذات عقوبة اقتران القتل العمد التام بالجريمة الأخرى التامة ، وهذا يخالف مسلك المشرع الإماراتي الذي قرر بمقتضى المادة 35 عقوبات اتحادي عقوبة للشروع في جناية أخف من عقوبة الجريمة التامة . فضلاً على ذلك فإن علة تشديد العقاب عند قيام هذا الظرف هي مايتوافر من خطورة لدى الجاني الذي يقرن القتل العمد بجريمة أخرى، ولا تتوافر هذه الخطورة بالقدر الموجب لتشديد العقاب إذا اقترن الشروع في القتل العمد بالشروع في الجريمة الأخرى . لأن قيمة الشروع في ذاته تختلف عن قيمة الجريمة التامة من حيث الكشف عن خطورة الجاني .
يترتب على ذلك أنه إذا اقترن الشروع في القتل بالجريمة الأخرى سواء كانت تامة أو وقفت هي الأخرى عند مرحلة الشروع ، فإننا نكون بصدد تعدد للجرائم، فتوقع عقوبة الجريمة الأشد إذا كان يجمع بين الجريمتين الارتباط الذي لايقبـل التجزئة ، فإذ انعدم هذا الارتباط تعددت العقوبات بتعدد الجرائم( ) .
2- وقوع جريمة أخرى : يجب لتوافر الظرف المشدد أن يرتكب الجانـي إلى جانـب القتـل العمـد جريمة أخرى( ) . ولم يعتد القانون بنوع الجريمة التي اقترنت بالقتل العمد ، فقد تكون جناية قتل ثانية ، وقد تكون جنحة سرقة ، أو اغتصاب أو هتك عرض بالرضا أو الإكراه أو غير ذلك . ولا يتطلب القانون في الجريمة الأخرى أن ترتكب تامة ، بل قد تقف عند مرحلة الشروع ، لأن القانون لايعاقب على الجريمة الأخرى لذاتها بل بوصفها ظرفاً مشدداً لعقوبة القتل العمد . ويجب أن تكون الجريمة الأخرى مستقلة عن القتل ومتميزة عنه بحيث تتوافر لها أركانها الخاصة بها . لذلك ينتفي الظرف المشدد إذا ارتكب الجاني فعلاً واحدا ترتبت عليه جريمتان ، كما لو أطلق شخص أعيرة نارية على عدو له فقتله ، وأصاب أحد الأعيرة شخصاً آخر كان بجانبه فألحق به إصابات بدنية ، فيعتد بالجريمة ذات العقوبة الأشد تطبيقاً لحكم المادة 87 عقوبات اتحادي .
ويشترط في الجريمة الأخرى أيضاً أن تكون محل عقاب ، فإذا كانت غير معاقب عليها لأي سبب ، ينتفي ظرف الاقتران وينعدم بالتالي ظرف التشديد ، لأن العلة من تشديد العقوبة في حالة اقتران القتل العمد بجريمة أخرى تتمثل في حلول العقوبة المشددة محل عقوبتي القتل العمد والجريمة الأخرى ، ولذلك لا محل لتوقيعها إلا إذا كان كل من القتل والجريمة الأخرى مما تستوجب توقيع العقاب .
3- الارتباط الزمني بين الجريمتين : لا يتوافر موجب التشديد إلا إذا وجدت رابطة زمنية بين جريمة القتل العمد والجريمة الأخرى التي اقترنت بها. ويقصد بالصلة الزمنية أن تتقارب المسافة الزمنية بين ارتكاب القتل وارتكاب الجريمة الأخرى . وإن اشتراط هذه الرابطة الزمنية يتفق مع علة تشديد العقاب في حالة الاقتران ، لأن الجاني الذي يرتكب جريمتين إحداهما قتل عمدي خلال فترة زمنية قصيرة يدل على خطورة شخصيته الإجرامية .
ولم تحدد المادة 332 عقوبات اتحادي المدة الزمنية التي إذا وقعت الجريمة الأخرى خلالها ، كانت مقترنة بالقتل العمد . ولما كان ذلك فإن تحديد هذه الفترة مسألة متروكة لسلطة القاضي التقديرية ، فالقاضي هو الذي يقدر ما إذا كانت الجريمة الأخرى متقاربة زمنا مع جناية القتل وبالتالي توافر الاقتران بينهما ، أو أنها متباعدة عنها زمنا ومن ثم انتفاء الاقتران الموجب للتشديد . وقد عبرت محكمة النقض المصرية على ذلك بأنه " العبرة عند تعدد الأفعال بوقوعها في وقت واحد أو في فترة من الزمن قصيرة بحيث يصح القول - بأنها لتقارب الأوقات التي وقعت فيها - مرتبط بعضها ببعض من جهة الظرف الزمني "( ) .
ولا يشترط لتوافر هذا الظرف أن تكون بين القتل العمد والجريمة المقترنة به رابطة سببية، كما لو كان القصد من القتل تسهيل ارتكاب الجناية الأخرى، فالجريمتان قد تستقلان تماما من الناحية السببية، وتتوافر على الرغم من ذلك الرابطة الزمنية بينهما. فضلا على ذلك فإن الاقتران الزمني لا يعني وحدة الغرض الإجرامي الذي دفع إلى ارتكاب الجريمتين، فقد تستقل كل منهما عن الأخرى من هذه الناحية، ومع ذلك يتوافر الاقتران الزمني .
ولايلزم أن تكون الجريمتان قد ارتكبتا في مكان واحد، أو على مجني عليه واحد، كما يستوي أن تكون الجريمة الأخرى سابقة على القتل أو لاحقة له أو مقترنة به.

ثانياً : عقوبة القتل المقترن بجريمة أخرى :-
إذا توافر ظرف اقتران القتل بجريمة أخرى، كانت العقوبة هي الإعدام، حيث تفقد الجريمة الأخرى استقلالها، فتعد مجدر ظرف لعقوبة القتل العمد . يترتب على ذلك أنه إذا توافر للقتل المقترن بجريمة أخرى أحد الظروف المشددة الأخرى مثل الترصد، توقع عقوبة الإعدام ولا توقع عقوبة الجريمة الأخرى المقترنة. فإذا انتفت مسئولية المتهم عن القتل، تسترد الجريمة الأخرى استقلالها وتوقع على الجاني عقوبتها .
وتوقع عقوبة القتل المقترن بجريمة أخرى على من اشترك في الجريمتين بوصفه فاعلاً فيهما، أو بوصفه فاعلا في إحداهما وشريكا في الأخرى، أو بوصفه شريكاً فيهما معا. فإذا ساهم المتهم بوصفه فاعلاً أو شريكاً في إحدى الجريمتين فقط دون الأخرى، فلا يطبق عليه ظرف الاقتران، إلا إذا كانت الجريمة الأخرى نتيجة محتملة للجريمة التي اشترك فيها طبقاً للمادة (51) عقوبات اتحادي( ) ، كما لو اشترك شخصان في قتل آخر، وبعد الانتهاء من ارتكاب الجريمة، قام أحدهما باغتصاب إمرأة قابلها في طريق عودته، في هذا الحالة تشدد عقوبة مرتكب القتل والاغتصاب دون الشخص الآخر الذي اشترك في القتل فقط، لأنه لم يساهم في الاغتصاب، وهذه الجريمة ليست نتيجة محتملة للقتل الذي اشترك فيه .

الفرع الرابع : القتل المرتبط بجريمة أخرى :
أولاً : ماهية الارتباط وعلة التشديد :-
شدد المشرع الاتحادي عقوبة القتل العمد إذا ارتبط بجريمة أخرى، وذلك بمقتضى المادة 332 في الفقرة الثانية حيث نصت على أنه " وتكون العقوبة الإعدام إذا وقع القتل ........ مرتبطاً بجريمة أخرى" .
فهذا التشدد يتطلب تعدد الجرائم مع وجود رابطة سببية بينها، ذلك أن الجاني لايرتكب القتل لذاته، بل تسهيلاً لارتكاب جريمة أخرى، أو تخلصاً من المسئولية الناشئة عنه . فالمشرع يعتبر الجريمتين جريمة واحدة، ويقرر لها عقوبة واحدة. ويمثل هذا المسلك خروجاً على القواعد العامة في تعدد الجرائم والعقوبات ، ومقتضى ذلك طبقاً للمادة (87) عقوبات اتحادي أن يحكم على الجاني بعقوبة الجريمة الأشد، غير أن المشرع قرر توقيع عقوبة واحدة مشددة على الجاني وهي عقوبة الإعدام .
وتكمن علة تشديد العقاب في حالة ارتكاب القتل العمد المرتبط بجريمة أخرى، في أن المشرع قدر أن اتخاذ القتل وسيلة لارتكاب جريمة أخرى أقل خطورة، إنما يكشف عن خطورة إجرامية كبيرة لدى الجاني، فضلاً عن استهانة لاحدودلها بأرواح الناس، لهذا كان جديراً بتشديد العقوبة عليه وتحديدها بالإعدام.

ثانياً: شروط توافر ظرف الارتباط :-
يقتضى تحقق الظرف المشدد لعقوبة القتل العمد في حالة الارتباط بجريمة أخرى، أن ترتكب جريمة أخرى إلى جانب القتل العمد، أن توجد علاقة سببية بين القتل العمد والجريمة الأخرى .
1- ارتكاب جريمة القتل العمد : يقتضي توافر الظرف المشدد أن تقع جريمة القتل العمد بأركانها على النحو السابق بيانه، ويلزم أن يكون القتل العمد تاماً، فإذا وقف عند حد الشروع، انتفى الظرف المشدد. فإذا انعدمت جريمة القتل لعدم توافر أحد أركانها ، انتفى ظرف التشديد ويعاقب الجاني عن الجريمة الأخرى ، كما لو عزم الجاني على قتل حارس المنزل تمهيداً لارتكاب جريمة السرقة ، وأطلق عليه أعيرة نارية وهو نائم في غرفته ، وسرق المنزل بالفعل ، ثم اتضح تاليا أن الحارس كان قد فارق الحياة قبل إطلاق النار، فلا تقوم جريمة القتل العمد وبذلك ينتفي الارتباط بين القتل وجريمة السرقة .
ويتعين أن تكون جريمة القتل العمد من قبيل القتل البسيط لا القتل العمد المتصل بظرف مشدد كسبق الإصرار، أو استعمال المادة السامة في القتل مثلاً، فتوافر ظرف التشديد يقتضي تطبيق عقوبة الإعدام، ومن ثم تنعدم جدوى بحث ارتباط القتل العمد بجريمة أخرى وما يترتب عليه من أثر. على أنه واقعاً قد يحدث أن يتصل بالقتل العمد ظرف ارتباطه بجريمة أخرى، إلى جانب ظرف مشدد آخر فيعاقب الجاني بالإعدام( ) .
2- ارتكاب الجريمة الأخرى : اشتراط ارتكاب جريمة أخرى إلى جانب القتل العمد مستفاد من صريح المادة 332/2 عقوبات اتحادي، فلا يتوافر التشديد إلا إذا ارتبطت بالقتل جريمة أخرى أيا كان نوعها كالسرقة أو الاحتيال أو القذف( ) . ولايشترط أن تكون الجريمة المرتبطة بالقتل عمدية، فيتوافر التشديد في حق من يرتكب جريمة قتل خطأ بسيارته، ثم يقتل رجل الشرطة الذي يلاحقه لإلقاء القبض عليه. ولا يتطلب القانون في الجريمة المرتبطة أن تكون تامة ، بل يكفي الشروع فيها، كما لو شرع شخص في سرقة منزل ولما ضبطه صاحب المنزل وحاول الإمساك به، قتله لكي يلوذ بالفرار .
ويشترط أن تكون الجريمة المرتبطة مستقلة بفعلها عن القتل ، ويفيد ذلك ضرورة ارتكاب المتهم لأكثر من فعل ، أحدها تقوم به جريمة القتل، والآخر يحقق الجريمة الأخرى أو الشروع فيها . وقد وُجد رأي ذهب إلى وجوب تشديد عقوبة القتل ولو كان الجاني لم يشرع في تنفيذ الجريمة الأخرى ، متى كان القتل قد ارتكب بقصد تسهيل ارتكاب تلك الجريمة. وعليه يشدد عقاب الجاني الذي يقتل حارس منزل استعداداً لسرقة محتوياته، إذا قبض عليه قبل الشروع في ارتكاب السرقة .
لكن الرأي الراجح في الفقه يذهب إلى أن ظرف الارتباط يتطلب ارتكاب الجاني للجريمة الأخرى تامة أو في الأقل أن يكون قد شرع فيها شروعاً معاقباً عليه، فالمشرع لم يقصد من التشديد محاسبة الجاني على قصد سيىء توافر لديه عند تنفيذ القتل، بل يشدد العقاب لأن الجاني يضيف إلى القتل جريمة أخرى. وهذا الرأي يتفق مع إرادة المشرع الإماراتي فـي المادة 332/2 عقوبات اتحادي عندما ينص على "وتكون العقوبة الإعدام إذا وقع القتل .... مرتبطاً بجريمة أخرى"، فالمقصود بالجريمة الأخرى هي الجريمة المتحققة تامة أو ناقصة، وليس القصد السيء المتوافر لدى الجاني والمتجه لارتكاب تلك الجريمة .
ويلزم فضلاً عن استقلال الجريمة الأخرى عن القتل ألا تكون من توابعه، أي أثراً من آثاره كإخفاء القاتل جثة القتيل مثلاً ، فالإخفاء هنا لايمكن تصوره بدون القتل ، وليس هذا هو الغرض الذي يقلق المشرع ويريد التصدي له، إنما يريد المشرع أن يتعقب المجرم الذي يتخذ القتل وسيلة لارتكاب الجرائم فيكشف عن استعداد إجرائي خطير( ) .
ومن البديهي أن تكون الجريمة الأخرى معاقباً عليها، فهذا هو الذي يبرر تشديد عقوبة القتل الأصلية حتى تصل إلى الإعدام، وبذلك يستبعد التشديد إذا كانت الجريمة المرتبطة لاتستوجب عقاباً بسبب توافر سب إباحة أو مانع مسئولية أو مانع عقاب.
3- رابطة السببية بين القتل والجريمة الأخرى : لايتوافر موجب التشديد إلا إذا وجدت رابطة سببية بين جريمة القتل العمد والجريمة المرتبطة بها، تكون فيها الجريمة الأخرى هي سبب القتل . فارتكاب القتل لم يكن مقصوداً لذاته وإنما باعتباره وسيلة للجريمة الأخرى . ولذلك فإن هذه الرابطة بين الجريمتين ذات طبيعة نفسية تستمد كيانها من قصد الجاني وغايته من وراء القتل. وتتوافر رابطة السببية في هذه الصورة في حالتين:
أ – أن يكون القتل سابقاً على ارتكاب الجريمة الأخرى ، كأن يقتل الجاني إمرأة قابلها لسرقة ما تحمله من مال وحلي، أو قتل الجاني حارس المنزل الذي اعترضه كي يتمكن من إتمام تنفيذ السرقة.
ب – أن يكون القتل تاليا على ارتكاب الجريمة الأخرى وصورته أن يقوم السارق بقتل صاحب المنزل الذي حاول القبض عليه بعد إتمام السرقة، ومن ذلك أيضاً أن يتبع رجل الشرطة الجاني بعد ارتكاب جريمة ليمسك به، فيطلق عليه عياراً نارياً فيقتله ليتمكن من الهرب.
وعلى النحو المتقدم فإن الارتباط بين القتل العمد والجريمة الأخرى يعني أن القتل كان وسيلة إجرامية لتحقيق غاية إجرامية، فإذا انعكس الوضع بأن كان القتل هو غاية الجاني وكان ارتكاب الجريمة الأخرى هو وسيلته لتحقيق هذه الغاية، فلا يتوافر ظرف التشديد، من ذلك من يسرق سلاحاً لينفذ به جريمة قتل، أو لاستخدامه في سرقة منزل، ومن يضرب شخصاً فيحدث به عاهة ليتمكن من قتل آخر .
ولا يتطلب القانون أن تتوافر رابطة زمنية بين القتل العمد والجريمة الأخرى، بل إن الرابطة السببية يمكن أن تتوافر ولو طال الزمن الفاصل بين الجريمتين. كما لايشترط أن تقع الجريمتان في ذات المكان، أو على مجني عليه واحد ، فقد يقع القتل في مكان بذاته وتقع الجريمة الأخرى في غيره، وقد يرتكب القتل على شخص وتقع الجريمة الأخرى على آخر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القانون المصري لايعتبر القتل وسيلة لارتكاب الجنحة إلا إذا اتخذ مظاهر محددة على سبيل الحصر هي: أن يكون القصد من القتل التأهب لارتكاب الجنحة، أو تسهيل ارتكابها، أو ارتكابها بالفعل، أو مساعدة الجناة على الهرب أو التخلص من العقوبة( ) .

ثالثاً : حكم تعدد الجناة :-
إذا ساهم في ارتكاب جريمة القتل المرتبط بجريمة أخرى عدة أشخاص، عوقب كل منهم بحسب قصده من ارتكاب القتل سواء أكان فاعلاً أو شريكاً ، أي لا تشدد العقوبة إلا على من ثبت أن غرضه من القتل كان ارتكاب الجريمة الأخرى أو التخلص من المسئولية الناشئة عنه . ذلك أن الارتباط ظرف شخصي يتعلق بنفسية الجاني، فيقتصر أثره على من توافر لديه .
ومن ثم إذا ساهم عدد من الأشخاص في جريمة القتل والجريمة المترتبطة بصفتهم فاعلين أصليين ، وقعت عليهم العقوبة المشددة ، إذا ثبت علمهم برابطة السببية بين الجريمتين، فإذا انتفى العلم لدى أحدهم، امتنع التشديد بالنسبة له، فتوقع عليه عقوبة الجريمة الأشد وهي عقوبة القتل البسيط، إذا كان الارتباط بين القتل والجريمة الأخرى لا يقبل التجزئة.
وتوقع العقوبة المشددة على الشركاء بالتسبب الذين ساهموا في الجريمتين إذا توافر لديهم العلم برابطة السببية بين القتل والجريمة الأخرى. ومن ثم إذا ساهم الشريك في جريمة القتل وحدها مع علمه بارتباطها سببيا بالجريمة الأخرى، يتوافر لديه موجب التشديد وتشدد عقوبته. فإذا كان الشريك قد ساهم فقط في الجريمة الأخرى، ولم يساهم في القتل مطلقاً، فلا تطبق عليه العقوبة المشددة، وقد يسأل عن القتل إذا كان نتيجة محتملة للجريمة التي ساهم فيها تطبيقاً للمادة (51) عقوبات اتحادي، فتطبق القواعد العامة في التعدد المادي للجرائم والعقوبات .


الفرع الخامس : القتل العمد الواقع على أحد الأصول :
نص المشرع الاتحادي في المادة 332/2 عقوبات اتحادي على أن "تكون العقوبة الإعدام إذا وقع القتل......على أحد أصول الجاني"( ).

أولاً : حكمة التشديد :-
شدد المشرع الاتحادي عقوبة القتل العمد إذا كان المجني عليه أحد أصول الجاني، فظرف التشديد يتطلب وجود صلة قرابة بين الجاني والمجني عليه، بأن يكون المجني عليه أصلاً للجاني، والمقصود هنا الأب والأم والجد والجدة وإن علوا، دون الأبناء والأحفاد .
وتكمن علة التشديد في أن جريمة قتل أحد الأصول تكشف عن خطورة إجرامية كبيرة لدى الجاني، واستهانته بأواصر الدم وصلة القربي، فمن يقدم على قتل أبيه أو أمه أو جده أو جدته، سيهون عليه بعد ذلك إهدار حياة أي شخص . فضلا على ماتقدم فإن ارتكاب هذه الجريمة يتضمن إخلال الجاني بالتزامه بالمحافظة على الأصل الذي كان سببا في وجوده، وعليه يستحق الاستئصال من المجتمع .

ثانياً : شروط توافر الظرف المشدد :-
يتعين لقيام ظرف قتل أحد الأصول أن يتوافر عنصران هما :
1- توافر صلة قربى بين الجاني والمجني عليه، بأن يكون المجني عليه أحد أصول الجاني كالأب والأم والجد والجدة وإن علوا . وعليه يقتصر التشديد إذا ارتكب القتل ضد الأصول دون الفروع ، ومن ثم ينتفي موجب التشديد لو ارتكب القتل ضد الإبن أو ابن الابن وإن نزل، أو ضد الأخ أو الأخت أو الخال أو العم، أو بين الأزواج . ويرجع للقاضي الجنائي الفصل في مسألة توافر صلة القربى بين الجاني والمجني عليه من عدمه، دون أن يتقيد في ذلك بوسيلة معينة من وسائل الإثبات .
2- علم الجاني بصفة المجني عليه ، يتعين لتوافر الظرف المشدد أن يكون الجاني عالماً وقت ارتكاب الفعل الإجرامي بأنه يرد على أحد أصوله، فإذا انتفى لديه هذا العلم فلا يؤاخذ بظرف التشديد. وصورة ذلك أن يطلق شخص أعيرة نارية على آخر ليلا معتقداً أنه خصمه، ثم يتبين أن الضحية هو والده، فيسأل عن جريمة قتل في صورتها البسيطة، ولا يسأل عن ظرف التشديد لانتفاء علمه بصفة المجني عليه.

الفرع السادس : القتل العمد الواقع على الموظف العام :
شدد المشرع الاتحادي عقوبة القتل العمد إذا وقع على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة، حيث نصت المادة 332/2 عقوبات اتحادي على أنه: "وتكون العقوبة الإعدام إذا وقع القتل .... على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأديته وظيفته أو خدمته"( ).

أولاً : حكمة التشديد :-
وتكمن علة التشديد في أن الموظف العام ومن في حكمه يمارسان جزءاً من اختصاصات الدولة باسمها ولحسابها، فيعتبر كل منهما ممثلاً لها في نطاق الاختصاصات المخولة له بمقتضى وظيفته قانوناً. ووقوع القتل على أي منهما في هذا النطاق لايستهدفه شخصياً، بل يستهدف الجانب الوظيفي، مما يعرقل عمل الجهاز الإداري، ويؤدي إلى تعطيل المصلحة العامة.

ثانياً : شروط توافر ظرف التشديد :-
يشترط لقيام ظرف التشديد في هذه الحالة توافر صفة المجني عليه كونه موظفاً عاماً أو مكلفا بخدمة عامة ، ووقوع القتل عليه أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته أو خدمته.
1- صفة المجني عليه : يتعين أن يكون المجني عليه في جريمة القتل العمد موظفاً عاما أو مكلفاً بخدمة عامة. وقد حدّد المشرع الاتحادي مدلول الموظف العام والمكلف بخدمة عامة في المادة (5) من قانون العقوبات الاتحادي ( ) التي نصت على أنه:
" يعتبر موظفاً عاماً في حكم هذا القانون :
1) القائمون بأعباء السلطة العامة والعاملون في الوزارات ،والدوائر الحكومية .
2) أفراد القوات المسلحة .
3) رؤساء المجالس التشريعية والاستشارية والبلدية وأعضاؤها .
4) كل من فوضته إحدى السلطات العامة القيام بعمل معين ، وذلك في حدود العمل المفوض فيه .
5) رؤساء مجالس الإدارة أعضاؤها والمديرون وسائر العاملين في الهيئات والمؤسسات العامة .
6) رؤساء مجالس الإدارة أعضاؤها والمديرون وسائر العاملين في الجمعيات والمؤسسات ذات النفع العام.
ويعد مكلفاً بخدمة عامة في حكم هذا القانون كل من لايدخل في الفئات المنصوص عليها في البنود السابقة، ويقوم بأداء عمل يتصل بالخدمة العامة بناء على تكليف صادر إليه من موظف عام يملك هذا التكليف بمقتضى القوانين أو النظم المقررة وذلك بالنسبة إلى العمل المكلف به".
وبمقتضى هذا النص يتسع مفهوم الموظف العام ليشمل كل من يرتبط بالدولة بعلاقة توظيف أيا كانت درجتها في السلم الوظيفي ، وجميع أفراد القوات المسلحة من العسكريين أو المدنيين الملحقين بالقوات المسلحة كالأطباء والمهندسين .
وتطبيقاً للمادة (6) عقوبات اتحادي يستوي أن تكون الوظيفة أو الخدمة دائمة أو مؤقتة، بأجر أو بغير أجر ، طوعية أو جبرا .
ولايحول إنهاء الوظيفة أو العمل أو الخدمة دون تطبيق أحكام المــة (5) متى وقعت الجريمة أثناء توافر الصفة .
2- وقوع القتل العمد على الموظف العام أثناء أو بسبب أو بمناسبة ممارسته لوظيفته : يتعين أن يقع القتل العمد على الموظف العام أثناء ممارسته الوظيفة ، أو بسببها أو في معرض ممارسته لها . وتعد هذه الأمور الثلاثة متعادلة في نظر القانون ، حيث يكفي وقوع القتل على الموظف مقترناً بأحدها لقيام سبب التشديد .
ويقصد بوقوع القتل أثناء ممارسة الموظف لوظيفته ، وجوب وقوع القتل على الموظف في النطاق الزمني الذي يمارس فيه الموظف أعماله الوظيفية . وتحدد القوانين واللوائح التي تنظم العمل الوظيفي الفترة الزمنية التي يتم خلالها أداء الأعمال الوظيفية . فإذا قامت علاقة زمنية بين القتل وأداء أعمال الوظيفة، فلا يعتد بالدوافع التي أدت إلى القتل، فقد تتصل بالوظيفة كما لو قتل شخص قاضي أثناء أدائه لعمله بسبب حكم أصدره ضده، وقد ينفصل القتل عن الوظيفة كما لو قتل شخص موظفاً عاما أثناء أدائه لواجباته الوظيفية بسبب ضغينة شخصية، ففي الحالتين يتوافر ظرف التشديد لوجود تعاصر زمني بين القتل وأداء العمل الوظيفي .
ويتحقق ظرف التشديد أيضاً إذا وقع القتل بسب العمل الوظيفي، فالمعيار هنا سببي ، قوامه وجوب وقوع القتل على الموظف بسبب أدائه لمهامه الوظيفية، بغض النظر عن زمان وقوع القتل ومكانه ، فقد يقع القتل في الفترة الزمنية المخصصة لأداء العمل الوظيفي، أو في غير هذه الفترة، كما يستوي ارتكاب القتل في مقر العمل أو خارجه .
وقد يقع القتل بمناسبة أداء المجني عليه لوظيفته، متى كان غير متعلق بها ، بأن كانت الوظيفة مناسبة هيأت للجاني ارتكاب جريمته، كمن يقتل غريماً له مستغلاً فرصة عودته من عمله في ساعة متأخرة من الليل . ويستوي في هذه الصورة أن تقع الجريمة في المكان الذي يؤدي فيه الموظف أعمال وظيفته أو في مكان غيره، كما يستوي ارتكابها وقت أداء المهام الوظيفية أو بعده .
وفضلاً على ماتقدم يلزم لقيام سبب التشديد ثبوت علم الجاني أثناء ارتكابه للفعل الإجرامي بوقوعه على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة أداء وظيفته أو خدمته. وعليه متى انتفى هذا العلم انتفى تبعاً لذلك ظرف التشديد.
ولا يعتد في توافر الظرف المشدد بمطابقة العمل الوظيفي للقانون أو مخالفته له، ولذلك لايحول دون قيام سبب التشديد إدعاء الجاني أن الموظف كان يؤدي أعمال وظيفته على نحو يخالف القانون، ذلك لأن إلغاء هذا العمل يتم من قبل السلطة القضائية المختصة وفق الإجراءات المحددة قانونا .
الفرع السابع : القتل بالمواد السامة أو المفرقعة :
نصت المادة 332/2 عقوبات اتحادي على أنه : "وتكون العقوبة الإعدام إذا وقع القتل .... إذا استعملت فيه مادة سامة أو مفرقعة" وسوف نتولى تفصيل ذلك على النحو التالي:
أولاً : القتل بمادة سامة :-
لايعتد القانون كقاعدة عامة بوسيلة القتل، غير أن المشرع الاتحادي خرج عن ذلك في هذا الظرف، وجعل من القتل الواقع باستخدام مادة سامة ظرفاً يشدد عقوبة القتل فيجعلها إعداماً .

1- حكمة التشديد :
إن استخدام المادة السامة في القتل يعد ظرفا يشدد عقوبة الجريمة، وتكمن علة هذا التشديد في الآتي:
- إن القتل بالمادة السامة ينطوي على غدر وخيانة، ذلك أن الفعل يصدر من أشخاص يخالطون المجني عليه، فيطمئن إليهم ولا يتوقع منهم الخيانة ، فلا يتخذ من الاحتياطات ما يلزم لاتقاء غدرهم .
- يصعب اكتشاف المادة السامة وإبطال أثرها، قبل تحقق مفعولها، وإهدار حق المجني عليه في الحياة، فضلاً على صعوبة إثبات الجريمة عند اكتشافها .
- يسهل استعمال السم ارتكاب الجريمة للجاني، ويقابل المشرع سهولة ارتكاب الجريمة بتشديد عقوبتها.
- إن ارتكاب القتل بالمادة السامة يكشف عن خطورة شخصية الجاني الذي يتخير لارتكاب جريمته وسيلة تنطوي على غدر وخيانة، تحول دون تمكن المجني عليه من الدفاع عن نفسه .

2- شروط توافر الظرف :
يلزم لقيام هذا الظرف أن تكون الوسيلة التي استخدمها الجاني في ارتكاب القتل هي المادة السامة، أي يجب أن تتوافر سائر أركان جريمة القتل، مضافا إليها الوسيلة التي يترتب عليها إزهاق روح المجني عليه، وهي استعمال المادة السامة .
ويقصد بالسم كل مادة تؤثر في أنسجة جسم الإنسان تأثيراً كيميائياً من شأنه أن يؤدي إلى الوفاة عاجلاً أم آجلاً، وهذا هو المعيار الذي يميز المواد السامة عن المواد الضارة، وعليه لايعد مسحوق الزجاج مادة سامة .
ولا عبرة بكيفية استعمال المادة السامة، فقد يتوسل الجاني للنيل من المجني عليه عن طريق الفم أو الحقن أو الاستنشاق، كما يستوي أن يكون السم حيوانيا كسم الثعبان أو نباتيا كالوكايين، أو معدنيا كالزرنيخ. كما يستوي أن يكون صلباً أو سائلاً أو غازيا، كما قد يكون سريع المفعول أو بطيئه، يؤخذ على دفعة واحدة أو على عدة دفعات .
ولا أهمية لمقدار المادة التي استخدمها الجاني لتنفيذ جريمته لأن الجرعة القاتلة تختلف باختلاف المواد السامة، ودرجة تركيزها وحال المجني عليه من حيث صحته وسنه. فإذا استخدم الجاني المادة السامة في قتل شخص، وترتب على ضآلة الكمية المستخدمة، عجزه عن تحقيق النتيجة الإجرامية، فإنه يسأل عن شروع في القتل باستخدام المادة السامة.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا بدأ الجاني في تنفيذ جريمته ثم عدل باختياره عن إتمام نشاطه الإجرامي، فلا يترتب عليه قيام الشروع في جريمة القتل بالسم. من ذلك أن يعطي الجاني المجني عليه ترياقاً يبطل مفعول المادة السامة، أو يجري له غسيل معدة، أو يمنعه من تناول الشراب الذي دس فيه السم .
ويتعين على الجاني أن يعلم بطبيعة المادة كونها سامة، وإلى أثرها المتمثل في إزهاق روح المجني عليه. فإذا انتفى لديه العلم بطبيعة المادة المستخدمة، أو وقع في غلط يتعلق بها، تخلف القصد الجنائي لديه فلا يسأل عن الظرف المشدد .

3- إثبات وسيلة القتل بالسم :
تقتضي إدانة المتهم بالقتل باستخدام مادة سامة أن تثبت المحكمة حدوث القتل بمادة سامة. وعليها أن تتحقق من طبيعة المادة التي استعملت في القتل عن طريق الاستعانة بأهل الخبرة باعتبار الأمر يتعلق بمسألة فنية. فإذا تمسك المتهم بطلب ندب خبير في المواد السامة، فقضت المحكمة الإدانة دون أن ترد على طلبه، فإن حكمها يكون معيباً، لأن طلب ندب الخبير مسألة جوهرية تتعلق بتحقيق الدعوى في سبيل تعرف الحقيقة ( ). ولا تلتزم المحكمة بذكر مقدار المادة السامة، أو كفايتها لإحداث الوفاة، لأن ذلك ليس عنصراً في ظرف التشديد.

4- طبيعة الظرف :
يعد القتل باستخدام المادة السامة ظرفاً عينياً يتعلق بالركن المادي للجريمة، ولذلك يسري أثره بالتشديد على كل المساهمين في الجريمة فاعلين وشركاء علموا به أو لم يعلموا .



ثانياً :القتل بمادة مفرقعة :-
1- حكمة التشديد :
تتميز جريمة القتل باستعمال المواد المفرقعة بالوسيلة المستخدمة في إحداث الوفاة وهي "المادة المفرقعة"، وفي غير ذلك تخضع لسائر الأركان التي تقوم بها جريمة القتل العمد.
وتكمن علة التشديد في الخطورة الإجرامية الكبيرة التي يكشفها الجاني باستخدامه المادة المفرقعة، فضلا على أن اللجوء إلى هذا الأسلوب في القتل يرتب نتائج خطيرة، من حيث الأضرار المادية الجسيمة، وكذلك الآثار النفسية السيئة المتمثلة في الفزع والرعب الذي يصيب الناس، بسبب المساس بأمنهم واستقرارهم على نحو بليغ( ).

2- شروط توافر الظرف :
ينبغي لقيام الظرف المشدد في هذه الصورة، أن تتوافر أركان جريمة القتل، وأن يتم استخدام وسيلة محددة في تحقيق النتيجة الإجرامية وهي المادة المفرقعة. والمادة المفرقعة التي عناها النص هي التي تتوافر فيها خصائص كيميائية، من شأنها تفتيت الأجسام التي ينصرف إليها تأثيرها . ويراد بتفتيت الأجسـام القضاء أو الاضعاف من الوحدة والترابط اللذين يجمعان بين جزئياتها ( ) .
ومن ذلك على سبيل المثال وضع كمية من المتفجرات في سيارة المجني عليه، وإلقاء قنبلة في المكان الذي يتواجد فيه.
ويتعين على الجاني أن يعلم وقت ارتكاب الفعل الإجرامي بطبيعة المادة المفرقعة ، وبأنه يستخدمها لتحقيق النتيجة الإجرامية . فإذا انتفى هذا العلم أو وقع الجاني في غلط يتعلق بطبيعة المادة ، فإن القصد الجنائي لديه لايشمل المادة المفرقعة، وعليه يسأل عن جريمة قتل في صورتها البسيطة .

3- طبيعة الظرف :
يعدّ استخدام المادة المفرقعة في القتل ظرفاً عينياً لتعلقه بكيفية تنفيذ السلوك الإجرامي، لذلك يسري أثره بالتشديد على كل من ساهم في الجريمة فاعلاً كان أو شريكاً، علم به أو لم يعلم .
ومتى ثبت لدى المحكمة استخدام المادة المفرقعة في ارتكاب الجريمة، كانت العقوبة الواجبة التطبيق هي الإعدام تنفيذاً لحكم المادة 332/2 عقوبات اتحادي .

المطلب الثالث
القتل العمد المخفف (عذر التلبس بالزنا)

الفرع الأول : أساس التخفيف وحكمته :
جعل المشرع الاتحادي الاستفزاز الخطير الصادر من المجني عليه دون حق عذراً عاما يخفف عقوبة الجريمة، وذلك بمقتضى المادة 96 عقوبات اتحادي( )، ثم نص على هذا العذر بصفة خاصة في جريمة القتل وذلك في المادة 334 عقوبات اتحادي التي تنص على أنه: "يعاقب بالسجن المؤقت من فوجىء بمشاهدة زوجته أو ابنته أو أخته حال تلبسها بجريمة الزنا فقتلها في الحال أو قتل من يزني بها أو قتلهما معاً، ويعاقب بالحبس إذا اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة.
وتعاقب بالسجن المؤقت الزوجة التي فوجئت بمشاهدة زوجها حال تلبسه بجريمة الزنا في مسكن الزوجية فقتلته في الحال أو قتلت من يزني بها، أو قتلتهما معا، وتعاقب بالحبس إذا اعتدت عليه أو عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة .
ولا يجـوز استعمال حـق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر"( ) .
وترجع علة التخفيف في هذه الحالة إلى الاستفزاز الذي يتعرض له الزوج أو الأب أو الأخ أو الزوجة عند مشاهدة حالة التلبس بالزنا التي ضبطت بها الزوجة أو البنت أو الأخت أو الزوج . هذا الاستفزاز يخلق لدى الجاني ثورة نفسية وحالة من الغضب الشديد والانفعال ، تجعله يندفع إلى الاعتداء على طرفي واقعة الزنا أو أحدهما وهو فاقداً القدرة على ضبط النفس والاختيار . فالجاني يقع تحت تأثير هول المفاجأة وبشاعة الأفعال المشينة التي اقترفتها الزوجة أو البنت أو الأخت، والتي تعد انتهاكا لشرفه وعرضه . أما الزوجة فإن واقعة الزنا التي يقترفها الزوج في مسكن الزوجية تصيبها بالإهانة ، وتمس كرامتها وعاطفتها، وتعدم ثقتها فيه، فتفقد السيطرة على تصرفها وتندفع لارتكاب الجريمة دون تفكير. فضلاً على ذلك كله فإن القتل الذي يرتكبه الجاني للأسباب المتقدمة ، لايكشف به عن خطورة إجرامية تتوافر لدى من يرتكب القتل لأي سبب آخر .

الفرع الثاني : شروط توافر عذر التخفيف :
حددت المادة 334 من قانون العقوبات الاتحادي الشروط التي يجب توافرها في عذر الاستفزاز الموجب لتخفيف عقوبة القتل العمد ، وتتمثل هذه الشروط في صفة الجاني ، المفاجأة بالتلبس بالزنا ، ووقوع القتل في الحال .

أولاً : صفة الجاني :-
يتطلب القانون في مرتكب جريمة القتل لكي يستفيد من تخفيف العقاب أن يكون زوجا أو أبا أو أخا للمرأة الزانية، أو زوجة للرجل الزاني الذي ارتكب الواقعة في مسكن الزوجية. فلا يستفيد من هذا العذر غير هؤلاء الأشخاص أيا كانت درجة قرابتهم بمرتكب واقعة الزنا كأقارب الزوج الغائب المكلوم في شرفه .
وينبغي أن تتوافر صفة الفاعل الأصلي في الجاني حتى يستفيد من عذر التخفيف ، فإذا كان الزوج أو الأب أو الأخ فاعلاً أصليا في قتل زوجته أو البنت أو الأخت الزانية ، وساهم معه شريك بالتسبب في القتل، يستفيد من تخفيف العقاب الزوج أو الأب أو الأخ، ولا يستفيد منه شريكه في الجريمة، لأن العذر هنا ذو طبيعة شخصية لاتصاله بنفسية الجاني، وأثره بالتخفيف يقتصر على من توافر لديه فلا يتعدى إلى غير من تعلق به، وهذا هو الحكم الذي أوردته المادة (50/2) عقوبات اتحادي( ).
فإذا ارتكب القتل غير الزوج أو الأب أو الأخ أو الزوجة، فلا يستفيد من العذر المخفف لانتفاء الصفة التي يتطلبها القانون في القاتل، كما لايستفيد شريكة في القتل من التخفيف، وإن كان زوجاً أو أبا أو أخا للمرأة الزانية، لأنه يكون قد ساهم في جريمة قتل عادية بوصفه شريكاً يستعير إجرامه من إجرام الفاعل الأصلي الذي لايستفيد من العقوبة المخففة .

ثانياً : المفاجأة بالتلبس بالزنا :-
يتطلب القانون لاستفادة الزوج أو الأب أو الأخ من تخفيف العقاب، أن يفاجأ بمشاهدة زوجته أو ابنته أو أخته في حالة تلبس بالزنا، أما الزوجة فيشترط أن تكون قد فوجئت بتلبس زوجها بجريمة الزنا في مسكن الزوجية.
وعليه ينبغي أن يكون أي من الأشخاص الذين ذكرتهم المادة 334 عقوبات اتحادي، قد فوجىء بمشاهدة زوجته أو ابنته أو أخته حال تلبسها بجريمة الزنا. وتتحقق المفاجأة إذا كان المتهم واثقاً من استقامة سلوك الزوجة أو البنت أو الأخت، ومن إخلاصها وعفتها ثم يضبطها متلبسة بالزنا.
فإذا كان الزوج أو الأب أو الأخ متيقنا من سوء سلوك زوجته أو ابنته أو أخته، وارتكابها للزنا فعقد العزم على قتلها ومن يزني بها حال ضبطهما متلبسين بالزنا، فإذا ما ترصد لها وتحققت جريمة القتل، فإنه لايستفيد من العذر المخفف، لانتفاء عنصر المفاجأة التي يعنيها النص والمتعلقة بالجاني.
أما لو كان لدى الزوج أو الأب أو الأخ مجرد شك في سلوك زوجته أو ابنته أو أخته دون أن يصل إلى حدّ اليقين بخيانتها وارتكابها للزنا، وراقبها ليتأكد من سلوكها فإذا به يضبطها متلبسة بواقعة الزنا فقتلها، فإنه يستفيد من العقوبة المخففة لتوافر عنصر المفاجأة لديه، والتي افقدته السيطرة على نفسه فاندفع لارتكاب القتل دون تفكير.
وقد تتوافر المفاجأة بالتلبس بالزنا مع سبق الإصرار، ويستفيد الجاني من العقوبة المخففة، فطالما لم يتيقن الزوج أو الأب أو الأخ أو الزوجة من خيانة الزوجة أو البنت أو الأخت أو الزوج، فإن عنصر المفاجأة يتحقق عند مشاهدة التلبس بالزنا فعلاً. فإذا كان لدى الأب شك في سلوك ابنته، فترصد لها وعقد النية على قتلها متى تأكد تفريطها في عرضها، حتى إذا ما ضبطها متلبسة بالزنا قتلها ومن يزني بها، فإن عنصر المفاجأة يتحقق لديه ـ لأن الشك بالسلوك الشائن ليس كرؤيته فعلاً، وبذلك يستفيد من تخفيف العقاب رغم توافر سبق الإصرار لديه.
ويقصد بالتلبس بالزنا في خصوص المادة 334 عقوبات اتحادي، مشاهدة الزوجة أو البنت أو الأخت أو الزوج أثناء ارتكاب جريمة الزنا، أو ضبط أي من هؤلاء مع شريكه فـي الزنا في ظروف وأوضاع لاتدع مجـالاً
للشك في أن الزنا قد وقع( ). وقد استقر القضاء على أنه يكفي لقيام التلبس أن يثبت أن الزانية وشريكها قد شوهدا في ظروف لا تجعل مجالا للشك عقلاً في أن الجريمة قد ارتكبت فعلاً، فقضى بقيام حالة التلبس عند مفاجأة الزوجة مرتدية قميص النوم وهي في حالة ارتباك شديد، وكان عشيقها مختفيا تحت السرير في غرقة النوم خالعا حذاءه ( ).
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الإماراتي قد استلزم لانطباق عذر التخفيف على الزوجة التي فوجئت بمشاهدة زوجها حال تلبسه بجريمة الزنا، أن يكون ذلك في مسكن الزوجية، خلافا للزوج الذي لم يشترط القانون تحقق هذا القيد بالنسبة له .
ويتعين الإشارة في هذا الخصوص أيضاً إلى أن القضاء الإماراتي وتقيداً منه بأحكام الشريعة الإسلامية، لم يقتصر في تخفيف عقوبة القتل العمد على عذر التلبس بالزنا، بل وسع من نطاق التخفيف ليشمل حالة اللوث أو اللطخ( )، وذلك لوجود قرائن تفيد أن القاتل قد اندفع إلى ارتكاب جريمة القتل العمد بسبب تطاول من المقتول على عرض القاتل. وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه:
"أن القصاص مع توافر شروطه واستجماع أحكامه قد يدرأ عن القاتل إذا وجدت قرائن وأمارات تفيد أن القاتل قد اندفع إلى أتكاب جريمة القتل العمد بسبب اعتداء وتطاول من المقتول على عرض القاتل، إذ تحريك وإثارة كوامن الغيرة الشديدة في القاتل واستفزازه استفزازاً ممزوجاً بالعوامل النفسية التي تأبي تدنيس العرض والاستخفاف بما يعتبره الإنسان من صميم السمعة والعرض والشرف.
وإذا كان ماسبق فإن ظروف القضية وكما ورد في الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق أن القتيل قام بانتهاك حرمة منزل والد المطعون ضده وفي أخص مكان فيه وهو غرفة النوم وأن القاتل وجد أخته في حالة ارتباك فهاجت خواطره واندفع إلى غرفة نوم والديه فوجد قطعة ملابس رجالي وبعد البحث وجد القتيل مختبئاً في دولاب هناك، فهذا الموقف يقوي ريبة في بلد مسلم ومجتمع يخشى العار والفضيحة من أخت بكر ...... وقد تبين من التحقيقات مع أخت المطعون ضده أن الأفعال التي ارتكبها معها القتيل مشينة إلى حد بعيد ، ومن شأنها أن تبرر وتؤكد صدق ريبة المطعون ضده وما توجسه من شر الأمر الذي يبرر غيرته واندفاعه إلى ماقام به . وقد جرى قضاء محكمة الاستئناف في هذا الشأن أن الغيرة هي التي دفعت المطعون ضده إلى القتل وأن ذلك شبهة يدرأ عند الحد ......
وإذا كان الحكم المطعون فيه قد جرى على هذا الأساس ...... فإنه يكون قد طبق أحكام الشريعة الإسلامية الصحيحة "( ) .

ثالثاً : ارتكاب القتل في الحال :-
يتعين للاستفادة من العذر المخفف أن يرتكب الزوج أو الأب أو الأخ القتل فور مفاجأته الزوجة أو البنت أو الأخت حال ارتكابها واقعة الزنا، وقد عبر المشرع عن هذا الشرط بقوله: " ...... من فوجىء بمشاهدة زوجته أو ابنته أو أخته حال تلبسها بجريمة الزنا .... " . وذات الشرط ينطبق على الزوجة أيضاً حيث نص القانون على: "..... الزوجة التي فوجئت بمشاهدة زوجها حال تلبسه بجريمة الزنا في مسكن الزوجية ...... " .
ويتصل هذا الشرط بعلة التخفيف، وهي حالة الانفعال الشديد التي تسيطر على الجاني فتفقده القدرة على ضبط سلوكه، فإذا زالت حالة الانفعال وهدأت نفسه، ثم أقدم الزوج أو الأب أو الأخ على قتل الزوجة أو البنت أو الأخت، فلا يستفيد أي منهم من تخفيف العقوبة لانتفاء موجب التخفيف.
ولما كانت العبرة في الاستفادة من عذر التخفيف هي حالة الجاني النفسية، فإن مضى فترة قصيرة على مشاهدة جريمة الزنا، كما لو انتقل الزوج أو الأب أو الأخ إلى المطبخ بحثاً عن أداة يستعملها في القتل، لاتحول دون تخفيف عقوبته ، مادام قد ثبت مُعاصرة حالة الانفعال لارتكاب جريمة القتل . وعليه ينتفي عذر التخفيف إذا كان الوقت الذي انقضى طويلاً، بحيث يستفاد من مروره هدوء الحالة النفسية للزوج أو الأب أو الأخ أو الزوجة.
والتحقق من وقوع القتل في الحال أو تراخيه عن وقت المفاجأة بواقعة الزنا، مسألة موضوعية يترك تقديرها لقاضي الموضوع وفقاً لظروف كل حالة على حدة، حيث يصعب وضع ضابط زمني للوقت الذي فصل بين مفاجأة الزوجة وارتكاب القتل( ) .

الفرع الثالث : آثار عذر التلبس بالزنا :
إذا توافرت الشروط المتقدم بيانه، قام العذر الذي يوجب تخفيف العقوبة، والذي يلزم القاضي بالنزول بالعقوبة وفق الآتي، تطبيقاً لنص المادة 334 عقوبات اتحادي :
- في حالة القتل العمد المشدد كما لو اتصل بسبق الإصرار أو الترصد، تنزل العقوبة من الإعدام إلى السجن المؤقت .
- في حالة القتل العمدي في صورته البسيطة تنزل العقوبة من السجن المؤبد او السجن المؤقت إلى السجن المؤقت أي الذي تتراوح مدته بين ثلاث سنوات وخمسة عشر سنة وفق القواعد العامة (المادة 68/2 عقوبات اتحادي).
- في حالة الضرب المفضي إلى الموت تنزل العقوبة من السجن مدة لاتزيد على عشر سنوات (المادة 336 عقوبات اتحادي) إلى الحبس الذي لاتتجاوز مدته ثلاث سنوات ( المادة 69/2 عقوبات اتحادي) .
وفي حالة الضرب المفضي إلى عاهة مستديمة تنزل العقوبة من السجن مدة لاتزيد على خمس سنوات (المادة 338 عقوبات اتحادي) إلى الحبس الذي لايتجاوز ثلاث سنوات .
ويلاحظ أن المشرع لم يضع في المادة 334 عقوبات اتحادي حدا أدنى لعقوبتي السجن المؤقت والحبس ومن ثم يكون المرجع الحدود العامة، وقد أراد المشرع بذلك ترك سلطة تقديرية واسعة للقاضي، حتى يراعي في تقدير العقوبة ظروف كل حالة على حدة.
وتطبيقاً لنص (المادة 27) عقوبات اتحادي لايتغير نوع جريمة القتل المتصل بعذر التلبس بالزنا ، فتظل الواقعة جناية( )، ولذلك يتصور الشروع فيها دون الحاجة لنص خاص، فلو قصد الزوج قتل زوجته وشريكها في جريمة الزنا فخاب أثر فعله لمقاومتهما الشديدة له، سئل عن شروع في جريمة قتل توافر فيها عذر التخفيف .
ولما كان فعل الزوج أو الزوجة أو الأب أو الأخ يعد جريمة مقترنة بعذر مخفف، فإنه يمكن دفعها بالقوة والاحتجاج بحق الدفاع الشرعي، من قبل من يقع عليهم الاعتداء، أي من الزوجة أو الزوج أو البنت أو الأخت أو الشريك في الزنا . غير أن المشرع الاتحادي قضى بحرمان هؤلاء من حق الدفاع الشرعي لدفع مايقع عليهم من اعتداء، حيث نصت الفقرة الأخيرة المادة 334من قانون العقوبات الاتحادي على أنه : " لايجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر " ( ) .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار