الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

بحث حول المساهمة الجنائية

المبحث الأول

المساهمة الجنائية

المطلب الأول

المقصود بالمساهمة الجنائية

يعاقب المشرع على الجريمة عندما تكتمل أركانها بغض النظر عن من قام بها ، فقد يرتكبها شخص واحد و قد يرتكبها عدة أشخاص ، و عندما يرتكب الجريمة الواحدة أشخاص نكون بصدد المساهمة الجنائية بشرط أن يجمع بين هؤلاء الأشخاص رابطة معنوية واحدة لتنفيذ الجريمة . و صورة ذلك أن يعمد عدة أشخاص لتنفيذ جريمة قتل واحدة، بحيث يساهم كل منهم بدور ما في تنفيذها، فتتحقق الواقعة نتيجة لمجموع أفعالهم(1).

ومنه المساهمة الجنائية تقضي وجود عنصرين تقوم عليهما فكرة المساهمة و هي: وحدة الجريمة، و تعدد الجناة.

الفرع الأول

وحدة الجريمة :

و هي تقوم على وحدتين هما: الوحدة المادية للجريمة، و الوحدة المعنوية للجريمة.

أولا: الوحدة المادية للجريمة: و هي تتحقق بإسهام فعل كل مساهم في تحقيق نتيجة واحدة تتم بها الجريمة.

ثانيا: الوحدة المعنوية للجريمة: و تتحقق بقيام رابطة ذهنية تجمع المساهمين في الجريمة تحت لواء مشروع إجرامي واحد، و ذلك عندما يكون هنالك اتفاق إجرامي مسبق بين المساهمين.

فإذا تحقق هذان الشرطان فإننا نكون أمام مساهمة جنائية لمجموعة من الجناة في جريمة واحدة ، قد تكون أدوارهم في الجريمة متساوية ، و قد يكون فعل احددهم رئيسيا دون أفعال الآخرين ، و حينئذ يكون عندنا فاعل أصلي و شركاء له و أما في حالة التساوي فإننا نكون أمام مساهمة جنائية(2) .


(1) عبد الله سليمان- شرح قانون العقوبات الجزائري- قسم عام – ديوان المطبوعات الجامعية –بن عكنون –الجزائر- طبعة 2002 – ص 185.

(2) د . منصور رحماني – الوجيز في القانون الجنائي العام – فقه و قضايا –دار الهدى – الجزائر –طبعة 2003- ص 135 – 136.

الفرع الثاني

المشاكل التي تثيرها مسألة المساهمة الجنائية :

و هذه الإشكالية تثور حول إمكانية دور كل مساهم فيها تحديد مسؤوليته و هو ما نتج عمه عدة آراء عديدة منها :

أولا : نظام التوحيد بين المساهمين :

و يرى أصحاب هذا الرأي انه ليس من المنطق أن نميز و نفرق بين أعمال الجناة ، فكل مساهم مسؤولا مسؤولية كاملة عن الجريمة باعتباره فاعلا ، أي أن هذا الرأي استبعد كل تفرقة بين الفاعل و الشريك.

و قد تعرض هذا الرأي إلى النقد رغم و وضوحه، لأنه يتعارض مع أهداف المعاملة العقابية و التي تحدد معاملة كل شخص على أساس دوره و خطورته الإجرامية.

ثانيا : ضرورة التمييز بين الفاعل و الشريك في المساهمة الجنائية :

و هذا الرأي تبناه العديد من التشريعات الوضعية عموما ، إذ من غير المنطقي أن يتساوي فعل من يقوم بدور رئيسي في تنفيذ الجريمة مع فعل من يقوم بدور ثانوي فيها ، و عليه فان المساهمين في الجريمة ينقسمون إلى فئتين : فاعلين أو مساهمين أصليين و شركاء أو فاعلين تبعيين(1) .

المطلب الثاني

طبيعة العلاقة بين الفاعل و الشريك و خطة المشرع الجزائري

الفرع الأول

طبيعة العلاقة بين الفاعل و الشريك :

هناك علاقة بين الفاعل و الشريك، فهي علاقة واقعية لا يستطيع القانون أن يتجاهلها، و إن كان له أن ينظمها أو يعدلها فقط. فهناك فروق بين عمل الفاعل و الشريك من الناحيتين المادية و المعنوية إلا أن القانون لم ينشئ التفرقة و إنما قررها . و على الرغم من الإقرار لهذه العلاقة بأهميتها الواقعية و القانونية ، فقد اختلف الفقه و تعددت الطرق القانونية للتعبير عن هذه العلاقة(2) .




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 189.

(2) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 191-192-193.

أولا: نظرية الاستعارة المطلقة:

و مفادها أن الشريك يستعير تجريمه كاملا من الفاعل الأصلي ، و لذا فهو متساو معه في المسؤولية و العقاب ، إذ يلقي الفاعل بظله كاملا على الشريك ، و يؤذي الأخذ بهذه النظرية على نحو مطلق إلى نتائج غريبة ، فالشريك في جريمة السرقة لا يعاقب إذا كان الفاعل هو الابن الذي سرق مال أبيه ، و قد تزيد عقوبة الشريك عن عقوبة الفاعل الأصلي في جريمة مماثلة ، إذا ما كان اشترك مع احد الفاعلين بقتل أصولهم .

ثانيا : نظرية الاستعارة النسبية :

و تقضي بضرورة التمييز بين الفاعل الأصلي و الشريك من حيث المسؤولية و العقاب ، فالشريك باقترافه أفعال اقل خطورة من أفعال الفاعل يستحق عقابا اخف من عقاب الفاعل ، أما من حيث الظروف فان كل منهما يستقل بظروفه الشخصية في حين تسري الظروف العينية على جميع المساهمين .

ثالثا : نظرية التبعية :

وهي تقول أن إجرام الشريك بمادياته و معنوياته يختلف عن إجرام الفاعل و لا حاجة لنكران هذه الحقيقة ، و أن الشريك ليس مستقلا استقلالا تاما عن الفاعل ، إذ لا بد من علاقة بينهما ، إلا أنها علاقة تقتصر على ضرورة وقوع الفعل المجرم من الفاعل الأصلي كشرط لعقاب الشريك و من تم يكون الفاعل متبوعا و الشريك تابعا ، فيعاقب الشريك متى قام الفاعل بسلوكه الغير مشروع ، و لو توافرت للفاعل ظروف شخصية تنفي مسؤوليته الجنائية.

ويودي القول باستقلال المساهمين كل منهم بفعله و ظروفه إلى نتائج هامة نلخصها فيما يلي:

§ من حيث مقدار العقوبة:

تقدر مسؤولية الشريك على نحو تراعى فيه خطورته الخاصة بغض النظر عن خطورة الفاعل . و معنى هذا انه قد تكون عقوبة الشريك اشد أو اخف من عقوبة الفاعل بحسب الأحوال .

§ استبعاد مسؤولية الشريك عن الجرائم المحتملة :

إن نطاق مسؤولية الشريك تتحدد في نطاق قصده الجنائي ، فلا يسأل عن جريمة اقترفها الفاعل و لو كانت جريمة محتملة حسب السير العادي للأمور إذا لم تدر في ذهنه عند الاشتراك .

§ استقلال الفاعل بموانع المسؤولية و موانع العقاب :

لا يتأثر الشريك بموانع المسؤولية أو موانع العقاب التي قد تلحق الفاعل الأصلي ، و عليه فلا تسقط مسؤولية الشريك عندما تنقضي الدعوى الجنائية عن الفاعل الأصلي بمثل التقادم أو العفو الشامل تنازل المجني عليه إذا جاز له التنازل .

§ احتساب المسؤولية المدنية :

تتم مسؤولية الشريك فيما يخص المساهمة الجنائية خطة يغلب عليها الأخذ بنظرية التبعية مع استقلال المساهمين(1) .




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 193 - 194- 195.

الفرع الثاني

خطة المشرع الجزائري:

اتبع المشرع الجزائري بشان المساهمة الجنائية خطة يغلب عليه الأخذ بنظرية التبعية مع استقلال المساهمين :

فمن حيث التبعية يعاقب الشريك بالعقوبة المقررة للجناية أو الجنحة التي اشترك فيها، كما تسري عليه الظروف الموضوعية اللصيقة بالجريمة إذا كان يعلم بها مادة 44 عقوبات. و يتجه بعد ذلك إلى الأخذ باستقلال المساهمين ، فيقرر استقلال كل منهم بظروف الشخصية مادة 44 عقوبات . و يقرر مسألة الفاعل المعنوي مادة 45 عقوبات . و يقرر معاقبة المحرض بالعقوبة المقررة للجريمة إذا لم ترتكب لمجرد امتناع من كان ينوي ارتكابها بإرادته وحدها مادة 46 عقوبات(1).

و بعد التطرق إلى المساهمة الجنائية التي تناولنا فيها أهم النظريات و الآراء نعمد إلى دراسة الموضوع في قانون العقوبات الجزائري، و هي الفاعل أو المساهمة الأصلية ثم المحرض ثم الشريك أو المساهمة التبعية على الترتيب.




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 195.

المبحث الثاني

الفاعل

المطلب الأول

الفاعل في المساهمة و في قانون العقوبات الجزائري

الفرع الأول

الفاعل في المساهمة

الفاعل بوجه عام – هو من يرتكب الجريمة فتتحقق لديه عناصرها المادية و المعنوية على السواء، كأن يقدم احدهم على القتل أو السرقة. و في هذه الحالة لا تثور مسالة لمساهمة تماما لان الفاعل أقدم على فعله وحيدا ، و يتحمل المسؤولية كاملة . و لكن المساهمة – كما أوضحنا – تبدأ مع تعدد الجناة في ارتكاب جريمة واحدة ، حيث تظهر في عدة صور ، كـأن يكون للجريمة فاعل واحد مع شريك واحد أو مع عدة شركاء ، أو أن يكون للجريمة عدة فاعلين مع شريك واحد أو عدة شركاء أو أن يقتصر الأمر على عدة فاعلين للجريمة دون شركاء ، و يتضح من ذلك أن وجود الفاعل هو أمر ضروري في المساهمة الجنائية إذ لا يمكن للمساهمة أن تتحقق بدون فاعل(1) .

الفرع الثاني

الفاعل في قانون العقوبات الجزائري :

ميز قانون العقوبات الجزائري بين الفاعل و الشريك ، و قد بين معنى الفاعل في المادتين 41 و 45 فقد نصت المادة 41 على ما يلي:" يعتبر فاعلا كلا من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة، أو حرض على ارتكاب الفعل بالهبة أو الوعد أو التهديد أو إساءة استعمال السلطة أو ولاية أو التحايل أو التدليس الإجرامي ".

و نصت المادة 45 على ما يلي:" من يحمل شخصا لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب الجريمة يعاقب بالعقوبات المقررة لها ".

ويؤخذ من هذه النصوص تعدد صور الفاعل في القانون الجزائري فهو الفاعل المباشر في الجريمة، وهو المحرض عليها، و هو الفاعل المعنوي أيضا.




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 197.

المطلب الثاني

مساهمة الفاعل المباشر

الفرع الأول

أركان المساهمة:

نتكلم فيما يلي عن الركنين المادي و المعنوي للجريمة، و ذلك لان الركن الشرعي لا يتميز بأحكام خاصة، فالفاعل هو من يرتكب الواقعة المنصوص عليها كالجريمة في القانون.

أولا: الركن المادي:

حددت المادة 41 من قانون العقوبات الركن المادي للجريمة بقولها:" يعتبر فاعلا كل من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة. و يعني أن الركن المادي للجريمة يتمثل في المساهمة المباشرة في تنفيذ الجريمة .يعد ارتكاب الأعمال التنفيذية التي يتكون منها الركن المادي للجريمة ، جوهر المساهمة المباشرة ، فلا خلاف على أن مرتكب هذه الأعمال – كلها في حالة انفراد شخص واحد بتنفيذ الجريمة ، أو بعضها في حالة تعدد الجناة – هو فاعل الجريمة ، فمن ساهم في أي فعل يدخل ضمن الانفعال التي يتكون منها الركن المادي يعد مساهما مباشرا في تنفيذها و يحاسب كما و لو ارتكبها بمفرده ، و مثال ذلك أن يلجأ شخصان لقتل احد الناس، فيطعناه طعنات تؤدي بحياته . هنا يعد كل منهما مشاركا في تنفيذ الركن المادي للجريمة ، و بالتي فان كل واحد منهما يكون فاعلا لجريمة القتل ، و لا يتغير الأمر فيها لو حاول لصان سرقة منزل ، إذ كسر الأول الباب ليدخل الثاني و يسرق المنزل ، هنا يعد كل منهما فاعلا لجريمة السرقة ، فكسر باب المنزل بقصد السرقة لا يعد عملا تحريضيا و إنما هو عمل يدخل في الأعمال التنفيذية للركن المادي بحسب معايير الشروع التي تحد الأفعال التي تعد بدأ في تنفيذ الركن المادي للجريمة(1) .

و نستفيد من نظرية الشروع هنا التمييز بين الأعمال التحريضية أو المساهمة الغير مباشرة و بين الأعمال التي تعد بدأ في تنفيذ الركن المادي للجريمة أو المساهمة المباشرة ، و قد يكون معيار الشروع غير كاف في بعض الحالات للتمييز بين نوعي المساهمة المباشرة و غير المباشرة، فنلجأ إلى شرط متتم للتمييز بينهما يتمثل هذا الشرط في ضرورة ظهور الجاني بفعله على مسرح الجريمة فيعاصر نشاطه الوقت الذي وقعت فيه .

و لتوضيح ذلك نعود إلى مثالنا السابق حيث يعد عمل اللص الذي كسر الباب لتمكين زميله من السرقة، مساهمة مباشرة إذا تم دخول السارق الأخر بعد الكسر مباشرة. إذ يعني هذا ظهور الجاني على مسرح الجريمة و يعد فعله لصيق الصلة بالتنفيذ و معاصرا له ، أما إذا تم دخول المنزل في اليوم التالي فان الفترة الزمنية الفاصلة بين الفعلين تجعل فعل الكسر عملا من الأعمال المساعدة التحريضية فتكون المساهمة غير مباشرة لغياب الجاني عن مسرح الجريمة ، و يصبح عندها من قام بالكسر مجرد شريك في ارتكاب الجريمة ، و لايعد فاعلا أصليا فيها .




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 199.

يلاحظ أن هناك اعملا تخرج عن الر كن المادي للجريمة ، و لكنها ذات اهمية كبيرة في تنفيذها ، تبرر – برأي البعض – بان يعتبر فاعلها في مصاف من يرتكب جزء من اجزاء الركن المادي . و عليه تكون فكرة المساهمة المباشرة – حسب هذا الرأي – أوسع من أن تتحدد بالركن المادي للجريمة فقط ، و من أمثلة ذلك ، أن يتمسك احدهم بالمجني عليه لتمكين خصمه من قتله ، أو كمن يراقب الطريق لتمكين زملائه من السرقة ، و كخادم يترك منزل سيده مفتوحا لتمكين اللصوص من سرقته .

في مثل هذه الأمثلة لا تعد الأعمال التي قام بها ماسك الشخص ، أو مراقب الطريق ، أو الخادم ، من الأفعال التي يتكون الركن المادي للجريمة ، و لكنها ذات أهمية في التنفيذ ، تلتصق بالجريمة فتحقق المساهمة مباشرة مرتكبها فاعلا لا مجرد شريك(1) .

ثانيا: الركن المعنوي:

بينا أن الفاعل هو من يحقق ماديات الجريمة و معنوياتها أيضا ، ففي الجرائم العمدية يتطلب القانون قيام القصد الجنائي ، و هذا يعني وجوب أن يتحقق للفاعل العلم و الإرادة بوصفهما عنصري القصد الجنائي ، فالفاعل هو من يعلم بالعناصر المكونة للجريمة و يريد ارتكابها .

و تكون الصورة واضحة في حالة أن ينفرد شخص واحد بارتكاب الجريمة ، و إن كان الأمر يحتاج إلى بعض التوضيح عند تعدد الجناة ، ففي الحالة الأولى ، يكون الفاعل على علم بعناصر الجريمة و يتوقع النتيجة و لذلك فانه يسيطر على سلوكه و يتوقع و يريد نتيجة عمله ، و يجب أن لا يختلف الأمر في الحالة الثانية عندما يتعدد الجناة ، إذ يجب أن يكون الفاعل – ضمن الرابطة الذهنية الواحدة – على علم بكافة الأفعال التي تتضافر لتحقيق الركن المادي للجريمة ، ما كان منها نتيجة لفعله أو لفعل غيره على حد السواء ، و لا يكفي العلم بكافة العناصر إذ يتطلب الأمر ضرورة أن يريد النتائج المتوقعة ، و عليه فلا مساهمة إذا لم يتوافر للجناة وحدة الرابطة الذهنية التي يقوم عليها الركن المعنوي في جرائم المساهمة .

فإذا مر سارق بمنزل و رأى بابه مفتوحا فدخل و سرق بعض الأمتعة ، فلا يعد مساهما مع سارق آخر كان قد سبقه لص نفس الوقت لسرقة المنزل ، و لايعد مساهما من رأى خصمه ينزف على اثر جروح أصابته من عراكه مع الآخرين إذا ما استغل الفرصة و قتله .

في هاتين الحالتين تحقق للجريمة وحدتها المادية، و لكنه لم لها وحدتها المعنوية لعدم توافر الرابطة الذهنية بين الجناة، و لذلك يسال كل جان عن فعله على حدة.

أما إذا توافر للجريمة وحدتها المادية و المعنوية معا ، فان المساهمة تقوم بغض النظر عن ارتكاب مفردات الركن المادي ، فإذا اتفق شخصان على قتل غريمهما و أطلقا عليه الرصاص ، فان كل واحد منهما يعد فاعلا للجريمة و لو ثبت أن رصاصة احدهما كانت الرصاصة القاتلة ، فصاحب الرصاصة القاتلة يعد فاعلا و هو أمر واضح ، و كذلك يعد فاعلا الذي أطلق الرصاصة الخائبة أيضا ، فقد توافر لديه الركن المعنوي باتفاقه مع زميله على القتل و توافر لديه الركن المادي بارتكابه عملا يعد شروعا و هو ما يكفي للقول بمساهمته المباشرة أيضا(2) .




(1) (2) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 200- 201 – 202.

المبحث الثالث

المحرض

المطلب الأول

التحريض كمساهمة أصلية

أصبح المحرض فاعلا للجريمة بموجب القانون رقم 82-04 المؤرخ في 13 فيفري 1982 ، بعد أن كان يعد – فيما سبق – شريكا و ليس فاعلا ، و بهذا الخصوص نصت المادة 41 على ما يلي :" يعتبر فاعلا كلا من ساهم مساهمة مباشرة في تنفيذ الجريمة حرض على ارتكاب الفعل بالهبة أو الوعد أو التهديد أو إساءة استعمال السلطة أو الولاية أو التحايل أو التدليس الإجرامي"(1) . و المادة 42 التي نصت على مايلي :" يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا و لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحريضية أو المسهلة الو المنفذة لها مع علمه بذلك ".

اتجاه المشرع الجزائري هذا هو اتجاه جديد يخرج عن الاتجاه التقليدي الذي تأخذ به معظم التشريعات و الذي يعتبر المحرض مجرد شريك لا فاعل ، كما يخالف أيضا وصية المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات المنعقد في أثينا سنة 1957م و الذي أوصى بإخراج التحريض من المساهمة الأصلية و التبعية و جعله كصورة مستقلة من المساهمة الجنائية . فالتحريض كما يرى المؤتمر لا يمكن اعتباره مساهمة أصلية ، لان المساهمة الأصلية تقتصر على التنفيذ ، كما لا يجوز القول بان نشاط المحرض هو نشاط تبعي لأنه في حقيقته هو الذي يخلق التصميم الإجرامي في ذهن الفاعل(1) .

المطلب الثاني

ماهية التحريض و أركانه

الفرع الأول

ماهية التحريض:

التحريض هو خلق فكرة الجريمة لدى شخص آخر ، و الدفع به إلى التصميم على ارتكابها ، فالتحريض عمل يؤدي دوره في التأثير على نفسية شخص آخر ، إذ يوحي إليه المحرض بفكرة الجريمة و يزرعها في ذهنه باذلا جهده لإقناعه وخلق التصميم لديه لتنفيذها تنفيذا ماديا(2) .




(1) (2) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 203 – 204.

الفرع الثاني

أركان التحريض:

للمساهمة في التحريض ركنان هما الركن المادي، و الركن المعنوي.

أولا: الركن المادي:

بالرجوع إلى المادة 41 يتبين لنا أن المشرع قد حدد على سبيل الحصر الأعمال التي يقوم عليها التحريض و هي: الهبة أو الوعد أو التهديد أو إساءة استغلال السلطة أو الولاية أو التحايل و التدليس الإجرامي.

و يكون المشرع بنصه على هذه الأعمال قد اعتد بأعمال مادية يمكن إدراك ماهيتها و دورها في تنفيذ الجريمة، فالتحريض يمكن أن يتم بأي وسيلة كانت، و لكن المشرع اختار أهمها و اعتد بها دون غيرها.
و عليه، فلا يعتد المشرع بتحريض أداته مجرد إثارة شعور البغض و الكراهية لدى شخص ما لارتكاب الجريمة بالقول أو النصيحة أو أداء الرأي، إذ لا ترقى مثل هذه الأفعال إلى المستوى الذي يعتد به المشرع:

1) الهبة:

ويعني ذلك أن يسعى المحرض إلى تحريض الغير و إقناعه بارتكاب الجريمة مقابل شيء ما يقدمه له كهبة ، و لا يشترط في الهبة أن تكون مبلغ من المال ، فقد تكون مبلغ من المال وقد تكون سلعة أو عقار أو أي شيء آخر يمكن تقييمه بالمال .و يكون تقديم الهبة قبل ارتكاب الجريمة لكي تعتبر وسيلة من وسائل التحريض، فادا قدمت بعد ارتكاب الجريمة كمكافأة فلا تعد وسيلة من وسائل التحريض.

2) الوعد:

وهو أن يسعى المحرض لإقناع الغير بارتكاب الجريمة مقابل وعد يقطعه على نفسه ، و مفهوم الوعد أوسع من مفهوم الهبة ، فقد يكون الوعد بتقديم هبة أو القيام بخدمة أو غير ذلك ، و يشترط أن يكون الوعد قد تم قبل تنفيذ الجريمة حتى يكون الاعتداد به كوسيلة من وسائل إغراء الجاني .

3) التهديد:

وهو الضغط على إرادة الغير لإقناعه بتنفيذ الجريمة ، سواء كان معنويا كأن يهدده بإفشاء سره الذي فيه إضرار به ، أو يهدده بالقتل أو الأذى مثلا ، مع الإشارة إلى إمكانية اجتماع الوعد و التهديد في آن واحد ، بان يقول له إن فعلت أعطيك كذا و إن لم تفعل افعل بك كذا ، و التهديد يجب أن يكون سابقا لارتكاب الجريمة .

4) إساءة استغلال السلطة:

وهو أن يكون للمحرض السلطة القانونية أو الفعلية على الغير ، فيستغلها لإقناع الغير بتبني مشروعه الإجرامي ،و تكون السلطة قانونية كما في حالة الرئيس و المرؤوس ، كما تكون السلطة الفعلية كسلطة المخدوم على خادمه(1) .




(1) (2) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 204- 205.

5) التحايل و التدليس الإجرامي:

و قد يقع التحريض بالتحايل على الغير لإقناعه بتنفيذ الجريمة و التحايل هنا يفيد مباشرة المحرض لإعمال مادية تشجع الغير باتخاذ موقفه ، و يختلط مفهوم التحايل بالتدليس الإجرامي الذي يقوم على تعزيز الكذب بأفعال مادية و مظاهر خارجية تساهم في إقناع الغير بالانصياع إلى رغبة المحرض(1) " كأن تقع سرقة عليه ، و يعتمد المحرض أن يدله على غير السارق لينتقم منه و قد يدعم كذبه بأدلة مفتعلة أو بشهادات زور لغيره " ، و إذا توفر فعل من الأفعال السابقة لدى المحرض و ارتكبت به الجريمة نقول بان المسؤولية في حق المحرض قائمة من جانبها و ركنها المادي و تبقى مسؤولية المحرض كاملة عنها متوقفة على الجانب المعنوي و ذلك بان يكون عالما بحقيقة فعله مريدا لما يترتب عنه ،أما إذا حدثت نتيجة لم يكن يتوقعها أو يريدها فانه لا يعد مسؤولا عنها ، كما لو انصب التحريض على السرقة فقام المنفذ بالقتل ، فهنا تبقى مسؤولية المحرض محصورة في جريمة السرقة فحسب ، و منه فالتحريض يتطلب أربعة عناصر إلى جانب الشخص المحرض و هي : و المحرض ، نشاط المحرض (أي فعله) ، و موضوع التحريض (الجريمة) ، و أخيرا القصد الإجرامي للمحرض(2) ، و هذه هي الوسائل التي يعيد بها القانون و يقوم عليها الركن المادي لجريمة التحريض ، سواء قام التحريض بواحدة منها أو بأكثر .

و يشترط في التحريض- إلى جانب الوسائل التي حددها القانون – أن يكون مباشرا و فوريا ، و يعني ذلك أن يتوجه المحرض إلى جان محدد أو إلى عدة جناة محددين بأفرادهم لتحريضهم على القيام بالجريمة أو جرائم معينة(3) ، و لكن يجب التمييز بين التحريض الفردي المباشر الذي يخضع لأحكام التحريض الفردي و المباشر الذي جاءت به المادة 42 من قانون العقوبات و التي نصت على مايلي :" يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا و لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحريضية أو المسهلة الو المنفذة لها مع علمه بذلك " ، و بين جرائم التحريض العام و التي نجدها في بعض التجمهر غير المسلح سواء بخطب تلقى علنا أو بكتابات أو مطبوعات تعلق أو توزع يعاقب عليه بالحبس..." .

كما أن التحريض قد يكون جريمة مستقلة لا ترتبط بتاتا بفعل أصلي فالمحرض الذي حرض شخصا على ارتكاب جريمة ثم عدل المحرض عن ذلك بإرادته ، فان مسؤولية المحرض تبقى قائمة ، و هذا مانصت عليه المادة 46 : "إذا لم ترتكب الجريمة المزمع ارتكابها لمجرد امتناع من كان ينوي ارتكابها بإرادته و حدها فان المحرض عليها يعاقب رغم ذلك بالعقوبات المقررة لهذه الجريمة"(4) .

ثانيا: الركن المعنوي:

لا يكفي أن يتوافر الركن للتحريض جانبه المادي ، بل يتطلب الأمر زيادة على ذلك أن يتوافر له الجانب المعنوي أيضا .

و حيث أن جريمة التحريض هي جريمة عمدية ، فان صور الركن المعنوي تظهر في توافر القصد الجنائي لدى المحرض ، و القصد الجنائي يتوافر بتوافر عنصري : علم و الإرادة . فإذا كانت إرادة المحرض سليمة أي مدركة ومميزة ، ثم أحاط علما بكل عناصر الجريمة التي سيقد عليها المنفذ للتحريض إذا ما أراد




(1) (3) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 206.

(2) (4) د . منصور رحماني – المرجع السابق – ص 139.

النتيجة التي يتوقع أن تحدث ، أما إذا حدثت نتيجة لم يكن الفاعل يتوقعها أو يريدها فانه لا يعد مسؤولا عنها ، كما لو انصب التحريض على السرقة فقام المنفذ بالقتل ، فها تبقى مسؤولية المحرض محصورة في جريمة السرقة فحسب(1) .

الفرع الثالث

التحريض التام و مجرد الشروع فيه :

يعتبر التحريض تام اذا نجح المحرض في تحريض أحد في القيام بالجريمة ، فالتحريض يبدأ بالوسائل التي حددها القانون و تنتهي بنجاح المحرض في خلق فكرة الجريمة لدى المنفذ و تصميمها على ارتكابها ، أما تنفيذ الجريمة أو عدم تنفيذها فهو أمر خارج عن نطاق المحرض ، فجريمة المحرض تتم و لو لم يقم المنفذ بتنفيذها ،و تأكيدا لذلك ورد نص المادة 46 من قانون العقوبات :" إذا لم ترتكب الجريمة المزمع ارتكابها لمجرد امتناع من كان ينوي ارتكابها بإرادته وحدها فان المحرض عليها يعاقب رغم ذلك بالعقوبات المقررة لهذه الجريمة ". أما إذا قام المحرض إلى احدهم لتحريضه على القيام بالجريمة فلم يستحب له، كان يرفض المنفذ الفكرة مباشرة فهنا نكون بصدد شروع في جريمة التحريض، و يخضع الشروع في التحريض إلى الأحكام العامة التي تحكم الشروع بوجه عام.




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 207.

المبحث الرابع

الشريك

المطلب الأول

النص القانوني:

بين المشرع الجزائري معنى الشريك في المادة 42 من قانون العقوبات، ثم أضاف في المادة 43 ما اعتبره في حكم الشريك كالتالي:

المادة 42:" يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا، و لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل أو الفاعلين على ارتكاب الأفعال التحريضية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك ".

المادة 43 :" يأخذ حكم الشريك من اعتاد أن يقدم مسكنا أو ملجأ أو مكانا للاجتماع لواحد أو أكثر للأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد امن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمه بسلوكه الإجرامي".

المطلب الثاني

أركان جريمة الاشتراك :

سنتكلم عن أركان الجريمة الثلاث: الركن الشرعي و الركن المادي و الركن المعنوي.

الفرع الأول

الركن الشرعي في جريمة الاشتراك :

أفعال الشريك لا تدخل دائرة التجريم و لإعقاب عليها إلا إذا ارتكب الفاعل الجريمة أو شرع فيها. فلا يشترط لمعاقبة الشريك أن ترتكب الجريمة تامة ، إذ يكفي أن يشرع الفاعل في ارتكابها متى كانت من الجرائم التي يعاقب القانون على الشروع فيها و هي الجنايات و بعض الجنح التي يحددها القانون و عليه فلا تقوم جريمة الاشتراك عندما يقوم الفاعل بشروع في الجنح التي لا عقاب في الشروع فيها.

إذ يجب لقيام الاشتراك في مثل هذه الحالة أن تقع الجريمة تامة، فالمبدأ هو أن جريمة الاشتراك لا تتحقق إلا إذا ساهم المتدخل في مساهمة الفاعل الذي يقوم باقتراف عمل يعاقب عليه القانون، باستثناء الاشتراك في المخالفات. و أخيرا ، يكفي أن يكون الفعل معاقبا عليه لذاته للقول بمسؤولية الشريك ،
و لو كان فاعله لا يعاقب لظرف خاص به ، عملا بمبدأ استقلال المساهمين ، فمن ساعد شخصا على سرقة مال أبيه ، يعد مسؤولا بالاشتراك ول لو تسامح الأب و لو يرفع الدعوى ضد أبيه(1) .




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص 212 - 213.

الفرع ثاني

الركن المادي لإجرام الشريك :

حدد القانون كما بينت المادتان 42 و 43 الأفعال التي يعتد بها في المساهمة التبعية التي يأتيها الشريك و هي:

أ ) أعمال المساهمة أو المعاونة.

ب) الأعمال التي تعد في حكم المساهمة ( إيواء الأشرار ) .

أولا: المساهمة أو المعاونة:

ويقصد بذلك تقديم الغèون المساعدة لمرتكب الجريمة على شرط أن تبقى هذه المساهمة في حدود الأعمال التبعية أي التحريضية للجريمة ، بحيث لا يمكن القول ببدء الشروع في تنفيذ الجريمة ، و يلاحظ أن القانون لم يحدد الأعمال التي تعد من قبيل أعمال المساعدة ، فهي أي عمل كان يرى المساهمون انه ضروري لتحقيق مآربهم ، فالمساعدة تتم بكل الطرق بدون حرص لهذه الطرق ، بشرط أن تنحصر في الأعمال التحريضية أو الأعمال المسهلة أو المنفذة للجريمة .

1) الأعمال التحريضية:

و تتمثل في جميع الأعمال التي تسبق مرحلة التنفيذ ، و تتعدد هذه الأعمال و من الصعب حصرها ، إذ تتوقف على ظروف كل جريمة و ما يراه المساهمون من ضرورة التحضير لها ، ومن أمثلة ذلك أن يقوم الشريك بتقديم الأسلحة أو بعض الآلات لاستعمالها في تنفيذ الجريمة .

2) الأعمال المسهلة أو المنفذة للجريمة:

لا تقتصر أعمال المساعدة على الأعمال التي تسبق ارتكاب الجريمة، فقد تكون أعمال المساهمة معاصرة أحيانا لارتكاب الجريمة.

وأعمال المساعدة المعاصرة نوعان: أعمال مسهلة، فذ تقع مع بداية أعمال التنفيذ، و عمال منفذة، أي تلك الأعمال التي تصاحب الخطوات الأخيرة في ارتكاب الواقعة الإجرامية(1).

وإذا كانت أعمال المساهمة التحريضية لا تثير أي أشكال ، فهي بحسب كونها أعمال المساهمة التبعية بلا لبس ، فان الأمر مختلف بالنسبة لأعمال المساعدة المعاصرة لارتكاب الجريمة ، باعتبار أن أعمال المساهمة التي تعاصر ارتكاب الجريمة قد تعد عملا مباشرا أو ملتصقا بالجريمة و بالتالي فإنها تعد مساهمة أصلية و يعد من قام بها فاعلا أصليا لا مجرد شريك ، بالرغم من أنها لا تدخل في تكوين الركن المادي للجريمة ، كيف نستطيع أن نميز بين المساعدة المعاصرة لارتكاب الجريمة التي يتعد مساهمة أصلية و تلك المعاصرة لها أيضا و التي تعد مساهمة تبعية ؟




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص – 213 – 214 - 215.

قيل بان أعمال المساعدة المعاصرة التي تجعل من صاحبها فاعلا هي المساهمة التي تحدث وقت ارتكاب الجريمة و في مكان وقوعها أيضا، كأن يقدم احدهم سكينا لصديقه أثناء المشاجرة لتمكينه من القضاء على خصمه.

أما المساعدة المعاصرة التي تجعل من صاحبها شريكا لا فاعلا فهي المساهمة التي تحدث وقت ارتكاب الجريمة و لكن في غير مكان وقوعها ، كأن يقوم احدهم بتعطيل المجني عليه عن العودة إلى منزله حتى تتم السرقة فيه ، وهكذا فان بعد المساهم بالمساعدة عم مسرح الجريمة يجعله شريكا و لو انه قام بعمله في وقت يعاصر وقت ارتكابها .

يتفق الفقه على حصر أعمال المساعدة التي تجعل من صاحبها شريكا في الأعمال التي تسبق أو تعاصر ارتكاب الجريمة، أما أعمال المساعدة اللاحقة على تمام الجريمة فليست وسيلة من وسائل الاشتراك. و هذا لا يمنع المشرع من أن يجأ إلى تجريم أعمال المساعدة اللاحقة كجرائم خاصة ، و مثالها جرائم إخفاء الأشياء المستحصلة من جناية أو جنحة المنصوص عليها بالمادة 387 من قانون العقوبات ،
و إخفاء الأشياء أو الأدوات التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجناية أو الجنحة المنصوص عليها
بالمادة 91 فقرة 3 .

و نشير إلى انه لا يكفي أن يقدم احدهم مساعدته للفاعل لكي يعتبر شريكا ما لم يثبت مساعدته من العوامل التي ساهمت في ارتكاب الجريمة. فإذا قدم زيد بندقيته إلى عمر ليقتل خصمه ز لكن عمر عمد إلى قتل خصمه بالسم و لم يستعمل البندقية، فهنا لا يعد زيد شريكا لعمر في القتل.

ثانيا : إيواء الأشرار و مساعدتهم :

أقحم المشرع الجزائري هذه الصورة من المساعدة واعتبرها في حكم المساعدة التي تجعل من صاحبها شريكا في الجريمة ، فإيواء الأشرار أو إخفائها عمل يتم بعد تمام الجريمة – و هو ما يخالف المساعدة التي تكلمنا عنها و قلنا أنها تتم أثناء أو قبل ارتكاب الجريمة و لا تتم بعدها أبدا.

و فاعل هذه الجريمة ( إيواء الأشرار ) غريب عن الجريمة التي قام بها الأشرار-المتمثلة في أعمال اللصوصية أو العنف ضد امن الدولة أو الأمن العام أو الأشخاص أو الأموال- حتى تمامها ، و يأخذ حكم الشريك فيها لتقديمه المساعدة اللاحقة كما نصت المادة 43 ، و ذلك باعتياده تقديم المسكن أو الملجأ أو مكان لاجتماع المساهمين في الجريمة.

و عليه فان من قام يفعله هذا لأول مرة لا يعد مرتكبا لجريمة الاشتراك التي نحن بصددها ، و لا تطبق عليه أحكام المادة 42 المشار إليها(1) .

و قد تنبه المشرع إلى أن المساعدة اللاحقة لا تقتصر على مجرد تقديم المأوى ، و لذا جرم بعض الأفعال اللاحقة على ارتكاب الجريمة في المادة 91 من قانون العقوبات الفقرة الثانية بقولها :

"علاوة على الأشخاص المبينين في المادة 42 يعاقب باعتباره شريكا من يرتكب دون أن يكون فاعلا أو شريكا احد الأفعال التالية:




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص – 216 -217.

1. تزيد مرتكبي الجنايات أو الجنح ضد امن الدولة بالمؤن أو وسائل المعيشة و تهيئة مساكن لهم أو أماكن لاختفائهم أو لتجمعهم و ذلك أو يكون قد وقع عليه إكراه ومع علمه بنواياهم .

2. حمل مراسلات مرتكبي هذه الجنايات و تلك الجنح و تسهيل الوصول إلى موضوع الجناية أو الجنحة أو إخفائه أو نقله أو توصيله و ذلك بأية طريقة كنت مع علمه بذلك ".

ج) حصر المساهمة في الأعمال الايجابية :

يذهب الرأي الراجح في الفقه إلى القول أن المساعدة في كل صورها تتطلب عملا ايجابيا يقوم به المساهم لمعاونة الفاعل على ارتكاب الجريمة ، و قد حدد القانون أعمال المساهمة على سبيل الحصر ، و لا مجال بعد ذلك للقول بان الامتناع يصلح كسبب من أسباب المشاركة ، فمن يرى لصا يسرق لا يعد شريكه في السرقة و لو لم يمنعه من السرقة و لو كان ذلك في وسعه .

على القاضي عندما يحكم بالمشاركة أن يشير إلى نوع المساعدة التي تمت بها المشاركة لتمكين المحكمة العليا من مراقبة تطبيق القانون ، باعتبار أن المساعدة تكون الركن المادي لجريمة الاشتراك ، و إذا حكم القاضي بالاشتراك دون أن يشير إلى نوع المساعدة فيكون حكمه معيبا ويستوجب النقض .

الفرع الثالث

الاشتراك

أولا : الاشتراك في الاشتراك

يتساءل الفقه عن دور من قام بمساعدة الشريك في ارتكاب الجريمة دون أن يكون له علاقة مع الفاعل الأصلي للجريمة ، فلو أن محمدا استعان بصديقه خالد للحصول منه على السلاح ثم قام بتسليمه إلى زيد الذي استعمله في ارتكاب جريمته ، فما هو وضع خالد في هذه الجريمة ؟

يذهب البعض إلى القول أن خالد غريب عن الجريمة و لا علاقة له بها، فالعلاقة بينه و بين تنفيذ الجريمة علاقة واهية و غير مباشرة تبرر عدم مساءلته عن الجريمة. فالقانون يحاسب على العلاقة المباشرة و نصوصه واضحة فهو يقول:"من عاون أو ساعد الفاعل. و في مثالنا فان العلاقة بين الفاعل الشريك هي علاقة بين محمد و زيد، أما خالد الذي تقتصر علاقته على الشريك دون الفاعل فلا يعد شريكا. فالقانون – بحسب هذا الرأي – لا يعرف إلا الفاعل و الشريك و لا تمتد نصوصه للقول بشريك الشريك المرتكبة.

و على عكس هذا الرأي، يذهب رأي ثان إلى القول بان العلاقة المباشرة التي يتطلبها القانون لا يتطلبها بين الشريك و شخص الفاعل، و إنما يتطلب القانون أن يكون هناك ارتباط بين نشاط الشريك و الجريمة ، فنشاط خالد في مثالنا له علاقة بتحقق النتيجة و لهذا فهو شريك فيها و يحاسب على ذلك بشرط أن يكون على علم بما يجري و يتوقع حدوث النتيجة و يريدها. و نرى أن هذا هو الرأي الأجدر بالإتباع(1) .




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص – 218 -219 – 220.

ثانيا : الشروع في الاشتراك :

قد يقوم الشريك بتقديم مساعدته كاملة للفاعل الأصلي، و لكن هذا الأخير يتخلى عن القيام بتنفيذ الجريمة، و ذلك كان يقدم الشريك السلاح المطلوب لتنفيذ الجريمة و لكن الفاعل يعدل عن التنفيذ. في مثل هذه الحالة يكون الشروع من جانب الشريك قائما ، فهل يعاقب على الرغم من عدم تنفيذ الجريمة ؟

ذهب البعض إلى أن الشريك الذي يقتصر اشتراكه على الشروع يعاقب لأنه قام بكل المطلوب، خصوصا و أن قانون العقوبات يأخذ باستقلال المساهمين.

و نحن نرى أن هذا الرأي محل نظر، ذلك أن الشريك يقوم بأعمال تحريضية فحسب ، و لذلك فان عدم وجود النتيجة الإجرامية أو على الأقل محاولة القيام بتا ، ينفي الاشتراك و لذا فإننا نرى بان أعمال الشريك التي تقتصر على الشروع لا عقاب عليها و ذلك لانعدام أي رابطة سببية بينها و بين أي فعل مجرم في حالة عدم تنفيذ الفاعل لجريمته.

ثالثا: عدول الشريك:

قد يعدل الشريك لسبب ما عم رغبته في تنفيذ الجريمة. فهل لعدوله هذا اثر على مساءلته
عن الجريمة ؟

نميز هنا بين وضعين : الأول حالة ما إذا قام الفاعل مستعينا بالمساعدة التي قدمها الشريك من عدوله و يسال مسؤولية تامة عن جريمة الاشتراك ، و الثاني حالة ما إذا بادر الشريك إلى سحب مساعدته قبل قيام الفاعل بتنفيذ أو محاولة تنفيذ جريمته ، ففي مثل هذه الحالة يستفيد الشريك من عدوله بشرط أن يستطيع إزالة كل اثر لاشتراكه ، بحيث يمكن أن يقال بان الفاعل قد قام بجريمته بدون أي مساعدة من الشريك . وصورة ذلك أن يكون الشريك قد قدم سلاحا لتنفيذ الجريمة و بكنه قام بسحبه من يد الفاعل قبل تنفيذ الجريمة.

رابعا : مسؤولية الشريك في حالتي : النتائج المحتملة و النتائج المشددة :

ليسال الشريك في قانون العقوبات الجزائري إلا في حدود قصده ، لا يكون مسؤولا عن جريمة لم تخطر له و لم يردها ، فإذا اشترك احدهم مع آخر بان قدم له مفاتيح مزورة لتمكينه من دخول المنزل للسرقة ، فان مقدم المفاتيح لا يكون مسؤولا كشريك إلا في حدود السرقة ، فلا عن جريمة قتل قام بها السارق بعد أن دخل المنزل(1).




(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص – 221 – 222 – 223.

الفرع الثالث

الركن المعنوي لدى الشريك

* صورة الركن المعنوي لدى الشريك :

جريمة الشريك جريمة عمدية ، فهو يقحم عمله عن علم و دراية ضمن سلسلة الأعمال الأخرى التي يجرى منها تحقيق الواقعة الإجرامية ، فإجرام الشريك هو إجرام عمدي ، و لا يتصور قيام الشراكة بأعمال غير عمدية كالإهمال مثلا. و عليه لا شراكة بين خادم أهمل في إغلاق باب المنزل و لص استغل ذلك و سرق المنزل.

و حيث أن إجرام الشريك هو إجرام عمدي، فان الصورة الوحيدة التي يظهر عليها الركن المعنوي لدى الشريك هي صورة القصد الجنائي. و عنصراه: العلم و الإرادة، فإذا انتفيا أو انتفى احدهما انتفى القصد الجنائي و لم تقم جريمة الشريك.

أ ) العلم:

إذا كانت أعمال الشريك قد حددت على سبيل الحصر ، فان علم الشريك يجب أن يمتد ليشمل كل الأعمال التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة ، أي عمله هو و عمل غيره من المساهمين على حد سواء .

فمن الواجب أن يعلم أن علمه ليس إلا حلقة من الحلقات الأخرى التي يساهم بها الآخرون و التي بمجموعها ستؤدي إلى الواقعة الإجرامية ، و ينتهي علمه و بالتالي قصده و تسقط الشراكة إذا كان يجهل أو كان قد غلط في الوقائع الجوهرية لعلمه أو لعمل غيره من المساهمين ، فمن سلم غيره لاحا للصيد لا يكون شريكا للمستعير الذي استعمل السلاح في جريمة قتل .

أما بالنسبة للنتائج المشددة ، فالشريك يكون مسؤولا ولو أن إرادته لم تتجه إلى النتيجة المشددة التي حدتث و التي لم يكن يتوقعها لا هو و لا الفاعل ،فمن اشترك مع آخر في جريمة ضرب يكون مسؤولا عن النتائج التي تؤدي إليها جريمة الضرب .

ب ) الإرادة:

لا يكفي أن يعلم الشريك بعمله و عمل غيره حتى تقوم جريمة الاشتراك ، إذ يجب زيادة على علمه بالأفعال و توقعه النتيجة أن يكون مريدا لها ، أي أن يكون حالة قيامه بفعل الاشتراك المادي قد تمثل الجريمة أمرا واقعا بوصفها غاية له و مطالبا ، و عليه فإذا اقتصر الجانب المعنوي لديه على مجرد العلم دون أن تنصرف إرادته إلى وقوعها فلا يعد شريكا ، و عليه فلا يعد صاع المفاتيح المقلدة شريكا لمن اشتراها و استعملها في السرقة ولو كان على علم بأنه لص ، فهو أي البائع لا يريد سوى الحصول على ثمنها و لا يهمه بعد ذلك أقام اللص بالسرقة أم لا ، فهذا أمر لا يعنيه ، و كذلك لا يعد شريكا من سلم سلاحه إلى غيره فقام هذا الأخير بجريمة قتل حتى ولو كان صاحب السلاح متوقعا ما قد يحدث و لكنه لا يريده .

و تخضع إرادة الشريك للأحكام العامة ، إذ لا يعتد القانون إلا بإرادة واعية مدركة ومميزة وحرة الاختيار للقول بتوافر المسؤولية ،و هذا يعني انه لا قيام لجريمة الاشتراك عند المجنون أو الصغير غير المميز او المكره.

(1) عبد الله سليمان – المرجع السابق – ص – 223 – 224 – 225.

الخاتمة

نستخلص في الخاتمة ان المشرع الجزائري قد أعطى في القانون مساحة و مكانة كافية

المراجع

(1) عبد الله سليمان- شرح قانون العقوبات الجزائري- قسم عام – ديوان المطبوعات الجامعية –بن عكنون –الجزائر- طبعة 2002 – ص 185.

(2) د . منصور رحماني – الوجيز في القانون الجنائي العام – فقه و قضايا –دار الهدى – الجزائر –طبعة 2003- ص 135 – 136.

الفهرس

2

3

4

4

4

4


المقدمة..................................................................................................................................................................................................

المبحث الأول: المساهمة الجنائية...................................................................................................................................................

المطلب الأول: المقصود بالمساهمة الجنائية......................................................................................................................

الفرع الأول: وحدة الجريمة..........................................................................................................................................

أولا : الوحدة المادية للجريمة..............................................................................................................................

5.

5.

5

5.

5.

ثانيا : الوحدة المعنوية للجريمة...........................................................................................................................

الفرع الثاني: المشاكل التي تثيرها مسالة المساهمة الجنائية.................................................................................

أولا : نظام التوحيد بين المساهمين....................................................................................................................

ثانيا : ضرورة التمييز بين الفاعل و الشريك في المساهمة الجنائية...........................................................

المطلب الثاني: طبيعة العلاقة بين الفاعل و الشريك و خطة المشرع الجزائري......................................................

الفرع الأول: طبيعة العلاقة بين الفاعل و الشريك...................................................................................................

6

6

7

8

9

9

9

10

10

10

11

12

13

13

13

14

14

15

16

17

أولا: نظرية الاستعارة المطلقة......................................................................................................................6...

ثانيا : نظرية الاستعارة النسبية...........................................................................................................................

ثالثا : نظرية التبعية...............................................................................................................................................

الفرع الثاني: خطة المشرع الجزائري.......................................................................................................................

المبحث الثاني: الفاعل......................................................................................................................................................................

المطلب الأول: الفاعل في المساهمة و في قانون العقوبات الجزائري.........................................................................

الفرع الأول: الفاعل في المساهمة...............................................................................................................................

الفرع الثاني: الفاعل في قانون العقوبات الجزائري................................................................................................

المطلب الثاني: مساهمة الفاعل المباشر..............................................................................................................................

الفرع الأول: أركان المساهمة......................................................................................................................................

أولا: الركن المادي.................................................................................................................................................

ثانيا: الركن المعنوي..............................................................................................................................................

المبحث الثالث: المحرض................................................................................................................................................................

المطلب الأول: التحريض كمساهمة أصلية........................................................................................................................

المطلب الثاني: ماهية التحريض و أركانه..........................................................................................................................

الفرع الأول: ماهية التحريض......................................................................................................................................

الفرع الثاني: أركان التحريض.....................................................................................................................................

أولا: الركن المادي.................................................................................................................................................

ثانيا: الركن المعنوي..............................................................................................................................................

الفرع الثالث: التحريض التام و مجرد الشروع فيه.................................................................................................

المبحث الرابع: الشريك....................................................................................................................................................................

18

18

18

19

19

20

21

21

21

22

22

22

23

23

23

23

24

25

26

المطلب الأول: النص القانوني..............................................................................................................................................

المطلب الثاني: أركان جريمة الاشتراك.............................................................................................................................

الفرع الأول: الركن الشرعي في جريمة الاشتراك.................................................................................................

الفرع الثاني: الركن المادي لجريمة الاشتراك.........................................................................................................

أولا: المساهمة و المعاونة....................................................................................................................................

ثانيا : إيواء الأشرار و مساعدتهم.......................................................................................................................

ثالثا : حصر المساهمة في الأعمال الايجابية...................................................................................................

الفرع الثالث: الاشتراك..................................................................................................................................................

أولا : الاشتراك في الاشتراك..............................................................................................................................

ثانيا : الشروع في الاشتراك................................................................................................................................

ثالثا: عدول الشريك...............................................................................................................................................

رابعا : مسؤولية الشريك في حالتي : النتائج المحتملة و النتائج المشددة..................................................

الفرع الرابع: الركن المعنوي لدى الشريك...............................................................................................................

· صورة الركن المعنوي لدى الشريك..........................................................................................................

أ‌- العلم.............................................................................................................................................

ب‌- الإرادة........................................................................................................................................

الخاتمة.................................................................................................................................................................................................

المراجع................................................................................................................................................................................................

الفهرس................................................................................................................................................................................................

3 التعليقات:

غير معرف يقول...

جازكم الله خيرا على المساعدة بحث شافي وكافي ومفيد جداو ارجو ان تكونو دائما عونا لمن احتاج دمتم في رعاية الله شكرا

mamou dj hbb يقول...

شكرا لك وجزاك الله كل الخير تحياتي لك ولمجهودك

zaki de ain defla يقول...

أشكرك جزيل الشكر و أتمنى لك النجاح في حياتك المهنية

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار