السبت، 17 أبريل، 2010

الوجيز في القانون الإداري - الجزء1-

الوجيز في القانون الإداري
الدكتور مازن ليلو راضي
أستاذ القانون العام المشارك

(ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيىء لنا من أمرنا رشـداً))
الآية (10) سورة الكهف
إلى والدي ووالدتي ... آية للوفـاء وعرفاناً بالجميل ...
إلى رفاق دربي ... زوجتي وأولادي ...


مقدمة عامة
تنقسم القواعد القانونية التي تنظم كل مجتمع إنساني إلى قواعد قانونية تنظم العلاقات التي تنشأ بين الأفراد ، وقد أصطلح على تسميتها بالقانون الخاص ومن فروعه القانون المدني والقانون التجاري وقانون المرافعات . أما النوع الأخر من القواعد فينظم العلاقات التي تنشأ بين الدول أو بين الدولة وهيأتها العامة من ناحية والأفراد من ناحية أخرى عندما تظهر الدولة بمظهر السلطة العامة .
وقد أصطلح على هذا النوع من القواعد القانونية بالقانون العام ، ومن فروعه القانون الدولي العام والقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي .
ومن المعروف أن القانون الإداري فرع من فروع القانون العام الداخلي – تمييزاً له عن القانون العام الخارجي الذي ينظم العلاقات بين الدول – والذي يهتم بسلطات الإدارة العامة من ناحية تكوينها ونشاطها وضمان تحقيقها للمصلحة العامة من خلال الإمتيازات الاستثنائية التي تقررها قواعد القانون الإداري .
وعلى ذلك فإن القانون الإداري يختلف اختلافا جوهريا عن القانون الخاص لاختلاف العلاقات القانونية التي يحكمها ، واختلاف الوسائل التي تستخدمها السلطات الإدارية في أدائها لوظيفتها من الوسائل قانونية ومادية وبشرية .
وقد ساهم التطور الكبير في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وازدياد نشاط الدولة وتدخلها في هذه المجالات وعدم كفاءتها بدورها السابق في الحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي ، في تضاعف دور القانون الإداري ومساهمة في وضع الوسائل المناسبة لإدارة دفة نشاط السلطة العامة .
وفي هذه الدراسة نتشرف بتقديم المبادئ العامة التي يقوم عليها القانون الإداري ، والذي يمثل المنهج الدراسي للمرحلة الثانية في كليات القانون.
وقد اتبعنا في هذه الدراسة خطة البحث التالية:-
الباب التمهيدي :طبيعة القانون الإداري .
الباب الأول : التنظيم الإداري .
الباب الثاني : نشاط الإدارة العامة .
الباب الثالث: الوظيفة العامة .
لباب الرابع: القرارات الإدارية .
الباب الخامس:العقود الإدارية .
الباب التمهيدي
طبيعة القانون الإداري

لابد قبل البحث في موضوع القانون الإداري أن نتبين بعض المسائل التي تلقي الضوء على هذا القانون من حيث طبيعته , فنبين التعريف بالقانون الإداري ونشأته في دولته الأم فرنسا ثم في مصر التي كان لها دور الريادة في العالم العربي وبعد ذلك في العراق , ثم نذكر خصائص ومصادر هذا القانون.
ولعل من أهم ما سنبحثه في هذا الباب أساس القانون الإداري ونطاق تطبيقه ومعيار اختصاص القضاء الإداري , ومن خلال هذا الموضوع نبين المعيار الذي نستطيع أن نقرر فيه أن نشاط الإدارة يدخل ضمن نطاق هذا القانون ويختص به القضاء الإداري أم لا .
وعلى ذلك سنقسم هذا الباب إلى فصول خمس :
الفصل الأول : التعريف بالقانون الإداري .
الفصل الثاني : نشأة القانون الإداري .
الفصل الثالث : خصائص ومصادر القانون الإداري .
الفصل الرابع : أساس القانون الإداري .

الفصل الأول
التعريف بالقانون الإداري

درج أغلب الفقهاء على تعريف القانون الإداري بأنه ذلك الفرع من فروع القانون العام الداخلي الذي يتضمن القواعد القانونية التي تحكم السلطات الإدارية في الدولة من حيث تكوينها ونشاطها بوصفها سلطات عامة تملك حقوقاً وامتيازات استثنائية في علاقاتها بالأفراد.( )
بينما عرفه آخرون بأنه فرع من فروع القانون العام الذي يحكم الإدارة , أو قانون الإدارة العامة
Administration Publique أو قانون السلطة الإدارية Pouvoir Administratif . ( )
في حين عرفه البعض بأنه القانون الذي يتضمن القواعد التي تحكم إدارة الدولة من حيث تكوينها ونشاطها باعتبارها سلطة عامة . ( )
ونجد هنا أنه من المناسب أن نبين أن القانون يقسم إلى قسمين رئيسيين , قانون عام وقانون خاص , القانون العام هو القانون الذي ينظم نشاط الدولة وسلطاتها العامة , ويحكم العلاقات القانونية التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها العامة طرفاً فيها , وتظهر فيها الدولة بوصفها سلطة عامة تتمتع بحقوق وامتيازات استثنائية لا مقابل لها في علاقات الأفراد .
أما القانون الخاص فينظم نشاط الأفراد ويحكم العلاقات بينهم أو بينهم وبين الدولة أو إحدى هيئاتها عندما تظهر بمظهر الأفراد العاديين أي ليس بوصفها سلطة عامة تتمتع بحقوق وامتيازات استثنائية .
ويشتمل كل قسم من هذين القسمين على عدة فروع فيشتمل القانون العام على القانون العام الخارجي ويتضمن القانون الدولي العام , والقانون العام الداخلي ويتضمن القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي .
في حين ينقسم القانون الخاص إلى القانون المدني والقانون التجاري وقانون المرافعات المدينة وغيرها من القوانين الأخرى .
وكما بينا فأن القانون الإداري هو فرع من فروع القانون العام الداخلي يحكم نشاط الإدارة العامة وهو موجود في كل دولة أياً كان مستواها وتطورها الحضاري .
وفي هذا المجال يسود مفهومان للإدارة العامة المفهوم العضوي أو الشكلي, والمفهوم الموضوعي أو الوظيفي .
المفهوم العضوي : يهتم بالتكوين الداخلي للإدارة العامة , فيعرف الإدارة العامة بأنها السلطة الإدارية سواء المركزية منها أو اللامركزية , وجميع الهيئات التابعة لها .
بينما يهتم المفهوم الموضوعي بالجانب الوظيفي , فيعرف الإدارة العامة بأنها النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لإشباع الحاجات العامة.
وتبعاً لذلك فإن القانون الإداري بمعناه العضوي هو القانون الذي يحكم السلطة الإدارية أو الأجهزة الإدارية في الدولة , بينما يمكننا أن نعرف القانون الإداري بمعناه الموضوعي بأنه القانون الذي يحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة .
وقد اختلف الفقه في ترجيح أحد المفهومين إلا أن الاتجاه الحديث يقوم على الجمع بينهما ويعرف القانون الإداري بأنه : " القانون الذي ينظم الأجهزة والهيئات الإدارية في الدولة , ويحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة " .

علاقة القانون الإداري بفروع القانون الأخرى :
من المهم أن نبين استقلال القانون الإداري عن فروع القانون الأخرى من خلال بيان علاقته بهذه القوانين وتحديد أوجه الاتفاق والاختلاف بينها ثم بيان علاقته بعلم الإدارة العامة.
1. العلاقة بين القانون الإداري والقانون الدستوري
أوضحنا أن القانون الإداري هو القانون الذي ينظم الأجهزة والهيئات الإدارية في الدولة , ويحكم النشاط أو الوظيفة التي تتولاها الأجهزة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة .
أما القانون الدستوري : فهو القانون الأعلى والأساس في الدولة , والذي ينظم القواعد القانونية التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة والسلطات العامة فيها والعلاقة بينهما وحقوق وحريات الأفراد , والضمانات التي تكفلها .
وعلى هذا فإن القانون الإداري وثيق الصلة بالقانون الدستوري , فإذا كان القانون الإداري يحكم السلطة الإدارية المركزية وغير المركزية , فإن القانون الدستوري هو القانون الأساسي والذي يسمو على كافة القوانين الأخرى التي يجب أن تتقيد به وتحترم نصوصه .
وبمعنى آخر يضع القانون الدستوري الأحكام الكلية أو العامة للسلطة التنفيذية , بينما يضع القانون الإداري القواعد التفصيلية التي تكفل تشغيل الأجهزة الإدارية وأدائها لوظيفتها , فالقانون الإداري يكون بذلك امتداداً للقانون الدستوري . ( )
وهو ما أبرزه الفقيه (بارتلمي) في معرض تمييزه بين القانون الإداري والقانون الدستوري فقال : " أن القانون الدستوري يبين لنا كيف شيدت الآلة الحكومية , أما القانون الإداري فيبين كيف تسير هذه الآلة وكيف تقوم كل قطعة منها بوظيفتها " . ( )
وبسبب تداخل كل من القانونين لتعلقهما بالشؤون الداخلية للمجتمع كونهما يمثلان فرعين من فروع القانون العام الداخلي , نجد أن الفقه الإنجليزي لا يفرق بين القانون الدستوري والقانون الإداري ويدرس موضوعات القانونين معاً .
ومع أن الفقه الفرنسي في معضمه يميز بينهما , فإن جانباً في الفقه ذهب إلى انتقاد محاولات التمييز بين القانون الإداري والقانون الإداري , ودعى إلى دراستهما معاً , وتزعم هذا الاتجاه الفقيه دوجي
Dugui وجيزJeze , وبوتارBonnaed . ( )
ويمكن إجمال أوجه التمييز بين القانونين بالآتي :-
أ - من حيث الموضوع :- يبحث القانون الدستوري في التنظيم السياسي للدولة من حيث تكوين سلطات الدولة الثلاث والعلاقة بينهما , في حين يبحث القانون الإداري في أعمال السلطة التنفيذية الإدارية منها دون الحكومية .
ب- من حيث تدرج القوانين :- يحتل القانون الدستوري قمة الهرم القانوني في الدولة لأنه يقرر المبادئ الأساسية التي لا يمكن أن تتعداها القوانين الأخرى بما فيها القانون الإداري الذي يحكم بعض المسائل المتفرعة في المبادئ التي أقرها الدستور .

2- علاقة القانون الإداري بالقانون المالي
القانون المالي هو مجموعة القواعد القانونية الخاصة بإدارة الأموال العامة في الدولة, وهو مكمل للقانون الإداري الذي يتعلق بتنظيم الأجهزة والهيئات الإدارية , ويوضح النظام القانوني الذي يحكم الأموال العامة والحماية القانونية المقررة لهذه الأموال , وكيفية الانتفاع بها , ومن موضوعات هذا القانون كل ما يدخل ضمن إعداد الميزانية العامة في الدولة وسياسة وأنواع الضرائب المفروضة والأشراف والرقابة عليها .
3- علاقة القانون الإداري بعلم الإدارة العامة
يتميز القانون الإداري عن علم الإدارة العامة من حيث زاوية اهتمام كل منهما فالقانون الإداري يبحث في التنظيم القانوني للجهاز الإداري ووظيفة كل عنصر في عناصره وعلاقته بالأفراد , بينما تبحث الإدارة العامة في النواحي الفنية والتنظيمية للجهاز الإداري ويمكن تعريفها بأنها ذلك العلم الذي يهتم بدراسة تنظيم وتوجيه وتنسيق نشاط المنظمة الإدارية لتحقيق أهدافها العامة على أكمل وجه .
وكما بينا تشتمل الإدارة العامة على مفهومين , مفهوم عضوي , يهتم بدراسة هيكل المنظمات الإدارية وفروعها , دون البحث في طبيعة النشاط الصادر منها , ومفهوم موضوعي يهتم بدراسة النشاط الإداري لهذه المنظمات بصرف النظر عن شكل المنظمة التي صدر النشاط عنها .
ويظهر الاختلاف بين الإدارة العامة والقانون الإداري من خلال طريقة دراسة الموضوع الإداري محل البحث , فالقانون الإداري عندما يبحث في تعريف القرار الإداري فإنه يركز عليه كعمل قانوني صادر بالإرادة المنفردة للسلطة الإدارية ويتضمن أثراً قانونياً , كذلك يبحث في مشروعية القرار الإداري وشروط صحته ونفاذه , وكيفية الطعن بالإلغاء والتعويض ضد القرارات غير المشروعة .
في حين يعرف علم الإدارة العامة القرار الإداري في خلال البحث في الكيفية العلمية والواقعية التي صدر على أساسها القرار وعملية صنعه والمراحل المختلفة التي مرت بها تلك العملية واكتشاف العيوب والمشاكل التي قد تعيق هذه العملية واقتراح سبل إصلاحها . ( )
وفي مجال الوظيفة العامة يبحث القانون الإداري في المركز القانوني للموظف العام وطبيعة علاقته بالدولة وشروط تعيينه وحقوقه وواجباته والعقوبات التأديبية التي يمكن إيقاعها عليه وضماناته تجاهها , ويبحث في طرق انتهاء علاقته الوظيفية , وما إلى ذلك من أمور تنظمها في الغالب نصوص قانونية .
أما الإدارة العامة فتبحث الوظيفة العامة من ناحيتين , الناحية التنظيمية فيدرس علم الإدارة العامة طبيعة الوظيفة العامة وأسس ترتيب الوظائف العامة , وتحديد اختصاص ومواصفات كل وظيفة .
والناحية البشرية حيث تبحث الإدارة العامة عن أفضل نظام إداري لتطبيقه على العاملين في المنظمة الإدارية , وتعرض لطرق اختيارهم ,ووسائل رفع كفاءتهم وتدريبهم , والارتفاع بمستوى أدائهم , كما تهتم الإدارة العامة بالحوافز المادية والمعنوية لموظفي الدولة ودراسة مشاكلهم الوظيفية والنفسية , والبحث في سبل إصلاحها . ( )
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة العامة تخضع من حيث الأصل إلى قواعد متميزة عن قواعد القانون الخاص , إلا أنها قد تنزل في أحيان أخرى عن استخدام هذه القواعد فتنزل منزلة الأفراد , وتطبق قواعد لقانون الخاص , والقانون الإداري بمعناه الواسع يعني "قانون الإدارة" أياً كانت القواعد القانونية التي تحكمها قواعد القانون الخاص أم قواعد قانونية متميزة عنها "قواعد القانون العام" , والقانون الإداري بهذا المعنى موجود في كل مجتمع سواء اخذ بمبدأ الازدواج القانون أم لم يأخذ .
أما القانون الإداري بمعناه الفني أو الضيق فينحصر دوره بما يطبق على الإدارة من قواعد قانونية متميزة ومغايرة لقواعد القانون الخاص ولا يوجد بهذا المعنى إلا في الدول إلى تأخذ بنظام الازدواج القانوني .
ومع أوجه الاختلاف بين القانون الإداري والإدارة العامة فإن بينهما الكثير من أوجه التقارب , من حيث أنها يتعلقان بالبحث في موضوع واحد هو الجهاز الإداري في الدولة وأن انحصرت دراسة كل منها بجانب من جوانبه , حتى أننا نجد أنه في الدول التي لا تأخذ بالازدواج القانوني "النظم الانجلوسكسونية " تشتمل دراسة الإدارة العامة على النواحي القانونية التي يحكمها من حيث الأصل القانون الإداري بالإضافة إلى دراسة الناحية الفنية والتنظيمية .

الفصل الثاني
نشأة القانون الإداري وتطوره
تعد فرنسا مهد القانون الإداري ومنها انتشر إلى الدول الأخرى , ويرجع الفضل في ظهور هذا القانون إلى عوامل تاريخية تأتي في مقدمتها الأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية عام 1789 م , التي قامت على أساس الفصل بين السلطات، ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية .
وأدى هذا الاتجاه إلى وجود نظام القضاء المزدوج الذي كان مهداً لنشؤ الازدواج القانوني وظهور القانون الإداري .

المبحث الأول
نشؤ القانون الإداري في فرنسا

كانت سلطات الحكم قبل الثورة الفرنسية مركزة في يد الملك حيث ساد نظام الملكية المطلقة , ولم تكن الدولة تخضع للمساءلة أو الرقابة أمام القضاء بواسطة دعاوى الأفراد , وهي إن تعاملت مع الأفراد خضعت معاملاتها للقانون المدني . ( )
وفي هذه الفترة كانت توجد محاكم قضائية تدعى البرلمانات
Parlements أنشئت لتكون ممثلة للملك في وظائفه القضائية , وكانت الدعاوى تستأنف أمامها ما لم سند الملك ذلك الاختصاص إلى جهة أخرى , كما وجدت محاكم مختصة ببعض المنازعات الإدارية . ( )
وقد كانت البرلمانات تمارس سيطرة رجعية على الإدارة وتتدخل في شؤونها وتعارض وتعرقل كل حركة إصلاحية ( ) مما حدى برجال الثورة الفرنسية إلى منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية , من خلال تبنيهم لمبدأ الفصل بين السلطات .

1. مرحلة الإدارة القاضية :
Administration Juge
تأكيداً لاتجاه الثورة الفرنسية في الفصل بين السلطات صدر قانون 16-24 أغسطس 1790 , الذي نص على إلغاء المحاكم القضائية ( البرلمانات ) وإنشاء ما يسمى بالإدارة القاضية أو الوزير القاضي كمرحلة أولى قبل إنشاء مجلس الدولة الفرنسي , ومنع القضاء العادي من النظر في المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها و أصبحت الهيئات الإدارية هي صاحبة الاختصاص في الفصل بهذه المنازعات .
وفي مرحلة الإدارة القاضية كان على الأفراد اللجوء إلى الإدارة نفسها للتظلم إليها وتقديم الشكوى , فكانت الإدارة هي الخصم والحكم في الوقت ذاته وكان هذا الأمر مقبولاً إلى حد ما في ذلك الوقت بسبب السمعة السيئة لقضاء البرلمانات التعسفية .

2. إنشاء مجلس الدولة الفرنسي :
بنشوء مجلس الدولة في 12 ديسمبر 1797 في عهد نابليون بونابرت وضعت اللبنة الأولى للقضاء الإداري الفرنسي مع أن اختصاص المجلس كان أو الأمر استشارياً يتطلب تصديق القنصل .
وفي الوقت ذاته تم إنشاء محاكم أو مجالس الأقاليم
Les Conseils de Préfecture التي كانت تصدر أحكاماً لا تحتاج إلى تصديق سلطة إدارية عليا ، إلا أن أحكامها تستأنف أمام مجلس الدولة الذي كانت أحكامه تعرض على القنصل.
فقد كان عمل المجلس يقتصر على فحص المنازعات الإدارية وإعداد مشروعات الأحكام , فلم يكن يملك سلطة القضاء وإصدار الأحكام , ولذا سمى قضاؤه في هذه المرحلة " القضاء المقيد" أو المحجوز
Justice Retenue وقد استمرت هذه المرحلة إلى عام 1872 حيث أصبح قضاؤه مفوضاً .

3. مرحلة القضاء المفوض
Justice délégúee
في 24 مايو 1872 صدر قانون منح مجلس الدولة الفرنسي اختصاص البت نهائياً في المنازعات الإدارية دون تعقب جهة أخرى .
ومع أن هذا القانون خول المجلس سلطة البت النهائي في المنازعات الإدارية فإنه أبقي على اختصاص الإدارة القاضية فلا يملك الأفراد اللجوء إلى مجلس الدولة إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون , وفيما عدا ذلك تختص به الإدارة القاضية , مما أوجد ازدواجاً قضائياً , واستمر هذا الوضع حتى تاريخ 13ديسمبر 1889 عندما قبل مجلس الدولة دعوى قدمها أحد الأفراد مباشرة من دون المرور على الإدارة في قضية
Cadot وترتب على حكمه فيها أن أصبح مجلس الدولة صاحب الاختصاص العام في المنازعات الإدارية .
وبسبب تراكم العديد من القضايا أمام مجلس الدولة حدد المشرع اختصاص مجلس الدولة على سبيل الحصر بموجب المرسوم الصادر في 30 سبتمبر 1953 , وأصبحت المحاكم الإدارية التي كانت تسمى مجالس الأقاليم صاحبة الاختصاص العام في المنازعات الإدارية .
ثم أعقب ذلك بعض المراسيم التي تضمنت الإصلاحات منها المراسيم الأربعة الصادرة في 30 يوليو 1963 المتعلقة بتحديد النظام الأساسي للعاملين في المجلس وتنظيمه الداخلي ونشاطه الداخلي , وتم تعديل هذا التنظيم بثلاثة مراسيم أخرى في 26 أغسطس 1975 م , وبمرسوم في 15 يناير 1980 , وآخر في 16 ديسمبر 1987 لإصلاح القضاء الإداري أنشأ بموجبه المحاكم الإدارية الاستئنافية ووسع نطاق الطعن بالنقض أمام مجلس الدولة .
وقد أصبح مجلس الدولة خلال تاريخه الطويل قاضي المنازعات الإدارية دون منازع, وساهم في إرساء مبادئ القانون الإداري وقواعده المتميزة عن قواعد القانون الخاص وابتدع الحلول المناسبة لمقتضيات حسن سير الإدارة العامة, وأكد على وجود واستقلال القانون الإداري .

المبحث الثاني
نشوء القانون الإداري في مصر

قبل نشوء مجلس الدولة في مصر عام 1946 لم تعرف مصر القضاء الإداري , وقد كانت المحاكم المختلطة والأهلية السائدة قبل هذا التاريخ في النظام القضائي المصري تطبق بعض القوانين على المنازعات بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة , ولم يكن من بينها القانون الإداري .
وقد ذهب جانب من الفقه الإداري المصري إلى أن أساس القانون الإداري ومبادئه قد بدأت تظهر من خلال أحكام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية , بينما خالف جانب آخر منهم, وذهب إلى أن مبادئ القانون الإداري لم تنشأ حقيقة إلا من خلال أحكام مجلس الدولة بعد أن إنشاؤه عام 1946 . ( )
وكان مجلس الدولة وقت إنشاؤه يتمتع بصلاحيات محددة وبمحكمة قضاء إداري واحدة , ثم ما لبث أن توسعت اختصاصاته إذ صدر القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي وسع اختصاصاته ثم أنشأت المحاكم الإدارية بالقانون رقم 147 لسنة 1954 , وبعد ذلك في عام 1955 تم إنشاء المحكمة الإدارية العليا لتكون في قمة القسم القضائي بمجلس الدولة .
ثم صدر القانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن تنظيم مجلس الدولة , وقد مر مجلس الدولة بتطورات عدة حتى صدر القانون الحالي رقم 47 لسنة 1972 وتعديلاته .
ووفقاً لهذا القانون يعد مجلس الدولة هيئة قضائية ملحقة بوزير العدل , ويتكون من رئيس وعدد من نواب الرئيس والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين ومن مندوبين مساعدين .
هذا ولم تؤثر تبعية المجلس لوزير العدل في استقلاله في ممارسة وظيفته إذ لا تتعدى هذه التبعية منح الوزير الأشراف الإداري وضمان حسن سير العمل الوظيفي , وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون رقم 47 لسنة 1972 " مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة " .
ولم يولد المجلس قوياً منذ نشأته فقد كان القضاء الإداري صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وكانت اختصاصات مجلس الدولة محددة على سبيل الحصر في القوانين التي سبقت القانون الحالي .
ففي ظل القانون رقم 112 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 1949 كان القضاء العادي ينفرد بنظر دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية ويختص بالاشتراك مع المجلس في نظر طلبات التعويض عن القرارات الإدارية ، ويترتب على رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية وإذا ما رفعت دعوى الإلغاء أو التعويض إلى مجلس الدولة عدم جواز رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية فإنه يمتنع رفعها أمام مجلس الدولة .
كما كانت المحاكم العادية تنفرد بنظر المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية حتى صدور القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي منح المجلس النظر في منازعات عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد بالاشتراك مع المحاكم العادية .
وفي ظل القانونين 165 لسنة 1955 و 55 لسنة 1959 استمرت المحاكم العادية تنفرد بالنظر في دعوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية في الوقت الذي استقل به مجلس الدولة بنظر المنازعات المتعلقة بالتعويض عن القرارات الإدارية والعقود الإدارية .
وبصدور القانون 47 لسنة 1972 أصبح مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بالنظر في المنازعات الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، فقد ورد في المادة 172 من القانون رقم 47 لسنة 1972 " مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ، ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية ، وفي الدعاوى لتأديبية ويحدد اختصاصاته الأخرى " .
وبذلك أصبح مجلس الدولة قاضي القانون العام المختص بالفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية وساهم بإرساء مبادئ القانون الإداري , وكان له دور رائد في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من عسف الإدارة وإلغاء قراراتها المعيبة والتعويض عنها .

الفصل الثالث
خصائص ومصادر القانون الإداري

نبين في هذا الجزء من الدراسة الخصائص التي يتميز بها القانون الإداري والمصادر التي يستمد منها أحكامه وذلك في مبحثين .

المبحث الأول
خصائص القانون الإداري
يتميز القانون الإداري ببعض الخصائص منها أنه قانون سريع التطور ، وقانون غير مقنن , وأنه من صنع القضاء .
أولاً : قانون سريع التطور .
يستم القانون الإداري بأنه قانون يتطور بسرعة تفوق التطور الاعتيادي في القوانين الأخرى ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة المواضيع التي يعالجها ، فقواعد القانون الخاص تتميز بالثبات والاستقرار ، وقد ثمر فترة طويلة قبل أن ينالها التعديل أو التغيير ، ويعود ذلك إلى أن العلاقات التي ينظمها القانون الخاص بفروعه المختلفة " قانون مدني ، قانون تجاري ، قانون مرافعات " تتعلق بقواعد عامة تتطلب قدراً من الاستقرار مع ترك الحرية للأفراد من تسيير الأمور الأخرى ذات الطابع المتغير في حدود القواعد العامة المنصوص عليها على عكس القانون الإداري الذي يعالج مواضيع ذات طبيعة خاصة لتعلقها بالمصلحة العامة وحسن تسيير وإدارة المرافق العامة وجانب من أحكامه غير مستمدة من نصوص تشريعية وإنما من أحكام القضاء وخاصة القضاء الإداري الذي يتميز بأنه قضاء يبتدع الحلول للمنازعات الإدارية ولا يتقيد بأحكام القانون الخاص إنما يسعى إلى خلق ما يتلائم مع ظروف كل منازعة على حده تماشياً مع سرعة تطور العمل الإداري ومقتضيات سير المرافق العامة .
ولعل من أسباب سرعة تطور القانون الإداري أنه يتأثر بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدولة وهي عوامل متغيرة باستمرار وغير مستقرة نسبياً ، فاتساع نشاط الدولة ونزعتها التدخلية وانتشار الحروب والازمات الاقتصادية وظهور المرافق العامة الاقتصادية , وما إلى ذلك من ظواهر اقتصادية وسياسية وإدارية ، وضرورة استيعاب القانون الإداري لهذه المتغيرات ومواجهتها أدى بالضرورة إلى التطور المستمر في أحكامه .

ثانياً : قانون من صنع القضاء .
يتميز القانون الإداري أيضاً بأنه قانون قضائي نشأ عن طريق المبادئ والقواعد الإدارية التي خلقها القضاء ، وقد ساعد على ذلك عدم تقنين أغلب قواعد القانون الإداري فكان لابد للقضاء أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسسه ونظرياته .
وإذا كان التشريع ينهض في الحقيقة ببعض مواضيع القانون الإداري خاصة ما يتعلق ببعض النصوص الدستورية والتشريعية واللائحية التي تحكم جوانب مهمة من علاقات الإدارية العامة مثل قانون الخدمة المدنية ولائحة العقود الإدارية ، فأن التشريع لا زال قاصراً عن مجالات أخرى كثيرة من قبل قواعد القرار الإداري وقواعد المسؤولية الإدارية وشروط الطعن بالإلغاء , وما إلى ذلك من مجالات لازال القضاء يمثل المصدر الرسمي الرئيس لأحكامه .
وقد كشف مجلس الدولة الفرنسي عن النظريات والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري وأستلم عنه القضاء الإداري في مصر العديد من أحكامه ، حتى أصبح دور المشرع في كثير من الأحيان مقتصراً على تسجيل ما توصل إليه القضاء الإداري من أحكام . ( )
ودور القضاء الإداري في هذا المجال كان متميزاً عن دور القضاء العادي ، الذي ينحصر بتطبيق القانون على المنازعة دون أن يتعداه لخلق الحلول المناسبة التي تتفق مع طبيعة منازعات القانون الإداري ، الأمر الذي أضفى على قواعد القانون الإداري الطابع العملي الذي يتماشى مع ظروف واحتياجات المرافق العامة ومقتضيات سيرها الحسن وتطورها المستمر .
ومع ذلك يتقيد القضاء في أداء مهامه وابتداعه لمبادئ وقواعد القانون الإداري يعدم مخالفة النصوص التشريعية القائمة على أساس أن القضاء أنما يعبر عن إرادة مفترضة للمشرع , أما إذا أفصح عن إرادته تلك بنصوص تشريعية فأنه يلتزم بتطبيق تلك النصوص في أحكامه . ( )

ثالثاً : قانون غير مقنن .
يقصد بالتقنين أن يصدر المشرع مجموعة تشريعية تضم المبادئ والقواعد العامة والتفصيلية المتعلقة بفرع من فروع القانون كما هو الحال في مدونة القانون المدني أو مدونة قانون العقوبات .
ولا يخفى ما لتدوين القواعد العامة والتفصيلة لقانون ما من أهمية من حيث إضفائه الثبات والاستقرار على نصوص التشريع وسهولة الرجوع إلى أحكامه .
وقد نشأ القانون الإداري في فتره انتشرت فيها حركة التقنين في أعقاب الثورة الفرنسية وتم تدوين قواعد القانون المدني في مدونة نابليون . ( )
إلا أن القانون الإداري لم تشمله هذه الحركة رغم رسوخ مبادئه واكتمال نظرياته ويرجع عدم تقنينه إلى سرعة تطوره وتفرع وسعة مجالاته مما يجعل من الصعوبة جمع أحكامه في مدونه واحدة خاصة وان أحكامه في الغالب ذات طبيعة قضائية ، ولا يخفى ما في أحكام القضاء الإداري من مرونة تتأثر بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع .
وإذا كان عدم التقنين يعني عدم جمع إحكام القانون الإداري في مجموعة أو مدونة واحدة فإن ذلك لا ينفي وجود تقنينات جزئية لبعض موضوعات القانون الإداري ، من ذلك وجود تشريعات خاصة بالموظفين وتشريعات خاصة بنزع الملكية للمنفعة العامة وقوانين خاصة بالتنظيم الإداري أو القضاء الإداري إلى غير ذلك من مواضيع يتعذر جمعها في تقنين شامل .

المبحث الثاني
مصادر القانون الإداري
تشتمل مصادر القانون الإداري على مصادر القانون بصورة عامة ، وهي عادة أربعة مصادر " التشريع – العرف – القضاء – الفقه " .
وإذا كان التشريع والعرف يعدان المصدران الرسميان للقوانين الأخرى ، بينما يمثل القضاء والفقه المصدران التفسيريان للقواعد القانونية ، فإن القانون الإداري يمنح القضاء دوراً هاماً , بل يعده أهم مصادر القانون الإداري على الإطلاق ، ويكون مع التشريع والعرف مصدراً رسمياً للقانون الإداري , بينما يبقى الفقه مصدراً تفسيراً له .
وفيما يلي نعرض لهذه المصادر وبشيء من التفصيل .
أولاً : التشريع .
يقصد بالتشريع كمصدر للقانون الإداري مجموعة القواعد القانونية المكتوبة الصادرة من السلطة المختصة في الدولة ، وقد تكون هذه السلطة سلطة تأسيسة فيكون التشريع دستورياً، أما إذا كانت السلطة تشريعية فيكون التشريع عادياً ويطلق عليه اصطلاح القانون ، وأخيراً إذا كانت هذه السلطة تنفيذية فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته بالتشريعات الفرعية أو اللوائح ، ويتميز التشريع عن غير من المصادر الأخرى بوضوحه وتحديده وسهولة تعديله .
1. التشريع الدستوري :-
تعد التشريعات الدستورية المصدر الأساسي والرسمي للقانون الإداري ، وتقع التشريعات الدستورية الدستورية في قمة الهرم القانوني ، وتسمو على القواعد القانوينة الأخرى جميعاً ، فهي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقتها بالمواطنين ، وتتضمن التشريعات الدستورية بعض الموضوعات المتعلقة بالقانون الإداري ، كتنظيم الجهاز الإداري في الدولة ونشاطه وحقوق الأفراد وحرياتهم .
ويتوجب على الإدارة بوصفها جهاز السلطة التنفيذية أن تلتزم بالمبادئ التي جاء بها الدستور ولا يحق لها مخالفتها وإلا عدت أعمالها مخالفة لمبدأ المشروعية مما يعرضها للإلغاء والتعويض عما تسببه من أضرار .
والقواعد الدستورية يقصد بها مجموعة القواعد المكتوبة في وثيقة أو عدة وثائق دستورية فحسب فمن الممكن أن تكون تلك القواعد غير مكتوبة في ظل دستور عرفي يتمتع بسمو القواعد الدستورية المكتوبة ذاتها .
كذلك تتمتع إعلانات الحقوق ما تضمنته هذه الإعلانات في حقوق وحريات الأفراد بقوة النصوص الدستورية فلا يجوز مخالفتها .

2. التشريع العادي .
يأتي التشريع العادي أو القانون بالمرتبة الثانية بعد الدستور ، من حيث التدرج التشريعي باعتباره صادراً من الهيئة التشريعية المعبرة عن الإرادة العامة وهي صاحبة الاختصاص في ذلك .
والإدارة بوصفها السلطة التنفيذية تخضع لأحكام القوانين فإذا خالفت حكم القانون أو صدر عمل إداري استناداً إلى قانون غير دستوري وجب إلغاء ذلك العمل . ( )
3. التشريع الفرعي أو اللوائح .
يطلق على القواعد القانوينة التي تصدرها السلطة التنفيذية التشريع الفرعي ، وتسمى في مصر اللوائح الإدارية ، وهي قواعد عامة مجردة واجبة الاحترام تلي التشريع العادي في مرتبتها في سلم التدرج القانوني , وتخضع لرقابة القضاء الإداري على أعمال الإدارة باعتبارها قرارات إدارية يجب أن تكون متفقة مع القانون .

أ / اللوائح التنفيذية :
تصدر الوزارات بصفتها الهيئة لتنفيذية في الدوله اللوائح التنفيذية المتعلقة بتنفيذ القوانين الصادرة عن السلطه التشريعيه لتوضيح ما يكتنفها من غموض وتسهيل تطبيقها .
ب/ اللوائح التنظيمية .
تمارس الاداره أيضاً اختصاص إصدار اللوائح التنظيمية التي تتعدى تنفيذ القوانين إلى تنظيم بعض الأمور التي يتطرق إليها القانون فتقترب وظيفتها من التشريع , ومن ذلك قيامها بما يتعلق بتنظيم الجهات الإدارية ونظام العمل بها وشؤونها الإدارية والمالية , وهو من صميم عملا الوزاره بصفتها المختصة بتنظيم الجهاز الإداري في الدولة .
ج/ اللوائح الضبطية أو البوليسية .
تختص الهيئة التنفيذية بإصدار لوائح الضبط الإداري المتعلقة بالمحافظة على الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة من ذلك اللوائح الخاصة بمكافحة الضوضاء أو غلق المحال المضرة بالصحة العامة .
د/ اللوائح التفويضية .
تصدر الهيئة التنفيذية هذا النوع من اللوائح بتفويض من الهيئة التشريعية التي يمثلها البرلمان في العراق في موضوعات تدخل أصلاً ضمن اختصاصه ، ومن ذلك اختصاصها بإصدار اللوائح الخاصة بإنشاء وتنظيم المؤسسات والهيئات والمصالح والشركات العامة لممارسة الاختصاصات ذات الطبيعة الاستراتيجية وتحديد أهدافها واختصاصاتها .
ﻫ/ لوائح الضرورة .
تصادف الهيئة التنفيذية في بعض الأوقات ظروفاً استثنائية تجبرها على إصدار لوائح إدارية تضمن حماية النظام العام وحسن سير المرافق العامة لتعذر صدروها من الهيئة التشريعية المختصة فعلاً بإصدارها ، لغيبتها أو لحصولها في غير فترة انعقادها على أن تعرض على الهيئة التشريعية خلال مدة معينة لكي تقرها .
ثانياً : العرف :-
العرف الإداري هو مجموعة القواعد التي درجت الإدارة على إتباعها في أداء وظيفتها في مجال معين من نشاطها وتستمر فتصبح ملزمة لها ، وتعد مخالفتها مخالفة للمشروعية وتؤدي إلى أبطال تصرفاتها بالطرق المقررة قانوناً .
ويأتي العرف الإداري في مرتبة أدني من مرتبة القواعد القانونية المكتوبة مما يستلزم إلا يخالف نصاً من نصوص القانون فهو مصدر تكميلي للقانون يفسر ويكمل ما نقص منه ولكي يصبح سلوك الإدارة عرفاً إدارياً و مصدراً من مصادر القانون الإداري ، يجب أن يتوافر فيه ركنان : ركن مادي و ركن معنوي .

1. الركن المادي :
ويتمثل الركن المادي باعتياد جهة الإدارة على إتباع سلوك معين في نشاط معين وقد يكون هذا الاعتياد ايجابياً يظهر في صورة القيام بعمل ، كما يمكن أن يكون سلبياً في صورة الامتناع عن القيام بعمل ما ،على أن يكون هذا العمل أو الامتناع بشكل ثابت ومستقر ويتكرر في الحالات المماثلة بشرط أن يمضى الزمن الكافي لاستقراره ، وتقدير ما إذا كانت هذه المدة كافيه لوجود العرف من عدمه أمر مرجعه إلى القضاء .

2. الركن المعنوي :
أما الركن المعنوي فهو اعتقاد الإدارة والأفراد بإلزامية القاعدة المتبعة وضرورة احترامها وعدم مخالفتها واعتبار ذلك مخالفة قانونية تتطلب الجزاء ، وبهذا المعنى تكون القرارات الإدارية التي تصدر مخالفة للعرف الإداري غير مشروعة وعرضه للإلغاء إذا طعن في مشروعيتها أمام القضاء .
إلى جانب ذلك يجب أن يكون العرف الإداري عاماً تطبقه الإدارة بشكل منتظم ومستمر بلا انقطاع في جميع الحالات المماثلة وان يكون مشروعاً وغير مخالف لنص قانوني أو لائحي .
ومن الجدير بالذكر أن التزام الإدارة باحترام العرف لا يحرمها من أمكان تعديله أو تغييره نهائياً إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة فالإدارة تملك تنظيم القاعدة التي يحكمها العرف بيد أن قيام العرف الجديد يتطلب توفر الركنين السابقين فلا يتكون بمجرد مخالفة الإدارة للعرف المطبق . ( )
أما إذا خالفت الإدارة العرف في حالة فردية خاصة دون أن تستهدف تعديله أو تغييره بدافع المصلحة العامة فإن قرارها أو إجراءها المخالف للعرف يكون باطلاً لمخالفته مبدأ المشروعية . ( )
ومع ذلك فأن دور العرف كمصدر رسمي للقانون الإداري أقل أهمية من المصادر الرسمية أخرى لصعوبة الاستدلال على القاعدة العرفية من جهة , ولأن الإدارة في الغالب تلجأ إلى اللوائح كوسيلة لتنظيم نشاطها الإداري من جهة أخرى .
ثالثاً : القضاء .
الأصل في وظيفة القاضي تطبيق القوانين والفصل في المنازعات المعروضة أمامه ، وهو ملزم قانوناً بالفصل في المنازعة الداخلة في اختصاصه وإلا اعتبر منكراً للعدالة ، لذلك رسم المشرع للقاضي الأسلوب الذي يسلكه لفض المنازعة إذا لم يجد في القواعد القانونية حلاً للمنازعة .
وعلى ذلك لا يعد القضاء مصدراً رسمياً للقانون لدوره المتعلق بتطبيق النصوص التشريعية وتفسيرها وإزالة غموضها وإزالة التعارض المحتمل بينها ، ولا يتعدى القاضي هذا الأمر ليصل إلى حد خلق قواعد قانونية خارج نصوص التشريع . ( )
إلا أن الطبيعة الخاصة لقواعد القانون الإداري من حيث عدم تقنينه وظروف نشأته وتعدد مجالات نشاطه ، أدى إلى أن يتجاوز القضاء الإداري دور القضاء العادي ليتماشى مع متطلبات الحياة الإدارية فيعمد إلى خلق مبادئ وأحكام القانون الإداري ،

فيصبح القضاء مصدر رسمي للقانون الإداري بل من أهم مصادرها الرسمية ، ويتعدى دوره التشريع في كثير من الأحيان .
وتتميز أحكام القضاء الإداري بعدم خضوعها للقانون المدني ، فالقاضي الإداري إذا لم يجد في المبادئ القانونية القائمة نصاً ينطبق على النزاع المعروض عليه يتولى بنفسه إنشاء القواعد اللازمة لذلك دون أن يكون مقيداً بقواعد القانون المدني .
ومن جانب آخر أن أحكام القضاء العادي ذات حجية نسبية تقتصر على أطراف النزاع وموضوعه ولهذا تحدد قيمتها بوصفها مصدراً تفسيراً على النقيض من أحكام القضاء الإداري التي تتميز بكونها حجة على الكافة .
وفي ذلك يتبين أن للقضاء دوراً إنشائياً كبيراً في مجال القانون الإداري ومن ثم فهو يشكل مصدراً رئيسياً من مصادر المشروعية .
رابعاً : المبادئ العامة للقانون .
تعد المبادئ العامة للقانون مصدراً مهماً من مصادر القانون الإداري ويقصد بالمبادئ العامة للقانون تلك المبادئ التي لا تستند إلى نص مكتوب ، وإنما يكون مصدرها القضاء وهي تختلف عن المبادئ القانونية التي يكون مصدرها التشريع . ( )
وقد لجأ القضاء الإداري إلى المبادئ العامة للقانون للفصل في العديد من المنازعات الإدارية لعدم تقنين قواعد القانون الإداري .
وتستمد أغلب هذه المبادئ من الطبيعة المتميزة للحياة الإدارية , كمبدأ دوام استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد ، والمساواة بين المنتفعين بخدمات المرافق العامة ، ونظرية الظروف الاستثنائية , أو تستمد في فكرة العدل والمنطق والتي بمقتضاها مارس القضاء الإداري رقابته على الوجود المادي للوقائع وصحة التكييف القانوني لها وضرورة التناسب بين جسامة الذنب الإداري والعقوبة المقررة لها . ( )
والقضاء الإداري بهذا المعنى لا يخلق المبادئ العامة للقانون إنما يقتصر دوره على كشفها والتحقيق من وجودها في الضمير القانوني للأمة ، ولذلك فمن الواجب على الإدارة والقضاء احترامها والتقيد بها باعتبارها قواعد ملزمة شأنها في ذلك شأن القواعد المكتوبة .

الفصل الرابع
أساس القانون الإداري

سعى الفقه والقضاء نحو إيجاد أساس أو فكرة عامة تصلح أن تكون دعامة تقوم عليها مبادئ ونظريات القانون الإداري وتحديد المعيار المميز لموضوعاته عن موضوعات القوانين الأخرى .
وإذا كان القانون الإداري في معناه التقليدي قد نشأ في ظل النظام القضائي المزدوج فإن البحث عن أساس القانون الإداري يساهم بالإضافة إلى بيان الأساس النظري والفني لأحكام ومبادئ القانون الإداري , إلى وضع الأسس الكفيلة بتعيين الاختصاص بين القضاء الإداري والقضاء المدني خاصة وقد فشل المشرع في تحديد معاني أو موضوع المنازعة الإدارية وإعداد قائمة باختصاص القضاء الإداري , لعدم تمكنه من التنبؤ مسبقاً بمختلف المنازعات ذات الطبيعة الإدارية ، كما أن القضاء الإداري لم يعد جهة قضاء استثنائي كما نشاء ابتداءً إنما أصبح نظام قضائي موزاي لنظام القضاء المدني وله أهميته وأصالته .
وعلى ذلك كان لابد من وضع معيار ثابت ومستقر لتحديد أساس القانون الإداري ، وظهر في هذا المجال عدة نظريات أو معايير رغم تعددها لم تعش طويلاً إنما راح بعضها يغلب على بعض تباعاً واندماج بعضها بالبعض الآخر لسد ما انكشف فيها من نقص أو قصور .
وسنعرض فيما يلي لأهم هذه المعايير …
المبحث الأول
معيار أعمال السلطة وأعمال الإدارة

يقوم هذا المعيار على أساس تقسيم أعمال الإدارة إلى صنفين أعمال سلطة
Acte d’autorite وهي الأعمال التي تظهر فيها الإدارة بمظهر السلطة العامة وتتمتع بحق الأمر والنهي وهذا النوع من الأعمال تحكمه قواعد القانون الإداري ويخضع لاختصاص القضاء الإداري .
وأعمال الإدارة العادية
Actte de gestion وهي الأعمال التي تباشرها الإدارة بذات الأساليب التي يلجأ إليها الأفراد وفي نفس ظروفهم , وتحكمها قواعد القانون الخاص ويختص بها القضاء العادي لأنها لا تتصف بطابع السلطة .
وقد سادت هذه النظرية حتى نهاية القرن التاسع عشر وكان من أنصارها الفقيه لافيرير
Laferrlere وبارتلمي Berthelemy ( ) ، واعتمد القضاء الفرنسي عليها فترة من الزمن أساساً وحيداً للقانون الإداري .
إلا أن القضاء الإداري لم يلبث أن هجر هذا المعيار بفعل الانتقادات الموجه إليه ، وكان النقد الأساسي يتمثل في أنه ضيق إلى حد كبير من نطاق القانون الإداري ومن اختصاصات القضاء الإداري ، فطبقاً لهذه النظرية تقتصر أعمال السلطة على القرارات الإدارية والأوامر التي تصدرها سلطات الضبط الإداري لحفظ النظام العام ، وتستبعد من نطاق تطبيقها جميع الأعمال الأخرى من قبيل العقود الإدارية وأعمال الإدارة المادية .
كما أن هذا المعيار وبالرغم من بساطته ووضوحه صعب التطبيق في الواقع أو ليس من السهل التمييز بين أعمال السلطة وتصرفات الإدارة العادية نظراً لطبيعته وتداخل النشاط الإداري .
المبحث الثاني
معيار المرفق العام
ظهر هذا المعيار وتبلور ابتداءً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، وأصبح الفكرة الأساسية التي اعتمدت عليها أحكام مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع كأساس للقانون الإداري ومعيار لاختصاص القضاء الإداري ، وكان حكم روتشليد
Rotchild الصادر عام 1855 وديكستر Dekester الصادر عام 1861 من الأحكام الأولى في تقرير هذه الفكرة.
إلا أن حكم بلانكو
Blanco الصادر عام 1873 يمثل في نظر الفقه والقضاء حجر الزاوية في نظرية المرفق العام Theorie de Service Public وتتخلص وقائع هذا الحكم في انه صدمت عربة صغيرة تتبع مصنع تبغ بوردو طفلة فأوقعتها وجرحتها , فرفع والد الطفلة النزاع إلى القضاء العادي طالباً التعويض من الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطاء الذي ارتكبه عمال المصنع التابع لها , إلا أن محكمة التنازع قررت أن الجهة المختصة بالنظر في النزاع هي القضاء الإداري وليس القضاء العادي , وقضى بأنه " لا تختص المحاكم العادية أطلاقاً بنظر الدعاوى المقامة ضد الإدارة بسبب المرافق العامة أياً كان موضوعها , حتى لو كانت تستهدف قيام القضاء العادي بمجرد الحكم عليها بمبالغ مالية تعويضاً عن الأضرار الناشئة عن عملياتها دون إلغاء أو تعديل أو تفسير قرارات الإدارة " .
ومن جانب آخر قرر هذا الحكم قواعد جديدة تحكم المسؤولية عن الأضرار التي تسببها المرافق العامة فورد " ومن حيث أن مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تسببها للأفراد بفعل الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العام لا يمكن أن تحكمها المبادئ التي يقررها التقنين المدني لتنظيم الروابط بين الفراد بعضهم وبعض ، وأن هذه المسؤولية ليست عامة ولا مطلقة ، بل لها قواعدها الخاصة التي تتغير تبعاً لحاجات المرفق , ولضرورة التوفيق بين حقوق الدولة والحقوق الخاصة " . ( )
وتطبيقاً لهذه النظرية فإن أساس القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، إنما يتعلق بكل نشاط تديره الدولة أو تهيمن على إدارته ويستهدف تحقيق المصلحة العامة .
والمرفق العام بهذا المعنى هو النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى مباشرة أو تعهد به إلى جهة أخرى تحت إشرافها ومراقبتها وتوجيهها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام . ( )
وقد عزز هذا الاتجاه أن وضع العميد (ديجي)
Duguit لأسس نظريته عن المرافق العامة التي كان لها شأن كبير بين نظريات القانون الإداري حتى باتت تقوم على اعتبار المرفق العام ومقتضيات سيره المبرر الوحيد لوجود نظام قانوني خارج عن المألوف في قواعد القانون الخاص .
وقد تجاوزت هذه النظرية الانتقادات التي وجهت لمعيار التفرقة بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية ، فشملت جميع نشاطات الإدارة المتصلة مباشرة بالمرافق العامة التي يحكمها القانون الإداري .
ويختص القضاء الإداري في نظر المنازعات الناشئة عنها من قبيل القارات والعقود الإدارية والأعمال المادية سواء أصدرت عن الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى التابعة لها , ما دامت تستهدف من هذه الأعمال إشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .
مع ضرورة الإشارة إلى استثنائين محدودين في هذا المجال يتعلق الأول بإدارة الدولة أو الأشخاص التابعة لها لأموالها الخاصة فلا تكون في نكون في هذه الحالة أمام مرفق عام , أما الاستثناء الأخر فيتعلق بعدول الإدارة عن استعمال وسائل القانون العام واستعمالها قواعد القانون الخاص في إدارة نشاط من نشاطاتها وفي هاتين الحالتين تطبق قواعد القانون الخاص, ويختص القضاء العادي بنظر المنازعات الناشئة عنها .
وقد أيد جانب كبير من فقهاء القانون الإداري هذه النظرية كأساس للقانون الإداري الذي أصبح يسمى " قانون المرافق العامة " وأطلق على أنصارها " مدرسة المرافق العامة " .
ومن أبرز فقهاء هذه المدرسة تيسيه
Teissier , ديجي Duguit , وبونار Bonnard وجيز Jeze .

أزمة نظرية المرفق العام
رغم النجاح الكبير الذي حققته هذه النظرية كأساس للقانون الإداري ومبادئه وأحكامه ومعياراً لتحديد اختصاصات القضاء الإداري , واحتلالها مركز الصدارة بين النظريات الأخرى خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين , لم تلبث أن تراجعت بفعل تطور الحياة الإدارية , والتغييرات التي طرأت في القواعد التي قامت عليها فكرة المرافق العامة , بتأثير من سياسة الاقتصاد الموجه والمبادئ الاشتراكية وزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وما رافق ذلك من ظهور المرافق الاقتصادية والاجتماعية والصناعية والمرافق المهنية المختلفة . ( )
ومن الأسباب الأخرى لتراجع نظرية المرفق العام كما اصطلح على تسميتها ظهور مرافق عامة ذات نفع عام يديرها الأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة .
وأدت هذه التطورات مجتمعة إلى صعوبة تحديد مضمون المرفق العام , مما دعى الفقه والقضاء إلى البحث عن معيار آخر للقانون الإداري , إلا أنه مع ما أصاب هذه النظرية من نقد بقيت أحكام مجلس الدولة الفرنسي تؤكد دور المرفق العام كأساس للقانون الإداري إلا أن هذا الدور لم يعد كافياً أو حجر زاوية كما كان في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري .

المبحث الثالث
معيار السلطة العامة وأمتياراتها

إزاء الانتقادات الموجة إلى معيار المرفق العام , طرح جانب من الفقه معياراً آخر بديل عنه هو معيار السلطة العامة , ومقتضاه أن فكرة السلطة , هي الأقدر في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري ونطاق اختصاص القضاء الإداري ، ذلك أن العنصر المهم في نظام القانون الإداري المميز له عن القانون الخاص لا يتعلق بالأهداف أو الغايات التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها المتمثلة بالمنفعة العامة كما ذهبت نظرية أو معيار المرفق العام، وإنما يقوم على أساس الوسائل التي تستعملها الإدارة في سبيل تحقيق تلك الأهداف، فإذا كانت هذه الوسائل تتميز بسلطات وامتيازات استثنائية لا نظير لها في علاقات الأفراد، كنا أمام نشاط يحكمه القانون الإداري ويختص بالمنازعات الناشئة عنه القضاء الإداري .( )
وقد أسس هذا المعيار العميد موريس هوريو
Hauriou الذي أنشاء مدرسة مناهضة لمدرسة المرفق العام أطلق عليها " مدرسة السلطة العامة " ، ومبادئ هذه النظرية متميزة عن نظرية السلطة العامة التقليدية والتي تفرق بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية .
فنظرية السلطة العامة كما ذهب هوريو لا تتعلق بالأوامر والنواهي إنما تشمل كل نشاط إداري تمارسه الإدارة مع استعمالها لوسائل القانون العام غير المألوفة في القانون الخاص .
ومن الجدير بالذكر أن " هوريو " لم ينكر فكرة المرفق العام ، إنما جعلها ثانوية بالمقارنة مع دور السلطة العامة كأساس للقانون الإداري ومعيار لتحديد اختصاص القضاء الإداري , فهو غلب عنصر الوسائل التي تستخدمها الإدارة على عنصر الغاية أو الهدف.( )
المبحث الرابع
معيار المنفعة العامة
نادى بهذه الفكرة الأستاذ مارسيل فالين
Waline الذي كان من أشد المدافعين عن معيار المرفق العام ثم تخلى عنه تحت تأثير الأزمة التي مر بها هذا المعيار ، واقترح محله فكرة المنفعة العامة .
وتقوم هذه الفكرة على أن أساس القانون الإداري ومعيار اختصاص القضاء الإداري إنما يقوم على تحقيق المنفعة العامة والمصلحة العامة ، فالنشاط الإداري يستهدف تحقيق النفع العام وهو ما يميزه عن النشاط الخاص . ( )
وقد اعتمد فالين في تأسيس نظريته على حكم مجلس الدولة في قضية بلدية مونسيجور
Commune de Monsegur الصادر في 10/6/1921 وتتلخص وقائع القضية أنه وقع حادث لصغير حرج في كنيسة مونسيجور بسقوط حوض " ماء مقدس " تسبب فيه بتعلقه واثنين من زملائه به ، مما أصابه بعاهة مستديمة تمثلت بقطع ساقه ، وقد حصل والد الطفل على حكم من مجلس الإقليم بإلزام البلدية المسئولة عن صيانة الكنيسة بالتعويض ، وقد استئنفت البلدية هذا الحكم من ناحية أنه منذ عام 1905 لم تعد البلدية مسؤولة عن دور العبادة لانفصال الدين عن الدولة بقانون 9/9/1905 ولم تعد الكنائس منذ هذا التاريخ مرافق عامة ، وبالتالي لا تدخل دعوى التعويض في اختصاص القضاء الإداري .
غير أن مجلس الدولة لم يأخذ بهذا الدفع وأسس قضائه على أنه وأن لم تعد مرافق العبادة مرفقاً عاماً منذ انفصال الدين عن الدولة ، فإن ترك الكنائس تحت تصرف المؤمنين والمكلفين بإقامة شعائر العبادة لممارسة ديانتهم إنما يكون تنفيذاً لغرض ذي نفع عام . ( )
وفكرة المنفعة العامة هذه أكثر اتساعاً من فكرة المرفق العام إلا أنها لم تسلم من النقد الشديد من حيث أن جل عمل الدولة إنما يتعلق بتحقيق المنفعة العامة أو المصلحة العامة .
كما أن تحقيق النفع العام ليس حكراً على الدولة وأجهزتها الإدارية ، وإنما قد يساهم الأفراد في تحقيقها وذلك من خلال المؤسسات والمشروعات الخاصة ذات النفع العام وهي مشاريع تخضع لأحكام القانون الخاص ويختص القضاء العادي بالمنازعات الناشئة عنها .
لذلك لم تعش هذه الفكرة طويلاً ولم تصلح أساساً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري لسعتها وعدم تحديدها وسرعان ما تخلى عنها فالين نفسه واتجه نحو معيار آخر .
المبحث الخامس
معيار السلطة العامة الحديث
حاول جانب من الفقه إحياء فكرة السلطة العامة وتجديدها لتصلح أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، ومن هؤلاء الأستاذ جورج فيدل
George Vedel الذي ذهب إلى أن فكرة السلطة العامة لا تعني فقط استخدام الإدارة لامتيازات وسلطات القانون العام باعتبارها سلطة آمره ، وإنما تشمل أيضاً القيود التي تحد من حرية الإدارة وتفرض عليها التزامات أشد من الالتزامات المفروضة على الأفراد في ظل القانون الخاص .( )
ومن هذه القيود عدم أمكان تعاقد الإدارة إلا بإتباع إجراءات وشروط معينة لا نظير لها في القانون الخاص ، كأتباعها أسلوب المناقصات أو المزايدات عند اختيار المتعاقد معها .
ومن ثم لا يكفي اتصال نشاط الإدارة بمرفق عام حتى تكون بصدد تطبيق القانون الإداري إنما يجب أن تكون لإدارة قد استخدمت في نشاطها امتيازات وسلطات استثنائية لا مثيل لها في القانون الخاص أو التزمت بقيود وحدود غير مألوفة في هذا القانون ، وفي الحالتين يختص القضاء الإداري بالمنازعات الناشئة عن مباشرة هذا النشاط .
وعلى عكس ذلك يختص القضاء العادي ويطبق القانون الخاص على كل نشاط تؤديه الإدارة مستخدمة أساليب مشابهة لتلك التي يستخدمها الأفراد أو لا تتضمن امتيازات أو شروط استثنائية .
وقد صادف هذا المعيار نجاحاً وقبولاً في الفقه والقضاء الإداريين وانحاز إليه فالين بعد أن تخلى عن معيار المرفق العام وبعده معيار النفع العام .

المبحث السادس
معيار الجمع بين المرفق العام والسلطة العامة

إزاء الانتقادات الموجهة لكل معيار من المعايير السابقة وعجزها في أن تكون أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، لم يعد الفقه والقضاء يتمسكان بفكره واحدة , واتجها نحو الجمع بين فكرتي السلطة العامة والمرفق العام .
وفي هذا المجال حاول الأستاذ
De Laubadere تجديد معيار المرفق العام بعد ما أصابه من تفكك نتيجة الأزمات التي تعرض لها وذلك عن طريق الجمع بين فكرتي المرفق العام والسلطة العامة ، لكنه جعل الأولوية للمرفق العام ، ثم يأتي استخدام أساليب القانون العام في المرتبة الثانية لسد الفراغ في المجالات التي عجز معيار المرفق العام عن القيام بدوره فيها . ( )
بينما ذهب الأستاذ شابي
Chapus إلى تغليب فكرة السلطة العامة على فكرة المرفق العام فقال أنه يجب أن لا نعتقد أن معيار الشروط المخالفة " السلطة العامة " دائماً معياراً مساعداً ، فالمعيار المأخوذ من الموضوع هو دائماً معيار مبدأ ، ففي كثير من الأحيان يفضل القاضي استخدام معيار الشرط غير المألوف وهذا يكون أسهل أو مناسباً أكثر . ( )
وعلى هذا الأساس فإن المرفق العام وأن كان عنصراً مهماً في تحديد أساس القانون الإداري إلا أنه لا يكفي لأداء هذا الدور بعد أن أتضح سعة مفهومة وعدم اقتصاره على المرافق الإدارية فظهرت فكرة المعيار المزدوج التي أيدها جانب كبير من الفقه وأخذ بها القضاء الإداري في فرنسا في أغلب أحكامه . ( )
وعلى ذلك فإن أساس القانون الإداري لا يرجع لمعيار واحد من المعايير السابقة , إنما يجب الجمع بين المعياريين المهمين المرفق العام والسلطة العامة ، ومن ثم ليكون العمل إدارياً وخاضعاً للقانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، يجب أولاً أن يكون عملاً إدارياً أو نشاطاً متعلقاً بمرفق عام " نظرية المرفق العام " .
وثانياً : أن تكون الإدارة في هذا النشاط قد استخدمت امتيازات أو وسائل وسلطات استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص " نظرية السلطة العامة " ـ مع ضرورة التنبيه أن السلطة العامة لا تبرز من خلال الامتيازات الممنوحة للإدارة حسب وإنما تشمل القيود الاستثنائية المفروضة عليها في أحيان أخرى .

الباب الأول
التنظيم الإداري

نبحث في هذا المجال من الدراسة موضوع التنظيم الإداري الذي نبين فيه الوسائل التي تؤدي من خلالها الإدارة وظيفتها التنفيذية وتستدعي الدراسة البحث في الأشخاص المعنوية العامة باعتبارها الأداة التي تجمع السلطات الإدارية في إطارها ، ومن ثم البحث في الأساليب الرئيسية المتبعة في هذا التنظيم وفقاً لما يسمى بأسلوب المركزية الإدارية وأسلوب اللامركزية الإدارية .

الفصل الأول
الأشخاص المعنوية العامة

يتمتع الإنسان منذ ولادته بالشخصية القانونية التي تمكنه من اكتساب الحقوق وتحمله بالالتزامات لأداء دوره في المجتمع وأداء رسالته ، والأصل أن الشخصية القانونية نسبت للإنسان فقط إلا أن عجز الإنسان عن النهوض بكافة متطلبات المجتمع لانتهاء شخصيته بالوفاة وحاجة المجتمع إلى دوام استمرار مرافقه ، كان لابد من منح الأهلية القانونية لأشخاص أخرى ، فظهرت نظرية الشخصية المعنوية ومقتضاها منح القانون الشخصية القانونية إلى جانب الإنسان الذي بات يطلق عليه الشخص الطبيعي إلى نوعين من التجمعات : مجموعة من الأفراد أو مجموعة من الأموال تهدف لتحقيق هدف معين ويكون كيان ذاتي مستقل عن الأفراد المكونين لها يسمح بتحقيق هدفها ، وأطلق عليها اصطلاح الشخصية المعنوية الاعتبارية .
وعلى ذلك يمكن تعريف الشخص المعنوي بأنه مجموعة من الأموال أو الأشخاص تستهدف تحقيق هدف معين اعترف لها القانون بالشخصية القانونية .

المبحث الأول
أنواع الأشخاص المعنوية

يوجود نوعين رئيسيين من الأشخاص المعنوية هي : الأشخاص المعنية العامة ، والأشخاص المعنوية الخاصة ، مع ما تتمتع به الأشخاص المعنوية الخاصة من أهمية في نطاق القانون الخاص فتظهر بشكل الشركات والمؤسسات والجمعيات التي تنشأ بمبادرات الأفراد لتحقيق الربح أحياناً وتحقيق النفع العام أو المصلحة العامة في أحيان أخرى.
و الشخصية المعنوية العامة تحتل أهمية أكبر بكثير في نطاق القانون العام الذي لا يعرف غير هذا النوع من الأشخاص المعنوية رغم أن نظرية الشخصية المعنوية نشأت في ظل القانون الخاص . وقد درج الفقه والقضاء على تقسيم الأشخاص المعنوية العامة إلى ثلاث أنواع :
أولاً : الأشخاص المعنوية الإقليمية
وهي الأشخاص المعنوية أو الاعتبارية التي يتعلق اختصاصها في نطاق جغرافي منعين من الدولة وهي تشمل الدولة والوحدات المحلية الأخرى.
1- الدولة
وهي أهم الأشخاص المعنوية على الإطلاق ولهذا فقد ورد النص عليها في القانون المدني على أن الدولة هي أول الأشخاص الاعتبارية .
والدولة هي الشخص المعنوي العام الذي تتفرع عنه الأشخاص المعنوية الأخرى وهي التي تمنح الشخصية المعنوية الخاصة للأفراد والهيئات الخاصة وتمارس الرقابة عليها .
والدولة باعتبارها شخص معنوي عام تشمل سلطات الدولة الثلاث : السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، باعتبارها شخص معنوي واحد . إلا أن هذه الوحدة في شخصية الدولة لم تكن أمراً مسلماً به فقد اختلف الفقه في شأنها .
فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الاعتراف بالشخصية المعنوية العامة للدولة يقتصر على مجال معين من نشاط الدولة وهو الحقوق المادية والتصرفات التي تندرج في القانون الخاص ، أما بالنسبة لتصرفات الدولة التي تحمل طابع السلطة وامتيازاتها فما هي إلا اختصاصات يمارسها ممثلوا الدولة في الحدود التي رسمها القانون تحقيقاً للمصلحة العامة.
ولعل الدافع وراء تبني هذا الرأي الخشية من تعسف الدولة وجورها على الحريات العامة إذا ما اعتبرت تصرفات الدولة حقاً من حقوقها , بينما ذهب رأي آخر إلى ثنائية شخصية الدولة ، فتكون شخصاً معنوياً خاصاً إذا ما تصرفت في مجال الحقوق المالية أو الحقوق الخاصة المشابهة لتصرفات الأفراد وينطبق عليها القانون الخاص وتعتبر شخصاً معنوياً عاماً إذا قامت بعمل بدخل في ضمن نطاق السلطة العامة وهنا تخضع تصرفاتها لأحكام القانون العام .( )
إلا أن هذه الآراء لم تلبث أن انتهت ، وأصبح الرأي السائد فقهاً وقضاءً أن شخصية الدولة وحدة لا تتجزأ وهي تشمل جميع تصرفات الدولة وأعمال الخاصة منها والتي تتسم بطابع السلطة العامة . وهو رأي يتماشى مع المنطق القانوني السليم .
2- الوحدات المحلية المحافظات .
وترتبط فكرة الأشخاص المعنوية العامة المحلية بالديمقراطية التي تسمح لكل إقليم من أقاليم الدولة أن يدير شؤونه المحلية من خلال ممثليه من سكان الإقليم في المحافظات.
ثانياً : الأشخاص الاعتبارية العامة المرفقية
ويطلق عليها أيضاً ألا مركزية المصلحة أو المرفقية ، وتنشأ لتحقيق مصالح عامة للأفراد تحت رقابة الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية التابعة لها . وتسمى هذه الأشخاص بالهيئات العامة أو المؤسسات أو الشركات العامة .
وقد لجأ المشرع إلى إنشاء هذه الأشخاص لتباشر أدارة المرافق العامة التي تتطلب نوعاً من الاستقلال الفني عن الحكومة المركزية ضمان فاعلية وكفاءة الإدارة . وتختلف هذه الأشخاص عن الأشخاص الاعتبارية الإقليمية في أنها مقيدة بالهدف الذي أنشأت من أجله، في حين تكون الأخيرة مقيدة بالحدود الجغرافية للإقليم الذي تمثله .
وحيث أن الأشخاص الاعتبارية المرفقية تهدف إلى تحقيق أغراض متنوعة منها ما هو إداري أو اجتماعي أو اقتصادي ، فإن هذا الاختلاف يقود إلى اختلاف أنظمتها القانونية حسب النشاط الذي تتولاه ، أما الأشخاص الإقليمية فالقاعدة العامة أنها تتمتع بذات التنظيم القانوني .
كذلك تفترق الأشخاص الاعتبارية المرفقية عن الأشخاص الاعتبارية الإقليمية في أن الأخيرة تقوم على فكرة الديمقراطية التي تؤكد حق سكان الوحدات المحلية بإدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم ، بينما تقوم فكرة الشخصية الاعتبارية المرفقية على ضرورة ضمان الكفاءة الإدارية وحسن إدارة المرافق العامة ذات الطابع الفني ولا علاقة للديمقراطية في ذلك . كما هو الحال في الجامعات والهيئة العامة للمياه والهيئة العامة للإذاعة .
ثالثاً : الأشخاص المعنوية المهنية
بسبب التطور المستمر في مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف الدول وتأثير هذا التطور على القانون الإداري وأحكامه ظهرت فكرة جديدة لأشخاص معنوية أخرى تتمثل في المنظمات والاتحادات ذات الطابع المهني ، تتولى إدارة مرافق عامة ينشأها المشرع لتحقيق مصالح عامة ، ومن ذلك الاتحاد العام لطلبة الجماهيرية واتحاد الأدباء والكتاب والمؤتمر المهني للمعلمين . وتتمتع هذه الأشخاص بالاستقلال ولها إصدار اللوائح الخاصة بتأديب أعضائها وممارسة المهنة التي تشرف عليها .
المبحث الثاني
النتائج المترتبة على منح الشخصية المعنوية

اذا اعترف بالشخص الاعتباري يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الإنسان الطبيعي ، وذلك في الحدود التي قررها القانون .
فيكون لها :
1- الذمة المالية المستقلة :
يتمتع الشخص المعنوي العام ، بذمة مالية مستقلة عن ميزانية الدولة ولها الحق في الاحتفاظ بالفائض من إيراداتها ، كما أنها تتحمل نفقاتها ، والذمة المالية للشخص المعنوي مستقلة عن الذمة المالية للأشخاص المكونين له .
2- الأهلية القانونية :
يتمتع الشخص المعنوي العام بأهلية قانونية في الحدود التي رسمها القانون تمكنه من اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات ، غير أن هذه الأهلية أضيق نطاقاً من أهلية الشخص الطبيعي فهي مقيدة بممارسة التصرفات القانونية التي تدخل في ميدان نشاطه وتخصصه ، ومفيدة كذلك بحدود الهدف الذي يسعى الشخص الاعتباري العام لتحقيقه . وهذه الشخصية القانونية مستقلة عن شخصية الأعضاء المكونين بالشخص الاعتباري العام ويباشرها عنه من يمثلونه من أشخاص طبيعيتين .
3- حق التقاضي :
للشخص المعنوي العام أهلية التقاضي ، فله مقاضاة الغير ، كما يكون من حق الغير أن يقاضيه ، كما يجوز أن تقاضي الأشخاص المعنوية بعضها ببعض ، ويباشر هذا الحق عن الشخص المعنوي العام أشخاص طبيعيتين يمثلونه أو ينوبون عنه ويعبرون عن إرادته في التقاضي
4- موطن مستقل :
للشخص الاعتباري موطن خاص به يختلف عن موطن الأشخاص المكونين له ، وهو عادة المقر أو المكان الذي يوجد فيه مركز إدارته ، فقد بينت المادة 53/2 من القانون المدني أن " يعتبر موطنه المكان الذي يوجد فيه مركز إدارته .. " . وللموطن أهمية خاصة بالنسبة للشخص الاعتباري فيجب إعلان الأوراق الرسمية والقضائية إليه فيه و يتم تحديد المحكمة المختصة بالنظر بالدعاوي التي ترفع ضده.
5- تمارس الأشخاص المعنوية العامة جانباً من سلطة الدولة باعتبارها من أشخاص القانون العام فتتمتع بامتيازات السلطة التي يقررها القانون للجهات الإدارية فتعتبر قراراتها إدارية ، ويجوز تنفيذها جبراً دون الالتجاء إلى القضاء ، كذلك تملك حق نزع الملكية للمنفعة العامة أو الاستيلاء المباشر كما يجوز لها إبرام العقود الإدارية ، وحيث توجد هذه السلطة توجد مسؤولية الشخص المعنوي عن أفعاله الضارة التي قد يتسبب بها موظفيه .
6- المال الذي تملكه الأشخاص المعنوية العامة يعتبر مالاً عاماً إذا كان مخصصاً للمنفعة العامة ، وبذلك فهو يحظى بالحماية المقررة للمال العام ، ومع ذلك يمكن أن تملك الأشخاص المعنوية العامة أموالاً أخرى خاصة تعد جزءاً من الدومين الخاص ولا تعتبر أموالاً عامة وتخضع لأحكام القانون الخاص .
7- موظفو الأشخاص المعنوية العامة يعدون موظفين عامين ويرتبطون بعلاقة تنظيمية مع الشخص المعنوي إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك، ولا يمنع ذلك من أن يكون لبعض الأشخاص المعنوية نظام خاص لموظفيها ولوائح خاصة بتأديبهم .
8- لا يترتب على منح الشخصية المعنوية العامة الاستقلال التام عن الدولة إذ تخضع هذه الأشخاص لنظام "الوصاية الإدارية" التي تمارسها السلطة المركزية في الدولة لضمان احترام هذه الأشخاص للقانون والسياسة العامة للدولة وعدم تجاوز الغرض الذي من أجله أ نشأت هذه المرافق .
9- نتيجة لتمتع الشخص المعنوي العام بامتيازات السلطة العامة وبالتالي اعتباره شخصاً من أشخاص القانون العام ، فإن القضاء الإداري يكون هو المختص في نظر المنازعات الناشئة عن ممارسة نشاطه ، ويخضع كذلك للقيود التي يفرضها القانون الإدراي من ضرورة إتباع إجراءات خاصة في التعاقد أو الطعون في القرارات الصادرة منه وغير ذلك من أمور تفرضها الطبيعة الخاصة بنظام القانون العام .

نهاية الشخص المعنوي العام
الدولة باعتبارها أهم الأشخاص المعنوية العامة تنقضي شخصيتها بزوال أو فقد ركن من أركانها التي تقوم عليها كما لو تفتت إلى عدة دول أو اندمجت بدولة أخرى أو فقدانها لإقليمها أو انعدام السلطة السياسية بسبب الفوضى .
أما الأشخاص المعنوية الإقليمية فتنتهي بذات الأداة التي نشأت بها ، كما لو صدر قانون يعيد تقسيم الوحدات المحلية فيلغي بعض الأشخاص المعنوية الإقليمية ويستحدث غيرها أو يدمجها في بعضها .
أما إذا صدر قانون بحل مجلس إدارة الشخص المعنوي فيظل الشخص المعنوي قائماً حتى يتم اختيار الشخص الجديد .
وتنقضي الشخصية المعنوية المرفقية والمهنية بإلغائها أو حلها بذات طريقة إنشائها أو باندماجها بشخص معنوي مرفقي آخر .
وعند نهاية الشخص المعنوي العام أيا كانت صورته تنتقل أمواله إلى الجهة التي حددها القانون أو القرار الصادر بإلغائه أو حله ، وإلا فإن هذه الأموال تنتقل إلى الجهة التي يتبعها هذا الشخص .

لفصل الثاني
أساليب التنظيم الإداري

تنتهج الدول المختلفة أسلوبين في تنظيمها الإداري هما : المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية . يتجه الأسلوب الأول والأقدم في الظهور نحو حصر الوظيفة الإدارية في أيدي السلطة التنفيذية وحدها في العاصمة دون وجود سلطات إدارية أخرى مستقلة عنها . بينما يتجه أسلوب اللامركزية الإدارية نحو توزيع الوظيفة الإدارية ومشاركة هيئات وسلطات لامركزية .
وفيما يلي سنتناول بالدراسة المركزية الإدارية ثم اللامركزية الإدارية وذلك في مبحثين .

المبحث الأول
المركزية الإدارية
المركزية الإدارية هي أول النظم التي اتبعتها الدول في الحكم والإدارة ، وتقوم المركزية على أساس التوحيد وعدم التجزئة ، وفي المجال الإداري يقصد بها توحيد النشاط الإداري وتجميعه في يد السلطة التنفيذية في العاصمة. ( )
وتقوم السلطة التنفيذية في هذا النظام بالسيطرة على جميع الوظائف الإدارية من توجيه وتخطيط ورقابة وتنسيق ، وفي النظام المركزي تلتزم السلطة الدنيا بالقرارات التي تصدر عن السلطة العليا ويساعد على هذه الخاصة الترتيب الذي يسود السلطة التنفيذية وتقسيم الموظفين رؤساء ومرؤوسين إلى درجات يعلو بعضها بعضاً في سلم إداري منتظم ، يخضع كل مرؤوس فيه لرئيسه خضوعاً تاماً وينفذ أوامره ويعمل تحت إشرافه وتوجيهاته .
ولا تعني المركزية أن تقوم السلطة التنفيذية في العاصمة بجميع الأعمال في أنحاء الدولة ، بل تقتضي وجود فروع لهذه السلطة غير أن هذه الفروع لا تتمتع بأي قدر من الاستقلال في مباشرة وظيفتها وتكون تابعة للسلطة المركزية في العاصمة ومرتبطة بها .
المطلب الأول :أركان المركزية الإدارية
تقوم المركزية الإدارية على ثلاثة عناصر هي : تركيز الوظيفة الإدارية في يد الحكومة والتدرج الهرمي والسلطة الرئاسية .
أولاً : تركيز الوظيفة الإدارية في يد الحكومة المركزية
تتركز في هذا النظام سلطة مباشرة الوظيفة الإدارية في يد السلطة التنفيذية بالعاصمة، وتعاونها في ذلك الهيئات التابعة لها في الأقاليم الأخرى تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية، ولا توجد في هذا النظام أشخاص معنوية عامة محلية أو مرفقية مستقلة عن السلطة المركزية .
ومن ثم لا توجد مجالس محلية منتخبة أو هيئات عامة يمكن أن تدير المرافق العامة ، وتتركز سلطة اتخاذ القرارات وأداء المرافق العامة في يد الوزراء وممثليهم التابعين لهم والمعنيين منهم تحت رقابتهم وإشرافهم .
ثانياً : التدرج الهرمي
يقوم النظام المركزي على أساس التدرج الهرمي في الجهاز الإداري ومقتضاه أن يخضع موظفي الحكومة المركزية بشكل متدرج ومتصاعد ، تكون الدرجات الدنيا تابعة للأعلى منها تحت قمة الجهاز الإداري وهو الوزير .
وللسلطات العليا حق إصدار الأوامر والتعليمات للجهات الدنيا ويخضع كل مرؤوس خضوعاً تاماً ، ويتجه مجال الطاعة في داخل النظام المركزي إلى درجة كبيرة فالرئيس يباشر رقابة سابقة ولاحقة على أعمال المرؤوس كما أن للرئيس صلاحية تعديل القرارات الصادرة من مرؤوسيه وإلغائها بالشكل الذي يراه مناسباً .
وهذه الدرجات تكون ما يسمى بنظام التسلسل الإداري الذي يبين التمايز بين طبقتي الرؤساء والمرؤوسين ويبرز علاقة التبعية والسلطة الرئاسية .
ثالثاً : السلطة الرئاسية
السلطة الرئيسية
le pouvior herachique ضمانه معترف بها للرؤساء الإداريين ينضمها القانون فيوفر وحدة العمل وفعاليته واستمراريته. ( ) وتعتبر السلطة الرئاسية الوجه المقابل للتبعية الإدارية وهي تتقرر بدون نص وبشكل طبيعي غير أنها من جانب آخر ترتب مسؤولية الرئيس عن أعماله مرؤوسية وبالتالي عدم إمكانية تهربه من هذه المسؤولية .( )
والسلطة الرئاسية من أهم ركائز النظام المركزي ، إلا أنها سلطة ليست مطلقة وليست على درجة واحدة من القوة فهي تتأثر بصاحب السلطة ومركزه في السلم الإداري وبنوع الوظيفة التي يمارسها .
والسلطة الرئاسية تتحلل إلى مجموعة من الاختصاصات بعضها يتعلق بشخص المرؤوس والآخر منها يتعلق بأعماله :
أ- سلطة الرئيس على شخص مرؤوسيه
تتضمن سلطة الرئيس على أشخاص مرؤوسه الكثير من الاختصاصات منها ما يتعلق بالحق في التعيين والاختيار ، وحق الرئيس في تخصيص مرؤوسيه لأعمال معينة . كما تتضمن سلطة نقل الموظف وترقيته وإيقاع العقوبات التأديبية عليه والتي قد تصل إلى حد عزله أو حرمانه من حقوقه الوظيفية ، في حدود ما يسمح به القانون .
ب- سلطة الرئيس على أعمال مرؤوسيه
تشمل هذه السلطة في حق الرئيس في توجيه مرؤوسيه عن طريق أصدار الأوامر والتوجيهات إليهم قبل ممارسة أعمالهم وسلطة مراقبة تنفيذهم لهذه الأعمال والتعقيب عليها وتشمل هذه السلطات .
1- سلطة الأمر :
يملك الرئيس إصدار الأوامر والتعليمات ، ويعتبر اختصاصه هذا من أهم مميزات السلطة الرئاسية ، ذلك أن إصدار الأوامر عمل قيادي له أهمية كبرى في سير الأعمال الإدارية ، وعلى وجه العموم نجد أن السلطة الرئاسية تتصف أساساً بأنها سلطة آمره لكونها تقوم على إصدار أوامر ملزمة للمرؤوسين .( )
2- سلطة الرقابة والتعقيب
سلطة الرئيس في الرقابة على أعمال مرؤوسية تتمثل بحقه في إجازة أعمالهم أو تعديلهم قراراتهم أو إلغائها وسحبها كما يملك أيضاً الحلول محلهم إذا اقتضى العمل ذلك . وتمتدد رقابة الرئيس على أعمال مرؤوسية لتشمل ملائمة هذا العمل أو التصرف ومقتضيات حين سير المرفق العام . ( )
ووسيلة الرئيسي في رقابته على مرؤوسيه تتمثل بالتقارير التي يقدمها الموظفين عن أعمالهم بصورة دورية أو بوساطة التقارير التي يضعها المفتشون ويطلعون السلطة الرئاسية عليها ، قد يمارسها الرئيس عن طريق الشكاوي التي يقدمها إليه الأفراد الذين أصابهم الضرر نتيجة تصرفات مرؤوسيه .

المطلب الثاني: صور المركزية الإدارية
تتخذ المركزية الإدارية صورتان : التركيز الإداري وعدم التركيز الإداري
أولاً : التركيز الإداري
la concentration
وهي الصورة البدائية للمركزية الإدارية ، ويطلق عليها أيضاً المركزية المتطرفة أو الوزارية، لإبراز دور الوزارة في هذا النظام .( )
ومعنى التركيز الإداري أن تتركز سلطة اتخاذ القرارات في كل الشؤون الإدارية بيد الوزراء في العاصمة ، بحيث لا يكون لأية سلطة أخرى تقرير أي أمر من الأمور ، إنما يتعين على كافة الموظفين في الأقاليم الرجوع إلى الوزير المختص لإصدار القرار .
وينحصر دور الموظفين في الجهاز الإداري في تقديم المقترحات والآراء في المساءل المطروحة عليهم وانتظار ما يقرره الوزير المختص بشأنها ، وتنفيذ هذه القرارات .
ولا شك أن هذه الصورة من التركيز الشديد تضر بمصالح الأفراد وتعرقل عمل الإدارة فمن غير المتصور أن تتخذ جهة إدارية واحدة كافة القرارات في كل أنحاء الدولة وتكون هذه القرارات ملائمة ومناسبة لظروف العمل الإداري وتوفر حلاً لمشاكل الأفراد .
لذلك هجرت أغلب الدول هذه الصورةمن المركزية الإدارية إلى الصور المعتدلة للمركزية الإدارية وهي عدم التركيز الإداري .
ثانياً : عدم التركيز الإداري
la deconcentration
يطلق على هذه الصورة من المركزية الإدارية ألا وزارية أو المركزية المعتدلة. ( ) ومقتضاها تخفيف العبء عن الحكومة المركزية بتخويل بعض الموظفين في الأقاليم المختلفة سلطة البت في بعض الأمور ذات الطابع المحلي دون الحاجة للرجوع للوزير المختص في العاصمة .
إلا أن هذه الصورة من المركزية لا تعني استقلال هؤلاء الموظفين عن الوزير ، فهم يبقون خاضعين لسلطته الرئاسية وله أن يصدر إليهم القرارات الملزمة وله أن يعدل قراراتهم أو يلغيها ، وكل ما في الأمر أن عدم التركيز الإداري يخفف من العبء على الوزارات والإدارات المركزية وأن بعض القرارات الإدارية أصبحت تتخذ من ممثلي الوزراء في الأقاليم بدلا من أن تتخذ من الوزراء أنفسهم .
ومن ثم يختلف عدم التركيز الإداري عن اللامركزية الإدارية إذ تتعدد السلطات الإدارية في اللامركزية الإدارية نظراً لتعدد الأشخاص المعنوية ، وتختص كل سلطة بجانب من الوظيفة الإِدارية في الدولة ، حيث يتم توزيع الاختصاصات على هذا الأساس.( )
وعلى أي حال فإن هذه الصورة من المركزية أفضل من التركيز الإداري وهي مرحلة انتقال صوب نظام اللامركزية الإدارية ، وهي الصورة الباقية في إطار نظام المركزية الإدارية .
ولعل من أبرز وسائل تحقيق عدم التركيز الإداري نظام تفويض الاختصاص ، الذي سنتناوله في هذا الجزء من الدراسة .
المطلب الثالث: تفويض الاختصاص
تستلزم ضرورات العمل الإداري وحسن سير المرافق العامة أن يفوض بعض الموظفين المختصين بعض أعمالهم إلى موظفين آخرين غالباً ما يكونون مرؤوسين بالنسبة لهم . ويقصد بالتفويض أن يعهد صاحب الاختصاص بممارسة جزء من اختصاصاته إلى أحد مرؤوسيه . بشرط أن يسمح القانون بإجراء هذا التفويض وأن تكون ممارسة الاختصاص المفوض تحت رقابة الرئيس الإداري صاحب الاختصاص الأصيل .
وللتفويض مزايا عدة فهو من جانب يخف

وللتفويض مزايا عدة فهو من جانب يخفف العبء عن الرئيس صاحب الاختصاص الأصيل ، فهو يقوم بنقل جزء من اختصاصه في مسألة معينة إلى أحد مرؤوسيه أو جهة أو هيئة ما .
ويؤدي من جانب آخر إلى تحقيق السرعة والمرونة في أداء الأعمال مما يسهل على الأفراد قضاء مصالحهم ويدرب المرؤوسين على القيام بأعمال الرؤساء، فينمي فيهم الثقة والقدرة على القيادة. ( )
أولا: شروط التفويض
للتفويض شروط عامة استقر على إبرادها الفقه وأحكام القضاء، يجب مراعاتها حتى يكون التفويض صحيحاً هي :
1- التفويض لا يكون إلا بنص : يلزم حتى يكون التفويض صحيحاً أن يسمح القانون بالتفويض ، فإذا منح القانون الاختصاص إلى جهة معينة ليس لهذه الجهة التنازل عن هذا الاختصاص أو تفويضه إلى سلطة أخرى إلا إذا أجاز القانون ذلك ومن الضروري أن يصدر قرار صريح من الجهة صاحبة الاختصاص الأصيل عن رغبتها في استخدام التفويض الذي منحه لها القانون .
2- التفويض يجب أن يكون جزئياً : فلا يجوز أن يفوض الرئيس الإداري جميع اختصاصاته لأن هذا يعد تنازلاً من الرئيس عن مزاولة جميع أعماله التي أسندها إليه القانون .
3- يبقى الرئيس المفوض مسؤولاً عن الأعمال التي فوضها بالإضافة إلى مسؤولية المفوض إليه ، تطبيقاً لمبدأ أن التفويض في السلطة ولا تفويض في المسؤولية .
والمرؤوس المفوض إليه لا يسأل عن تصرفاته بشأن السلطات المفوضة إليه إلا أمام رئيسه المباشر الذي قام بالتفويض( ) ولا تنصرف المسؤولية إلى أعلى منه وفقاً لمبدأ وحدة الرئاسة والأمر .
4- لا يجوز للمفوض إليه أن يفوض غيره ، فالتفويص لا يتم إلا لمرة واحدة، ومخالفة هذه القاعدة تجعل القرار الإداري الصادر من المفوض إليه الثاني معيباً بعدم الاختصاص .
5- التفويض مؤقت وقابل للرجوع فيه من جانب الرئيس لأن الأصل هو عدم التفويض والاستثناء هو التفويض الذي لا يستطيع الرئيس دائماً إلغاءه بقرار ويسترد اختصاصه.
وتثار بشأن التفويض مشكلة سلطة الجهة المفوضة " بكسرلواو " على اختصاصات المفوض إليه " المرؤوس " فهل للسلطة صاحبة الاختصاص الأصلي أن تلغي قرارات السلطة المفوض إليها .
ذهب جانب من الفقهاء إلى عدم السماح بتوجيه تعليمات إلى المرؤوسين تتعلق بالاختصاص المفوض إليهم على أساس أن الموظف الذي قام بالتفويض لا يعتبر رئيسياً إدارياً بالنسبة للقرارات الصادرة طبقاً للتفويض على أساس أن المرؤوس يعتبر كأنه الرئيس نفسه وعندئذ فإن قراراته واجبة الاحترام. ( )
بينما ذهب جانب آخر من الفقهاء إلى أن الأصيل يبقى له الحق في التعقيب على القرارات الصادرة عن المفوض إليه إذا كان الأخير مرؤوساً له ، لأن التفويض لا يقطع العلاقة الرئاسية بين الرئيس والمرؤوس ولا يحول دون ممارسة الرئيس لاختصاصه في التوجيه والرقابة السابقة واللاحقة على أعمال مرؤؤس.
وقد يحصل بعض الخلط بين التفويض والحلول لأن الاثنين يساهمان في تسهيل سير العمل الإداري وضمان سير المرافق العامة بانتظام واطراد كما أن كل منهما يعني ممارسة أحد الموظفين لاختصاصات موظف آخر .
إلا أن هناك الكثير من أوجه الاختلاف بين الحلول والتفويض فالحلول يكون في حالة غياب صاحب الاختصاص الأصيل أياً كان سبب الغياب اختيارياً كما في حالة الإجازة أو إجبارياً كما في حال المرض فيحل محل الموظف في ممارسة هذه الاختصاصات من حدده المشرع. أما في حالة التفويض فإن الرئيس المفوض يكون حاظراً وليس غائباً .
كما أن التفويض يتحقق بقرار يصدر من الرئيس المفوض إلى المفوض إليه في حين لابد للحلول أن يقترن بنص وأن تكون أسبابه صحيحة ويصبح الحلول مستحيلاً إذا لم ينظمه المشرع .( )
وفي تفويض الاختصاص يأخذ القرار الصادر درجة المفوض إليه ، أما في الحلول فتكون القرارات الصادرة في مرتبة قرارات الأصيل الغائب .
وفي التفويض يكون الرئيس المفوض مسؤولاً عن أخطاء المفوض إليه لأن الرئيس يمارس الرقابة الرئاسية على المفوض إليه بينما لا يكون الأصيل الغائب مسؤولاً عن أخطاء من حل محله لأنه لا يملك أي سلطة رئاسية بالنسبة لتصرفات الأخير ولأن مصدر سلطته القانون وليس الأصيل وحيث توجد السلطة توجد المسؤولية .
ومن الملاحظ أن تفويض الاختصاص لا يعدو أن يكون تخفيفاً عن كاهل الرؤساء ومساعدتهم في تسيير أعمالهم وهذا الغرض لا يجعل المرؤوس ممارساً لاختصاص مانع للتعقيب والرقابة ، ونرى أنه لا مانع من قيام الرئيس المفوض بمراجعة قرارات مرؤوسيه وتوجيههم من خلال إصدار الأوامر والتعليمات التي تتعلق بالاختصاص المفوض ليطمئن إلى سلامة العمل من الناحية القانونية ، خاصة وإن مسؤولية الرئيس المفوض تبقى قائمة عما قام بتفويضه من اختصاص ، لأن لا تفويض في المسؤولية كما بينا سابقاً .
ثانياً:أنواع التفويض
التفويض على نوعين " تفويض اختصاص و تفويض توقيع "
1- تفويض الاختصاص : هذا النوع من التفويض ينقل السلطة بأكملها إلى المفوض إليه ، وهذا يمنع الأصيل المفوض من ممارسة الاختصاص الذي تم تفويضه أثناء سريان التفويض .
وفي هذه الصورة من التفويض تكون قرارات المفوض إليه في نطاق التفويض منسوبه إلى المفوض إليه وتأخذ مرتبة درجته الوظيفية ، ويوجه تفويض الاختصاص إلى المفوض إليه بصفتة لا بشخصية فلا ينتهي التفويض بشغل موظف آخر لوظيفة المفوض إليه
2-تفويض التوقيع : وهو تفويض شخصي يأخذ بعين الاعتبار شخصية المفوض إليه ، فهو ينطوي على ثقة الرئيس به ومن ثم فهو ينتهي بتغير المفوض أو المفوض إليه ، كما أن هذا التفويض يسمح للمفوض إليه بممارسة الاختصاصات المفوضة باسم السلطة " بكسرالولو " ولا يمنع ذلك من ممارسة الرئيس المفوض ذات الاختصاص رغم التفويض كما أن القرارات الصادرة في نطاق التفويض تأخذ مرتبة قرارات السلطة المفوضة .
التفويض والحلول :
يقتصر بالحلول أن يصبح صاحب الاختصاص الأصيل عاجزاً لسبب من الأسباب عن ممارسة اختصاصه كأن يصاب بعجز دائم أو بمرض أو غيره ، فيحل محله في مباشرة كافة اختصاصاته موظف آخر حدده القانون سلفاً .
وقد يحصل الحلول بان تحل إحدى الجهات الإدارية محل جهة إدارية أخرى

المطلب الرابع: تقييم المركزية الإدارية
درج بعض الفقهاء على إبراز مزايا النظام المركزي بينما ذهب البعض نحو إبراز عيوبه ، ونعرض فيما يلي أهم تلك المزايا والعيوب .
أولاً : مزايا المركزية الإدارية :-
1- النظام المركزي يقوي سلطة الدولة ويساعدها في تثبيت نفوذها في كافة أنحاء الدولة ، ولا شك أن هذا النظام له ما يبرره في الدول الناشئة حديثاً ، والتي تحتاج لتقوية وتدعيم وحدتها. ( )
2- المركزية أسلوب ضروري لإدارة المرافق العامة القومية التي لا يتعلق نشاطها بفئة معينة أو إقليم معين كمرفق الأمن أو الدفاع أو المواصلات .
3- المركزية تؤدي إلى توحيد النظم والإجراءات المتبعة في كافة أنحاء الدولة كونها تتأتى من مصدر واحد ، مما يمكن الموظفين من الإلمام بكافة الأوامر والتعليمات اللازمة لتنفيذ الوظيفة الإدارية .
4- يؤدي هذا الأسلوب إلى التقليل من النفقات والحد في الإسراف لعدم الحاجة إلى المجالس والهيئات اللامركزية وخبرة موظفي السلطة المركزية وقلة عددهم .
5- تحقيق العدل والمساواة في المجتمع لإشراف الحكومة المركزية على المرافق العامة ونظرتها الشمولية البعيدة عن المصالح المحلية .
ثانيا : عيوب المركزية الإدارية :-
1- يؤدي هذا النظام إلى إشغال الإدارة المركزية أو الوزراء بمسائل قليلة الأهمية على حساب المهام الأكثر أهمية في رسم السياسة العامة لوزاراتهم .
2- المركزية الإدارية لا تتماشى مع المبادئ الديمقراطية القائلة بضرورة أن تدار الوحدات المحلية من خلال سكان هذه الوحدات عن طريق مجالس منتخبة من بينهم .
3- المركزية الإدارية وبسبب تركز السلطة بيد الوزراء وفئة قليلة من الرؤساء والإداريين في العاصمة تؤدي إلى قتل روح المثابرة والإبداع لدى الموظفين الآخرين لأن دورهم ينحصر بتنفيذ الأوامر والتعليمات الصادرة من السلطة المركزية ، وعدم مشاركتهم فيها .
4- المركزية تؤدي إلى زيادة الروتين والبطء في اتخاذ القرارات الإدارية المناسبة وفي الوقت المناسب ، لاستئثار السلطة المركزية بسلطة اتخاذ كافة القرارات في الدولة وبعد مصدر القرار في أكثر الأوقات عن الأماكن المراد تطبيق القرار فيها ، وغالباً ما تأتي هذه القرارات غير متلائمة مع طبيعة المشكلات المراد حلها .

المبحث الثاني
اللامركزية الإدارية
يقوم هذا النظام على أساس توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومية المركزية في العاصمة وبين أشخاص الإدارة المحلية في الأقاليم ، وتتمتع هذه الأشخاص بالشخصية المعنوية المستقلة ، مع خضوعها لرقابة الحكومة المركزية .
ففي هذا النظام تتمتع السلطة المحلية بقدر من الاستقلال في ممارسة اختصاصاتها فتحتفظ الإدارة المركزية بإدارة بعض المرافق العامة القومية وتمنح الأشخاص المعنوية المحلية سلطة إنشاء وإدارة بعض المرافق العامة ذات الطابع المحلي .
وعلى ذلك تظهر في هذا النظام إلى جانب الدولة أو الإدارة المركزية أشخاص معنوية محلية أو مرفقية يطلق عليها بالإدارة اللامركزية أو السلطات الإدارية اللامركزية.
المطلب الأول: صور اللامركزية الإدارية
هناك صورتان أساسيتان للامركزية الإدارية " اللامركزية المحلية أو الإقليمية ، واللامركزية المصلحية أو المرفقية " .
أولاً : اللامركزية الإقليمية أو المحلية:
ومعناها أن تمنح السلطات المركزية إلى جزء من إقليم الدولة جانب من اختصاصاتها في إدارة المرافق والمصالح المحلية مع تمتعها بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري .
وتستند هذه الصورة إلى فكرة الديمقراطية التي تقتضي إعطاء سكان الوحدات المحلية الحق في مباشرة شؤونهم ومرافقهم بأنفسهم عن طريق مجالس منتخبة منهم .
وتقوم اللامركزية الإقليمية أو المحلية على ثلاث عناصر :
1- مصالح محلية أو إقليمية متميزة :
يتم منح الشخصية المعنوية للوحدات المحلية لاعتبارات إقليمية أو محلية ، يجد المشرع أن من الأفضل أن تباشرها هيئات محلية معينة وإسناد إدارتها إلى سكان هذه الوحدات أنفسهم . ولاشك أن سكان هذه الوحدات أدرى من غيرهم بواجباتهم وأقدر على إدارة هذه المرافق وحل مشكلاتها ، كما أن هذا الأسلوب يمنح الإدارة المركزية فرصة التفرغ لإدارة المرافق القومية . ويتم تحديد اختصاصات الهيئات المحلية بقانون ولا يتم الانتقاص منها إلا بقانون آخر ، وهي تشمل مرافق متنوعة وتتضمن كافة الخدمات التي تقدم لمكان الوحدات المحلية كمرفق الصحة والتعليم والكهرباء والماء وغيرها .
2- أن يتولى سكان الوحدات المحلية إدارة هذه المرافق :
يجب أن يتولى سكان الوحدات المحلية إدارة هذا النوع من المرافق بأنفسهم وان يتم ذلك باختيار السلطات المحلية من هؤلاء السكان وليس عن طريق الحكومة أو الإدارة المركزية ... ويذهب أغلب الفقهاء إلى ضرورة أن يتم اختيار أعضاء المجالس المحلية عن طريق الانتخابات تأكيداً لمبدأ لديمقراطية وإن كان هذا هو الأصل فإنه ليس هناك مانع من مشاركة أعضاء معينين ضمن هذه المجالس لتوفير عناصر ذات خبرة وكفاءة شرط أن تبقى الأغلبية للعناصر المنتخبة ،خاصة وإن الانتخاب يتطلب قدر كبير من الوعي والثقافة مما لا يتوفر غالباً في سكان الوحدات المحلية .
3- استقلال الوحدات المحلية :
إذا كان من الضروري في هذه الأيام أن يكون اختيار أعضاء المجال المحلية عن طريق سكان هذه الوحدات فإن الأكثر أهمية أن تستقل الهيئات اللامركزية في مباشرة عملها عن السلطة المركزية ، فالمرافق اللامركزية لا تخضع لسلطة رئاسة أعلى .إلا أن ذلك لا يعني الاستقلال التام للهيئات المحلية عن السلطات المركزية ، فالأمر لا يعدو أن يكون الاختلاف حول مدى الرقابة التي تمارسها السلطات المركزية على الهيئات المحلية في النظم اللامركزية إذ لابد من تمتع هذه الهيئات باستقلال كافٍ في أدائها لنشاطها .
وقد أطلق الفقهاء على الرقابة التي تمارسها السلطة المركزية على الهيئات اللامركزية الوصاية الإدارية
la tutelle administrative .
ثانياً : اللامركزية المرفقية:
يجد المشرع في أحيان كثيرة أنه من الضروري أن يمنح بعض المشاريع والمرافق والمصالح العامة الشخصية المعنوية وقدر من الاستقلال عن الإدارية المركزية مع خضوعها لإشرافها ، كمرفق البريد والتلفون والكهرباء والإذاعة والجماعات ، لتسهيل ممارستها لنشاطاتها بعيداً عن التعقيدات الإدارية .
وتمارس اللامركزية المرفقية نشاطاً واحداً أو أنشطة متجانسة كما هو الحال في الهيئات والمؤسسات العامة على عكس اللامركزية المحلية التي تدير العديد من المرافق أو الأنشطة غير المتجانسة. ( )
ولا يستند هذا الأسلوب على فكرة الديمقراطية إنما هي فكرة فنية تتصل بكفاءة إدارة المرفق وعلى ذلك ليس من حاجة للأخذ بأسلوب الانتخابات في اختيار رؤساء أو أعضاء مجالس إدارة هذه الهيئات العامة .
هذا ويحرص المشروع دائماً تكون ممارسة هذه المؤسسات لنشاطها ضمن الحدود والاختصاصات التي أجازها ولا يمكن مباشرة نشاط آخر أو التوسيع من اختصاصاتها .
المطلب الثاني :التمييز بين الوصاية الإدارية والسلطة الرئاسية
أطلق جانب من الفقه على الرقابة التي تمارسها السلطات المركزية على الهيئات اللامركزية مصطلح الوصايا الإدارية ( ) إلا إن هذا المصطلح منتقد عند جانب آخر من الفقهاء ويرون أن يستبدل بمصطلح الرقابة الإدارية
le control administrative وذلك لوجود اختلاف بين المراد بالوصاية في القانون الخاص ، وبين الوصاية الإدارية في القانون العام ، فالأولى تتعلق بحماية الأفراد ناقصي الأهلية أما الوصايا الإدارية فتترتب على الهيئات المحلية، وهذه الهيئات تتمتع بأهلية كاملة بصفتها شخصية معنوية معتبرة .
ونرى إزاء هذا الاختلاف البين أن مصطلح الرقابة الإدارية هو الأجدر على وصف العلاقة بين السلطة المركزية والهيئات المحلية .
والرقابة الإدارية في النظام اللامركزي تختلف عن السلطة الرئاسية التي تعتبر أحد عناصر المركزية الإدارية , فالسلطة الرئاسية كما سبقت الإشارة علاقة التبعية والتدرج الرئاسي بين الموظف ورئيسه . أما في النظام اللامركزي فإن الموظفين في الدوائر والهيئات المحلية لا يدينون بالطاعة لأوامر السلطة المركزية على خلاف الأمر في السلطة الرئاسية ، لأن هذه الهيئات تتمتع بشخصية معنوية تجعلها بمنأى عن الخضوع التام لتوجيهات السلطة المركزية ، ولكنها لا تتخلى عن الرقابة اللاحقة التي تمارسها على أعمال الهيئات المحلية .
ولا يمكن اعتبار هذا الاستقلال منحه من الهيئات المركزية بل هو استقلال مصدره القانون أو الدستور ( ) ويقود هذا الاستقلال إلى أعضاء الرئيس الذي يملك الوصايا من المسؤولية المترتبة من جراء تنفيذ المرؤوس لتوجيهاته إلا المرؤوس لتوجيهاته غلا في الأحوال التي يحددها القانون. ( )
كما تختلف ( الوصاية الإدارية ) عن السلطة الرئاسية في أنه لا يجوز للسلطة المركزية تعديل القرارات التي تصدرها الهيئات المحلية وكل ما تملكه توافق عليها بحالتها أو ترفضها. ( )
فإن حاولت السلطة المركزية فرض رئاستها على المرافق اللامركزية بالتعرض لقراراتها بالتعديل أو إلغائها في غير الحدود القانونية كان لهذه الأخيرة الاعتراض على ذلك .
وفي ذلك ورد في حكم لمحكمة القضاء الإداري المصري " إن من المسلم به فقهاً وقضاء إن علاقة الحكومة المركزية بالمجالس البلدية والقروية إن هي إلا وصاية إدارية وليست سلطة رئاسية ، وبناء على ذلك فإن الأصل إن وزير الشؤون البلدية والقروية لا يملك بالنسبة لقرارات هذا المجلس سوى التصديق عليها كما هي ، أو عدم التصديق عليها كما هي ، دون أن يكون له حق تعديل هذه القرارات".( )
وأخيراً فإن سلطة الوصايا تملك الحلول محل الوحدات المحلية عندما تهمل الأخيرة في ممارسة اختصاصاتها أو تخل بالتزاماتها فترفض اتخاذ إجراء معين كان الواجب عليها طبقاً للقوانين واللوائح ، حتى لا يتعطل سير المرافق العمامة تحرير السلطة المركزية محل الوحدات اللامركزية لتتخذ الإجراء المطلوب وذلك باسم الوحدات اللامركزية ولحسابها .
ولخطورة هذه السلطة وحتى لا تتعسف السلطة المركزية في ممارسة حق الحلول ، درج القضاء على القول بضرورة وجود نص قانوني صريح يلزم الوحدة اللامركزية بالقيام بالعمل أو بإجراء التصرف وامتناعها عن ذلك ، وقيام السلطة الوصايا بتوجيه إنذار مكتوب إلى الوحدة اللامركزية الممتنعة تدعوها إلى وجوب القيام بالعمل أو الإجراء الذي يفرضه القانون ( )
المطلب الرابع:تقييم اللامركزية الإدارية
نظام اللامركزية الإدارية له الكثير من المزايا إلا أن من الفقهاء من أبرز له بعض العيوب وهو ما نبينه في هذه الدراسة :
أولا: مزايا اللامركزية الإدارية :
1- يؤكد المبادئ الديمقراطية في الإدارة : لأنه يهدف إلى اشتراك الشعب في اتخاذ القرارات وإدارة المرافق العامة المحلية .
2- يخفف العبء عن الإدارة المركزية . إذ أن توزيع الوظيفة الإدارية بين الإدارة المركزية والهيئات المحلية أو المرفقية يتيح للإدارة المركزية التفرغ لأداء المهام الأكثر أهمية في رسم السياسة العامة وإدارة المرافق القومية .
3- النظام اللامركزي أقدر على مواجهة الأزمات والخروج منها . سيما وأن الموظفين في الأقاليم أكثر خبرة من غيرهم في مواجهة الظروف والأزمات المحلية كالثورات واختلال الأمن ، لما تعودوا عليه وتدربوا على مواجهته وعدم انتظارهم تعليمات السلطة المركزية التي غالباً ما تأتي متأخرة .
4- تحقيق العدالة في توزيع حصيلة الضرائب وتوفير الخدمات في كافة أرجاء الدولة ، على عكس المركزية الإدارية حيث تحظى العاصمة والمدن الكبرى بعناية أكبر على حساب المدن والأقاليم الأخرى .
5- تقدم اللامركزية الإدارية حلاً لكثير من المشاكل الإدارية والبطء والروتين والتأخر في اتخاذ القرارات الإدارية وتوفر أيسر السبل في تفهم احتياجات المصالح المحلية وأقدر على رعايتها .
ثانياً : عيوب اللامركزية الإدارية :-
1- يؤدي هذا النظام إلى المساس بوحدة الدولة من خلال توزيع الوظيفة الإدارية بين الوزارات والهيئات المحلية .
2- قد ينشأ صراع بين الهيئات اللامركزية والسلطة المركزية لتمتع الاثنين بالشخصية المعنوية ولأن الهيئات المحلية غالباً ما تقدم المصالح المحلية على المصلحة العامة .
3- غالباً ما تكون الهيئات اللامركزية أقل خبرة ودراية من السلطة المركزية ومن ثم فهي أكثر إسرافاً في الإنفاق بالمقارنة مع الإدارة المركزية .
ولا شك أن هذه الانتقادات مبالغ فيها إلى حد كبير ويمكن علاجها عن طريق الرقابة أو الوصايا الإدارية التي تمارسها السلطة المركزية على الهيئات اللامركزية والتي تضمن وحدة الدولة وترسم الحدود التي لا تتجاوزها تلك الهيئات .
وفي جانب آخر يمكن سد النقص في خبرة الهيئات اللامركزية من خلال التدريب ومعاونة الحكومة المركزية مما يقلل من فرص الإسراف في النفقات والأضرار بخزينة الدولة.
ويؤكد ذلك أن اغلب الدول تتجه اليوم نحو الأخذ بأسلوب اللامركزية الإدارية على اعتبار أنه الأسلوب الأمثل للتنظيم الإداري .

الباب الثاني
نشاط الإدارة العامة

حضيت مشكلة تحديد نشاط الإدارة العامة ونشاط الأفراد بالاهتمام رجال الدولة والمفكرين منذ نشأت الدولة وحتى الوقت الحاضر ، وقد اختلفت غلبة أحد النشاطين على الأخر تبعا للأفكار السياسية السائدة في المجتمع.
ولعل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وازدياد تدخل الدولة في هذه المجالات المختلفة قاد بالضرورة إلى وضع الوسائل المناسبة لإدارة الدولة في هذه المجالات المختلفة قاد بالضرورة إلى وضع الوسائل المناسبة لإدارة الدولة ونشاطها ، وفقاً للفلسفة السياسية التي تؤمن بها الأنظمة السياسية .
وقد برز دور الدولة من خلال وظيفتين أساسيتين تقوم بهما الإدارة الأولى منها سلبية تتمثل بالضبط الإداري والذي يقوم على مراقبة وتنظيم نشاط الأفراد حفاظاً على النظام العام . أما الوظيفة الثانية فهي وظيفة إيجابية تتمثل بإدارة المرافق العامة والوفاء بحاجات الأفراد وإشباع رغباتهم.
وسنبين في هذا الباب هاتين الوظيفتين في فصلين متتاليين.
الفصل الأول: الضبط الإداري .
الفصل الثاني : المرفق العام .

الفصل الأول
الضبط الإداري

نتناول في هذا القسم في الدراسة الجوانب المختلفة للضبط الإداري ، فنعرض لماهيته وأغراضه ووسائل وحدود سلطات الضبط الإداري ،( ) وذلك في ثلاثة مباحث كما يلي :-

المبحث الأول : ماهيته الضبط الإداري
المبحث الثاني: أغراض ووسائل الضبط الإداري
المبحث الثالث: حدود سلطات الضبط الإداري

المبحث الأول
ماهية الضبط الإداري

لبيان ماهية الضبط الإداري نعرض أولا لتعريفه وتمييزه عما يشتبه به وأخيراً نبين أنواعه.
المطلب الأول: التعريف بالضبط الإداري .
يقصد بالضبط الإداري بمعناه العام مجموعة الإجراءات والأوامر والقرارات التي تتخذها السلطة المختصة للمحافظة على النظام العام بمدلولاته الثلاثة " الأمن – الصحة – السكينة " .
ويلاحظ أن المشرع سواء في فرنسا أو مصر أو في العراق ، لم يضع تعريفاً محدداً للضبط الإداري ، وإنما اكتفى بتحديد أغراضه ، وترك تعريفه للفقه والقضاء.
وفى هذا المجال يعرف
De laubadere الضبط الإداري بأنه : " مظهر من مظاهر عمل الإدارة يتمثل في تنظيم حريات الأفراد حماية للنظام العام . (1)
بينما يتجه الفقهاء العرب ومنهم الدكتور طعيمة الجرف إلى تعريفه بأنه " وظيفة من أهم وظائف الإدارة تتمثل أصلا في المحافظة على النظام العام بعناصره الثلاثة الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة عن طريق إصدار القرارات اللائحية والفردية واستخدام القوة المادية مع ما يتبع ذلك من فرض قيود على الحريات الفردية تستلزمها الحياة الاجتماعية " ( ) بينما يعرفه الدكتور صبيح بشير مسكوني بأنه " مظهر من مظاهر نشاط الإدارة العامة يراد به ممارسة هيئات إدارية معينة اختصاصات فرض قيود على حريات الأفراد وحماية للنظام العام ".( )
وأيا كان الأمر فان الضبط الإداري نظام وقائي تتولى فيه الإدارة حماية المجتمع من كل ما يمكن أن يخل بأمنه وسلامته وصحة أفراده وسكينتهم ، ويتعلق بتقييد حريات وحقوق الأفراد بهدف حماية النظام العام في الدولة . وبهذا المعنى يتميز الضبط الإداري عن الضبط التشريعي والضبط القضائي.
أولاً : الضبط الإداري والضبط التشريعي
يلجأ المشرع في كثير من الأحيان إلى إصدار القوانين التي تقيد حريات الأفراد وحقوقهم حفاظاً على النظام العام ، وفى ممارسته لهذا الاختصاص إنما يستند لاختصاصه التشريعي ، الذي يجد مصدره في الدستور والمبادئ العامة للقانون، وتسمى التشريعات الصادرة في هذا الشأن " بالضبط التشريعي" تميزاً له عن الضبط الإداري الذي يصدر من جانب الإدارة في شكل قرارات تنظيميه أو فردية يترتب عليها تقييد حريات الأفراد.
مع ضرورة الإيضاح بان سلطة الضبط الإداري يجب أن تتم في إطار القوانين والتشريعات وتنفيذاً لها ، غير أن ذلك لا يمنعها من اتخاذ إجراءات مستقلة تتضمن قيوداً على الحريات الفردية بواسطة ما تصدره من لوائح الضبط.( )
ثانياً: الضبط الإداري والضبط القضائي.
يقصد بالضبط القضائي ، الإجراءات التي تتخذها السلطة القضائية للتحري عن الجرائم بعد وقوعها ، والبحث عن مرتكبها تمهيداً للقبض عليه، وجمع الأدلة اللازمة للتحقيق معه ومحاكمته وانزال العقوبة به.
ومن ثم فان الضبط القضائي يتفق مع الضبط الإداري في انهما يستهدفان المحافظة على النظام العام ، إلا انهما يختلفان من حيث السلطة المختصة بإجرائه والغرض منه وطبيعته.
فمن جهة تتولى السلطة التنفيذية وظيفة الضبط الإداري . بينما تتولى السلطة القضائية ممثلة بالقضاة أو أعضاء النيابة العامة وممثليها وظيفة الضبط القضائي.
ومن حيث الغرض فان مهمة الضبط الإداري وقائية تسبق الإخلال بالنظام العام وتمنع وقوع الاضطراب فيه، في حين مهمة الضبط القضائي علاجية ولاحقة لوقوع الإخلال بالنظام العام وتهدف إلى ضبط الجرائم بعد وقوعها والبحث عن مرتكبيها وجمع الأدلة اللازمة لإجراء التحقيق والمحاكمة وإنزال العقوبة.
وأخيرا يتميز الضبط الإداري في طبيعة إجراءاته التي تصدر في شكل قرارات تنظيميه أو فردية تخضع لرقابة القضاء الإداري إلغاء وتعويضاً ، أما الضبط القضائي فانه يصدر في شكل قرارات قضائية لا تخضع لرقابة القضاء الإداري , وخضوعها لسلطات القضاء العادي محل نظر .( )
المطلب الثاني : أنواع الضبط الإداري.
يطلق مصطلح الضبط الإداري ويقصد به معنيان : الضبط الإداري العام- والضبط الإداري الخاص.
يقصد بالضبط الإداري العام المحافظة على النظام العام بعناصره الثلاثة الأمن والصحة والسكنية العامة . وحماية جميع الأفراد في المجتمع من خطر انتهاكاته والإخلال به.
أما الضبط الإداري الخاص فيقصد به حماية النظام العام من زاوية أو ناحية معينة من نشاط الأفراد من ذلك القرارات الصادرة بتنظيم نشاط صيد بعض الحيوانات النادرة ، وتنظيم عمل في بعض المحلات العامة المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة. أو في مكان أو أماكن محددة، حيث يعهد بتولي سلطة الضبط في هذه الأماكن إلى سلطة إدارية معينة ، كان يعهد إلى شرطة الآثار بمهمة المحافظة على النظام العام في الأماكن الأثرية .
ويلاحظ أن الضبط الإداري الخاص قد يستهدف أغراضا أخرى بخلاف أغراض الضبط الإداري العام التقليدية ، إذ يملك أن يفرض القيود التي يراها لتحقيق أهداف أو أغراض أخرى خلاف النظام العام كالقيود التي تفرض على الأفراد لحماية الآثار أو تنظيم السياحة وتجميل المدن.
ومن ثم فان الضبط الإداري الخاص أضيق حدوداً من نطاق الضبط الإداري العام لتقيده بمكان أو نشاط أو أغراض معينه. إلا أن ذلك لا يعنى محدودية تأثيره في المجالات التي يتولاها ، بل أن الاتجاه التشريعي في بعض الدولة ينحو إلى استبعاد نظام الضبط الإداري العام وانفراد هيئات الضبط الإداري الخاص في تنظيم نشاطات معينة . مثلما هو الحال في الضبط الخاص بشؤون السكك الحديدية والمنشات الخطيرة والمقلقة للراحة والصحة في فرنسا. ( )
المبحث الثاني
أغراض ووسائل الضبط الإداري
نتناول فيما يلي أغراض الضبط الإداري ثم نبين الوسائل أو الأساليب التي يستعين بها لتحقيق هذه الأغراض.

المطلب الأول: أغراض الضبط الإداري
بينا أن الهدف من الضبط الإداري هو حماية النظام العام ومنع انتهاكه والإخلال به . وتمارس الإدارة سلطة الضبط الإداري متى وجدت ذلك ضرورياً ولو لم ينص القانون على إجراء معين لمواجهه هذا الانتهاك أو الإخلال .
والنظام العام فكرة مرنة تختلف باختلاف الزمان والمكان فيما يعتبر مخالفاً للنظام العام في زمان أو مكان معينين قد لا يعد كذلك في زمان أو مكان آخرين : كما يختلف باختلاف الفلسفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في الدولة . لذلك يجمع الفقه على ضرورة ربط فكرة النظام العام بالمصلحة العامة العليا المجتمع في كل دولة على حده.
غير أن معظم الفقهاء يتفقون على أن النظام العام يهدف إلى تحقيق ثلاثة أغراض رئيسية هي: الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة .
أولاً : الأمن العام
يقصد بالأمن العام تحقيق كل ما من شأنه اطمئنان الإنسان على نفسه وماله من خطر الاعتداءات والانتهاكات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الكوارث الطبيعية كالكوارث والأخطار العامة كالحرائق والفيضانات والسيول ، والانتهاكات التي قد تسبب بها الإنسان كجرائم القتل والسرقة والمظاهرات وأحداث الشغب وحوادث المرور.
ثانياً : الصحة العامة.
ويقصد بها حماية صحة الأفراد من كل ما من شانه أن يضر بها من أمراض أو أوبئة إذ تعمد الإدارة إلى تطعيم الأفراد من الأمراض المعدية وتتخذ الإجراءات التي تمنع انتشارها.
كما تشرف على توفير المياه الصالحة للشرب وتراقب صلاحية الأغذية للاستهلاك البشرى ومدى تقيد المحال العامة بالشروط الصحية.
ولاشك أن وظيفة الدولة في مجال الصحة العامة قد توسعت إلى حد كبير بفعل انتشار التلوث وكثرة الاعتماد على المواد الكيماوية في الصناعة وتأثير ذلك على صحة الأفراد .
ثالثاً: السكنية العامة.
ويقصد بها توفير الهدوء في الطرق والأماكن العامة ومنع كل ما من شأنه أن يقلق راحة الأفراد أو يزعجهم كالأصوات والضوضاء المنبعثة من مكبرات الصوت والباعة المتجولين ومحلات التسجيل ومنبهات المركبات. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم النظام العام قد اتسع ليشمل النظام العام الأدبي والأخلاق العامة . وأمكن بالتالي استعمال سلطة الضبط الإداري للمحافظة على الآداب والأخلاق العامة، فتجاوز بذلك العناصر الثلاثة السابقة . وفى هذه الاتجاه تملك الإدارة منع عرض المطبوعات المخلة بالآداب العامة . وكذلك حماية المظهر العام للمدن وحماية الفن والثقافة.
وفى ذلك لا يجوز تقديم العروض المسرحية أو التمثيلية أو الموسيقية أو الراقصة أو الغنائية في الملاهي أو المحال العامة إلا بعد الترخيص بها من الجهة المختصة بوزارة الداخلية والحكم المحلى ولا يجوز الترخيص بالعروض الخليعة أو الفاضحة أو المخلة بالحياء أو التي يقصد بها الإثارة الجنسية أو التي تنطوي على ذلك.
المطلب الثاني : وسائل الضبط الإداري.
في سبيل تحقيق أهداف الضبط الإداري لابد للإدارة أن تستخدم وسائل أو أساليب معينة وهى لوائح الضبط وأوامر الضبط الفرية وأخيرا التنفيذ الجبري.
أولا: لوائح الضبط الإداري.
تتضمن لوائح الضبط الإداري قواعد عامة مجردة تهدف إلى المحافظة على النظام العام بعناصره الثلاثة ، وتتضمن تقييد حريات الأفراد ، لذلك نشأ خلاف شديد حول مدى مشروعيتها ، على اعتبار أن تقييد الحريات لا يجوز إلا بقانون ووظيفة الإدارة تنحصر بوضع هذه القوانين موضوع التنفيذ.
غير أن الاتجاه السليم في القضاء و الفقه يعترف للإدارة بتنفيذ هذه القوانين وتحميلها، وقد تقضى هذه التكملة كما يذهب الدكتور " سامي جمال الدين " إلى تقييد بعض الحريات ، كما قد تقتصر مهمة هذا الضبط الإداري على تطبيق النظم العامة الضبطية التي نصت عليها القوانين.( )
ومن ثم تعد لوائح الضبط أهم أساليب الضبط الإداري وأقدرها في حماية النظام العام، ومنها لوائح تنظيم المرور وتنظيم العمل في المحال العامة ، وتتخذ عدة مظاهر في تقييدها النشاط الأفراد منها الحظر ، والآذن المسبق والأخطار والتنظيم.
1- الحظر .
يقصد بالحظر أن تتضمن لوائح الضبط منع مزاولة نشاط معين منعاً كاملاً أو جزئياً.
والأصل أن لا يتم الحظر المطلق لنشاط ما لان ذلك يعنى انتهاك للحرية ومصادرة للنشاط . ولكن أجاز القضاء استثناءً الحظر الكامل للنشاط عندما يشكل إخلالا بالنظام العام كمنع إنشاء مساكن للبغاء أو للعب الميسر.
2- الإذن المسبق .
قد تظهر لوائح الضبط في ضرورة الحصول على إذن مسبق من جهة الإدارة قبل مزاولة النشاط ، ومن الضروري أن يشترط القانون المنظم للحرية الحصول على هذا الإذن ، إذا أن القانون وحدة الذي يملك تقييد النشاط الفردي بإذن سابق وعكس هذا يسمح بالتمييز بين الأفراد.
3-الأخطار عن النشاط .
ويحصل بان تشترط اللائحة ضرورة أخطار السلطة المختصة بمزاولة نشاط معين حتى تتمكن من اتخاذ ما يلزم من إجراءات تكفل حماية النظام العام . مثال ذلك الأخطار عن تنظيم اجتماع عام . ففي هذه الحالة لا يكون الاجتماع محظوراً وليس من الضروري الحصول على إذن مسبق.
4- تنظيم النشاط .
قد لا تتضمن لوائح الضبط على حظر نشاط معين أو اشتراط الحصول على أذن مسبق أو الأخطار عنه . وإنما قد تكتفي بتنظيم النشاط الفردي وكيفية ممارسته ، كما لو تم تحديد سرعة المركبات في الطرق العامة أو تحديد أماكن وقوفها.
ثانياً: أوامر الضبط الإداري الفردية.
قد تلجأ سلطات الضبط إلى إصدار قرارات إدارية أو أوامر فردية لتطبق على فرد أو أفراد معينين بذواتهم . وقد تتضمن هذه القرارات أوامر بالقيام بأعمال معينه أو نواهي بالامتناع عن أعمال أخرى . مثال ذلك الأوامر الصادرة بمنع عقد اجتماع عام أو الأمر الصادر بهدم منزل آيل للسقوط أو القرار الصادر بمصادرة كتاب أو صحيفة معينة.
والأصل انه يجب أن تستند هذه القرارات إلى القوانين واللوائح فتكون تنفيذاً لها. إلا انه استثناء من ذلك قد تصدر القرارات الإدارية دون أن تكون مستندة إلى قانون أو لائحة تنظيميه عامة . فاللائحة أو التشريع لا يمكن أن ينصا على جميع التوقعات أو التنبؤات التي قد تحث . كما أن مفهوم النظام العام متغير ، فإذا ظهر تهديداً أو إخلال لم يكن التشريع أو اللائحة قد توقعاه فان طلب أن يكون القرار الفردي مستنداً إلى قاعدة تنظيميه يؤدى إلى تجريد سلطة الضبط من فاعليتها .( )
ثالثاً: التنفيذ الجبري.
قد تستخدم الإدارة القوة المادية لإجبار الأفراد على تنفيذ القوانين واللوائح والقرارات الإدارية لمنع الإخلال بالنظام العام . وتعد هذه الوسيلة اكثر وسائل الضبط شدة وعنفاً باعتبارها تستخدم القوة الجبرية ولا يخفى ما لذلك من خطورة على حقوق الأفراد وحرياتهم.
ويعد التنفيذ الجبري لقرارات الضبط الإداري أحد تطبيقات نظرية التنفيذ المباشر للقرارات الإدارية ، واستناداً لذلك لا يتم الحصول على أذن سابق من السلطات القضائية لتنفيذه . إلا انه يجب أن تتوافر فيه ذات شروط التنفيذ المباشر.
ومن الحالات التي يمكن فيها اللجوء إلى التنفيذ الجبري أن يبيح القانون أو اللوائح استعمال هذا الحق ، أو يرفض الأفراد تنفيذ القوانين واللوائح ولا يوجد أسلوب أخر لحمل الأفراد على احترام القوانين واللوائح غير التنفيذ الجبري ، كما يتم اللجؤ إلى هذا الأسلوب في حالة الضرورة .( )
ويشترط في جميع الحالات أن يكون استخدام القوة المادية متناسباً مع جسامة الخطر الذي من الممكن أن يتعرض له النظام العام .
ويجب التنويه أخيرا بان استخدام القوة المادية لا يعنى حتماً مجازاة الأفراد عن أفعال جرمية ارتكبوها . وإنما يقصد بالقوة المادية تلك القوة المستخدمة لمنع وقوع أي إخلال بالنظام العام بعناصره الثلاثة.( )
المبحث الثالث
حدود سلطات الضبط الإداري.
من الضروري وضع حدود لاختصاصات الإدارة في ممارستها لسلطات الضبط الإداري يتم من خلالها الموازنة بين تحقيق متطلبات النظام العام وضمان حقوق وحريات الأفراد، وقد درجت أحكام القضاء الإداري على منح الإدارة حرية واسعة في ممارسة سلطات الضبط الإداري ، غير أنها أخضعتها في ذلك لرقابة القضاء الإداري من نواح عدة .
وفى هذا المجال نبين حدود سلطات الضبط الإداري في الأوقات العادية ثم نعرض لحدود هذه السلطة في الظروف الاستثنائية.
المطلب الأول : حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية.
تخضع سلطة الضبط الإداري في الظروف العادية لمبدأ المشروعية الذي يستدعى أن تكون الإدارة خاضعة في جميع تصرفاتها للقانون ، وإلا كانت تصرفاتها وما تتخذه من قرارات باطلاً وغير مشروعاً . وتتمثل رقابة القضاء على سلطات الإدارة في هذه الظروف فيما يلي:
أولا: أهداف الضبط الإداري.
يجب أن تتقيد الإدارة بالهدف الذي من اجله قرر المشرع منح هيئات الضبط هذه السلطات ، فليس للإدارة تخطى هذا الهدف سواء كان عاماً أم خاصاً ، فإذا استخدمت سلطتها في تحقيق أغراض بعيدة عن حماية النظام العام . أوسعت إلى تحقيق مصلح عامة لكي لا تدخل ضمن أغراض الضبط التي قصدها المشرع فان ذلك يعد انحرافاً بالسلطة ويخضع قرار الإدارة لرقابة القضاء المختص.
ثانياً : أسباب الضبط الإداري.
يقصد بسب الضبط الإداري الظروف الخارجية التي دفعت الإدارة إلى التدخل وإصدار قرارها، ولا يعد تدخل الإدارة مشروعاً إلا إذا كان مبنياً على أسباب صحيحة وجدية من شأنها أن تخل بالنظام العام بعناصره الثلاثة الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة.
ثالثاً : وسائل الضبط الإداري.

ثالثاً : وسائل الضبط الإداري.
يجب أن تكون الوسائل التي استخدمتها سلطات وهيئات الضبط الإداري مشروعة ، وفى القيود التي استقر القضاء على ضرورة اتباعها واستخدام الإدارة لوسائل الضبط الإداري لا يجوز أن يترتب على استعمال هذه الوسائل تعطيل التحريات العامة بشكل مطلق لان ذلك يعد إلغاء لهذه الحريات ، والحفاظ على النظام العام لا يلتزم غالباً هذا الإلغاء وإنما يكتف بتقيدها . ومن ثم يجب أن يكون الحظر نسبياً ، إي إن يكون قاصراً على زمان أو مكان معينين.
وعلى ذلك تكون القرارات الإدارية التي تصدرها سلطة الضبط الإداري بمنع ممارسة نشاط عام منعاً عاماً ومطلقاً غير مشروعة . ( )
رابعاً: ملائمة قرارات الضبط الإداري.
لا يكفى أن يكون قرار الضبط الإداري جائزا قانوناً أو انه قد صدر بناءً على أسباب جدية ، إنما تتسع رقابة القضاء لبحث مدى اختيار الإدارة الوسيلة الملائمة للتدخل ، فيجب أن لا تلجأ إلى استخدام وسائل قاسية أو لا تتلائم مع خطورة الظروف التي صدر فيها.
ومن الضروري أن نبين أن سلطة القضاء في الرقابة على الملائمة هي استثناء على القاعدة العامة في الرقابة على أعمال الإدارة فالأصل هو استقلال الإدارة في تقدير ملائمة قراراتها ، لكن بالنظر لخطورة قرارات الضبط على الحقوق والحريات فان القضاء يبسط رقابته على الملائمة . ( )
وفى هذا المجال لا يجوز مثلاً لرجال الأمن أن يستخدموا إطلاق النار لتفريق تظاهره في الوقت الذي كان استخدام الغاز المسيل للدموع أو خراطيم المياه كافياً لتحقيق هذا الغرض.
المطلب الثاني: حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية.
قد تطرأ ظروف استثنائية تهدد سلامة الدولة كالحروب والكوارث الطبيعية ، وتجعلها عاجزة عن توفير وحماية النظام العام باستخدام القواعد والإجراءات السابق بيانها . وفى هذه الحالة لابد أن تتسع سلطات هيئات الضبط لمواجهة هذه الظروف من خلال تمكينها من اتخاذ إجراءات سريعة وحازمة لمواجهة الظرف الاستثنائي.
على أن الظرف الاستثنائي أيا كانت صورته حرباً أو كوارث طبيعية لا يجعل الإدارة في منأى من رقابة القضاء بشكل مطلق ، فلا يعدو أن يكون الأمر توسعاً لقواعد المشروعية ، فالإدارة تبقى مسؤولة في ظل الظروف الاستثنائية على أساس الخطأ الذي وقع منها، غير أن الخطأ في حالة الظروف الاستثنائية يقاس يميزان آخر غير أن ذلك الذي يقاس به الخطأ في الظروف العادية.
أولاً : التنظيم القانوني لسلطة الضبط في الظروف الاستثنائية.
وحيث أن نظام الظروف الاستثنائية من شأنه المساس المباشر بحقوق وحريات الأفراد التي يكفلها الدستور ، فلابد أن يتدخل المشرع لتحديد ما إذا كان الظرف استثنائياً أو لا, ويتم ذلك باتباع أسلوبين : الأول أن تصدر قوانين تنظيم سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية بعد وقوعها ، ويتسم هذا الأسلوب بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم لأنه يحرم السلطة التنفيذية من اللجوء إلى سلطات الظروف الاستثنائية إلا بعد موافقة السلطة التشريعية ، ويعيبه أن هناك من الظروف الاستثنائية ما يقع بشكل مفاجئ لا يحتمل استصدار تلك التشريعات بالإجراءات الطويلة المعتادة ( ) , بينما يتمخض الأسلوب الثاني عن وجود قوانين منظمة سلفاً لمعالجة الظروف الاستثنائية قبل قيامها ويرخص الدستور للسلطة التنفيذية بإعلان حالة الظروف الاستثنائية والعمل بمقتضى هذه القوانين .
ولا يخضى ما لهذا الأسلوب من عيوب تتمثل في احتمال إساءة الإدارة سلطتها في إعلان حالة الظروف الاستثنائية في غير أوقاتها للاستفادة مما يمنحه لها المشرع من صلاحيات في تقييد حريات الأفراد وحقوقهم.
وقد اخذ المشرع الفرنسي بالأسلوب الأخير إذا منحت المادة السادسة عشرة من دستور الجمهورية الخامسة الصادر عام 1958 رئيس الجمهورية الفرنسية سلطات واسعة من اجل مواجهه الظروف الاستثنائية.

الفصل الثاني
المرفق العام

يعد المرفق العام المظهر الإيجابي لنشاط الإدارة وتتولاه الإدارة بنفسها أو بالاشتراك مع الأفراد , وتسعى من خلاله إلى إشباع الحاجات العامة . وتعد فكرة المرافق العامة من أهم موضوعات القانون الإداري وترد إليها معظم النظريات والمبادئ التي ابتدعها القضاء الإداري كالعقود الإدارية والأموال العامة والوظيفة العامة.
ونبين في هذا الجزء من الدراسة مفهوم المرفق العام والمبادئ التي تحكم المرافق العامة وأخيراً طرق إدارة المرافق العامة وذلك في ثلاثة مباحث على النحو التالي :
المبحث الأول : مـاهيــة المــرفــق العام .
المبحث الثاني : المبادئ التي تحكم المرافق العامة .
المبحث الثالث : طـرق إدارة المـرافـق العامة .

الفصل الأول
ماهية المرفق العام

البحث في ماهية المرفق العام يستدعي منا أن نبين تعريفه وعناصره ، ثم نستعرض أنواع المرافق العامة ونوضح أخيراً إنشاء وإلغاء هذه المرافق.

المطلب الأول : تعريف وعناصر المرفق العام
ليس من السهل تعريف المرفق العام، ولعل صعوبة تعريفه تعود إلى أن عبارة المرفق العام مبهمة ولها معنى عضوي و أخر موضوعي . ( )
المعنى العضوي ويفيد المنظمة التي تعمل على أداء الخدمات وإشباع الحاجات العامة، ويتعلق هذا التعريف بالإدارة أو الجهاز الإداري. أما المعنى الموضوعي فيتعلق بالنشاط الصادر عن الإدارة بهدف إشباع حاجات عامة والذي يخضع لتنظيم وإشراف ورقابة الدولة.
وعلى ذلك يمكن القول بأن المرفق العام هو في حالة السكون المنظمة التي تقوم بنشاط معين ، أما في حالة الحركة فهو النشاط الذي يهدف إلى إشباع حاجات عامة بغض النظر عن الجهة التي تؤديه.
وقد تراوح التعريف بين هذين المعنيين فقد أكد بعض الفقهاء على العنصر العضوي للمرفق العام، بينما تناوله البعض الأخر من الناحية الوظيفية أو الموضوعية , وبعد أن كان القضاء الإداري في فرنسا ومصر يتبنى المعنى العضوي، تطورت أحكامه للجميع بين المعنيين، ثم استقر فيما بعد على المعنى الموضوعي فعرف المرفق العام بأنه النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى، مباشرة أو تعهد به لأخرين كالأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة، ولكن تحت إشرافها ومراقبتها وتوجيهها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .( )
وفي ذلك يعرف الأستاذ "رفيرو" المرفق العام بمعناه الوظيفي بأنه نشاط يهدف إلى تحقيق الصالح العام .( )
ويعرفه الدكتور طعيمة الجرف بأنه " نشاط تتولاه الإدارة بنفسها أو يتولاه فرد عادي تحت توجيهها ورقابتها وإشرافها بقصد إشباع حاجة عامة للجمهور" . ( )
وفي الحقيقة يمكن الجمع بين المعنى العضوي والوظيفي للوصول إلى تعريف سليم للمرفق العام لوجود التقاء بين المعنيين ، عندما تسعى الهيئات العامة التابعة لشخص من أشخاص القانون العام إلى تحقيق النفع العام وإشباع حاجات الأفراد، وهذا يحصل دائماً في المرافق العامة الإدارية.
غير أن تطور الحياة الإدارية، والتغيرات الكبيرة التي طرأت في القواعد التي تقوم عليها فكرة المرافق العامة أدى إلى ظهور المرافق العامة الاقتصادية أو التجارية التي يمكن أن تدار بواسطة الأفراد أو المشروعات الخاصة مما قاد إلى انفصال العنصر العضوي عن الموضوعي وأصبح من حق الإدارة أن تنظم نشاط معين في صورة مرفق عام وتعهد به إلى الأفراد فيتوافر فيه العنصر الموضوعي دون العضوي.
وقد اعترف مجلس الدولة في فرنسا للمرافق الاقتصادية والتجارية بصفة المرفق العام، بل أطلق هذه الصفة على بعض المشروعات الخاصة ذات النفع العام التي تخضع لترخيص أداري مقيد ببعض الشروط، وفق ما يعرف بفكرة المرافق العامة الفعلية .( )
وفي الاتجاه ذاته اعترف القضاء الإداري في مصر للمرافق الاقتصادية بصفة المرافق العامة وأخضعها لنظام القانون العام . ( )
عناصر المرفق العام
من التعريف السابق يتضح أن هناك ثلاثة عناصر يجب توافرها حتى يكتسب المشروع صفة المرفق العام ويعود العنصر الأول إلى الهدف الموكل إلى المرفق الذي يقوم بالنشاط والثاني ارتباط المشروع بالإدارة ورقابتها لسير العمل فيه وأخيراً استخدام امتيازات السلطة العامة .
أولاً : عنصر الهدف .
لابد أن يكون الغرض من المرفق العام تحقيق المنفعة العامة وإشباع حاجات الأفراد أو تقديم خدمة عامة، وهذه الحاجات أو الخدمات قد تكون مادية كمد الأفراد بالمياه والكهرباء أو معنوية كتوفير الأمن والعدل للمواطنين.
وعلى ذلك يعد تحقيق النفع العام من أهم العناصر المميزة للمرفق العام عن غيره في المشروعات التي تستهدف تحقيق النفع الخاص أو تجمع بين هذا الهدف وهدف إشباع حاجة عامة أو نفع عام.
ومع ذلك فإن تحقيق بعض المرافق العامة للربح لا يعني حتماً فقدها صفة المرفق العام، طالما أن هدفها الرئيس ليس تحقيق الربح، وإنما تحقيق النفع العام كما أن تحصيل بعض المرافق لعوائد مالية لقاء تقديمها الخدمات إلى المواطنين كما هو الحال بالنسبة لمرفق الكهرباء والقضاء لا يسعى لكسب عوائد مالية بقدر ما بعد وسيلة لتوزيع الأعباء العامة على كل المواطنين .( )
ومع ذلك فان هدف المنفعة العامة الذي اعترف القضاء الإداري به عنصراً من عناصر المرفق العام لا يمكن تحديده بدقة ، فهو الهدف قابل للتطور ويتوقف على تقدير القاضي إلى حد كبير .
وفي هذا السبيل ذهب جانب من الفقه إلى أن الذي يميز المرفق العام، أن المشروعات التي تنشئوها الدولة تعتبر مرافق عامة لأنها تستهدف تحقيق وجهاً من وجوه النفع العام الذي عجز الأفراد وأشخاص النشاط الخاص عن القيام بها، أولا يستطيعون القيام بها على أكمل وجه .( )
إلا أن المتتبع لأحكام القضاء الإداري الفرنسي يجد أنه اعتبر الكثير من النشاطات تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة، رغم إن نشاطها من السهل أن يتولاه الأفراد، ومن ذلك حكم
Terrier 1903 المتعلق بقتل الثعابين ، وحكم Therond 1910 الخاص برفع جثث الحيوانات .( )
ثانياً : عنصر الإدارة
تقوم الدولة بإنشاء المرافق العامة ويجب أن يكون نشاط المرفق العام منظماً من جانب الإدارة وموضوعاً تحت إشرافها ورقابتها، وخاضعاً لتوجيهها لضمان عدم انحرافه عن المصلحة العامة لحساب المصالح الخاصة( ).
وإذا عهدت الإدارة إلى أحد الأشخاص المعنوية العامة بإدارة المرافق فإن هذا لا يعني تخليها عن ممارسة رقابتها وإشرافها عليه من حيث تحقيقه للمصلحة العامة وإشباع الحاجات العامة للأفراد، ونفس الأمر إذا أصبحت الإدارة بيد هيئة خاصة بمقتضيات المصلحة العامة تقتضي النص على إخضاع هذه الهيئة الخاصة كاملة فلا نكون أمام مرفق عام.
مع إن هناك جانب من الفقه تؤيده بعض أحكام مجلس الدولة الفرنسي يذهب إلى أن هناك ما يمكن تسميته بالمرافق العامة الفعلية , وتخضع لبعض أحكام المرافق العامة، لأن هذا الاتجاه يتعارض والمستقر في مبادئ وأحكام القانون الإداري التي تقضي بضرورة وجود نص يخول الإدارة إنشاء المرافق العامة.
ثالثاً : وجود امتيازات السلطة العامة :-
يلزم لقيام المرافق العامة أن تتمتع الجهة المكلفة بإدارة المرفق العام بامتيازات غير مألوفة في القانون الخاص تلائم الطبيعة الخاصة للنظام القانوني الذي يحكم المرافق العامة.
غير أن هذا الشرط مختلف فيه بين الفقهاء على اعتبار أن التطورات الاقتصادية وتشعب أنشطة الإدارة أفرزت إلى جانب المرافق العامة الإدارية مرافق عامة صناعية وتجارية تخضع في الجانب الأكبر من نشاطها إلى أحكام القانون الخاص كما أن خضوع المرفق للقانون العام هو مجرد نتيجة لثبوت الصفة العامة للمرفق ، ومن غير المنطقي أن تعرف الفكرة بنتائجها .( )
غير أننا لا نتفق مع هذا الرأي من حيث أن المرافق العامة الصناعية والتجارية وأن كنت تخضع في بعض جوانبها لأحكام القانون الخاص فأنها لا تدار بنفس الكيفية التي تدار بها المشروعات الخاصة كما أن إرادة المشرع في إنشائها تضعها في إطار نظام قانوني غير مألوف وأن لم تتضمن امتيازات غير مألوفة في القانون الخاص.
ومن هنا نرى ضرورة خضوع المرافق العامة لنظام قانوني متميز عن نظام القانون الخاص بسبب طبيعتها المتميزة واستهدافها المصلحة العامة ومن قبيل ذلك حقها في التنفيذ المباشر وحقها في استيفاء الرسوم، وهذا ما استقر عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي .( )

المطلب الثاني :أ نـواع المرافق العامة
لا تأخذ المرافق العامة صورة واحدة بل تتعدد أنواعها تباعاً للزاوية التي ينظر منها إليها ، فمن حيث طبيعة النشاط الذي تمارسه تنقسم إلى مرافق إدارية ومرافق اقتصادية، ومرافق مهنية، ومن حيث استقلالها تنقسم إلى مرافق ذات شخصية معنوية مستقلة ومرافق لا تتمتع بالشخصية المعنوية، ومن حيث نطاق نشاطها إلى مرافق قومية وأخرى محلية .
ومن حيث مدى الالتزام بإنشائها إلى مرافق اختيارية ومرافق إجبارية.
أولاً : المرافق العامة من حيث طبيعة نشاطها .
تنقسم المرافق العامة من حيث موضوع نشاطها أو طبيعة هذا النشاط ‘لى ثلاثة أنـواع :
1. المرافق العامة الإدارية :-
يقصد بالمرافق العامة الإدارية تلك المرافق التي تتناول نشاطاً لا يزاوله الأفراد عادة أما بسبب عجزهم عن ذلك أو لقلة أو انعدام مصلحتهم فيه، ومثالها مرافق الدفاع والأمن والقضاء .( )
وتخضع المرافق الإدارية من حيث الأصل لأحكام القانون الإداري، فعمالها يعتبرون موظفين عموميين وأموالها أموالاً عامة، وتصرفاتها أعمالاً إدارية، وقراراتها تعد قرارات إدارية وعقودها عقوداً إدارية، وبمعنى أخر تتمتع المرافق العامة الإدارية باستخدام امتيازات السلطة العامة لتحقيق أهدافها . إلا أنها قد تخضع في بعض الأحيان استثناء لأحكام القانون الخاص، وذلك عندما يجد القائمون على إدارتها أن هذا الأسلوب يكفي لتحقيق أهداف المرفق وتحقيق المصلحة العامة .
2. المرافق الاقتصادية :-
بفعل الأزمات الاقتصادية وتطور وظيفة الدولة ظهر نوع أخر من المرافق العامة يزاول نشاطاً تجارياً أو صناعياً مماثلاً لنشاط الأفراد و تعمل في ظروف مماثلة لظروف عمل المشروعات الخاصة، وبسبب طبيعة النشاط الذي تؤديه هذه المرافق دعا الفقه والقضاء إلى ضرورة تحرير هذه المرافق من الخضوع لقواعد القانون العام.
والأمثلة على هذه المرافق كثيرة ومنها مرفق النقل والمواصلات ومرفق توليد المياه والغاز ومرفق البريد.
وقد اختلف الفقه حول معيار تمييز المرافق العامة الاقتصادية عن المرافق العامة الإدارية وعلى النحو التالي:-
أ- المعيار الشكلي
يعتمد هذا المعيار على أساس شكل المشروع أو مظهره الخارجي فإذا اتخذ المشروع شكل المشروعات الخاصة كما لو تمت إدارته بواسطة شركة فأنه مرفق اقتصادي , وبعكس ذلك لو تمت إدارته بواسطة الإدارة أو تحت رقابتها وإشرافها وباستخدام أساليب السلطة العامة فهو مرفق عام إداري.

ب- معيار الهدف .
اتجه هذا المعيار إلى التمييز بين المرافق الإدارية والمرافق الاقتصادية على أساس الغرض الذي يستهدفه المرفق، فالمرافق الاقتصادية تقوم بنشاط صناعي أو تجاري يهدف إلى تحقيق الربح مثلما هو الحال في المشروعات الخاصة.
في حين لا تسعى المرافق الإدارية إلى تحقيق الربح بل تحقيق المنفعة العامة وإشباع حاجات الأفراد .
غير أن هذا المعيار يتسم بالقصور من حيث أن الربح الذي تحققه المرافق الاقتصادية ليس الغرض الأساسي من إنشائها بل هو أثر من آثار الطبيعة الصناعية أو التجارية التي تمارسها فهي تستهدف أساساً تحقيق المنفعة العامة .( )
كما أن المرافق الإدارية يمكن أن تحقق ربحاً من جراء ما تتقاضاه من رسوم تقوم بتحصيلها مقابل الخدمات التي تقدمها.
ج- معيار القانون المطبق
ذهب جانب من الفقه إلى التمييز بين المرافق العامة الاقتصادية والمرافق العامة الإدارية على أساس النظام القانوني الذي يخضع له المرفق .
فإذا كان يخضع لأحكام القانون الخاص اعتبر المرفق اقتصادياً وعلى العكس من ذلك إذا كان يخضع لأحكام القانون العام فهو مرفق عام إداري .
غير أن هذا المعيار غير سليم ولا يتفق مع المنطق لأن المطلوب هو تحديد نوع المرفق العام قبل إخضاعه لنظام قانوني معين، وليس العكس أي أن خضوع المرفق الاقتصادي لقواعد القانون الخاص هو نتيجة لثبوت الصفة الاقتصادية للمرفق.
كما أن خضوع المرفق العام للقانون الخاص مجرد قرينة على أن هذا المرفق ذو صفة اقتصادية ولكن لا يمكن الاعتماد عليها بثبوت هذه الصفة قطعاً .( )
د – معيار طبيعة النشاط :-
ذهب رأي أخر من الفقه وهو الرأي الراجح إلى أن المرفق يكون اقتصادياً إذا كان النشاط الذي يقوم به يعد نشاطاً تجارياً بطبيعته طبقاً لموضوعات القانون التجاري، ويعتبر المرفق مرفقاً عاماً إدارياً إذا كان النشاط الذي يمارسه نشاطاً إدارياً ومما يدخل في نطاق القانون الإداري.
وقد أخذ بهذا الرأي جانب كبير من الفقهاء، ومع أن القضاء الإداري في فرنسا لم يعتمد معياراً واحداً منها وإنما أخذ بمعيار يقوم على فكرتين أو عنصرين :-
العنصر الأول : ويعتمد على موضوع وطبيعة النشاط الذي يمارسه المرفق الاقتصادي الذي يتماثل مع النشاط الخاص.
العنصر الثاني : يتعلق بالأساليب وطرق تنظيم وتسيير المرفق في ظل ظروف مماثلة لظروف عمل المشروعات الصناعية .( )
أما بخصوص القانون الذي تخضع له المرافق الاقتصادية فقد استقر القضاء الإداري على أن تخضع لقواعد القانون الخاص في نشاطها ووسائل إدارتها، مع خضوعها لبعض قواعد القانون العام من قبيل انتظام سير المرافق العامة والمساواة بين المنتفعين بخدماتها وقابليتها للتغيير بما يتلائم مع المستجدات وتمتعها ببعض امتيازات السلطة العامة اللازمة لحسن أدائها لنشاطها مثل نزع الملكية للمنفعة العامة، والاستيلاء المؤقت، وينعقد الاختصاص في هذا الجانب من نشاطها لاختصاص القضاء الإداري .
وبهذا المعنى فهي تخضع لنظام قانوني مختلط يجمع بين أحكام القانون الخاص والقانون العام معاً، إلا أن العمل قد جرى في القضاء الليبي على استثناء المرافق العامة الاقتصادية التي تدار من قبل الشركات والمنشآت العامة من تطبيق أحكام القانون الإداري فلم يعتبر العاملين فيها موظفين عامين كما أن الأعمال الصادرة منها لا ترقى إلى مرتبة القرارات الإدارية ويخضع نظامها المالي لحكام القانون الخاصة، وتعتبر العقود التي تبرمها عقوداً خاصة . ( )
3- المرافق المهنية :-
وهي المرافق التي تنشأ بقصد توجيه النشاط المهني ورعاية المصالح الخاصة بمهنة معينة، وتتم إدارة هذه المرافق بواسطة هيئات أعضائها ممن يمارسون هذه المهنة ويخولهم القانون بعض امتيازات السلطة العامة .مثل نقابات المهندسين والمحامين والأطباء وغيرها من النقابات المهنية الأخرى.
وقد ظهر هذا النوع من المرافق عقب الحرب العالمية الثانية لمواجهة المشاكل التي كان يتعرض لها أصحاب هذه المهن والدفاع عنهم وحماية مصالحهم، لا سيما في فرنسا التي ظهرت فيها لجان تنظيم الإنتاج الصناعي عام1940 .
وتخضع هذه المرافق لنظام قانوني مختلط فهي تخضع لنظام القانون العام واختصاص القضاء الإداري في بعض المنازعات المتعلقة بنشاطها غير أن الجانب الرئيس من نشاطها يخضع لأحكام القانون الخاص.
فالمنازعات المتعلقة بنظامها الداخلي وعلاقة أعضائها بعضهم ببعض وشؤونها المالية تخضع للقانون الخاص ولاختصاص المحاكم العادية، أما المنازعات المتصلة بمظاهر نشاطها كمرفق عام وممارستها لامتيازات السلطة العامة فتخضع لأحكام القانون العام واختصاص القضاء الإداري .( )
ومن ثم فإن المرافق المهنية تتفق مع المرافق العامة الاقتصادية من حيث خضوعها لنظام قانوني مختلط، غير أن نظام القانون العام يطبق بشكل أوسع في نطاق المرافق المهنية ويظهر ذلك في امتيازات القانون العام التي يمارسها المرفق، في حين ينحصر تطبيقه في مجال تنظيم المرفق في المرافق الاقتصادية .
ثانياً : المرافق من حيث استقلالها
تنقسم المرافق العامة من حيث استقلالها إلى مرافق تتمتع بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية ومرافق لا تتمتع بالشخصية المعنوية.
1- المرافق العامة التي تتمتع بالشخصية المعنوية : وهي المرافق التي يعترف لها قرار إنشائها بالشخصية المعنوية ويكون لها كيان مستقل كمؤسسة عامة مع خضوعها لقدر من الرقابة أو الوصاية الإدارية.
2- المرافق العامة التي لا تتمتع بالشخصية المعنوية : وهي المرافق التي لا يعترف لها قرار إنشائها بالشخصية المعنوية ويتم إلحاقها بأحد أشخاص القانون العام وتكون تابعة لها، كالدولة أو الوزارات أو المحافظات، وهي الغالبية العظمى من المرافق العامة .
وتبدو أهمية هذا التقسيم في مجال الاستقلال المالي والإداري وفي مجال المسؤولية ، إذ تملك المرافق العامة المتمتعة بالشخصية المعنوية قدراً كبيراً من الاستقلال الإداري والمالي والفني في علاقتها بالسلطة المركزية مع وجود قدر من الرقابة كما أوضحنا ، غير أن هذه الرقابة لا يمكن مقارنتها بما تخضع له المرافق غير المتمتعة بالشخصية المعنوية من توجيه وإشراف مباشرين من السلطات المركزية ،أما من حيث المسؤولية فيكون المرفق المتمتع بالشخصية المعنوية مستقلاً ومسؤولاً عن الأخطاء التي يتسبب في إحداثها للغير في حين تقع هذه المسؤولية على الشخص الإداري الذي يتبعه المرفق العام في حالة عدم تمتعه بالشخصية المعنوية.
ثالثاً: المرافق العامة من حيث نطاق نشاطها
تنقسم المرافق العامة من حيث نطاق أو مجال عملها إلى مرافق قومية ومرافق محلية.

1- المرافق القومية
يقصد بالمرافق القومية تلك المرافق التي يتسع نشاطها ليشمل كل أقليم الدولة. كمرفق الدفاع ومرفق القضاء ومرفق الصحة، ونظراً لعمومية وأهمية النشاط الذي تقدمه هذه المرافق فأنها تخضع لإشراف الإدارة المركزية في الدولة من خلال الوزارات أو ممثليها أو فروعها في المدن، ضماناً لحسن أداء هذه المرافق لنشاطها وتحقيقاً للمساواة في توزيع خدماتها.
وتتحمل الدولة المسؤولية الناتجة عن الأضرار التي تتسبب فيها المرافق القومية بحكم إدارتها لها والإشراف على شؤونها.
2- المرافق المحلية :-
ويقصد بها المرافق التي يتعلق نشاطها بتقديم خدمات لمنطقة محددة أو إقليم معين من أقاليم الدولة ،ويعهد بإدارتها إلى الوحدات المحلية، كمرفق النقل،أو مرفق توزيع المياه أو الكهرباء وغيرها من المرافق التي تشبع حاجات محلية.
وتتميز المرافق المحلية بالاختلاف والتنوع في أساليب إدارتها بحكم اختلاف وتنوع حاجات كل وحدة محلية أو إقليم تمارس نشاطها فيه كما أن المسؤولية الناتجة عن الأضرار التي تتسبب بإحداثها المرافق المحلية أو موظفيها ويتحملها الشخص المعنوي المحلي أو الإقليمي .( )
رابعاً : المرافق العامة من حيث مدى الالتزام بإنشائها
تنقسم المرافق العامة من حيث حرية الإدارة في إنشائها إلى مرافق اختيارية وأخرى إجبارية :-
1- المرافق الاختيارية .
الأصل في المرافق العامة أن يتم إنشائها بشكل اختياري من جانب الدولة . وتملك الإدارة سلطة تقديرية واسعة في اختيار وقت ومكان إنشاء المرفق ونوع الخدمة أو النشاط الذي يمارسه وطريقة إدارته.
ومن ثم لا يملك الأفراد إجبار الإدارة على إنشاء مرفق عام معين ولا يملكون الوسائل القانونية التي يمكنهم حملها على إنشاء هذا المرفق أو مقاضاتها لعدم إنشائها له. ويطلق الفقه على المرافق العامة التي تنشئها الإدارة بسلطتها التقديرية اسم المرافق العامة لاختيارية( ).
2- المرافق العامة الإجبارية :
إذا كان الأصل أن يتم إنشاء المرافق العامة اختيارياً فأن الإدارة استثناء تكون ملزمة بإنشاء بعض المرافق العامة عندما يلزمها القانون أو جهة إدارية أعلى بإنشائها ومثال ذلك إنشاء الإدارة لمرفق الأمن والصحة فهي مرافق إجبارية بطبيعتها وتهدف لحماية الأمن والصحة العامة وغالباً ما تصدر القوانين بإنشائها.

المطلب الثالث : إنشاء وإلغاء المرافق العامة
نعرض في هذا المطلب المبادئ المتعلقة بإنشاء وإلغاء المرافق العامة .
أولاً : إنشاء المرافق العامة :
عندما تجد السلطة المختصة أن حاجة الجمهور تقتضي إنشاء مرفقاً عاماً لإشباعها ويعجز الأفراد عن ذلك، فإنها تتدخل مستخدمة وسائل السلطة العامة وتنشئ المرفق العام.
وحيث إن إنشاء المرافق العامة يتضمن غالباً المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم لاعتمادها أحياناً على نظام الاحتكار الذي يمنع الأفراد من مزاولة النشاط الذي يؤديه المرفق وفي أحيان أخرى يقيدهم بممارسة نشاطات معينة بحكم تمتع المرافق العامة بوسائل السلطة العامة وامتيازاتها التي تجعل الأفراد في وضع لا يسمح لهم بمنافسة نشاطات هذه المرافق ولأن إنشاء المرافق العامة يتطلب اعتمادات مالية كبيرة في الميزانية لمواجهة نفقات إنشاء هذه المرافق وإدارتها.
فقد درج الفقه والقضاء على ضرورة أن يكون إنشاء المرافق العامة بقانون أو بناء على قانون صادر من السلطة التشريعية أي أن تتدخل السلطة التشريعية مباشرة فتصدر قانوناً بإنشاء المرفق أو أن تعهد بسلطة إنشاء المرفق إلى سلطة أو هيئة تنفيذية.
وكان هذا الأسلوب سائداً في فرنسا حتى عام 1958 عندما صدر الدستور الفرنسي دون أن يذكر أن إنشاء المرافق العامة ضمن الموضوعات المحجوزة للقانون، وأصبح إنشاء هذه المرافق في اختصاص السلطة التنفيذية دون تدخل من جانب البرلمان إلا في حدود الموافقة على الاعتمادات المالية اللازمة لإنشاء المرفق( ) .

مع ضرورة التنبيه إلى أن إنشاء المرافق العامة يتم بأسلوبين :
الأول : أن تقوم السلطة المختصة بإنشاء المرفق ابتداءً .
والثاني : أن تعمد السلطة إلى نقل ملكية بعض المشروعات الخاصة إلى الملكية العامة، كتأميمها لاعتبارات المصلحة العامة مقابل تعويض عادل .
ثانياً : إلغاء المرافق العامة
بينا أن الأفراد لا يملكون إجبار الإدارة على إنشاء المرافق العامة ولا يستطيعون إجبارها على الاستمرار في تأدية خدماتها إذا ما قدرت السلطة العامة إن إشباع الحاجات التي يقدمها المرفق يمكن أن يتم بغير وسيلة المرفق العام أو لاعتبارات أخرى تقدرها هي وفقاً لمتطلبات المصلحة العامة.
والقاعدة أن يتم الإلغاء بنفس الأداة التي تقرر بها الإنشاء ، فالمرفق الذي تم إنشاؤه بقانون لا يتم إلغاؤه إلا بنفس الطريقة وإذا كان إنشاء المرفق بقرار من السلطة التنفيذية فيجوز أن يلغى بقرار إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك.
وعندما يتم إلغاء المرفق العام فإن أمواله تضاف إلى الجهة التي نص عليها القانون الصادر بإلغائه، فإن لم ينص على ذلك , فإن أموال المرفق تضاف إلى أموال الشخص الإداري الذي كان يتبعه هذا المرفق .
أما بالنسبة للمرافق العامة التي يديرها أشخاص معنوية عامة مستقلة فإن مصير أموالها يتم تحديده من خلال معرفة مصدر هذه الأموال كأن تكون الدولة أو أحد أشخاص القانون العام الإقليمية الأخرى فيتم منحها لها.
أما إذا كان مصدرها تبرعات الأفراد والهيئات الخاصة فإن هذه الأموال تأول إلى أحد المرافق العامة التي تستهدف نفس غرض المرفق الذي تم إلغاؤه أو غرضاً مقارباً له، احتراماً لإرادة المتبرعين . ( )

المبحث الثاني
المبادئ التي تحكم المرافق العامة

تخضع المرافق العامة لمجموعة من المبادئ العامة التي استقر عليها القضاء والفقه والتي تضمن استمرار عمل هذه المرافق وأدائها لوظيفتها في إشباع حاجات الأفراد ، وأهم هذه المبادئ مبدأ استمرار سير المرفق العام ومبدأ قابلية المرفق للتغيير ومبدأ المساواة بين المنتفعين.

المطلب الأول : مبدأ استمرار سير المرفق العام
تتولى المرافق العامة تقديم الخدمات للأفراد وإشباع حاجات عامة وجوهرية في حياتهم ويترتب على انقطاع هذه الخدمات حصول خلل واضطراب في حياتهم اليومية.
لذلك كان من الضروري أن لا تكتفي الدولة بإنشاء المرافق العامة بل تسعى إلى ضمان استمرارها وتقديمها للخدمات، لذلك حرص القضاء على تأكيد هذا المبدأ واعتباره من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري ومع أن المشرع يتدخل في كثير من الأحيان لإرساء هذا المبدأ في العديد من مجالات النشاط الإداري، فإن تقريره لا يتطلب نص تشريعي لأن طبيعة نشاط المرافق العامة تستدعي الاستمرار والانتظام.
ويترتب على تطبيق هذا المبدأ عدة نتائج منها: تحريم الإضراب، وتنظيم استقالة الموظفين العموميين ونظرية الموظف الفعلي ونظرية الظروف الطارئة , وعدم جواز الحجز على أموال المرفق .
أولاً : تحريم الإضراب
يقصد بالإضراب توقف بعض أو كل الموظفين في مرفق معين عن أداء أعمالهم لمدة معينة كوسيلة لحمل الإدارة على تلبية طلباتهم دون أن تنصرف نيتهم إلى ترك العمل نهائياً .
وللإضراب نتائج بالغة الخطورة على سير العمل في المرفق وقد تتعدى نتائجه إلى الأضرار بالحياة الاقتصادية والأمن في الدولة وليس هناك موقف موحد بشأن الإضراب، ومدى تحريمه فهناك من الدول التي تسمح به في نطاق ضيق. ( )
غير أن أغلب الدول تحرمه وتعاقب عليه ضماناً لدوام استمرار المرافق العامة.
ثانياً : تنظيم الاستقالة
في تطبيقات هذا المبدأ تنظيم استقالة الموظفين بعدم جواز إنهائهم خدمتهم بإرادتهم عن طريق تقديم طلب يتضمن ذلك قبل قبوله لما يؤدي إليه هذا التصرف من تعطيل العمل في المرفق.

ثالثاً : الموظف الفعلي
يقصد بالموظف الفعلي ذلك الشخص الذي تدخل خلافاً للقانون في ممارسة اختصاصات وظيفية عامة متخذاً مظهر الموظف القانوني المختص .( )
ولا شك أنه لا يجوز للأفراد العاديين أن يتولون وظيفة عامة بصورة غير قانونية لأنهم يكونون مغتصبين لها وجميع تصرفاتهم تعتبر باطلة .( )
غير أنه استثناء على هذه القاعدة وحرصاً على دوام استمرار سير المرافق العامة في ظروف الحروب والثورات عندما يضطر الأفراد إلى إدارة المرفق دون أذن من السلطة اعترف القضاء والفقه ببعض الآثار القانونية للأعمال الصادرة منهم كموظفين فعليين، فتعتبر الأعمال الصادرة عنهم سليمة ويمنحون مرتباً لقاء أدائهم لعملهم إذا كانوا حسنى النية .
رابعاً : نظرية الظروف الطارئة
تفترض نظرية الظروف الطارئة أنه إذا وقعت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة بعد إبرام العقد وأثناء تنفيذه وخارجه عن إرادة المتعاقد وكان من شأنها أن تؤدي إلى إلحاق خسائر غير مألوفة وإرهاق للمتعاقد مع الإدارة فان للإدارة أن تتفق مع المتعاقد على تعديل العقد وتنفيذه بطريقة تخفف من إرهاق المتعاقد وتتحمل بعض عبئ هذا الإرهاق بالقدر الذي يمكن المتعاقد من الاستمرار بتنفيذ العقد فإن لم يحصل هذا الاتفاق فإن للقضاء أن يحكم بتعويض المتعاقد تعويضاً مناسباً .
وهذه النظرية من خلق مجلس الدولة الفرنسي ،أقرها خروجاً على الأصل في عقود القانون الخاص التي تقوم على قاعدة " العقد شريعة المتعاقدين " ضماناً لاستمرار سير المرافق العامة وللحيلولة دون توقف المتعاقد مع الإدارة عن تنفيذ التزاماته وتعطيل المرافق العامة .

خامساً: عدم جواز الحجز على أموال المرفق العام .
خلافاً للقاعدة العامة التي تجيز الحجز على أموال المدين الذي يمتنع عن الوفاء بديونه، لا يجوز الحجز على أموال المرافق العامة وفاءً لما يتقرر للغير من ديون في مواجهتها لما يترتب على ذلك من تعطيل للخدمات التي تؤديها.
ويستوي في ذلك أن تتم إدارة المرافق العامة بالطريق المباشر أو أن تتم إدارتها بطريق الالتزام مع أن أموال المرفق في الحالة الأخيرة تكون مملوكة للملتزم، فقد استقرت أحكام القضاء على أنه لا يجوز الحجز على هذه الأموال تأسيساً على مبدأ دوام استمرار المرافق العامة ولأن المرافق العامة أياً كان أسلوب أو طريقة إدارتها تخضع للقواعد الضابطة لسير المرافق العامة . ( )

المطلب الثاني : مبدأ قبلية المرفق للتغيير
إذا كانت المرافق العامة تهدف إلى إشباع الحاجات العامة للأفراد وكانت هذه الحاجات متطورة ومتغيرة باستمرار فإن الإدارة المنوط بها إدارة وتنظيم المرافق العامة تملك دائماً تطوير وتغيير المرفق من حيث أسلوب إدارته وتنظيمه وطبيعة النشاط الذي يؤديه بما يتلاءم مع الظروف والمتغيرات التي تطرأ على المجتمع ومسايرة لحاجات الأفراد المتغيرة باستمرار ومن تطبيقات هذا المبدأ أن من حق الجهات الإدارية القائمة على إدارة المرفق كلما دعت الحاجة أن تتدخل لتعديل بإدارتها المنفردة لتعديل النظم واللوائح الخاصة بالمرفق أو تغييرها بما يتلاءم والمستجدات دون أن يكون لأحد المنتفعين الحق في الاعتراض على ذلك والمطالبة باستمرار عمل المرافق بأسلوب وطريقة معينة ولو أثر التغيير في مركزهم الشخصي .
وقد استقر القضاء والفقه على أن هذا المبدأ يسري بالنسبة لكافة المرافق العامة أياً كان أسلوب إدارتها بطريق الإدارة المباشرة أم بطريق الالتزام .
كما أن علاقة الإدارة بالموظفين التابعين لها في المرافق علاقة ذات طبيعة لائحية. فلها دون الحاجة إلى موافقتهم نقلهم من وظيفة إلى أخرى أو من مكان إلى أخر تحقيقاً لمقتضيات المصلحة العامة.
ومن تطبيقات هذا المبدأ أيضاً حق الإدارة في تعديل عقودها الإدارية بإرادتها المنفردة دون أن يحتج المتعاقد " بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين " إذ أن الطبيعة الخاصة للعقود الإدارية وتعلقها بتحقيق المصلحة العامة، تقتضي ترجيح كفة الإدارة في مواجهة المتعاقد معها، ومن مستلزمات ذلك أن لا تتقيد الإدارة بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين وأن تتمكن من تعديل عقودها لتتمكن من تلبية التغير المستمر في المرافق التي تديرها .( )
وسلطة الإدارة في تعديل عقودها الإدارية أثناء تنفيذها تشمل العقود الإدارية جميعها دونما حاجة إلى نص في القانون أو شرط في العقد وقد اعترف القضاء والفقه بهذه الفكرة ولاقت القبول تأسيساً على أن طبيعة احتياجات المرافق العامة المتغيرة باستمرار هي التي تقضي بتعديل بعض نصوص العقد، على أن لا يمس هذا التعديل النصوص المتعلقة بالامتيازات المالية .
وفي هذا الاتجاه يذكر الدكتور"سليمان الطماوي" إن الأساس الذي تقوم عليه سلطة التعديل مرتبطة بالقواعد الضابطة لسير المرافق العامة ومن أولها قاعدة قابلية المرفق العام للتغيير والمرفق العام يقبل التغير في كل وقت متى ثبت أن التغير من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الخدمة التي يقدمها إلى المنتفعين وفكرة التعديل هي فكرة ملازمة للقاعدة السابقة. ( )

المطلب الثالث: مبدأ المساواة بين المنتفعين
يقوم هذا المبدأ على أساس التزام الجهات القائمة على إدارة المرافق بأن تؤدي خدماتها لكل من يطلبها من الجمهور ممن تتوافر فيهم شروط الاستفادة منها دون تمييز بينهم بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو المركز الاجتماعي أو الاقتصادي .
ويستمد هذا المبدأ أساسه من الدساتير والمواثيق وإعلانات الحقوق التي تقتضي بمساواة الجميع أمام القانون ولا تمييز بين أحد منهم.
غير أن المساواة أمام المرافق العامة مساواة نسبية وليست مطلقة، ومن مقتضياتها أن تتوافر شروط الانتفاع بخدمات المرفق فيمن يطلبها، وأن يتواجد الأفراد في المركز الذي يتطلبه القانون والقواعد الخاصة يتنظيم الانتفاع بخدمات المرفق ثم يكون لهم الحق بالمعاملة المتساوية سواء في الانتفاع بالخدمات أو في تحمل أعباء هذا الانتفاع.
وبمعنى أخر على الإدارة أن تحترم مبدأ المساواة بين المنتفعين متى تماثلت ظروفهم وتوافرت فيهم شروط الانتفاع التي حددها القانون , أما إذا توافرت شروط الانتفاع في طائفة من الأفراد دون غيرهم فإن للمرفق أن يقدم الخدمات للطائفة الأولى دون الأخرى أو أن يميز في المعاملة بالنسبة للطائفتين تبعاً لاختلاف ظروفهم كاختلاف رسوم مرفق الكهرباء والمياه بالنسبة لسكان المدينة وسكان القرى .
ومع ذلك فإن هذا المبدأ لا يتعارض مع منح الإدارة بعض المزايا لطوائف معينة من الأفراد لاعتبارات خاصة كالسماح للعجزة أو المعاقين بالانتفاع من خدمات مرفق النقل مجاناً أو بدفع رسوم مخفضة أو إعفاء أبناء الشهداء من بعض شروط الالتحاق بالجامعات .
أما إذا أخلت الجهة القائمة على إدارة المرفق بهذا المبدأ وميزت بين المنتفعين بخدماته فإن للمنتفعين أن يطلبوا من الإدارة التدخل لإجبار الجهة المشرفة على إدارة المرفق على احترام القانون ، إذا كان المرفق يدار بواسطة ملتزم ،فإن امتنعت الإدارة عن ذلك أو كان المرفق يدار بطريقة مباشرة فإن من حق الأفراد اللجوء إلى القضاء طالبين إلغاء القرار الذي أخل بمبدأ المساواة بين المنتفعين وإذا أصابهم ضرر من هذا القرار فإن لهم الحق في طلب التعويض المناسب.
المبحث الثالث
طرق إدارة المرافق العامة

تختلف طرق إدارة المرافق العامة تبعاً لاختلاف وتنوع المرافق وطبيعة النشاط الذي تؤديه، وأهم هذه الطرق هي الاستغلال المباشر أو الإدارة المباشرة وأسلوب المؤسسة أو الهيئة العامة وأسلوب الالتزام وأخيراً الإدارة أو الاستغلال المختلط ( ).
المطلب الأول : الإدارة المباشرة
يقصد بهذا الأسلوب أن تقوم الإدارة مباشرة بإدارة المرفق بنفسها سواء أكانت سلطة مركزية أم محلية مستخدمة في ذلك أموالها وموظفيها ووسائل القانون العام ولا يتمتع المرفق الذي يدار بهذه الطريقة بشخصية معنوية مستقلة .
ويترتب على ذلك أن يعتبر موظفي المرافق التي تدار بهذا الأسلوب موظفين عموميين وتعد أموال المرفق أموالاً عامة تتمتع بالحماية القانونية المقررة للمال العام .

وتتبع هذه الطريقة في إدارة المرافق العامة الإدارية القومية بصفة أساسية ويرجع ذلك إلى أهمية هذه المرافق واتصالها بسيادة الدولة كمرفق الأمن والدفاع والقضاء , وفي الوقت الحاضر أصبحت الكثير من المرافق الإدارية تدار بهذه الطريقة وكذلك بعض المرافق الصناعية والتجارية متى وجدت الإدارة أن من المناسب عدم ترك إدارتها لأشخاص القانون الخاص.
ولا شك أن هذا الأسلوب يسمح للإدارة بالإدارة المباشرة لنشاط المرفق ويوفر المقدرة المالية والفنية والحماية القانونية واستخدام أساليب السلطة العامة مما لا يتوفر لدى الأفراد. لكن الإدارة المباشرة منتقدة من حيث أن الإدارة عندما تقوم بالإدارة المباشرة للمرفق تتقيد بالنظم واللوائح والإجراءات الحكومية التي تعيق هذه المرافق عن تحقيق أهدافها في أداء الخدمات وإشباع الحاجات العامة. ( )
غير أننا نرى أن هذا الأسلوب لا يفيد أهمية بالنسبة للمرافق الإدارية القومية بالنظر لخطورتها وتعلقها بسيادة وأمن الدولة والتي لا يمكن أن تدار بأسلوب أخر، والمرافق الإدارية التي يعرف عن إدارتها الأفراد لانعدام أو قلة أرباحها .

المطلب الثاني : أسلوب المؤسسة أو الهيئة العامة
قد يلجأ المشرع إلى أسلوب أخر لإدارة المرافق العامة ، فيمنح إدارتها إلى أشخاص عامة تتمتع بالشخصية المعنوية المستقلة ويسمح لها باستخدام وسائل القانون العام ويكون موظفيها موظفين عموميين وأموالها أموالاً عامة وأعمالها أعمالاً إدارية .
ويطلق على هذه الأشخاص الإدارية الهيئات العامة إذا كان نشاط المرفق الذي تديره تقديم خدمات عامة و يطلق عليها المؤسسات العامة إذا كان الموضوع نشاط المرفق تجارياً أو صناعياً أو زراعياً أو مالياً.
كما تتميز الهيئات العامة عن المؤسسات العامة من حيث أن المؤسسات العامة لها ميزانية مستقلة لا تلحق في الغالب بالميزانية العامة للدولة وتوضع ميزانيتها على نمط المشاريع الاقتصادية والتجارية وتكون أموالها مملوكة للدولة ملكية خاصة ، في حين تعد أموال الهيئات العامة أموالاً عامة وتلحق ميزانيتها بميزانية الدولة .
كذلك تتميز رقابة الدولة على الهيئات العامة بأنها أكثر اتساعاً من رقابتها على المؤسسات العامة نظراً لطبيعة نشاط الهيئات العامة وتعلقه بتقديم الخدمات العامة ( ) .
المطلب الثالث : التزام أو امتيازات المرافق العامة
بمقتضى هذه الطريقة تتعاقد الإدارة مع فرد أو شركة لإدارة واستغلال مرفق من المرافق العامة الاقتصادية لمدة محددة بأمواله وعمالة وأدواته وعلى مسئوليته مقابل التصريح له بالحصول على الرسوم من المنتفعين بخدمات المرفق وفق ما يسمى بعقد التزام المرافق العامة أو عقد الامتياز.
وقد استقر القضاء والفقه على اعتبار عقد الالتزام عملاً قانونياً مركباً يشمل على نوعين من النصوص ( ) ، الأول منه يتعلق بتنظيم المرفق العام وبسيره وتملك الإدارة تعديل هذه النصوص وفقاً لحاجة المرفق أما النوع الثاني من النصوص فيسمى بالنصوص أو الشروط التعاقدية التي تحكمها قاعدة " العقد شريعة المتعاقدين" , ومنها ما يتعلق بتحديد مدة الالتزام و الالتزامات المالية بين المتعاقدين ولا تتعدى ذلك لتشمل أسلوب تقديم الخدمات للمنتفعين . ( )
وعلى أي حال فإن المرفق العام الذي يدار بهذا الأسلوب يتمتع بذات امتيازات المرافق العامة الأخرى كونه يهدف إلى تحقيق النفع العام , فهو يخضع لنفس المبادئ الأساسية الضابطة لسير المرافق العامة وهي مبدأ إقرار سير المرافق بانتظام واطراد ومبدأ قابلية المرفق للتعديل ومبدأ المساواة في الانتفاع بخدمات المرفق، كما يتمتع الملتزم بحق شغل الدومين العام أو طلب نزع الملكية للمنفعة العامة.
غير أن من يعمل في المرفق الذي يدار بهذا الأسلوب لا يعد موظفاً عاماً بل يخضع في علاقته بالملتزم لأحكام القانون الخاص، وتمارس الإدارة في مواجهة الملتزم سلطة الرقابة والإشراف على ممارسة عمله وفقاً لشروط العقد والقواعد الأساسية لسير المرافق العامة، على أن لا تصل سلطة الإدارة في الرقابة حداً يغير من طبيعة الالتزام , وتعديل جوهرة أو أن تحل محل الملتزم في إدارة المرفق وإلا خرج عقد الالتزام عن مضمونه وتغير استغلال المرفق إلى الإدارة المباشرة .( )
غير أن الإدارة تملك إنهاء عقد الالتزام قبل مدته بقرار إداري ولو لم يصدر أي خطأ من الملتزم كما قد يصدر الاسترداد بموجب قانون حيث تلجأ الإدارة إلى المشرع لإصدار قانون باسترداد المرفق وإنهاء الالتزام وهو ما يحصل غالباً عند التأميم . وفي الحالتين للملتزم الحق في المطالبة بالتعويض .
وفي مقابل إدارة الملتزم للمرفق العام وتسييره يكون له الحق بالحصول على المقابل المالي المتمثل بالرسوم التي يتقاضاها نظير الخدمات التي يقدمها للمنتفعين كما يكون له الحق في طلب الإعفاء من الرسوم الجمركية ومنع الأفراد من مزاولة النشاط الذي يؤديه المرفق.
المطلب الرابع : الاستغلال المختلط
يقوم هذا الأسلوب على أساس اشتراك الدولة أو أحد الأشخاص العامة مع الأفراد في إدارة مرفق عام .
ويتخذ هذا الاشتراك صورة شركة مساهمة تكتتب الدولة في جانب من أسهمها على أن يساهم الأفراد في الاكتتاب بالجزء الأخر.
وتخضع هذه الشركة إلى أحكام القانون التجاري مع احتفاظ السلطة العامة بوصفها ممثلة للمصلحة العامة بالحق في تعيين بعض أعضاء مجلس الإدارة وأن يكون الرأي الأعلى لها في هذا المجلس ويأتي هذا من خلال الرقابة الفعالة التي تمارسها الدولة أو الشخص العام المشارك في هذه الشركة على أعمالها وحساباتها.
وتتم إدارة المرفق إدارة مختلطة من ممثلي الإدارة و توفر هذه الطريقة نوع من التعاون بين الأفراد والسلطة العامة في سبيل الوصول إلى إدارة ناضجة وربح معقول .( )
وقد انتشرت شركات الاقتصاد المختلط في كثير من الدول الأوربية كوسيلة لإدارة المرافق العامة ذات الطابع الاقتصادي لا سيما فرنسا في إدارة مرافق النقل والطاقة لما يحققه هذا الأسلوب في فائدة تتمثل في تخليص المرافق العامة من التعقيدات والإجراءات الإدارية التي تظهر في أسلوب الإدارة المباشرة، كما أنه يخفف العبء عن السلطة العامة ويتيح لها التفرغ لإدارة المرافق العامة القومية، ويساهم في توظيف رأس المال الخاص لما يخدم التنمية الاقتصادية .

الباب الثالث
الوظيفــة العامة
تمارس الدولة نشاطها المرفقي من خلال موظفيها فهم أداة الدولة لتحقيق أهدافها , وتحضى الوظيفة العامة بعناية المشرع والفقهاء في مختلف الدول , ويتحدد دور الموظف العام ضيقاً واتساعاً حسب الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة فاتساع نشاط الدولة وعدم اقتصار دورها على حماية الأمن الداخلي والخارجي وحل المنازعات بين الأفراد , وقيامها ببعض الأشغال العامة وازدياد تدخلها في مجالات اقتصادية واجتماعية شتى ، قاد بالضرورة إلى ازدياد عدد الموظفين واهتمام الدولة بتنظيم الجهاز الإداري .
ومن ثم فقد أصبح للوظيفة العامة نظاماً خاصاً بها يحدد حقوق وواجبات الموظفين العامين وشروط التحاقهم بالوظيفة وأيضاً مسائلتهم تأديبياً .
ولا لقاء الضوء على نظرية الموظف العام نقسم هذا الباب إلى خمسة فصول على النحو التالي :-
الفصل الأول :- ماهية الموظف العام .
الفصل الثاني :- التعيين في الوظيفة العامة .
الفصل الثالث :- حقوق وواجبات الموظف العام .
الفصل الرابع :- تأديب الموظف العام .
الفصل الخامس :- انتهاء خدمة الموظف العام .

الفصل الأول
ماهية الموظف العام

للوقوف على ماهية الموظف العام لابد من تعريف وتحديد المقصود بالموظف العام وبيان طبيعة العلاقة التي تربطه بالإدارة .

المبحث الأول
تعريف الموظف العام .
لم يرد في معظم التشريعات تعريف منظم يحدد المقصود بالموظف العام .( ) ويرجع ذلك إلى اختلاف الوضع القانوني للموظف العام بين دولة وأخرى وإلى صفة التجدد المضطرد للقانون الإداري .
واكتفت أغلب التشريعات الصادرة في ميدان الوظيفة العامة بتحديد معني الموظف العام في مجال تطبيقها .( )
فقد نصت المادة الأولى من نظام الموظفين الفرنسي على أن " هذا النظام يطبق على الموظفين الذين يعينون في الإدارات المركزية للدولة والمصالح التبعة لها والمؤسسات العامة للدولة ، ولا يطبق على القضاة والعسكريين والعاملين في الإدارات والمصالح والمؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري " . ( )
ويبدو أن المشرع قد ترك أمر تعريف الموظف العام للفقه والقضاء , ويختلف هذا التعريف في مجال القانون الإداري عنه في المجالات الأخرى كالقانون المدني والقانون الجنائي والاقتصاد السياسي فإن معناه في هذه المجالات قد يكون أوسع أو أضيق من معناه في القانون الإداري . ( )
ونبين فيما يلي مفهوم الموظف العام في التشريعات والفقه المقارن :

أولاً : في فرنسـا .
لم تعط التشريعات الفرنسية تعريفا محددا للموظف العام ، إنما اكتفت بتحديد الأشخاص الذين تسرى عليهم أحكام تلك التشريعات ، فقد نصت الفقرة الأولى من قانون التوظيف الفرنسي رقم 2294الصادرفى 19 اكتوبر1946 " يسرى على الأشخاص الذين يعينون في وظيفة دائمة ويشغلون درجة من دراجات الكادر في إحدى الإدارات المركزية للدولة أوفي إحدى الإدارات الخارجية التابعة لها أوفي المؤسسات القومية " .
وقد نص نظام الموظفين الصادر بالامر244/95فى 4-2- 1959 الذي حل محل قانون 19اكتوبر1946 والقانون الخاص بحقوق والتزامات الموظفين رقم 634 الصادر في 13 يوليو 1983 على نفس المفهوم .
ويتبين من ذلك أن المشرع الفرنسي يطبق أحكامه على من تتوافر فيهم الشروط الآتية :-
1. الوظيفة الدائمة .
2. الخدمة في مرفق إداري عام .
وبذلك فهو يخرج عن نطاق الخضوع لأحكام الوظيفة العامة موظفوا البرلمان ورجال القضاء ورجال الجيش والعاملون في مرافق ومنشآت عامة ذات طابع صناعي أو تجاري .
أما على صعيد الفقه والقضاء فقد عرف الأستاذ " هوريو"
Hauriou الموظفين العامين بأنهم " كل الذين يعينون من قبل السلطة العامة تحت اسم موظفين أو مستخدمين أو عاملين أو مساعدي عاملين يشغلون وظيفة في الكوادر الدائمة لمرفق عام تديره الدولة أو الإدارات العامة الأخرى " . ( )
وعرفه دويز
Duez ,وديبيرDebeyre بأنه " كل شخص يساهم في إدارة مرفق عام يدار بالاستغلال المباشر من قبل الدولة ويوضع بصورة دائمة في وظيفة داخله في نطاق كادر إداري منظم " . ( )
وقضى مجلس الدولة الفرنسي بأن الموظف هو " كل شخص يعهد إليه بوظيفة دائمة في الملاك وتكون في خدمة مرفق عام " , واشترط المجلس أن يكون المرفق العام إدارياً . ( )
أما المرافق الصناعية والتجارية فقد فرق فيها بين شاغلي الوظائف الإدارية والوظائف الأقل أهمية
Subalterne واعتبر العاملين في النوع الأول من الوظائف موظفين عامين أما الوظائف الأخرى فأخضعها للقانون الخاص وعزى المجلس هذه التفرقة إلى أن شاغلي وظائف المحاسبة والإدارة أكثر ارتباطاً بالمرفق العام . ( )
ثانياً : في مصر
اكتفى المشرع المصري شأنه شأن الفرنسي بتحديد الموظفين الذين يخضعون للأحكام الواردة في القوانين واللوائح الصادرة في شأن الموظفين العموميين .
فقد نصت المادة الأولى من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة بأنه " تسري أحكام هذا الباب على الموظفين الداخلين في الهيئة سواء كانون مثبتين أم غير مثنتين " .
ويعتبر موظفاً في تطبيق أحكام هذا القانون كل من يعين في إحدى الوظائف الداخلة في الهيئة بمقتضى مرسوم أو أمر جمهوري أو قرار من مجلس الوزراء أو من أية هيئة أخرى تملك سلطة التعيين قانوناً .
أما في ظل القانون رقم 46 لسنة 1964 فقد ورد في المادة الثانية منه " يعتبر عاملاً في تطبيق أحكام هذا القانون كل من يعين في إحدى الوظائف الدائمة أو المؤقتة بقرار من السلطة المختصة " .
وفي هذا القانون أزال المشرع التفرقة بين الوظائف الدائمة والمؤقتة , بينما ورد في نظام العاملين المدنيين بالدول الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1971 " يعتبر عاملاً في تطبيق أحكام هذا القانون كل من يعين في إحدى الوظائف المبينة بموازنة كل وحده ويكون التعيين في الوظائف المؤقتة للمتمتعين بالجنسية المصرية أو الأجانب وفقاً للقواعد التي تتضمنها اللائحة التنفيذية مع مراعاة الأحكام الخاصة بتوظيف الأجانب " .
أما القانون الحالي رقم 47 لسنة 1978 فقد جاء أكثر إيجازاً ولم يتطرق للوظائف الدائمة والمؤقتة ولا إلى تعيين الأجانب , إذا نصت الفقرة الأخيرة من المادة الأولى منه على أنه " يعتبر عاملاً في تطبيق أحكام هذا القانون , كل من يعين في إحدى الوظائف المبينة بموازنة كل وحدة " . وفي مكان آخر في المادة نفسها نص على سريان هذا القانون على العاملين بوازرات الحكومة ومصالحها والأجهزة التي لها موازنة خاصة بها, ووحدات الحكم المحلي , والعاملين بالهيئات العامة فيما لم تنص عليه اللوائح الخاصة بها . ( )
بينما ذهب غالبية الفقهاء المصريين إلى تعريف الموظف العام بأنه " كل شخص يعهد إليه بعمل دائم في خدمة أحد المرافق العامة يتولي إدارتها ، الدولة أو أحد أشخاص القانون العام الإقليمية أو المرفقية ، وذلك بتولي منصباً دائماً يدخل في نطاق التنظيم الإداري للمرفق " . ( )
وقد عرفت المحكمة الإدارية العليا الموظف العام بقولها " الموظف العام هو الذي يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام الأخرى عن طريق شغله منصباً يدخل في التنظيم الإداري لذلك المرفق " . ( )
ويبدو من ذلك أن الفقه والقضاء المصري يشترط توافر عنصرين في المرفق العام هما :-
1. العمل في خدمة مرفق عام أو أحد أشخاص القانون العام .
2. أن يقوم بعمل منتظم غير عارض .

اما في العراق فقد استقر القضاء والفقه على انه يشترط في الموظف العام ما يلي:
1. أن يعهد إليه بعمل دائم :
يشترط لإضفاء صفة الموظف العام أن يشغل العامل وظيفة دائمة داخلة في نظام المرفق العام , وبذلك لا يعد العاملون بصورة مؤقتة أو موسمية كالخبراء والمشاورين القانونيون موظفين .
ومن متممات العمل الدائم أن تكون الوظيفة داخله ضمن الملاك الدائم في الوحدة الإدارية .
ومن الواجب عدم الخلط بين الموظف الذي يعمل بعقد مؤقت في وظيفة دائمة والوظيفة المؤقتة أو الموسمية لأن شاغل الوظيفة الأولى يعد موظفاً عاماً ولو أمكن فصله بانتهاء مدة العقد .
أما الثانية فلا يعد شاغلها موظفاً عاماً تغليباً للطبيعة اللائحية لعلاقة شاغل الوظيفة الدائمة بالإدارة على العلاقة التعاقدية .
2- أن يعمل الموظف في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام :
لا يكفى لاعتبار الشخص موظفاً عاماً أن يعمل في وظيفة دائمة إنما يلزم أن يكون عمله هذا في خدمة مرفق عام
Le Service Public وللمرفق العام معنيان : المعنى العضوي ويفيد المنظمة التي تعمل على أداء الخدمات وإشباع الحاجات العامة ، ويتعلق هذا التعريف بالإدارة أو الجهاز الإداري .
أما المعنى الآخر فهو المعنى الموضوعي ويتمثل بالنشاط الصادر عن الإدارة بهدف إشباع حاجات عامة والذي يخضع لتنظيم وإشراف ورقابة الدولة . ( )
وقد كان المعنى العضوي المعنى الشائع في القضائين الفرنسي والمصري ثم جمعا بين المعنيين بتطور أحكامهما ومن ثم استقرا على المعنى الموضوعي .

ويشترط لاكتساب صفة الموظف العام أن تدير الدولة أو أحد أشخاص القانون العام هذا المرفق إدارة مباشرة . وبذلك لا يعد الموظفون في المرافق التي تدار بطريقة الالتزام موظفين عموميين . وكذلك العاملون في الشركات والمنشآت التي لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة ولو تم إنشائها بقصد إشباع حاجات عامة .
3- أن تكون تولية الوظيفة العامة بواسطة السلطة المختصة :
الشرط الأخير اللازم لاكتساب صفة الموظف العام هو أن يتم تعيينه بقرار من السلطة صاحبة الاختصاص بالتعيين .
فلا يعد موظفاً عاماً من يستولي على الوظيفة دون قرار بالتعيين كالموظف الفعلي .
كما أن مجرد تسليم العمل أو تقاضي المرتب لا يكفي لاعتبار المرشح معيناً في الوظيفة إذا لم يصدر قرار التعيين بإدارة القانونية ممن يملك التعيين . ( )

المبحث الثاني
طبيعة العلاقة التي تربط الموظف بالإدارة

ثارالخلاف فى الفقة والقضاء فى فرنسا حول طبيعة العلاقة التى تربط الموظف بالدولة ، هل هى علاقة تعاقدية ينظمها العقد ام هى علاقة قانونية تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح .
أولا: تكييف علاقة الموظف بالإدارة على أنها علاقة تعاقدية
كان الرأي السائد في الفقه والقضاء أن الموظف في علاقته بالدولة في مركز تعاقدي وعلى هذا الأساس ظهرت العديد في النظريات التعاقدية التي تتفق على أن العقد هو أساس هذه العلاقة إلا أنها تختلف في طبيعة هذا العقد , فالبعض اعتبره من عقود القانون الخاص ، بينما كيفه البعض الآخر على انه من عقود القانون العام .
1.نظرية العقد المدني :
مفاد هذه النظرية وجود عقد مدني بين الموظف والدولة يلتزم الموظف بموجبه بتقديم خدمه لقاء قيام الدولة بتنفيذ الإعباء المناطه بها من تقديم الأجر اللازم تحقيقاً للمصلحة العامة .
وتكييف العلاقة بين الموظف والدولة بأنها علاقة خاصة يحكمها القانون الخاص إنما يقوم على افتراض أن إبرام العقد إنما يتم بمفاوضات بين الموظف والدولة ، وأن هذه المفاوضات تهدف إلى تحديد مضمون العقد من حيث موضوعه وشروطه وآثاره . ( )
ويبدو أن هذه النظرية مازالت تجد نوعاً من الرواج في البلاد ألا نجلوسكسونية كإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية . ( )
2. نظرية عقد القانون العام :
بعد أن ظهر عجز نظرية العقد المدني عن تبرير العلاقة بين الموظف والدولة ظهرت من جانب أصحاب النظريات التعاقدية ترجع العلاقة إلى عقد من عقود القانون العام على اعتبار أن هذه العقود تخول الإدارة سلطات واسعة في مواجهة المتعاقد معها لتحقيق المصلحة العامة ،وحيث أن هذا العقد يهدف إلى حسن سير المرافق العام فأنه يكون قابلاً للتعديل من قبل الدولة ، وبذلك لا تتقيد الإدارة بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين.( )
كما تملك الإدارة الحق بمسائلة الموظف إذا أخل بالتزاماته الوظيفية الناشئة عن العقد تأديبياً دون موافقة مسبقة من الموظف .
ومن أنصار هذه النظرية في مصر الدكتور عبد الحميد حشيش الذي يرى أن نظرية عقد القانون العام قد أكسبت الفكرة العقدية الأصلية مرونة ، إذا أصبح في مكنه الإدارة تعديل النصوص التعاقدية بإرادتها المنفردة ، ووفقاً لمشيئتها أعمالاً لمبدأ قابلية قواعد المرفق للتعديل والتغيير لمطابقة حاجات الناس المتغيرة . ( )
وقد اعتنق مجلس الدولة الفرنسي هذه النظرية حتى وقت قريب ليحرم الموظفين المضربين من ضمانات التأديب .
بينما اتجه بعض أنصار هذه النظرية إلى القول بأن عقد المرفق العام هو أساس الرابطة التعاقدية بين الموظف والدولة ومن أنصار هذا الاتجاه الفقيه "جيلينك " الذي ذهب إلى أن الموظف وفقاً لهذا العقد يخضع لسلطة المرفق كأي سلطة محددة تلتزم بقواعد القانون ، غير أن الأوامر لا تنفذ مباشرة بموجب قانون موضوعي وإنما وفقاً لحق شخصي ، مكتسب بموجب هذا العقد وهو لا يتفرع عن سلطة رئاسية عليا ، وإنما تنبثق منه السلطات الخاصة لرئيس المرفق . ( )
وقد تعرض تكيف العلاقة بين الموظف والدولة على هذا الأساس للنقد أيضاً شأن النقد الموجه لنظرية العقد المدني لأنه وأن أخرج علاقة الموظف من نطاق تطبيق أحكام القانون الخاص إلا أنه لم يتحرر نهائياً من الأساس التعاقدي لهذه العلاقة . ( )
وبالنظر إلى كثرة عيوب النظريات التعاقدية فقد هجرها القضاء والفقه والتشريعات المختلفة ، وكان من أبرز الرافضين للنظريات التعاقدية الفقيهان
Duguit , Hauriou , وقد استند " هوريو " في رفضه هذا على تحليله لعملية تعيين الموظف ، مبيناً أنها لا تتضمن مقومات التعاقد لا من حيث عناصره الشكلية ولا من حيث الموضوع.( )

ثانياً : النظرات التنظيمية :-
بدأ الفقه الفرنسي منذ أواخر القرن التاسع عشر في الاتجاه نحو تكييف العلاقة بين الموظف والإدارة بأنها علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح . ( )
ومضمون هذه النظريات أن القوانين واللوائح هي التي تحدد شروط وأحكام الوظيفة العامة وحقوق الموظف وواجباته .
ويترتب على هذه النظرية أن الإدارة حرة في تعديل أحكام الوظيفة بإرادتها المنفردة دون حاجة لاستشارة الموظف , ولو كان في هذا التعديل إنقاص في الامتيازات المادية والأدبية مما يتعذر معه إسباغ الصفة التعاقدية على علاقة الموظف بالدولة في هذه الحالة . ( )
على ان يكون هذا التعديل بإجراء عام بناءً على تعديل في قوانين التوظيف أما التعديل في المزايا المادية والأدبية بقرار فردي فلا يكون إلا بإجراء تأديبي .
ومن النتائج التي تترتب على هذا المركز اللائحي ، أن قرار تعيين ونقل الموظف وترقيته وعزله هي قرارات إدارية تصدر من الإدارة وحدها ، بإرادتها المنفردة دون مشاركة من الموظف .
كما لانقطع صلة الموظف بالوظيفة بمجرد تقديم استقالته من العمل وإنما تظل هذه الصلة قائمة إلى يتم قبول استقالته من السلطة المختصة .
وقد أخذ المشرع الفرنسي بالمركز التنظيمي للموظف العام منذ صدور قانون التوظيف رقم 2294 الصادر في 19 أكتوبر 1964 إذ نصت المادة الخامسة منه على أن " علاقة الموظف بجهة العمل علاقة تنظيمية ولائحية " .
وكذلك نصت المادة الخامسة من النظام العام للموظفين الصادر بالأمر رقم 244 في 4 فبراير 1959 على أن " يكون الموظف اتجاه الإدارة في مركز تنظيمي ولائحي " .
وأخيراً جاء في القانون رقم 634 في 13 يوليو 1983 المتعلق بحقوق والتزامات الموظفين في المادة الرابعة منه أن " الموظف اتجاه الإدارة في مركز لائحي وتنظيمي" .
ولم يحدد المشرع المصري في القانون رقم 210 لسنة 1951 الخاص بنظام موظفي الدولة ولا في القانون رقم 46 لسنة 1264 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة المركز القانوني للموظف العام غير أن القانون رقم 58 لسنة 1971 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة جعل الموظف في مركز نظامي إذ نصت المادة 52منه على " الوظائف العامة تكليف للقائمين بها ، هدفها خدمة المواطنين تحقيقاً للمصلحة العامة طبقاً للقوانين واللوائح والنظم المعمول بها " .
وقد ردد المشرع نفس النص في المادة 76 من القانون الحالي رقم 47 لسنة 1978 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة .

الفصل الثاني
التعيين في الوظيفة العامة
لكي يلتحق الشخص بالوظيفة العامة يجب توافر بعض الشروط العامة ليتسنى بعد ذلك اختباره واصدار قرار بتعيينه .
ونقسم هذا الفصل إلى ثلاث مباحث نتناول في أولهما الشروط العامة في التعيين , ونوضح في ثانيهما الطرق المختلفة المتبعة في تعيين الموظفين العموميين , أما المبحث الثالث فنخصصه للبحث في حركة الموظف أثناء الخدمة .

المبحث الأول
الشروط المتبعة في التعيين :

أن الحرص على الارتقاء بالوظيفة العامة يجعل من الضروري العناية باختبار الموظفين واشتراط توفر قدرة وكفاية فيمن يعين في الوظائف العامة تحقيقاً للصالح العام .
وفي العراق مثلا يتطلب المشرع في تولي الوظائف العامه مايلي:

1. أن يكون متمتعاً بالجنسية العراقيه ومتمتعاً بحقوقه المدنية :
تطبيقاً لمبدأ السيادة الوطنية ورغبة الدولة في حماية أمنها وضماناً للولاء لها ، فإن الدول تشترط فيمن يتولى الوظائف العامة أن يكون ممن يحملون جنسيتها .
إلا أن هذا المبدأ لا يجري على إطلاقه إذ غالباً ما تستعين الدولة ببعض الأجانب في حالة الضرورة أو عدم الاكتفاء بالعناصر الوطنية المتوفرة لديها . وغالباً ما يتم ذلك لفترة مؤقتة وبعقود خاصة .
. ولا يكفى لتقلد الوظيفة العامة أن يكون المرشح مواطناًعراقيا ، إنما يجب أن يكون متمتعاً بالحقوق المدنية .
ويفقد الشخص تمتعه بالحقوق المدنية كعقوبة تبعية تترتب على الأحكام التي يتم إيقاعها عليه في بعض الجرائم .

2. حسن السيـرة والسلوك :
السيرة والسلوك الحسن هي مجموعة الصفات الحميدة التي يتمتع فيها الفرد وتشيع عنه فيكون موضع ثقة عند الآخرين .
ومقتضى هذا الشرط أن يكون المرشح لتولي الوظيفة العامة بعيداً عن الشبهات التي تثير الشك لدى الآخرين وتؤدي إلى الإخلال بنزاهة الوظيفة العامة .
والأصل أن كل شخص حسن السيرة والسلوك إلا إذا ثبت العكس ويقع عبء الإثبات على الإدارة العامة التي يجب عليها أن تسبب قرارها ، عندما تستبعد المرشح للوظيفة ويكون قرارها هذا خاضعاً لرقابة القضاء . ( )
ومن الجدير بالذكر أن تقدير حسن السيرة والسلوك أمر نسبي يختلف من مجتمع إلى آخر فشرب الخمر ولعب القمار لا يعد سوء السيرة في المجتمعات الأوربية بينما هو كذلك في المجتمعات الشرقية .

3. أن لا يكون قد حكم عليه بعقوبة جنائية أو في جناية أو جنحة مخله بالشرف :
يتفرع هذا الشرط إلى شقين ، الأول : أن لا يكون قد سبق وأن حكم على الموظف بعقوبة عن جناية , والثاني : يتعلق بعدم الحكم عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف .
بالنسبة إلى الشق الأول اعتبر المشرع أن الحكم على الشخص بعقوبة الجناية " السجن المؤبد أو المؤقت أو السجن " مانعاً من التعيين في أحد الوظائف العامة ، على اعتبار أن الحكم على هذا الشخص بمثل هذه العقوبة الجسيمة قرينة قاطعة على عدم صلاحيته لتولى الوظائف العامة وخطورته على المجتمع ، ويبدو أن المشرع قد نظر إلى نوع العقوبة فسحب النص على المعاقب بجناية سواءً في قانون العقوبات الليبي أو القوانين الأخرى .
أما الشق الثاني من هذا الشرط فيتعلق بالحكم على الشخص بعقوبة الجناية أو الجنحة المخلة بالشرف وهنا ينظر المشرع إلى طبيعة هذه الجريمة سواء كان الحكم على الشخص بعقوبة الجناية أو الجنحة مادامت الجريمة تتعلق بالإخلال بالشرف .
وفي جميع الأحوال يشترط في الحكم أن يكون نهائياً لاستبعاد المرشح من شغل الوظيفة العامة ، وتتحقق الإدارة في توافر هذا الشرط من خلال طلبها من المرشح تقديم شهادة الحالة الجنائية من الجهات المختصة .

4. إلا يكون قد فصل من الخدمة بقرار تأديبي نهائي :
ويعود هذا الشرط لكون أن قرار الفصل يؤكد عدم صلاحية الموظف لتولي الوظيفة لأخلاله إخلالاً جسيماً بأحكامها مما أدى إلى صدور قرار تأديبي نهائي بفصله واستبعاده عن الوظيفة .
ويجب أن يكون قرار الفصل نهائيا أي لا يتطلب نفاذه إجراءات أخرى من اعتماد أو تصديق من جهة إدارية عليا .
5. إلا يقل سن المرشح عن ثماني عشر سنة :
من الضروري للقيام بأعباء الوظيفة العامة أن يكون المرشح قد بلغ سناً من النضج تؤهله لتحمل تبعات منصبه .ويتم إثبات سن المرشح بشهادة ميلاد مستخرجة من سجلات الأحوال المدنية أما إذا تعذر تقديمها جاز استثناء تقدير السن بإحالة المرشح على لجنة طبية ويكون قرارها غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن ولو قدمت شهادة ميلاد غير ذلك . ( )

6. أن يكون المرشح لائقاً صحياً :
يجب أن يتوافر لدي المرشح للوظيفة العامة اللياقة الصحية التي تؤهله القيام بأعباء وظيفته ، ويتم التأكد من ذلك بشهادة تثبت خلوه من الأمراض ولياقته الصحية أو تتم إحالته إلى لجنة طبية مختصة . .
واللياقة الصحية تختلف من وظيفة إلى أخرى فمن لا يكون لائقاً صحياً لوظيفة قد يكون لائقاً لأخرى حسب طبيعة الوظيفة وظروفها .

7. أن يكون مستوفياً للشروط اللازم توافرها فيمن يشغل الوظيفة :
يجب أن تتوافر في المرشح للوظيفة العامة المؤهلات العلمية التي تحفظ كفاءة معينة للقيام بالوظيفة . ( )

المبحث الثاني
طرق اختيار الموظفين العموميين

تسعى الإدارة إلى اختيار افضل العناصر لشغل الوظائف العامة .وأساليب الإدارة في اختيار موظفيها تختلف من مجتمع إلى أخر حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها .ولعل أهم الأساليب أو الطرق التي تتبعها الإدارة في اختيار موظفيها إنما تتم بأربعة أساليب : الاختيار الحر ، الأعداد والتأهيل ، الاختيار الديمقراطي. وأسلوب المسابقة والامتحان .
أولاً:أسلوب الاختيار الحر
تتمتع الإدارة في هذا الأسلوب بحرية اختيار الموظفين ، دون قيود أو ضوابط .
فالإدارة وحدها من يملك تحديد المعايير والمقومات التي يستند عليها الاختيار دون أن تكون ملزمة بالإعلان عن هذه المعايير أو تبرير اختيارها لفئة دون أخرى من المرشحين. ( )
وقد سادت هذه الطريقه قديماً فقد كان يتمتع الحاكم بسلطه مطلقه فىاختيار العاملين ، اذ يتم اختيارهم على اساس الثقه الشخصيه دون تطلب اى شروط موضوعيه اخرى. ( )
وتتبع هذه الطريقة في اختيار كبار الموظفين نظراً لأهمية هذه الوظائف التي تتطلب فيمن يشغلها الثقة والمقدرة الفنية والكفائه السياسية .
وقد كان التعيين بهذه الطريقة منتشراً في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام1883, ويعرف باسم " نظام الاسلاب و الغنائم " والتي كان مؤداها أن الحزب المنتصر في الانتخابات الرآسيه يكون له حق شغل الوظائف المهمة في الإدارات الاتحادية بعد طرد أنصار الحزب المنافس .
ومع ذلك فأن هذا الأسلوب لا يعنى أن الإدارة تملك السلطة المطلقة في الاختيار،إذ يجب أن تراعى اعتبارات المؤهلات والكفآت العلمية الأزمة لشغل هذه الوظائف تحقيقاً للصالح العام .

ثانياً : أسلوب الأعداد والتأهيل :
في هذه الطريقة تقوم الدولة بإنشاء الكليات والمعاهد المتخصصة ومراكز التعليم المهني و الأكاديمي . لأعداد الأشخاص الراغبين في تولى الوظائف العامة . وعلى الرغم من أهمية هذا الأسلوب في الأعداد للوظائف العامة فأنه يتطلب الكثير من النفقات والجهود من الدولة .
وهذه الطريقة شائعة في تأهيل الكوادر الفنية والإدارية في الجماهيرية ، ومن أمثلتها مراكز إعداد المدربين ومعاهد المهن الشاملة و معاهد التمريض و البريد .

ثالثاً: أسلوب الاختيار الديمقراطي :
ويقصد بهذا الأسلوب أن يتم اختيار الموظفين عن طريق الأفراد في الوحدات الإدارية التي يراد شغل الوظيفة العامة فيها .
ويؤدى اتباع هذا الأسلوب إلى شعور الأفراد بأهميتهم لمشاركتهم في اختيار الموظفين ،كما أنها تشعر الموظف بأن الأفراد قد وضعوا ثقتهم فيه مما يتوجب عليه احترامهم وتأدية رغباتهم .

رابعاً :أسلوب المسابقة والامتحان:
يعد هذا الأسلوب افضل الطرق لشغل الوظيفة العامة فهو يحقق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين الأفراد ، كما يؤدى إلى وصول من هم أهل لتولى المسؤولية في المناصب الإدارية .
ويعتبر اختيار الموظفين بهذا الأسلوب الأكثر انتشاراً بين الدول في الوقت الحاضر فهو ينطوي على الموضوعية في الاختيار بعيداً عن الأهواء السياسية والمحسوبية والاعتبارات الشخصية . إلا أن الدول تتفاوت في مدى تطبيقية فبعض الدول تستخدم نظام الامتحان والمسابقة في شغل الوظائف الدنيا في السلم الإداري ، بينما تستخدمه دول أخرى كقاعدة عامه في الاختيار في الوظائف الدنيا والوظائف العليا على حد سواء .

ولكي يجرى الامتحان أو المسابقة في ظروف تمكن من اختيار افضل المرشحين لابد من أحاطته بضمانات وضوابط تكفل العدالة و الموضوعية في الاختيار .
ولا تجرى الامتحانات أو المسابقات على نمط واحد في كل الدول وإنما تتخذ صور متعددة فأما أن يكون الامتحان شفوياً أو تحريرياً أو بمقابلات شخصية ويمكن الجمع بين هذه الصور.

السلطة المختصة بالتعيين :
بعد انتهاء إجراءات الترشيح والتأكد من توافر شروط شغل الوظيفة العامة ، يجب ان يصدر قرار من السلطة المختصة بتعيين الشخص في الوظيفة المرشح لها وفقاً للأوضاع المقررة قانوناً .
وعلى ذلك فلا يعتبر موظفاً عاماً الشخص الذي يتولى واجبات وظيفية قبل صدور قرار تعيينه ولو تقاضي مرتباً لقاء عمله هذا , ولا يعد موظفاً من يغتصب الوظيفة ويقحم نفسه عليها دون أن يصدر له قرار بالتعيين في السلطة المختصة .
إلا أنه استثناء استقر القضاء والفقه على إضفاء صفة المشروعية على الأعمال التي يجريها الموظف الفعلي وهو شخص يباشر مهام الوظيفة العامة بقرار تعيين معيب أو لم يصدر قرار بتعيينه أصلاً , ويتم ذلك في حالتين الأولى الأحوال العادية عندما يصدر قرار بتعيين شخص في الوظيفة العامة دون اتباع الشروط والإجراءات التي يتطلبها القانون ، فيكون قرار التعيين باطلاً في هذه الجهة وتبعاً لذلك تكون كافة تصرفات هذا الشخص باطلة حتماً . ( )
إلا أن القضاء والفقه درج على الاعتراف بشرعية هذه التصرفات حماية للجمهور حسن النية الذي يعتمد على المظاهر الخارجية , فمن غير المتصور أن يطلب الجمهور من الموظف إثبات صحة شغله للوظيفة العامة .
و الثانية الأحوال الاستثنائية فقد يتولى بعض الأشخاص ممارسة بعض الوظائف مؤقتاً نتيجة لحصول ثورة أو حرب أو حالة طوارئ لضمان سير المرافق العامة بانتظام واطراد , مما يقتضي الاعتراف بشرعية الأعمال التي يجرونها ويحق للموظف الفعلي في هذه الحالة أن يطالب الإدارة بمقابل قيامه بالعمل . ( )
أما في غير الحالتين السابقتين فإن كل ممارسة للوظيفة العامة دون حق مشروع تعد بمثابة اغتصاب للوظيفة العامة وانتحال صفة يعاقب عليه القانون وتكون تصرفات من يباشره منعدمة وليس لمن يمارسها الحق في تقاضي أي مقابل . ( )
الآثار المترتبة على صدور قرار التعيين :
يترتب على صدور قرار التعيين تولي مهام وظيفته المعين بها وما يستتبع ذلك من حقوق والتزامات ، إذ أن العلاقة الوظيفية تبدأ من تاريخ صدور قرار التعيين ، ويخضع الموظف للقوانين واللوائح الخاصة بالوظيفة العامة ، ويبدأ في هذا التاريخ حق الموظف بالترقية والأقدمية .
ويترتب على صدور قرار التعيين جواز الطعن بالإلغاء ممن له مصلحة في ذلك ويعتقد أن قرار التعيين غير مشروع وأن شروط التعيين غير متوافرة أو أنه حق بالتعيين في الوظيفة التي تم شغلها . ( )

و إذا صدر قرار التعيين باطلاً لاحتوائه على عيب من عيوب المشروعية , فإن السلطة المختصة بالتعيين تملك سلطة سحب قرارها الباطل ، أما الأعمال التي صدرت عن الموظف الذي تم تعيينه فإنها تعد مشروعة تطبيقاً لنظرية الموظف الفعلي .

المبحث الثالث
حركة الموظف أثناء الخدمة

قد تطرأ على الحياة الوظيفية للموظف تغييرات معينة طبقاً لمتطلبات العمل الوظيفي والمصلحة العامة , فقد ينقل الموظف نقلاً نوعياً أو مكانياً أو ينتدب إلى وظيفة أخرى لمدة معينة أو تتم إعادته إليها , وسوف نبين هذه المواضيع تباعاً : -
أولاً : النقــل .
الأصل أن الإدارة تملك سلطة تقديرية واسعة في نقل موظفيها من وظيفة إلى أخرى بحكم خضوعهم إلى مركز قانوني عام يجوز تغييره في أي وقت ولها حرية تقدير ظروف العمل ومقتضياته وليس للموظف الحق في الطعن بقرار النقل قضائياً اللهم إلا بطريق التظلم أو خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إبلاغه أمام الجهة التي أصدرت القرار أو لجنة التظلمات المختصة .

ٍ والنقل نوعان ، فهناك النقل المكاني والنقل النوعي :
1. النقل المكاني :
يقصد بالنقل المكاني أن يتم تغيير مكان عمل الموظف من مكان إلى آخر مع ممارسته لذات الوظيفة التي كان يمارسها سواء أكان النقل داخل الدائرة التي يعمل فيها الموظف أم خارجها .

2. النقل النوعي :
ويقصد به أن يسند إلى الموظف وظيفة أخرى غير وظيفته الأصلية التي تم تعيينه فيها من حيث الدرجة أو الأقدمية أو المرتب , سواء أكان النقل في داخل الوحدة الإدارية التي كان يعمل فيها أو إلى إدارة أخرى .
وفي هذه الحالة تختص دوائر القضاء الإداري بالرقابة على قرار الإدارة بنقل موظفيها لانطواء القرار على آثار سلبية تلحق الموظف , ولاحتمال أن تسعي الإدارة من وراء قرارها بالنقل إلى معاقبة الموظف كوسيلة مقنعة لتأديبه .
ثانياً : الندب .
يقصد بالندب أن يسند إلى الموظف مؤقتاً وظيفة أخرى خارج الجهة التي يعمل فيها مع احتفاظه بدرجته الوظيفية .
وتتمتع الإدارة بسلطة تقديرية بشأن انتداب موظفيها دون معقب من القضاء الإداري بشرط عدم إساءة استعمال هذه السلطة , فإذا انحرفت الإدارة في استعمال سلطتها وسعت من وراء قرارها بالندب إلى معاقبة الموظف بغير الطريق التأديبي فإن قرارها يعد بمثابة القرار التأديبي ويختص القضاء الإداري بنظر الطعن فيه .
ثالثاً : الإعارة .
الإعارة هي توقف الموظف مؤقتاً عن أداء وظيفته والتحاقه بعمل آخر لدى إدارة أخرى يخضع لشروطها ويتقاضى مرتبها أو مرتبه الكامل مضافاً إليه نسبة مئوية معينة مع بقاء علاقة الموظف بجهة عمله الأصلية من حيث العلاقات والأقدمية والترقيات .
ويترتب على انتهاء الإعارة قبل مدتها بقرار من الجهة المعيرة أو بناء على طلب الجهة المستعيرة أو طلب الموظف نفسه , عودة الموظف المعار ليشغل وظيفته الأصلية إذا كانت شاغرة أو أي وظيفة أخرى من ذات درجته .

الفصل الثالث
حقوق وواجبات الموظف العام .

كفل المشرع للموظف العام جملة من الحقوق حددها في القوانين واللوائح وفي مقابل ذلك ألزمه بواجبات محددة لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على ما يخالفها باعتبارها من النظام العام , وسنتطرق في هذا الفصل إلى الحقوق والواجبات التي يلتزم بها الموظف العام وفي مبحثين .
المبحث الأول : حقوق الموظف العام .
تأميناً لفاعلية الوظيفة العامة ولتوفير الاطمئنان للموظف العام فقد حدد المشرع جملة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الموظف منها ما هو ذي طبيعة مالية ومنها ما هو ذي طبيعة أدبية , نتناولها تباعاً :
- المرتب وملحقاته .
- الترقية
- الإجازات .

أولاً : المرتب وملحقاته .
يقصد بالمرتب المبلغ المالي الذي يتقاضاه الموظف شهرياً نظير القيام بمهام وظيفته ، ويحض ويدخل ضمن معنى المرتب كافة المزايا المالية الأخرى الملحقة به كالمرتب الإضافي وبدل السفر والإقامة وعلاوة السكن والعلاوات الأخرى .
ويعد حق الموظف في تقاضي المرتب أهم حقوق الموظف لأنه السبب الرئيس في التحاقه بالوظيفة غالباً ، ولأهميته تلك فقد أضفى عليه المشرع حماية خاصة , فمن جهة تختص دوائر القضاء الإداري دون غيرها في نظر المنازعات المتعلقة بالمرتبات التي يتقاضاه الموظفون .
.
وتقسم العلاوات إلى نوعين :-
1. العلاوات الدورية :- وتمنح للموظف سنوياً اعتباراً من أول الشهر التالي لانقضاء سنة من تاريخ التعيين أو منح العلاوة السنوية السابقة .
ويستحق الموظف العلاوة السنوية بصفة اعتيادية ولو تمت ترقية الموظف إلى درجة أخرى ’ إلا أن المشرع اشترط أن يؤدي الموظف خدمته بصورة مرضية .
2. العلاوة التشجيعية : أجاز المشرع منح الموظف مكافأة تشجيعاً على بذل أقصى قدر ممكن من الجهد في العمل تعادل العلاوة الدورية المقررة له و لا يؤثر منح هذه العلاوة على منح العلاوة الدورية في موعدها السنوي .

ثانياً : الترقية .
يقصد بالترقية كل ما يطرأ على الموظف من تغيير في مركزه القانوني يكون من شأنه تقديمه وتميزه عن أقرانه .
والترقية تحقق للموظف مزايا مادية ومعنوية فهي تفسح المجال للموظف في الوصول إلى المناصب العليا فيحقق بذلك طموحه في الحصول على درجة مالية أكبر واختصاصات أكثر أهمية .

ثالثاً : الإجـازات .
كل موظف لابد له من الراحة من عناء العمل لتجديد نشاطه ، كما أن ظروفه الصحية والاجتماعية قد تضطره لطلب الإجازة .
كما أن المصلحة العامة تقتضي في كثير من الأحيان منح الموظف فترة من الراحة ليعود بعدها نشيطاً وكفوءً لممارسة عمله .

1. الإجازة السنوية .
وهي الإجازة التي تتقرر سنوياً من أجل الراحة من عناء العمل ولتجديد نشاط الموظف مما ينعكس على كفاءته في تأدية وظيفته .
2. الإجازات الطارئة .
الإجازات الطارئة أو العارضة كما تسمى أحياناً هي تلك التي ينقطع فيها الموظف عن عمله لأسباب تمليها عليه الضرورات , ويجب أن يستأذن الموظف رؤسائه للترخيص له بالغياب .
3. الإجازة المرضية .
من المهم الحفاظ على صحة الموظف العام ليتمكن من القيام بمهامه الوظيفية على أكمل وجه ، وعلى ذلك كان من الواجب على المشرع أن يوفر العناية الأزمة للموظف من خلال منحه إجازة إذا لحق به مرض يحول دون قيامه بعمله على الوجه المطلوب .

المبحث الثاني
واجبات الموظف العام

في مقابل الحقوق التي يتمتع بها الموظف العام يجب أن يؤدي مهام معينة ضماناً لحسن سير الوظيفة العامة , وقد تعرض المشرع لواجبات الموظفين. ولابد من الإشارة إلى أن هذه الواجبات ليست محددة على سبيل الحصر , وإنما هي واجبات عامة ناتجة عن طبيعة الوظيفة العامة , وقد نص المشرع على الأساسية منها والتي سنبينها تباعاً :
- أداء العمل .
- طاعة الرؤساء .
- احترام القوانين واللوائح .
- عدم إفشاء أسرار الوظيفية .
- المحافظة على شرف وكرامة الوظيفة .
- عدم جواز الجمع بين الوظيفة وأي عمل آخر .
- عدم ممارسة الأعمال السياسية والمناهضة للدولة .

أولاً : أداء العمل .
الواجب الأول والجوهري الذي يلتزم به الموظف هو أن يؤدي العمل بنفسه وفي الوقت والمكان المخصصين لذلك ، وهذا الواجب من النظام العام لا يجوز للموظف أن يتنازل عنه أو ينيب غيره فيه لتعلقه بقواعد الاختصاص المحددة قانوناً . ( )
ويتفرع من هذا الواجب أن يقوم الموظف بالعمل بدقة وأمانة ،وأن يبذل غاية جهده فيه تحقيقاً للمصلحة العامة .
ويلزم أن يكون عمل الموظف خلال ساعات العمل منتجاً فلا يعنى هذا الواجب أن يتواجد الموظف بمقر وظيفته دون أن يؤدي عملاً ، كما يجوز أن يكلف الموظف بعمل في غير الأوقات الرسمية المحددة سلفاً إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك وله أن يحصل على أجر إضافي مقابل ذلك .

ثانياً : طاعة الرؤساء .
ويمثل واجب إطاعة المرؤوس لرؤسائه أحد الواجبات الهامة التي تقع على عاتق الموظف العام ويتوقف نجاح التنظيم الإداري على كيفية تلقي الأوامر وكيفية تنفيذها .
والطاعة الرآسية مناطها السلم الإداري أو التدرج الرآسي الذي يقوم على أساس خضوع كل طبقة من الموظفين لما يعلوها من طبقات . ( )
وتتضمن سلطة الرئيس على مرؤوسيه مجموعة من الاختصاصات بعضها يتعلق بشخص المرؤوس والأخر يتعلق بأعماله . ( )
تتضمن سلطة الرئيس على أشخاص مرؤوسيه الكثير من الاختصاصات منها ما يتعلق بالحق في التعيين والاختيار وحق الرئيس في تخصيص مرؤوسيه لأعمال معينه أو نقلهم وترقيتهم وإيقاع العقوبات التأديبية عليهم .
أما سلطة على أعمال مرؤوسيه فتتضمن حقه في توجيه مرؤوسيه عن طريق إصدار الأوامر والتوجيهات إليهم قبل ممارسة أعمالهم وسلطة مراقبة تنفيذهم لهذه الأعمال والتعقيب عليها ، فيملك الرئيس سلطة إصدار الأوامر والتعليمات الملزمة للمرؤوسين . ( )
وطاعة الموظف أمر مفروض تمليه طبيعة الوظيفة العامة وضرورة استمرارها إلا أن هذه الطاعة يجب أن تكون مقصورة على ما يتعلق بالعمل وحده ولا تمتد إلى خارجه كالحياة الخاصة للموظف إلا إذا كانت الحياة الخاصة تؤثر على أداء الموظف لعمله .
ويجب أن يكون الأمر صادراً للموظف عن رؤسائه المباشرين في نفس الوزارة أو المصلحة أو الإدارة( ) . وللموظف أن يتجاهل الأمر الصادر إليه من موظف آخر أعلى منه درجه لكن لا تربطه به أي صله رئاسية مباشرة أو غير مباشرة . ( )
إلا أن هذه الأوامر يجب أن تكون مشروعه حتى تكون محلاً للطاعة فإذا كانت غير مشروعه فالأصل أن الموظف غير ملزم بتنفيذها إلا إذا نبه رئيسه كتابه إلى أن ما أصدره إليه من أوامر تتعارض مع مبدأ المشروعية ، فإذا أصر الرئيس على موقفه كتابة وطلب تنفيذ أوامره ، ففي هذه الحالة يكون واجباً على الموظف التقيد بهذه التعليمات ويتحمل الرئيس المسؤولية الناتجة عن تنفيذ هذه الأوامر .

بينما نجد أن المشرع الفرنسي في قانون التوظيف الفرنسي رقم 634 الصادر في 13 يوليو 1983 أكد ضرورة الامتثال لجميع التعليمات الصادرة من الرئيس الإداري إلى موظفيه ، حتى لو كانت هذه الأوامر غير مشروعه إلا إذا كان من شأنها أن تهدد المصلحة العامة تهديداً جسيماً . ( ) وهذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في العديد من أحكامه . ( )
وفى جميع الأحوال ليس للرئيس أن يكلف أحد مرؤوسيه بارتكاب جريمة وليس للمرؤوس أن يطيع الأمر الموجه إليه إذا كان يعلم انه ينطوي على ارتكاب جريمة وليس له أن يدفع بجهله للقانون بهذا الشأن ، فمن حق الرئيس بل من واجبه الامتناع عن تنفيذ الأوامر التي تشكل جريمة يعاقب عليها القانون ، وإلا تعرض للمسؤولية الجنائية فضلاً عن مسئوليته التأديبية .
ويتفرع من واجب الطاعة التزام آخر هو احترام الموظف رؤسائه وتمسكه بآداب اللياقة في مخاطبتهم ، وهذا الالتزام يحد من حرية تعبير المرؤوس عن مشاعره وأفكاره.( )
فالموظف يجب أن يتقيد بالحدود اللازمة للمحافظة على كرامة رؤسائه وحرمة الوظيفة عندما يجد نفسه مجبراً على ابدأ آرائه ومقترحاته بشأن مسألة معينه . تقول الأستاذة (كاترين)
catherine في هذا الشأن " أن الطاعة فضيلة أخلاقية ، عندما يتعلق الأمر بطلب تضحيات شخصيه ، فيجب أحياناً التنازل عن آراء وقيم متمسك بها والتدريب على السيطرة على الإرادة وهذا يتم أحياناً بالقسوة " . ( )
ثالثاً : احترام القوانين واللوائح :
يلتزم الموظف بواجب احترام القانون بمعناه الواسع فيشمل ذلك احترام الدستور واللوائح والتعليمات والأوامر الرآسية .
أما فيما يتعلق بالمحظورات على الموظف العام فانه يحظر على الموظف بالذات أو بالواسطة أن يقوم بأي عمل من الأعمال المحظورة أو المحرمة بمقتضى القوانين أو اللوائح أو الأنظمة المعمول بها .
وفى حالة مخالفة الموظف هذا الواجب فانه يعرض نفسه للمسئولية التأديبية والجنائية إذا ما توافرت شروطها.
رابعاً: عدم إفشاء أسرار الوظيفة.
يطلع الموظف بحكم وظيفته على أمور وأسرار يتعلق بعضها بمسائل تمس المصلحة العامة للدولة كالأسرار العسكرية والاقتصادية والسياسية وبعضها يتعلق بمصلحة الأفراد وحياتهم الخاصة.
وفى الحالتين يلتزم الموظف بعدم إفشاء هذه الأسرار ويبقى هذا الالتزام سارياً حتى بعد انتهاء خدمة الموظف العام.
ويزول هذا الواجب إذا فقد الموضوع سريته أو صار معروفاً بطبيعته ، أو لإلغاء الأمر الذي فرض هذه السرية ( ) . أو سمحت السلطات المختصة بإفشاء السر أو أذن صاحب السر بإفشائه أو إذا كان من شأن إذاعة السر منع ارتكاب جريمة . ( )
ويترتب على مخالفه الموظف لهذا الواجب تعرضه للمسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية إذا يشكل إفشاء أسرار الوظيفة جريمة بنص قانون العقوبات العراقي.
خامساً: المحافظة على شرف وكرامة الوظيفة.
حرصت التشريعات على عدم قصر مسؤولية الموظف على الاخلال بواجباته فى داخل نطاق الوظيفة ، انما اخذت تتدخل فى سلوكه وتصرفاته فى الحياة الخاصة والعامة لتمنع كل مايخل بشرف وكرامة الوظيفة العامة .
وغاية المشرع من هذه المحظورات أن يبعد الموظف عن مواطن الشبهات والريبة وهى محظورات وردت على سبيل المثال لا الحصر .
سادساً: عدم جواز الجمع بين الوظيفة وأي عمل آخر.
حفاظاً على نشاط الموظف وأداء عمله بدقه وكفائه حظر المشرع في قانون الخدمة المدنية الجمع بين الوظيفة وأي عمل الا في الأحوال التي يجوز فيها لذوى المؤهلات المهنية والعلمية مزاولة هذه المهن في غير أوقات العمل الرسمي.

الفصل الرابع
تأديب الموظف العام

إذا اخل الموظف العام بواجب من واجبات الوظيفة ، لابد أن يعاقب أو يجازى تأديبياً .

المبحث الأول
مفهوم الجريمة التأديبية

في العادة لا يضع المشرع تعرفاً محدداً للجريمة التأديبية ( ) كما هو الشان في الجريمة الجنائية ويكتفي غالباً بإيراد الوجبات والمحظورات وينص على أن كل موظف يجب أن يلتزم بهذه الواجبات ويمتنع عن كل ما يخل بها .
ولعل خشية المشرع في إضفاء وصف الجريمة على المخالفات التأديبية يعود إلى التشابه الذي قد يحصل بينها وبين الجريمة في المجال الجنائي :
لكن الفقه من جانبه قد سد النقص في هذا المجال فقد عرف الدكتور مغاورى محمد شاهين الجريمة التأديبية بأنها إخلال بواجب وظيفي أو الخروج على مقتضاها بما ينعكس عليها . ( )
وعرفها الاستاذ الطماوى تعريفاً مقارباً فقال : " انها كل فعل أو امتناع يرتكبه العامل ويجافى واجبات منصبه "( ) , كما عرفها الاستاذ محمد مختار محمد عثمان بانها كل فعل أو امتناع عن فعل مخالف لقاعدة قانونية أو لمقتضى الواجب يصدر من العامل اثناء اداء الوظيفة أو خارجها مما ينعكس عليها بغير عذر مقبول . ( )
ومن الملاحظ ان هذه التعاريف قد جاءت خالية من الاشارة الى دور الارادة بوصفها ركن من اركان الجريمة التأديبية لايمكن ان تقوم الجريمة بدونه وان هذا الاتجاه لو اصبح اتجاهاً عاماً فانه سيؤدى الى مساواه حسن النية من الموظفين بسيئ النيه ولاشك ان ذلك يقود الى التطبيق العشوائى للمساءلة التأديبية مما يترك اثراً سلبياً على العمل فى المرفق .
ويمكننا تعريف الجريمة التأديبية بأنها كل فعل أو امتناع إرادي يصدر عن الموظف من شانة الإخلال بواجب من واجبات الوظيفة التي ينص عليها القانون فهذا التعريف يجمع بين جنباته أركان الجريمة التأديبية كافة من ركن مادي ومعنوي وشرعي وركن الصفة .

أولا: الخطأ أو الآثم التأديبي :
الخطأ التأديبي لا يخضع لقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص كما هو الشان في الجريمة الجنائية فالموظف عليه أن يتجنب الواقع في كل ما يعتبر أخلالاً منه بواجب من الواجبات الوظيفية سوا كان هذا الإخلال بفعل ايجابي أو كان بفعل سلبي ويكون هذا الخطأ مستوجباً لقيام المسوؤلية الإدارية سواء نتج عنه ضرر أم لا .
فالضرر يكون مفترضاً لكونه اثر للإخلال بواجبات الوظيفة باعتباره إخلالاً بالصالح العام . ( )
أما تقدير ما إذا كان فعل الموظف يشكل خطأ تأديبياً أم لا فالأمر لا يخرج عن معيارين استند إليهما الفقه في قياس سلوك الموظف المنحرف .
فالخطأ قد يقاس بمعيار شخصي ومضمونة أن ينظر إلى سلوك الموظف المخطئ ويوزن في ظروف معينة فيعتبر مخطئا إذا كان سلوكه دون المعتاد منه في مثل تلك الظروف( ) ولاشك أن هذا المعيار منتقد فهو يجعل الموظف النشيط الدائب في العمل يؤاخذ على اهمالة اليسير غير المعتاد منه أما الموظف المهمل فلا يسال عن إخلاله بواجبه ما دام إهماله معتاد وهذه نتيجة غريبة لا يمكن معها الاعتماد على هذا المعيار في قياس الموظف أما المعيار الأخر وهو المعيار الموضوعي فينظر فيه إلى الفعل الذي ارتكبه الموظف ويقاس وفق المألوف من سلوك الموظف المعتاد , في ذات فئة الموظف الذي يراد قياس سلوكه فيعتبر الموظف مخطأ إذا خرج عن هذا المألوف وهذا المعيار هو السائد العمل فيه فقهاً وقضاء ( ) , فالمعيار الموضوعي معيار واقعي يراعى في التطبيق الظروف التي صدر فيها التصرف من ناحية الموظف الذي قام بالفعل من حيث سن الموظف وحالته الصحية وجنسه ومن ناحية الزمان والمكان والبيئة وافتراض أن الموظف المعتاد أحاطت به نفس الظروف التي أحاطت الموظف الذي ينسب الخطأ إليه ويوزن التصرف في هذا الأساس فإذا كان تصرف الموظف المعتاد مشابها لتصرف الموظف المخطئ فلا مسؤولية على الأخير أما لو حصل العكس فان الموظف يعتبر مرتكباً لخطأ يستوجب المسألة التأديبية , فالمعيار الموضوعي لم يعد معيار موضوعياً خالصاً فهو موضوعي في الأساس إلا انه شخصي عندما يقيس ظروف الموظف المخطئ الذي يتعين الاعتماد عليه وهذا المعيار هو الأقدر على تقرير متى يعتبر الموظف مخالفا لواجباته الوظيفية ومتى يمكن مساءلته تأديبياً .
ثانياً : التمييز بين الجريمة التأديبية والجريمة الجنائية :
تختلف الجريمة التأديبية عن الجريمة في المجال الجنائي من حيث الطبيعة والأركان .( )
ويمكن أن نوجز ما تتميز به الجريمة التأديبية عن الجريمة في النظام الجنائي بما يلي :
1. من حيث الأشخاص :
يشترط لوقوع الجريمة التأديبية أن يكون الفعل المعاقب عليه قد ارتكبه موظف مرتبط بالإدارة برابطه وظيفية . ( )
وهذا مادعى الفقه إلى القول بان نظام التأديب نظام " طائفي " اى انه يتعلق بطائفة في المجتمع على عكس النظام العقابي الذي يتصف بالعموميه و الشمول . ( )
2. من حيث الأفعال المكونة للجريمة :
أن الجرائم التأديبية ليست محدده على سبيل الحصر لذلك فهي لا تخضع لمبدأ " لا جريمة و عقوبة إلا بنص " و إنما مددها الإخلال بكرامة الوظيفة و الخروج على مقتضيات الواجب وتقرير قيام الجريمة من عدمه خاضع لتقرير الإدارة . ( )
اما الجريمه فى المجال الجنائى فحدده على سبيل الحصر .
3. من حيث الهدف :
يهدف النظام التاديبى الى حسن اداء الموظفين لاعمالهم وضمان سير المرافق العامه بانتظام واطراد . اما فى النظام الجنائى فالامر يتعلق بحماية المجتمع كله وضمان استقراره وامنه .
4.من حيث المسؤوليه :
تستقل الجريمة التأديبية عن الجريمة الجنائية من حيث المسؤولية ، فان إعفاء الموظف من المسؤولية الجنائية وإلغاء التهمه الجنائية المنسوبة إليه لا يمنع من مساءلته تأديبياً ( ) ، فالمخالفة التأديبية أساساً قائمة على ذاتها مستقلة عن التهمة الجنائية , قوامها مخالفة الموظف العام لواجبات وظيفته ومقتضياتها , وهذا الاستقلال قائم حتى ولو كان هناك ارتباط بين الجريمتين ، فالموظف قد يسأل تأديبياً لمخالفته النصوص التشريعية أو العرف الإداري ومقتضيات الوظيفة العامة ، في حين أن الجريمة الجنائية لا تتقوم إلا إذ خالف الفاعل نصاً تشريعياً .
5. من حيث نوع العقاب المفروض :-
أن العقاب التأديبي بتعلق بالمساس بمركز الموظف ومتعلقاته ، ويكون بإيقاع مجموعة من الجزاءات محددة على سبيل الحصر ، وأثارها محددة سلفاً أما في النظام الجنائي فإن العقاب يتعلق بالمساس بحرية الشخص أو حياته أو ماله ، وللقاضي الحرية في تقدير العقوبة وفق الواقعة المنظورة في الحدود المسموح بها قانوناً .
6. من حيث الإجراءات :
تتميز الجريمة التأديبية في الجريمة في المجال الجنائي ، من حيث الإجراءات الواجب اتباعها منذ ارتكاب الموظف للجريمة ومساءلته عنها وحتى إيقاع الجزاء عليه ، وهذه الإجراءات تنظمها قوانين خاصة بالوظيفة العامة والموظفين .
أما الجريمة في المجال الجدنائي فلها أصولها الخاصة التي تنظمها القوانين العامة كقانون الإجراءات الجنائية وقانون المرافعات المدنية . ( )
غلا أن الاختلافات السابقة لا تنفي وجود نوع الترابط والصلة بين الجريمتين التأديبية والجنائية ، فالجريمتان عبارة عن سلوك شاذ يعاقب عليه القانون ويجب تجنبه تحقيقاً للمصلحة العامة ، ومن يرتكبه بعرض نفسه للمساءلة والعقاب المناسب .
كما أن هذا السلوك المنسوب إلى الموظف قد يشكل جريمتين جريمة تأديبية وأخرى جنائية ، ولكن المساءلة التأديبية لا تتقيد بالمحاكمة الجنائية إلا فيما يتعلق بوقوع الفعل المكون للجريمة من الموظف أو عدم وقوعه , وفضلاً عن ذلك قد تعتبر بعض الع عقوبات التأديبية بمثابة عقوبة تكميلية للعقوبات في المجال الجنائي .

المبحث الثاني
أركان الجريمة التأديبية
اختلف الفقهاء في تحديد أركان الجريمة التأديبية بصورة عامة ولهم في ذلك مذاهب كثيرة فكان لكل فقيه رأيه الخاص .
فذهب الأستاذ الطماوي إلى أن الجريمة التأديبية تقوم على عنصرين هما الموظف والخطأ أو الذنب الإداري . ( )
وذهب الأستاذ ماجد راغب الحلو إلى أن الجريمة التأديبية تقوم على ركنين هما الركن المادي والركن المعنوي . ( )
بينما ذهب الأستاذ عبد الفتاح حسن إلى أن الجريمة التأديبية تقوم على ثلاثة أركان أو عناصر العنصر المادي والعنصر المعنوي ونصر الصفة . ( )
والراجح أن أركان الجريمة التأديبية هي نفس الأركان في أي جريمة أخرى هي الركن الشرعي والركن المادي والركن المعنوي وللطبيعة الخاصة التي تتميز بها الجريمة التأديبية يكون الركن الرابع فيها ركن الصفة .
اولا: الركن المادي :
يتعلق هذا الركن بماديات الجريمة ومظهرها الخارجي ةلا خلاف في عدم قيام أي جريمة أو تأديبية دون توافر هذا الركن .
سواء كان تمثل بمسلك إيجابي ، كما لو كان بشكل ارتداء على رئيس في العمل ظن أو بمسلك سلبي كالامتناع عن تنفيذ أمر رئاسي واجب الطاعة .
ولكي يكون فعل الموظف مسوغاً للمساءلة التأديبية يجب أن يكون محدداً وثابتاً فلا قيام للركن المادي استناداً للظن أو الشائعات ، لذلك فإن تهامات العامة أو النعوت المرسلة لا يمكن تعتبر مكونة لهذا الركن . ( )
كما أن مجرد التفكير دون ان يتخذها هذا التفكير مظهراً خارجياً ملموساً لا يشكل مخالفة تنجيز المساءلة التأديبية . ( )
كما أن الأعمال التحضيرية التي تتمثل في إعداد وسائل تنفيذ الجريمة ، ولا يعاقب عليها إلا إنها قد تعتبر في حد ذاته جريمة تأديبية مستقلة . ( )
ثانيا: الركن المعنوي :
الركن المعنوي هو الإرادة الآثمة للموظف الذي يرتكب الفعل أو الترك الذي يشكل إخلالاً بواجبات الوظيفة ومقتضياتها , ولا يكفي للمساءلة التأديبية أن يرتكب الموظف ما يعتبر منه مخالفة لواجب وظيفي ، وإنما يجب أن يتوافر عنصر نفسي واع يتجه إلى ارتكاب الفعل أو الامتناع وهذا العنصر هو الإرادة الآثمة أو الركن المعنوي .
والركن المعنوي في الجريمة التأديبية يختلف في الجريمة العمدية عنه في جريمة الخطأ ففي الجريمة العمدية لا يكفى أن يحيط الموظف علماً بالفعل الذي يرتكبه وإنما يجب أن يقصر تحقيق النتيجة المترتبة على تصرفه .
أما في الجريمة غير العمدية أو جريمة الخطأ فيتمثل الركن المعنوي في تقصير الموظف وعدم اتخاذه الحيطة والحذر اللازمين لداء واجباته الوظيفية ، ويكون بانصراف إرادة الموظف إلى ارتكاب العمل دون الرغبة في النتيجة المترتبة عليه .
ولابد لارتكاب الجريمة سواء كانت جنائية أو تأديبية من توافر الركن المعنوي فإذا تخلفت بأن انعدمت إرادة الموظف لقوة قاهرة أو مرض أو إكراه أو أمر رئاسي مكتوب فلا قيام للجريمة .
غير أن البعض ذهب إلى ضرورة توافر الركن المعنوي في المجال التأديبي في بعض الجرائم التأديبية المقننة ، وفي مجال الأخطاء التي حددها المشرع وجرمها بنصوص خاصة .
إلا انه في جرائم أخرى لم يصنعها المشرع على سبيل الحصر ، فالإرادة الآثمة لا تعنى أكثر من أن الموظف قد ارتكب الفعل أو الامتناع دون عذر شرعي . ( )
إلا أن الرأي الصائب هو ان المساءلة التاديبية تتطلب فين يحاسب غدراكاً ووعياً لما يقترفه لذلك قيل بأن يلزم لقيام الجريمة التأديبية أن يكون الفعل راجعاً إلى إرادة العامل إيجاباً أو سلباً . ( )
ثالثا: الركن الشرعي :
يتعلق الركن الشرعي بخضوع الفعل للجرائم وتعلق صفة عدم المشروعية به ، ولابد من القول بأن الأفعال المكونة للذنب التأديبي ليست محددة على سبيل الحصر ، وإنما مردها الإخلال بواجبات الوظيفة ومقتضايتها لا غير ، وهذا ما دعا البعض إلى القول بأنىالجريمة التأديبية لا تخضع لمبدأ شرعية الجرائم ولا يتوافر فيها الركن الشرعي. ( )
إلا أن الملاحظ أن شرعية الجرائم التأديبية هي غيرها بالقياس لشرعية الجرائم في المجال الجنائي حيث الخضوع لمبدأ " جريمة ولا عقوبة إلا بنص " .
فالمبدأ في الجرائم التأديبية أن الموظف يعاقب إذا ما خالف القواعد والواجبات الوظيفية المنصوص عليها في القوانين والأنظمة والتعليمات . ( )
ولا يعني ذلك عدم خضوعها لمبدأ المشروعية ، فالمشروعية في مجال الجرائم التأديبية لا تقتصر على النصوص الاقنونية وإنما تلعب فيها أحكام القضاء الإداري دوراً كبيراً يفوق دور النصوص القانونية .
فالنصوص القانونية التي تحدد الواجبات الوظيفية وتعاقب عند الإخلال بها وأحكام القضاء التي تمارس رقابتها على تطبيق هذه النصو صكفيلة لتقرير مبدأ شرعية الجرائم التأديبية .
وفي ذلك نقول محكمة القضاء الإداري المصرية : " أن الجزاء التأديبي – كأي قرار إداري- يجب أن يقوم على سبب يبرره ن والسبب في الجزاء التأديبي هو الجريمة التاديبية التي تدفع الرئيس الإداري إلى التدخل بسلطته العامة ليحدث في حقالموظف مركزاً قانونياً معيناً هو العقوبة التي يقوقعها عليه ابتغاء مصلحة عامة هي حسن سير العمل، وقد يكون مشار النزاع من هذه الناحية – ناحية السبب- هو التحقق من صحة قيام الأفعال المنسوبة إلى الموظف ، أو التكييف القانوني لهذه الأفعال على فرض حصولها ، وهل تكون الجريمة التأديبية طبقاً للقانون ، وليس من شك في أن سلطة الإدارة في هذه الناحية أو تلك ليست سلطة تقديرية ، بل هي سلطة محددة بحدود القانون مقيدة بقيوده".( )
وفي ذات الاتجاه قضت المحكمة العليا الليبية بقولها : " أن المشرع لم يعدد الجرائم التأديبية علىسبيل الحصر كما فعل في الجرائم الجنائية حيث تخضع الأخيرة لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنض ، وإنما ترك لسلطة التأديب حرية واسعة في تقديرها وهذه الحرية يجب أن يقابلها رقابة قضائية فعالة وواسعة ضماناً لجدية ركن السبب في القرار الإداري " . ( )
رابعا: ركن الصفة :
ركن الصفة أو الركن الشخصي هو الركن الرابع الذي لا يمكن قيام الجريمة التأديبية بدونه، وهو شرط لازم في الجرائم التأديبية دون سواها في الجرائم جنائية كانت أم مدنية،فلا بد أن يقع الفعل المكون للجريمة من أحد العاملين المرتبطين بجهة الإدارة برابطة وظيفية.( )
ويثار في هذا المجال سؤال حول الأفعال التي تصدر من الموظف الفعلي أو الظاهر ، وهو شخص تدخل خلافاً للقانون في ممارسة اختصاصات وظيفة عامة متخذاً مظهر الموظف القانوني النختص ، فهل يجوز مساءلته تأديبياً في مثل هذه الحالة ؟ .
قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من القول أن القاعدة كما بينا سابقاً أنه لا يجوز للأفراد العاديين أن يتولوا وظيفة علمة بصورة غير قانونية ، لأنهم بذلك يكونون مغتصبين لها وجميع تصرفاتهم تعد باطلة ، إلا في حالة الموظف الفعلي استثناءً حفاظاً على دوام سير المرافق العامة في ظروف الحروب واتلثورات عندما يضطر الأفراد إلى إدارة المرفق بدون أذن من السلطة ، أو حفاظاً على الوضع الظاهر أمام الجمهور عندما يشغل الشخص وظيفة معينة بناءً على أمر بالتعيين لم يتخذ الشكل القانوني المطلوب لصدوره أو استمراره يشغل الوظيفة رغم انتهاء صفته كموظف عام ، أو في حالة سكوت الإدراة عن تجاوز الموظف اختصاصاته واستقرار العمل على ذلك .
ففي هذه الحالات اعترف القضاء والفقه ببعض الآثار القانونية للوظيفة الفعلية كمنح الموظف الفعلي راتباً مقابل إدائه لعمله إذا كان حسن النية .
أما حول إمكانية مساءلة الموظف الفعلي تأديبياً ، فقد ثار خلاف فقهي بهذا الشأن، فذهب جانب من الفقه إلى أن التزامات الموظف الفعلي أقل من التزامات الموظف الرسمي ، وأنه لا يخضع للجزاءات التأديبية لأن مسؤوليته عادية لا مسلكة ، فإذا صدر خطأ شخصي أو زاول العمل بالقوة والعنف والتهديد ، فإن المراجعة بشأن تصرفاته هي من اختصاص المحاكم العادية جنائي أو مدنية . ( )
لذلك لا يمكن حسب هذا الرأي تصور مساءلة الموظف الفعلي تأديبياً ، أما الجانب الأخر من الفقه فذهب إلى أن نظرية الموظف الفعلي تضم قطاعين القطاع الأول هم الموظفين الفعليون فى الاوقات الاستثنائيه ، اى أوقات الحرب والازمات والتورات . وفى هذه الحاله يكون من تولى الوظيفه فرداً عادياً لا تجوز مساءلته تأديبياًعن اعماله اثناء شغله للوظيفه .
اما القطاع الثانى فهم الموظفون الفعليون الذين يمارسون اختصاصاً معيناً فى الظروف العاديه ، بسبب بطلان التعيين أو انقطاع الصلة بالوظيفه أو حالة الاستمرار غير المشروع فى العمل أو سكون الادارة عن اختصاص الموظف الظاهر. فهؤلاء يخضعون لاحكام التأديب وما يقع منهم من اخطاء فى ممارسة الوظيفه بشكل جريمه تأديبيه . ( )
ونرى ان هذا الراى هو الاصوب ذلك ان نظام التاديب لا يسري الا على الافراد المرتبطين مع الاداره برابطه وظيفيه والموظف الفعلى لا يكون مرتبطاً بهذه العلاقه فى ظل الظروف الاستثنائيه .
وقد أيد القضاء الإداري هذا الرأي فقالت المحكمة الإدارية العليا " أن مناط مسؤولية الموظف الإخلال بالواجبات العامة ، وتتحقق هذه المخالفة ولا اثر لكون الموظف الذي وقع منه الإخلال مستوفياً شروط الوظيفة أم لا ، مادام قائماً بعمله فعلاً كأصيل أو منتدب .إذ أن الأمانة مطلوبة منه في عمل يؤديه يقطع النظر عن ظروف إسناد العمل إليه ، ولا يبيح الإخلال بهذا ، أو يمحو عن الإخلال بالمسئولية المترتبة عليه، عدم إحالته في العمل الذي أنيطت به اختصاصاته ، كما أن تطوع الموظف للقيام بعمل موظف أخر لا يعفيه من المسؤولية عن أخطائه " . ( )


0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار