الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

"أسباب الإباحة"

"أسباب الإباحة"


ملخص:


لم تتفق التشريعات جميعا على تسمية واحدة للإباحة بل البعض منها يسميها بأسباب التبرير،
والبعض الآخر أسباب انتفاء الجريمة، والبعض الثالث أسباب
الإباحة، والبعض الرابع الأفعال المبررة، والبعض الخامس بأسباب عدم
المؤاخذة بالجرائم، لكن التشريعات ورغم اختلاف التسمية لها لم تعرف الإباحة
رغم أن البعض منها يجعلها مجاورة لموضوعات أخرى تشبهها مما أدى إلى اختلاط
الموضوعات لدى البعض، فالمطلع مثلا على القانون الجزائري يجد أنه سماها
الأفعال المبررة ونص عليها في المادة 39 من قانون العقوبات، ونص في
المادتين 47، 48 من نفس القانون على موانع المسؤولية، ونص في المادة 52 من
نفس القانون أيضا على الأعذار القانونية معفية كانت أو مخففة، ونص في
المادة 53 من قانون العقوبات على الظروف المخففة ومع ذلك لم يعرفها.

ونتيجة لذلك فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى اللجوء إلى الفقه قصد تعريفها وبيان أساس وجودها.






تـعـريـف الإباحة



المعنى العام: هي إتيان الشخص لكل فعل لم يجرمه القانون أو هو ما يعبر عنه فقهاء الأصول في الشريعة بأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي النص الذي يحرم.
المعنى الخاص: هو ما يعرف بأسباب الإباحة أو الأفعال المبررة، وهي إخراج فعل من العقاب استثناء بسبب وقوعه في ظروف خاصة، وفي هذا التعريف ركز المعرف على التفرقة بين أسباب الإباحة وما يمكن أن تشتبه معها طبيعة ونتائجها ذلك لأن أسباب الإباحة تمحو الجريمة أصلا، وأما أسباب
عدم المسؤولية فتمحو المسؤولية مع بقاء الجريمة بينما الأعذار المعفية من
العقوبة لا تمحو الجريمة ولا المسؤولية وإنما تعفي من العقاب.

الأفعال المبررة:
هي تلك الأفعال التي يمكن إسقاطها على نص في القانون يجرمها ولكن استثناها
المشرع بنص خاص أخرجها من دائرة التجريم وأدخلها مجال المباحات معطلا بذلك
الشق الأول من النص القانوني الجنائي،وعلى هذا جاء نص المادة 39 من قانون
العقوبات، لا جريمة:

1- إذا كان الفعل قد أمر أو أذن به القانون.
2- إذا
كان الفعل قد دفعت إليه الضرورة الحالة للدفاع المشروع عن النفس أو عن
الغير أو عن مال مملوك للشخص أو للغير بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع
جسامة الاعتداء.


أقسام الإباحة

لقد قسمت الإباحة إلى قسمين، إباحة واسعة أو أصلية، وإباحة ضيقة أو استثنائية.
-الإباحة الواسعة أو الأصلية: وهي تلك الإباحة التي تخول للشخص إتيان كل فعل لا يجرمه القانون ذلك لأن الفعل الذي لم يتناوله المشرع بالتجريم يبقى على أصله وهو الإباحة.
-الإباحة الاستثنائية:
وهي تعني إخراج فعل من دائرة التجريم أصلا وذلك بسبب وقوعه في ظروف خاصة
قد رأى المشرع أن إدراجه ضمن المباحات أولى من إدراجه ضمن المحظورات وذلك
تبعا للموازنة بين الحقوق والمصالح، وعلى هذا فإن الإباحة
الاستثنائية أصل الأفعال فيها أنها مجرمة ابتداء ولكن أذن المشرع
بارتكابها استثناء متى وقعت في ظروف خاصة ومحددة، وضابط التفرقة بين الإباحة
الأصلية، والإباحة الاستثنائية هو مدى إمكانية إسقاط الواقعة على النص
القانوني المجرم فمتى أمكن إسقاط الواقعة على النص المجرم وحصل التطابق
ولكن لظروف استثنائية رأى المشرع إخراجها من نطاق دائرة التجريم وردها إلى
أصلها الأصيل وهو الإباحة كنا بصدد إباحة استثنائية، أما إذا لم يسقط الواقعة على أي نص قانوني يجرمها دل ذلك على أنها لازالت على أصلها الأول وهو الإباحة ومن ثم كانت إباحتها إباحة أصلية.


مصادر الإباحة

مصادر القانون الجنائي هي التشريع فقط وفق ما نص عليه في المادة 1 من ق.ع، ولكن أسباب الإباحة لا تقتصر فقط على التشريع بل تمتد إلى الشريعة والعرف ومبادئ الطبيعة وقوانين العدالة.


أساس الإباحة

-انتفاء القصد الجنائي:إن أساس الإباحة
مرده ومرجعه إلى انعدام القصد الجنائي الذي يمثل أحد أركان الجريمة، هذا
القصد يتجلى في الخطورة الإجرامية للفاعل التي على أساسها شرعت العقوبة،
فالشخص الذي يرتكب فعلا ما ويعترف بأنه على علم ودراية بأنه محظور يستحق
العقاب والجزاء دون منازع وهذا لاشتماله على خطورة إجرامية ونية عدوانية
تستحق الردع.

الجهة
الأولى: إن اعتبار انتفاء القصد الجنائي أساس للإباحة أمر خاطىء ذلك لأن
انتفاء لقصد الجنائي مانع من موانع المسؤولية وليس سبب إباحة ذلك لأن
القصد الجنائي أمر شخصي وأسباب الإباحة موضوعية وليست شخصية الأمر الذي يهدم التعويل على القصد النائي كأساس للإباحة.

الجهة
الثانية: أن القصد الجنائي أمر مختلف من شخص لآخر وإثباته أمر صعب، وترك
ذلك للقضاء يؤدي إلى اختلاف القضاة فيه أو يجعلهم يتحكمون في تقديره مما
يؤدي إلى زعزعة الثقة في القضاء وضرر هذه الزعزعة أكثر من نفع أسباب الإباحة جملة ناهيك عن السياسة الجنائية الحديثة تدعو إلى حصر أسباب الإباحة وتحديدها، والتعويل على القصد الجنائي باعتباره أساسا للإباحة نقيض ذلك تماما لأنه يؤدي إلى توسيع فيها.

-شرف الباعث:أن
الباعث حالة نفسية تختلف من شخص لآخر مما يجعله غير خاضع للحصر وهذا
يتنافى مع السياسة الجنائية. أن الباعث أو الدافع لا يتسع لكل أسباب الإباحة
ذلك لأن بعض البواعث أو الدوافع قد يكون ضررها أكثر من نفعها ومع ذلك هي
مقررة قانونا. الأمر الذي جعلنا نقول أن شرف الباعث ونبل الغاية يصلحان
عند تقدير العقوبة في نظر القاضي باعتبار ذلك ظرفا مخففا لا في تأسيس الإباحة عليها.

-إباحة المشرع لها اعتمادا على مصلحة اجتماعية تربو على مصلحة التجريم:المشرع
عندما يريد وضع أي نص تجريمي لابد وأن تكون لديه علة التجريم أقوى وأشد من
علة الإباحة، فإذا أنتفت علة التجريم أو كانت مصلحة الإباحة
أولى من مصلحة التجريم أباح السلوك، وإذا كانت الحكمة والعلة من نصوص
التجريم هي حماية مصالح معتبرة للمجتمع أو الأفراد فإنها بعض الأحيان قد
ترتكب في ظروف لايصلح معها تطبيق نص التجريم لأن التطبيق لا يحقق في تلك
الظروف الغرض المقصود منه وهو حماية مصلحة معتبرة بل يكون عدم القول
بالتجريم أول بالاعتبار ومادامت فكرة التجريم تدور مع العلة وجودا وعدما
كالمصلحة تماما في الأحكام الشرعية فإنه بذلك متى انتفت علة التجريم أبيح
الفعل وأجيز. وهذا الأساس يعد أكثر الأسس قبولا لدى الفقهاء وهذا لتماشيه
مع علة الإباحة واقتصاره عليها وحدها دون سواها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار