الاثنين، 22 مارس، 2010

مبادئ الاقتصاد السياسي


"مبادئ الاقتصاد السياسي" – الجزء الأول

للدكتور محمد دويدار

انطلاقاً من الاعتقاد بأن لكل علم من العلوم تاريخاً طويلاً، فثمة جدوى حقيقية من القيام بدراسة تاريخ الاقتصاد السياسي، الذي شهد تطورات عديدة، وفي ظروف معينة مختلفة. أثبتت الحياة ان دراسة تاريخ الفكر الاقتصادي وتطوره عبر مراحل زمنية، أمر على قدر كبير من الاهمية، لأننا لا يمكن ان نفهم او نستوعب هذا التاريخ ما لم نحط بمسار تطوره، عبر محطات تاريخية غارقة في القدم، كي نتعرف على الاسس التي تناولت تطوره، وكيف يمكن ان نستخلص الدروس، من هذا البحث وما يفيدنا في اغناء هذا الفكر حاضراً ومستقبلاً. وقد أشار جوزيف شومبتبر في مؤلفه "تاريخ التحليل الاقتصادي" الى ثمة جدوى حقيقية يستخلصها الباحث من دراساته لتاريخ الفكر الاقتصادي، في توفير قدر من الوضوح وفي توسيع مدارك الدارس للتاريخ الاقتصادي ولعلم الاقتصاد.

فكرة أولية عن المؤلف والكتاب

الدكتور محمد دويدار، استاذ الاقتصاد السياسي في كلية الحقوق، جامعة الاسكندرية، مصر، له العديد من المؤلفات في مجال الاقتصاد السياسي، وتحديداً في منهجية التخطيط والتخطيط الاشتراكي في مصر والدول العربية، وفي غيرها من بلدان العالم الثالث، وفي دراسة الاقتصاد المالي والنقدي، والاقتصاد العالمي وأزمته وغيرها من المؤلفات الاقتصادية الهامة. ويأتي مؤلفه "مبادئ الاقتصاد السياسي" – الجزء الاول، الاقتصاد السياسي علم اجتماعي – تاريخ الاقتصاد السياسي الصادر عام 1993 – الاسكندرية، ويضم 338 صفحة، من الحجم المتوسط عدا الفهرست، ويتضمن مقدمة وثلاث أبواب وفصول:

الباب الأول: الاقتصاد السياسي كعلم، وفيه ثلاثة فصول. الفصل الاول موضوع الاقتصاد السياسي. والفصل الثاني منهج الاقتصاد السياسي. والفصل الثالث الاقتصاد السياسي وفروع العلوم الاجتماعية الاخرى.

الباب الثاني تاريخ الاقتصاد السياسي. وقد شغل مساحة كبيرة من الكتاب، بحدود 206 صفحة، وفيه ثلاثة فصول. الفصل الاول: الفكر الاقتصادي في المرحلة السابقة للرأسمالية، وفيه يعالج الفكر الاقتصادي في العصور القديمة والوسطى اوربية والفكر الاقتصادي العربي. والفصل الثاني مولد الاقتصاد السياسي في المرحلة الرأسمالية. وفي الفصل الثالث يتحدث عن علم الاقتصاد السياسي في مرحلة الرأسمالية ومرحلة التحول الى الاشتراكية، واضعاً عناوين فرعية: (أ) الاقتصاد السياسي عند كارل ماركس، ص 162، (ب) الفكر الاقتصادي للمدرسة الحدية – ص 185.

الباب الثالث: الاقتصاد السياسي علم طرق الانتاج، وفيه ثلاثة فصول. الفصل الاول: مفهوم فكرة الانتاج. والفصل الثاني: الخصائص الجوهرية لطريقة الانتاج الرأسمالية. والفصل الثالث والاخير يحمل عنوان الخصائص الجوهرية لطريقة الانتاج الاشتراكي، ص 313 – 338.

يلاحظ ان د. دويدار وهو يبحث في الباب الاول وبثلاثة فصول عن تاريخ مفردات الاقتصاد السياسي وتعريفه، وموضوعه ومنهجيته وعلميته وارتباطه كفرع من العلوم الاجتماعية، جاءت بطريقة وأسلوب معلّلة علمياً، في سياق بحث رصين لعلم الاقتصاد وموضوعه. وفي دراسته للواقع في حركته الدائمة، او كما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليتس "كل شيء يمضي، كل شيء يتغير".

وفي الباب الثاني: تاريخ الاقتصاد السياسي، عالج المؤلف الجوانب التاريخية والفكرية لعصور غارقة في القدم. فهو درس واقع الاقتصاد في المجتمع الاغريقي والروماني (افلاطون وارسطو) وفي الوسيط وفي الفكر الاقتصادي العربي (المقريزي وابن خلدون). ويعرض اهم الملامح للمدارس الفكرية، وما قدمته من اضافات وفق طريقة عملية سليمة ومنهجية معرفية واسعة الاطلاع. كما يلاحظ ان عدد من المسائل المطروحة محل بحث دائم من قبل الفلاسفة والمفكرين والباحثين، ومن قبل الكثير من الاقتصاديين فيما يتعلق بالقيمة والنقود وتقسيم العمل وفائص القيمة ومراحل التطور، الى جانب مسائل أخرى حيوية بحثها المؤلف. وفي الباب الثالث: الاقتصاد السياسي علم طرق الانتاج، فقد خصصه لعرض أهم الافكار حول مفهوم الانتاج، والخصائص الجوهرية لطريقة الانتاد الرأسمالية والاشتراكية. ومن الاهمية الاشارة، هنا، الى القيمة الثمينة لطريقة البحث، التي تساعد في تنمية وتوسيع المعارف الفكرية للدارس والباحث في آن واحد.

المنهج العام للكتاب

التسلسل وتناول المواضيع:

في مقمة الكتاب يشير د. محمد دويدار الى ضرورة دراسة الاقتصاد السياسي كعلم اجتماعي، له علاقة بالعلوم الاخرى، وتاريخه مرتبط بعملية تكوين وتطور المعرفة وعلم طرق الانتاج، والاشكال التاريخية للانتاج والتوزيع، وطريقة دراسته تفرضها طبيعة العلم – كشأن كل العلوم – علم تراكمي، يبني نفسه بنفسه، والافكار التي تتبلور في مرحلة تمثل الاساس للمرحلة الثانية. وعلى هذا الأساس تبنى نظريات أخرى وهكذا، وأن هذه الأفكار تتطلب الاستيعاب للموضوعات المختلفة، وأن فهم الفكرة لا يعني حفظها عن ظهر قلب، والعناية بالبحوث، ولا يقتصر البحث عن القراءة العربية، وانما لمراجعة المصادر الاجنبية، وأن يكون مستوى الاستيعاب الناقد للمنهج والأفكار، وفي الدراسة، كما يقول المؤلف، لا بد من استخدام التحليل الاقتصادي، وفي استخدام الأدوات الرياضية والاحصائية والديمغرافية (السكانية). وعلى ضوء هذه المقدمة التوجيهة والارشادية للدارسين والباحثين يسلسل د. دويدار الكتاب، ويضع عناوين في الباب الاول:

أ - الاقتصاد السياسي كعلم، وفيه يشير الى ان كل علم يتحدد بموضوعه object وفي منهجه وفي تفاعلهما العضوي، وتحديد معالم هذا المنهج وذلك الموضوع انما يتحقق تاريخياً من خلال عملية ذات بعد زمني، يتكون في اثنائها العلم كمجموعة من النظريات، ولا يستثنى الاقتصاد السياسي على ذلك.

وفي الفصل الاول يتناول موضوع الاقتصاد السياسي باعتباره المعرفة المتعلقة بمجموع الظواهر المكونة للنشاط الاقتصادي للانسان في المجتمع، أي النشاط الخاص بأنتاج وتوزيع المنتجات والخدمات اللازمة لمعيشة أفراد المجتمع. هذا النشاط يتبدى في شكل علاقة بين الانسان والطبيعة وعلاقة الانسان بالانسان، وان أهم ما يميز الانسان عن غيره من الكائنات الحيّة، هو مواجهة الطبيعة في حين ان الكائنات الاخرى جزء من الطبيعة.

وفي الفصل الثاني يشير الى منهج الاقتصاد السياسي، والذي يراد بمنهج البحث، كما يقول د. دويدار، الطريقة التي يتبعها العقل في دراسته لموضوع ما، للتوصل الى قانون عام. فالمنهج إذن هو مجموعة الخطوات التي يتخذها الذهن بهدف استخلاص المعرفة، ويصحب خط السير هذا تنظيم فكري Organisation Conceptual وعليه يتميز المنهج اساساً بطبيعة الأفكار Concepts التي تعرض. ومن هنا كان ارتباط المنهج بالموضوع ارتباطاً عضوياً، كما يشير المؤلف ص 28. ويتوصل الى حقيقة مفادها استخلاص المعرفة الاقتصادية عن طرق البحث العلمي، وعن علم الاقتصاد السياسي كعلم، ليسأل ما هو العلم ص 29؟

وفي الفصل الثالث المعنون: الاقتصاد السياسي وفروع العلوم الاجتماعية الأخرى، ان الفكرة الاساسية للمؤلف في هذا الجانب لا تهدف الى تعريف العلوم الاجتماعية في علاقته بعلم الاقتصاد، وإنما ايضاح الاعتماد المتبادل بين فروع العلوم الاجتماعية وعن طريق التركيز على الارتباط العضوي بين الاقتصاد السياسي وبعض فروع العلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع والديموغرافيا، والجغرافيا وعلم الاجتماع، دراسة الوقائع الاجتماعية، والجغرافيا دراسة العالم كوسط يعيش فيه الانسان. ويتضح ان الواقع الاقتصادي مرتبط ارتباطاً ديالكتيكياً بالواقع الاقتصادي ليكونا كلاً عضوياً بمثل الحياة الاجتماعية في وسطا الجغرافي، ص 60.

وفي الباب الثاني يتناول تاريخ الاقتصاد السياسي، وفيه ثلاثة فصول.

(1) في الفصل الاول يتحدث عن الفكر الاقتصادي في المرحلة السابقة للرأسمالية. وفي المقدمة يشير د. دويدار الى ان دراسته لا تهدف لتتبع مفصلاً للفكر الاقتصادي، والذي يهمه هو تاريخ العلم وليس تاريخ الفكر الاقتصادي، الذي كان ميلاده مصاحباً لطريقة الانتاج الرأسمالية. ويستدرك المؤلف ليبرر تناولن، مشيراً، علينا ان نميز في تقديمنا لهذه اللمحة التاريخية بين مرحلة سابقة على الرأسمالية، شهدت فكراً اقتصادياً والمرحلة التي يرتبط بها علم الاقتصاد السياسي. ويحمل هذه اللوحة بثلاث فصول. الفصل الاول "الفكر الاقتصادي في المرحلة السابقة على الرأسمالية". وفيه يتناول فكر العصور القديمة والوسطى. وفي اشارة منه، لم يكن للفكر الاقتصادي وجود مستقل، وانما نجده في احضان الفلسفة الاغريقية (افلاطون 427 – 347 ق م، وأرسطو 384 – 322 ق م)، ويتمثل الفكر الاقتصادي في انطباعات تتعلق بالوقائع التي وجدت في تلك الأزمنة، وهي انطباعات ايديولوجية وفي احضان الفلسفة، وهي جزء من الفلسفة العامة للدولة والمجتمع، المنظم في صورة دولة المدينة City State ويجد أساسه في طريقة الانتاج السائدة في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وفي النشاط الزراعي في ظروف طبيعية صعبة، والتي تتميز بوحدات كبار الملاك، ويعتمدون على عمل العبيد والعمال الاجراء ووحدات صغار الملاك، ويتم الانتاج بفضل عمل أفراد الاسرة وما تملكه من عبيد مستخدمين في ذلك وسائل انتاج بسيطة، ووحدات يستغلها الافراد استخداماً لعبيد الدولة في مقابل حصولها على جزء من المحصول عيناً. وفي النشاط الاستخراجي في المناجم المملوكة للدولة، يقوم عمل العبيد الذين يملكهم صاحب الامتياز او يستأجرهم من مالكهم.

في هذا الاقتصاد انتشرت المبادلة والمبادلة النقدية. ويصبح النقد غاية وليس وسيلة، كما كان من قبل. ويستخلص د. دويدار من ذلك التركيب الطبقي للمجتمع الاغريقي يقف في أعلى الهرم الاجتماعي توجد الطبقة الارستقراطية (كبار الملاك من الريعيين)، ويرتبط بهم بقية المواطنين المكونين لطبقة متوسطة من صغار الملاكين والحرفيين لهم حقوق سياسية وحقوق ادارية، ويرتب بهم الاجانب. وفي نهاية الهرم تقف طبقة العبيد. والمجتمع الاغريقي مجتمع قائم على العبودية، ووجدت المشكلات الاقتصادية في فكر دولة المدينة Polis ومن هنا يقول المؤلف كان الفكر الاقتصادي بكليته في خدمة السياسية بالمعنى الواسع.

(2) يتناول المؤلف فترة العصور الوسطى الاوربية ويحددها من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر الميلادية، حيث ساد التكوين الاجتماعي الاقتطاعي، والتي تتميز طريقة الانتاج، التي بدأت في فرنسا ثم انتشرت في بريطانيا وباقي مجتمعات اوروبا، تتميز بأن العلاقات الاجتماعية للانتاج تدور أساساً حول الارض التي تصبح البلورة المامية للملكية العقارية، اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي، يقوم على حق استعمال الارض وشغلها، اما ملكيتها فهو على درجات لهرم من السادة، يوجد بعضهم فوق بعض، من دون ان يكون لاي منهم حقاً مطلقاً على ارض. كما تميز بأن الاساس الاقتصادي يقابله شبكة من الروابط، جزء من العاملين لا يتمتع بكامل حريته، فهم ليسوا من العبيد، ولكنهم اقنان مرتبطون بسيدهم في مرحلة أولى وبالارض التي يستغلونها في مرحلة ثانية. والتنظيم السياسي لهذا المجتمع ان الدولة موجودة وجوداً غير متمركز، يقوم على ما يتمه به ملاك الارض في ذاتية في ممارسة السلطة، والعدالة يحكم بها السيد الأكبر على تابعيه من السادة، ويحكم بها الشريف على فلاحيه. ويرتبط صعود طريقة الانتاج هذه بتحول كبير رغم بطئة في قوى الانتاج. وهذا التحول ادى الى زيادة انتاجية العمل الزراعي. وبعد ان يقدم طريقة الانتاج الاقطاعية، يعطي د. دويدار صورة للوحدة الاقتصادية ووصفاً للاقطاعية او الضيعة، والعلاقات بين أبناء المجتمع من خلال النشاطات الاقتصادية وكيف تجري عملية الاستغلال للقطعة الصغيرة التي تلزم عائلة الفلاح بالعمل طوال أيام الاسبوع ثلاث منها على ارض السيد. وفي هذه المرحلة يكون وقت عمل المنتج (عائلة الفلاح) موزعاً بين عمل لانتاج لمنتجات لازمة لاعاشته وتجديد قدرته على العمل، وعمل فائض يتبلور في كمية من الناتج يعيش عليها الشريف وغيره ممن لهم حق ملكية الارض او ممن يعيشون بفضل هذا التنظيم من دون ان يسهموا في عملية الانتاج، كرجال الدين، أي يتبلور في الريع العيني، وهو مما يؤدي الى ظهور التميز الاجتماعي بين الفلاحين، وفي مرحلة ثالثة، كما يشير د. دويدور مرتبطة بنمو التجارة وزيادة استخدام سادة الاقطاع للسلع الصناعية، وظهور الريع النقدي، الامر الذي يعني ان طبيعة طريقة الانتاج في مجموعها تبدأ في التحول، والتحول يتم من خلال التناقض بين الفلاحين وسادة الاض، تناقضاً ينعكس صراعاً بينهم حول الناتج الفائض.

ويشير المؤلف الى ان من طبيعة طريقة الانتاج الاقطاعية ان يتجزء المجتمع، وهذا التجزء وانعدام المركزية كانا من الدرجة بحث يستحيل معها على طريقة الانتاج هذه ان تتقدم بسرعة بفضل قواها الذاتية، ووصول طريقة الانتاج هذه الى حدودها في القرن الثالث عشر كانا اعلاناً لازمة الاقطاع التي لم يفق منها، والتي امتدت حتى القرن الخامس عشر وتطور طريقة اخرى للانتاج لا ترتكز مباشرة على الارض، وانما على الانتاج الصناعي الحضري، كانتاج للمبادلة النقدية يجد مركزه المدينة. ويغلب على الصناعة المنزلية شكل انتاج المبادلة البسيط، وتكاثفت عدة عوامل لتجعل من نظام الطوائف الشكل السائد للنشاط التجاري والحرفي، ويولد التناقض، وهذا التناقض، كما يشير د. محمد، بأنه احد التناقضات الاساسية طوال فترة الانتقال من التكوين الاجتماعي الاقطاعي الى التكوين الاجتماعي الرأسمالي.

ويتوقف الكتاب كثيراً عند دور الكنيسة ورجال الدين في المجتمع الاوربي في العصور الوسطى ودورها الاداري والفكري في القرن العاشر، عندما اصطلحت "نظام الرهبة" وهو نظاماً اقطاعياً، وقد تحقق للفكر الكنسي بكل تفاصيله، السيطرة على الحياة الفكرية في اوربا في المرحلة الاولى بسيادة طريقة الانتاج الاقطاعية. وفي مرحلة ثانية أصبحت الكنيسة أكبر مالك للأرض. وفي أزمة التكوين الاجتماعي الاقطاعي ظهرت تحت تأثير الفكر العلمي للعرب، افكاراً جديدة، عدتها الكنسية خروجاً عليها، كما يشير د. دويدار، ص 89، مما دفع الكنيسة الى تجنيد كل امكانياتها الفكرية ضد الفكر الجديد لمجتمع المدينة، هذا التجنيد وجد قمة بلورته في فكر المدرسين في جامعات اوربا، وعلى الاخص في فكر سان توماس الاكويني، ويتمثل جوهر فكر المدرسين في محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة، أي بين الايمان والعقل او بين الوحي ومحاولات تفسير الكون عن طريق نور العقل البشري، وهي محاولة تكمل في الواقع الصورة التي بدأها العصر القديم، واستمرت في الفكر الاسلامي طوال القرون من التاسع حتى الحادي عشر.

وفي ظل هذا الفكر اللاهوتي، يقول د. محمد دويدار، ولد بعض الفكر الاقتصادي، ودار هذا الفكر حتى القرن الرابع عشر حول فكرتين: الاولى حول ادانة الفائدة، والثانية، وهي الاهم، فكرة "الثمن العادل". هذا وقد شهدت الفترة الاخيرة من القرن الرابع عشر من فكر المدرسين ارهاصات فكر اقتصادي ينشغل بقضايا القيمة والاثمان والنقود المعدنية منها، والتبادل وبالتحركات الدولية للذهب والفضة وبالفائدة والربح، وهي مشكلات تتعلق بظواهر تنتمي الى طريقة الانتاج الرأسمالي الوليد. كما يشغل الكتاب حيزاً للحديث عن الفكر الاقتصادي العربي في القرن الرابع عشر في الصفحات 93 – 104، مشيراً الى المجتمع الاسلامي في شمال افريقيا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، واصفاً اياها مجتمعاً يقوم على انتاج المبادلة الصغير الذي يغلب عليه الطابع الزراعي، اي مجتمعاً يتم فيه الانتاج والمبادلة بواسطة صغار المنتجين الذين يملكون وسائل الانتاج، فيما عدا الارض. ويطرح المؤلف أمثلته عن مصر، ويركز على مثالين من الفكر العربي، الاول يتعلق بالظواهر النقدية عند فكر المقريزي، والثاني يخص ظاهرة القيمة كما يحللها ابن خلدون.

وفي الفصل الثاني، تحت عنوان "مولد الاقتصاد السياسي في المرحلة الرأسمالية"، يتناول د. دويدار جزء من المرحلة الرأسمالية، الذي يمتد من قيام طريقة الانتاج الرأسمالية الى النصف الاول من القرن التاسع عشر، ويشير لها في اطار مرحلتين من مراحل تطور طريقة الانتاج الرأسمالية، بما يقابلها من فكر اقتصادي، وهي مرحلة الرأسمالية التجارية، والتي تمثل الوسط التاريخي للفكر الاقتصادي للتجاريين ومرحلة الرأسمالية الصناعية التي شهدت مولد علم الاقتصاد السياسي، متحدثاً الى انه نمت بذور طريقة الانتاج الرأسمالية من خلال أزمة تفكك الاقطاع، ليتم التحول في مرحلة أولى من مراحل التطور الرأسمالي، غطت الفترة من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، وهي مرحلة انتقالية، تسمى بمرحلة الرأسمالية التجارية، نمو روابط الانتاج الجديدة (الرأسمالية) في الزراعة والصناعة ونمو التمايز الاجتماعي في داخل الفلاحين (المنتجين في الريف) وفي داخل الحرفيين (المنتجين في المدينة)، ونمو طبقة جديدة من المنتجين المباشرين (أغنياء الفلاحين وأرباب الحرف) مرتبطون بالسوق، مستخدمين الأفقر من الفلاحين والحرفين كعمال اجراء، ويكون المنتج قد يلعب دور التاجر. ويجري تركيز ملكية وسائل الانتاج بيد أقلية من كبار الملاك على حساب صغار الفلاحين والحرفيين. ويتبلور الاستقطاب الاجتماعي التدريجي وتميز الطبقتين اللتين تسودان المسرح في المجتمع الرأسمالي هما الطبقة الرأسمالية (البرجوازية) والطبقة العاملة (البروليتاريا). ويكون رأس المال قد قطع شوطاً كبيراً في سيطرته على الانتاج، ص 106. ويتحدث الكتاب عن مراحل تطور الانتاج الرأسمالية، ويحددها بثلاث نقاط هي (1) مرحلة رأس المال التجاري (2) الكيفية التي تم التحول في المجالات المختلفة للنشاط الاقتصادي (3) الفكر الاقتصادي كنتاج للمرحلة الانتقالية. ويتناول د. دويدار العديد من الافكار والآراء التاريخية وتاينها، مشيراً الى الرأسمالية الصناعية ومولد علم الاقتصاد السياسي وتطور الانتاج الصناعي واعلان الثورة الصناعية في انكلترا في منتصف القرن الثامن عشر، ويصبح التحول الكيفي للنشاط الصناعي في الاقتصاد القومي. بالاضافة الى الاشكالات العديدة التي يتبها المفكرون فيما يتعلق بالثروة والنقود وفائض الانتاج والتباينات بين المدارس الفكرية حول لك من الصفحات 107 حتى 160.

وفي الفصل الثالث "تطور علم الاقتصاد السياسي في المرحلة الرأسمالية ومرحلة التحول الى الاشتراكية". وفيه يحاول المؤلف تتبع الخطوط العامة لتطور الاقتصاد السياسي في الفترة التي تعطي النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، ص 161، ويتم ذلك، أولاً، الاقتصاد السياسي بعد التقليديين في الفترة التي تغطي النصف الثاني من القرن التاسع عشر والسنوات من القرن العشرين السابقة على الحرب العالمية الاولى. وثانياً: الاقتصاد السياسي وتعميق الازمة في الاقتصاد الرأسمالي، خاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين. وثالثاً الاقتصاد السياسي في وقتنا هذا. ويتناول الاقتصاد السياسي بعد التقليديين، مشيراً الى انه أدى تطور القوى الاجتماعية التي تمثل نقيض المجتمع الرأسمالي ونفيه، أي الطبقة العااملة في وجودها الى جانب الطبقة الرأسمالية، الى تحطيم وحدة البناء النظري الكلاسيكي، وأشار في خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتيارين أساسيين من الفكر الاقتصادي: التيار الاول، وإن يبدأ من التيار النظري للتقليديين يعني بناء نظرياً مختلفاً كيفياً عن بنائها، هذا التيار يمثل في ذات الوقت استمراراً وتعدياً للفكر التقليدي، الامر الذي يطور علم الاقتصاد بعد مولده، ذلك هو تيار الاقتصاد السياسي الناتج عن تحليل كارل ماركس. اما التيار الثاني فيمثل عودة الى التداول كمركز للاهتمام تاركاً العملية الاقتصادية بهيكلها وطريقة ادائها، ومنشغلاً أساساً بسلوك الوحدات الاقتصادية بدءاً من الحاجات، وإن كان يبدأ، في بعض الأفكار، التي توجد على هامش البناء النظري للتقليديين، ما يلبث ان ينسلخ عنهم مبتعداً بذلك عن العلم، ذلك تيار فكر المدرسة الحدية المسماة النيوكلاسيكية او الحديثة. في الصفحات 162 – 267، متضمناً الطلب والعرض وثمن السوق، رابطاً بين الطلب على السلعة وثمنها ودخل المستهلك بجداول ومنحينات افتراضية، لتوصيل الأفكار باستخدام أدوات رياضية واحصائية وبمعادلات آنية وتعابير بيانية في دراسته للتحليل الاقتصادي، وما في الاقتصاد السياسي وتعميق الازمة في الاقتصاد العالمي، وفيه يتحدث المؤلف الى ان الحرب العالمية الاولى شهدت تجربة من تجارب محاولة الانتقال نحو الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وهي محاولة للانسلاخ عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي الى شكل آخر من التنظيم الاجتماعي، ثم جاءت الازمة الاقتصادية الدولية عام 1929 بحدة لم يعرفها الاقتصاد الرأسمالي من قبل، الامر الذي دفع الدولة في المجتمعات الرأسمالية الى اجراءات تقصد بها معالجة الازمة، مسجلة بذلك بدء مرحلة من التدخل الكبير من الدولة في الحياة الاقتصادية، ليعلن عن ميلاد وتطور رأسمالية الدولة الاحتكارية. وعلى صعيد الفكر تجد النظرية الحدية عاجزة عن مواجهة الاقتصاد القومي. وبدأ الفكر الاقتصادي غير الماركسي يهتم من جديد بتحليل طبيعة النظام الاقتصادي وميكانزم ادائه وظهر تياران من الفكر الاقتصادي: التيار الاول، يتحدث حول مشكلات التخطيط والترشيد عند توزيع الموادر الاقتصادية، والتيار الآخر، يهتم بكيفية الاداء للاقتصاد العالمي، التي تحدد مستوى استخدام الموارد الاقتصادية الموجودة في المجتمع. ذلك الفكر تمثل في نظرية كنز الخاصة باداء الاقتصاد القومي في مجموعه، وفي الاقتصاد السياسي في وقتنا هذا، ص 270 يشير د. دويدار الى التحول الذي شهده الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، ويجد ثلاث عوامل وهي (1) زيادة الاهمية النسبية للمجتمعات التي تحاول بناء الاشتراكية وزيادة معدلات التطور المحدد، (2) ازدياد حدة حركة التحرر الوطين في المستعمرات وتفكك النظام الاستعماري في شكله القدين، (3) كف النظام الرأسمالي عن ان يكون النظام الاقتصادي الدولي ويصبح احد الانظمة الاقتصادية الدولية، وإن كان ما يزال الاقوى. وعلى صعيد الفكر الاقتصادي يشير المؤلف الى انه أدى الانشغال بمشكلات النمو في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، والرغبة في الخروج من التخلف في الاقتصاديات المتخلفة، ومشاكل التطور المخطط، أدت الى العودة للاهتمام في مجال التحليل الاقتصادي. وتعود نظرية التطور الاقتصادي من جديد بعد فترة من الخسوف النيوكلاسيكي، مركز الاقتصاد السياسي كعلم القوانين التي تحكم العلاقات الاقتصادية، والى التباين بين طريقة الانتاج الرأسمالية وطريقة الانتاج الاشتراكية. وينهي رحلته عبر تاريخ علم الاقتصاد السياسي من حيث تعريفه للاقتصاد السياسي او من حيث موضوعه ومنهجه. مشيراً الى ان هذا نتاج مفكرين مختلفين. مفكرون عاشوا المراحل المختلفة لتطور العلم، ونتاجهم النظري بمجموعة من النظريات يشير لها الكتاب، ص 273،. وفي الباب الثالث يتحدث عن الاقتصاد السياسي علم طرق الانتاج. وفيه ثلاث فصول. في الأول يتحدث عن مفهوم فكرة طريقة الانتاج، وفي الثاني في الخصائص الجوهرية لطريقة الانتاج الرأسمالية، وفي الفصل الثالث، الخصائص الجوهرية لطريقة الانتاج الاشتراكية.

أهم الآراء التي تناولها الكتاب

تناول الكتاب في الفصل الثاني في الصفحات 105، والتي يليها، مرحلة الرأسمالية التي يمتد قيام طريقة الانتاج الرأسمالية الى النصف الاول من القرن التاسع عشر. ويميز د. دويدار مرحلتين من مراحل تطور طريقة الانتاج الرأسمالية: المرحلة الرأسمالية التجارية، والتي تمثل الوسط التاريخي للفكر الاقتصادي للتجاريين، ومرحلة الرأسمالية الصناعية، التي شهدت مولد علم الاقتصاد السياسي. مشيراً الى ان رأس المال التجاري وجد في المجتمعات السابقة للرأسمالية، كالمجتمع الاقطاعي والمجتمع العبودي، وهي غطت الفترة من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، وفيها يتحدث الكتاب عن مراحل تطور طريقة الانتاج الرأسمالية، ويحددها بثلاث عناوين، هي (1) مرحلة رأس المال التجاري، (2) الكيفية التي تم التحول في المجالات المختلفة للنشاط الاقتصادي، (3) الفكر الاقتصادي كنتاج للمرحلة الانتقالية. وبعد ان يشرح بتكثيف حول المرحلتين السابقتين، يتوقف د. دويدار عند الفكر الاقتصادي، بدءاً من القرن الخامس عشر وتحت تأثير التحولات التي أصابت الحياة الاجتماعية الاوربية وفيه ينتقل مركز انشغال الفكر الانساني من القضايا الدينية الى القضايا الدنيوية، وتبرز بعض الافكار الاجتماعية الاقتصادية، منها يعلن عن الاقتصاد السياسي الجنيني وانشغاله بالنشاطات الاقتصادية الذي تحول الى مرحلة جديدة، مما عل الفكر الاقتصادي في هذه المرحلة من نتاج بعض رجال الاعمال والادارة وأطلق على هؤلاء بالتجاريين. وانحصر انشغاله بطبيعة الثروة، وأن النقود، خاصة الذهب والفضة، تعبر عن الجوهر في تكوين الثروة، والتركيز على خلق فائض الانتاج، ينظر اليه من وجهة التداول، بفائض نقدي (أي الربح)، ويمثل علامة في الميزان التجاري. اما التجاريين الأواخر، كما يشير المؤلف، فلم يعد هناك لبس، فثروة بلد ما تتمثل في نتاج الارض والعمل او الصناعة، اما الذهب والفضة فليسا إلا "مقياس التجارة". كما ويشير وبالرغم من ان هؤلاء المتأخرين من التجاريين يجدون الثروة في المنتجات البحث عنها في مجال الانتاج، لا المبادلة، ولكنهم يستخدمون حجة أخرى أصبحت ااتفاقية لتبرير اجراءات يعتبرونها مواتية على أسس مختلفة، تمثل الانشغال الذي اعطى طابعاً موحداً في البحث عن تحقيق ميزان تجاري موات للبلد. وهدفهم في ذلك هو ضمان سوق اضافية في الخارج لسلعهم لا في المعادن النفيسة. وطالبوا بتدخل الدولة لتنظيم الحياة الاقتصادية.

اما بالنسبة للتجاريين وموقفهم من الثمن وتحديده، فيشير المؤلف الى ان الصعب تسجيل فكرة عامة تمثلهم جيمعاً، ولكننا نستطيع ان نجد بعض الافكار حيث يقول ان اتساع انتاج المبادلة وسيطرة النشاط الصناعي فرضا على الباحث حقيقة من ان الظواهر الاقتصادية، وخاصة في مجال الاناج، تحكمها قوانين موضوعية يمكن ويلزم الكشف عنها، وإذا اضيف الجو الفكري الذي يسوده الانشغال العام بالمنهجية، انتج وعياً بامكانه استخدام علم الاقتصاد السياسي في هذه المرحلة، مشيراً الى رواد المدرسة التقليدية (الانكليز والفرنسيين) من امثال ويليام بتي وفرانسوا كينيه وآدم سمث ودافيد ريكاردو وبعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر يشاهد الاقتصاد السياسي بعد التقليديين تيارين، تيار يمثله كارل ماركس، وتيار المدرسة الحدية المسماة النيوكلاسيكية (او المدرسة الحديثة).

الاشكالية الاخرى، على ما اعتقد، ان المؤلف طرح الفكر الاقتصادي العربي في القرن الرابع عشر معتمداً ألا يدخل الفكر العربي تحت فكرة العصور الوسطى، وانما يقدمه من خلال دراسته المجتمع المصري، من خلال فكر المقريزي والمجتمع المغربي انطلاقاً من فكر عبد الرحمن ابن خلدون، وجوانب النشاطين المادي والفكري، لأنه يعتقد ان العصور الوسطى بما تتضمنه من مستوى حضاري "يتوافق مع نوع التنظيم الاجتماعي"، تمثل جزء لا يتجزء من تاريخ اوربا، التي كتبت التاريخ، ابتدأ من تاريخها هي، وبعد ان كتبت تاريخها، حاولت ان توسع تاريخها ليصبح تاريخ العالم، وهو ما يتعين رفضه، كما يشير د. دويدار، لأن لكل جزء من أجزاء المجتمع الانساني تاريخ. والقول "العصور الوسطى" العربية يعني التسليم ابان المستوى الحضاري للمجتمع العربي، بما احتواه من مجتمعات ذات حضارة قديمة، كالحضارة المصرية والبايلية والفينيقية، كان لا يختلف عن المستوى الحضاري للمجتمع الأوربي في العصور الوسطى، وهو ما ليس صحيح، ص 93.

ما هي روية المؤلف للاشكاليات المطروحة؟

الاشكالية الأولى:

ان تصورات د. دويدار عن المدرسة الكلاسيكية تكمن من ان تصوراتهم وأفكارهم حول "العلم" من انه متعلق بظواهر خالدة أبدية، وأن وصف الاقتصاد السياسي بالقوانين النظرية صفة الابدية، أي ان هذه القواين صالحة لكل زمان ومكان. في حين يرى د. دويدار ان تصور التقليديين في هذا الجانب يقفلون الحركة التاريخية للظواهر الاقتصادية، يغلقون حركة هذه الظواهر الاقتصادية من خلال التناقضات، التي تعكس الفكر الاقتصادي اللاحق على التقليديين إذ ما يلبث فكرهم المطروح ان يصبح محلاً لدراسات ناقدة وخلافية، وهذا ما يعلن عن تطور علم الاقتصاد السياسي.

الاشكالية الثانية: يناقش د. دويدار مسألة الريع (ويليام بتي، واعتباره الريع الشكل العادي للفائض بصفة عامة، بينما لا يزال الربح غير محدد. يظهر على انه في احسن الفروض ومكأنه جزء من الفائض ينتزعه الرأسمالي من مالك الأرض. وفي رأي بتي الناتج الكلي مطروحاً منه الاجور والبذور، الفائض المتحقق من الانتاج الزراعي. في حين ان رؤية المؤلف لمسالة الريع للأرض ينحصر في ان يتعين ان توضع وضعاً مختلفاً في اطار الانتاج الرأسمالي، حيث يوجد الى جانب مالك الارض الرأسمالي، الذي يقوم على النشاط الزراعي مستغلاً الارض استخداماً لوسائل انتاج أخرى يملكها ملكية فردية، وقد يجمع شخص واحد بين صفتي الرأسمال وصاحب الارض. كما يوجد الى جانبهما العمال الاجراء وتربطهم بالرأسمالي علاقة مباشرة، هنا ينتج العمال المنتجون المباشرون الناتج والجزء منه الذي يمثل الفائض، ويختص رأس المال نفسه بالفائض بطريقة مباشرة، وتحصل ملكية الارض في النهاية على جزء من الفائض في اطار الانتاج الرأسمالي. هذا ويتعين ان تطرح "مسألة الريع" من وجهة نظر هذا الانتاج الرأسمالي، ويكون السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: كيف يتأتى لملكية الارض (مشخصة فيمن يملكونها) ان تحصل من رأس المال (مشخصاً فيمن يسيطرون على عملية الانتاج) على جزء من الفائض، الذي اختص رأس المال نفسه به بطريقة مباشرة، من خلال علاقته بالمنتجين المباشرين (وهم العمال الاجراء)، الذي انتجوا هذا الفائض، ص 137.

الاشكالية الثالثة: في مناقشة الفكر الاقتصادي للمدرسة الحدية، يشير د. دويدار الى ان سبعينات القرن التاسع عشر شهدت بلورة للفكر الاقتصادي الحدي، والتي كانت بذورها عند بعض التجاريين، وأن الجيل الاول وأهمهم ويليام استانلي جفونس W S Jevons وماري لون فالراس M L Walrs والفرد مارشال Alfred Marshall وغيرهم، وتطور هذا الفكر في وسط تاريخي يتطور فيه النظام الرأسمالي ليكون النظام العالمي. وفي داخل هذه المجتمعات تتبلور القوى الاجتماعية، التي تمثل نقيض المجتمع الرأسمالي، وتطور تنظيمها "نقابياً وسياسياً" واعتنقوا مبادئ تنادي بالثورة الاجتماعية كهدف نهائي، واعتنقوا النظرية الماركسية، وخاصة نظرية العمل في القيمة، التي نجدها في تحليل ريكاردو الذي يستخدم االاستنباط كطريقة للاستخلاص المنطقي. ومن هنا كانت نقطة البدء كما المؤلف، نقطة البدء الايديولوجية، وغير العلمية، التي اعتقنها جفونس كبديل عن نظرية ريكاردو، من ان الاجور (أي العمل د. م) هي اثر لقيمة الناتج وليس سبباً لها. والتفتيش عن البديل جعلهم يعودون الى دائرة التبادل، على خلاف التبادل الذي اهتم به التجاريون (التبادل المرتكز على الانتاج، وتبادلهم يبداً من حاجات الافراد الاقتصاديين الي يهدفوون الى تحقيق أقصى اشباع للحاجات سواء كان للفرد المستهلك، او اقصى ربح نقدي (فيما يخص الفرد المنظم) الذي يتخذ قرارات الانتاج. وفي اطار التبادل يصبح موضوع الاقتصادي معلقاً بسلوك افراد من قبيل الرجل الاقتصادي، سلوكاً مجرداً من اطره الهيكلي فيما يتعلق بنوع المجتمع ونوع علاقات الانتاج السائدة فيه، فلا هيكل ولا أدائه في مجموعة يدخلان موضوع الاقتصاد كما يعرفه الحديون. وعلى هذا النحو، يستطرد د. دويدار، تعتبر العلاقات الاقتصادية علاقات بين الافراد والأشياء المادية، وصبح الاقتصاد بالتالي "علم، الندرة"، الامر الذي يعني ان العلاقات الاقتصادية ليست علاقات اجتماعية، وعلى هذا التصور للعلاقات الاقتصادية يجد انعكاسه في اعتبار علم الاقتصاد على حد تعبير باريتو علماً طبيعاً كالفسيولوجيا والكيمياء وغيرهما. وعلى هذا يتوصل د. دويدار الى ان الفكر الاقتصادي للحديين يعاني من عدة اشكالات، منها (1) اعتبار الفرد كمحرر لعلم الاقتصاد، (2) وتجاهل ان الذي يعيش الصراع ضد الندرة هو الممجتمع، ولس الفرد، (3) وهذا يعني بناء هذا التجاهل افراغ العلاقات الاقتصادية من محتواها الاجتماعي، إذ لا يرى هذه إلا علاقة بين الفرد والشيء، (4) تفريغ الظواهر الاقتصادية من محتواها ، اصيح من الطبيعي ان تتصور كظواهر ابدية، (5) الانشغال ينصب على المظاهر الكمية للظواهر متجالاً مظهرها الكيفي، وإذا لا توجد فروق كانت الظواهر واحدة في كل مراحل التطور الاجتماعي ظواهر أبدية، (6) يتعلق موضوع الاقتصاد بسلوك الأفراد من قبيل الرجل الاقتصادي، (7) كما وينصب اهتمامهم على سلوك الوحدات الاقتصادية، بكون تحليهلم ذي طبيعة وحدية، أي تحليلاً ينشغل بسلوك وحدة اقتصادية واحدة. فمن المنفعة الى الطلب الذي يتحدد بسلوك المستهلك في السوق (نظرية الطلب)، ومن الطلب الى العرض، الذي يحدد بسلوك صاحب المشروع في ظل ظروف السوق بأشكاله المختلفة (نظرية العرض)، ومن الاثنين تقدم نظرية تحديد أثمان السلع التي تخصص لاشباع الحاجات النهائية، والتي تسخدم في الانتاج او ما يسمونه عناصر الانتاج... الخ، باعتبار ان الروابط الاقتصادية بين الافراد عند ماركس هي روابط اجتماعية، والتي تنشأ على نحو ملموس في المجتمع وفكرة الرجل الاقتصادي مرفوضة، لان الظواهر تستمد صفتها الاقتصادية من انها علاقات اجتماعية تنشأ بين أفراد المجتمع، والنقد الثلث مرتبط بالثاني، وهو ان التقليديين يعتبرون الظواهر الاقتصادية، ظواهر أبدية لا تتغير، وهو ما يؤدي الى ان القوانين الاقتصادية النظرية صالحة لكل زمان ومكان. ويشير ماركس الى ان موضوع الاقتصاد السياسي مرتبط بعملية الانتاج والتوزيع بطبيعتها الديالكتيكية، والظواهر لها طبيعة ديناميكية، ومن ثم يكون للقوانين التي تحكمها ذات الطبيعة، فالحركة من طبيعة هذه الظواهر التي هي اجتماعي، وهناك ظواهر اقتصادية مشتركة بين اكثر من شكل من الاشكال الاجتماعية للانتا التادولي النقدي، حيث يجري التداول في المجتمعات السابقة على الرأسمالي، وظواهرنوعية يتميز بها كل شكل من الاشكال الاجتماعية للانتاج. ويمكن استخلاص نوعين من القوانين الاقتصادية، قواين عامة مشتركة لكل اشكال الانتاج، والقوانين النوعية التي تميز الاشكال المختلفة من الانتاج.

ويتفق د. دويدار مع شوميتر حول عدم حماس ارسكو للنشاط التجاري الذي كان محصوراً آنذاك في الاجانب، ويكره المقرضين الذين يتقاضون الربا. وينبغي التذكر بأن ارسطو عاش وكتب لطبقة مترفة لا تعمل، هي طبقة الارستقراطيين التي تحتقر العمل والتجارة، وتحب الفلاحين الذين يغذونها، وتكره مقرض النقود الذين يستغلونها. كما ويتفق د. دويدار مع ابن خلدون الذي يخالف المدرسيين حول "الثمن العادل" وليس الى تفسير الثمن الجاري في السوق.

الرأي في الكتاب

يشغل مؤلف د. دويدار "مبادئ الاقتصاد السياسي"، كما أرى، مكانة هامة في موضوع دراسة الاقتصاد السياسي، فهو يحتوي على مقدمة وأبواب وفصول وعناوين رئيسة وأخرى فرعية، تسهل للدارس والقارئ والباحث كيفية تناول الموضوع، موضفحاً فيها بعض الأفكار التي تتعلق بالنشاط الاقتصادي والاجتماعي، هذا النشاط المرتبط بالحياة اليومية للانسان، وفي الكتاب يحاول المؤلف ان يعرض الاقتصاد السياسي كعلم يرتبط بالعلوم الأخرى. ويكشف الجذور الاجتماعية المعرفية للمدارس الفكرية، على اختلاف تلاوينها، وكيف تطورن هذه الافكار والمذاهب خلال مراحل تاريخية متنوعة بأسلوب منهجي سلس، مدعوم بهوامش وحواشي ومعلومات ايضاً حيّة ومن مصادر مختلفة، عربية وغيرها. مشيراً الى ان هذا العلم تكون بفضل جهود اعداد كبيرة من المفكرين في مجتمعات مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، رغم ما يكتنف البعض من اشكالات.

ويمكن ان نجمل ملاحظاتنا بـ: (1) يشكل موضوع علم الاقتصاد السياسي، حيزاً واسعاً في كتاب د. ديويدار، فهو من ناحية يعطي تصوراً منهجياً للآراء الفكرية والنظية المتباينة، على اختلافها، وفي مراحل تاريخية معينة، حول هذا العلم. (2) ومن الناحية الثانية، يشرح مفهوم الاقتصاد السياسي، كعلم اجتماعي، ومن مدارس فكرية متنوعة، له حضوره ومساهماته العملية في التطور الاجتماعي. ويكشف فيه عن الانماط الاجتماعية المختلفة ومراحل تطورها التاريخي الذي مر بها المجتمع البشري والانساني، يقدر من انه يحرص على ثبيت مفاهيم ومقولات اقتصادية مستمرة ومتكرّرة هي: العمل، التبادل، السلعة، القيمة، النقود، السعر، السوق، رأس المال، الاجور، الريع، الفائدة، الربح.. الخ. وما بين هذه تظهر علاقات أخرى وفي ظروف محددة مثل قانون العرض والطلب، وعلاقتها بالسوق واستعداد الناس لتبادل السلع، وتناولها من مختلف المدارس الكلاسيكية ونيوكلاسيكية (نظرية ماركس: فائض القيمة، والنظرية الحدية.. وغيرهما) والكشف عن القوانين والافكار للاقتصاد السياسي من خلال المراحل التاريخية التي حركت المجتمع، والقوانين التي تحكم مراحل التطور التاريخية. عارضاً جميع الافكار والرؤى المختلفة والناقضات فيما بينها. مشيراً الى موقف المؤلف منها، متفقاً او مخالفاً. (3) يعتمد المؤلف على وثائق ومعلومات تاريخية وآليات بحث عملية تفرز من التحليل والجهد العلمي في معرفة الحاضر من خلال الوقوف على ما انتجه الماضي، وصولاً الى المستقبل. شارحاً بهوامش عديدة بعض أفكاره في مواضيع محددة، يحتويها الكتاب. (4) طريقته في البحث تعطي مساحة معرفية للدارس، يتمكن من خلالها الاستيعاب في فهم الأفكار والارشادات التي تدعو الى عدم التمسك بالنصية وباستخدام المنهج الناقد، بالاضاة الى ما يحتويه الكتاب من تحليلات تعتمد على أدوات رياضية واحصائية وأخرى ديمغرافية. وهذه على ما نعتقد تمكن الدارس او الباحث على مقاربة الافكار ومن المزاوجة بينها للوصول الى نتائج ملموسة، تساعده في الاختيار الصحيح، لاي من المناهج والطرق في البحث والتحليل، يمكن تناوله.

اما ملاحظاتي الاخرى على الكتاب فيمكن تلخيصها بـ:

1. التبويب الذي وضعه د. ويدار في مؤلفه "مبادئ الاقتصاد السياسي" مقسم الى ثلاث أبواب. في الباب الاول تحت عنوان "الاقتصاد السياسي كعلم" وبعد ان يعالج هذا العلم بثلاثة فصول، يثبت من علمية الصفحات عشرة حتى الواحدة والستين. وبعد مسيرة طويلة وفي الباب الثاني بعنوان "تاريخ الاقتصاد السياسي" وفيه تتم علمية الاقتصاد السياسي، وتحديد في الفصل الثاني "مولد علم الاقتصاد" أي بمرحلة الرأسمالية الصناعية، التي يشير لها المؤلف، ص 105. وملاحظتي هنا كان يمكن للمؤلف ان يتناول في البداية "تاريخ الاقتصاد السياسي" ومن ثم الاقتصاد السياسي كعلم". وعلى ما اعتقد ان تناول التاريخ الاقتصادي والفكر الاقتصادي، في هذا تحظى بالاهمية اولاً، وثانياً اثبات علمية هذا العلم، تجنباً للالتباس على الدارس والباحث، وايضاً القارئ. وهذه الملاحظ ايضاً تصب في نفس الملاحظة، ص 63، التي اشار فيها د. دويدار من ان ما يهمه هو تاريخ علم الاقتصاد وليس تاريخ الفكر الاقتصادي على اطلاقه.

2. لم يعط المؤلف مساحة اكبر لفكرة افلاطون، باعتباره علامة هامة في التراث الفكري الانساني، ومصدر الهام فكري للكثير من اهلباحثين والمفكرين من بعده يقرون، بالمقارنة لما اعطاه من مساحة لارسطو في الفكر الاغريقي. يعود الى افلاطون اصل نشوء الدولة، مؤلفه "الجمهورية، ومجتمع المدينة الفاضلة"، كما ويرجع اليه التقسيم الطبقي للمجتمع (طبقة الحكام، طبقة المحاربين، طبقة المنتجين) وكذلك تقسيم العمل داخل مجتمع المدينة. كما عالج قضية النقود المرتبطة بعملية تقسيم العمل، وظهور المنتجين مع منتجاتهم في السوق، حيث تجري ملية التبادل باستخدام النقود.

3. ككما لم يتحدث الكتاب عن المجتمع الروماني وتأثيره، واغفال هذا التراث الضخم في ميدان القانون، على ما أعتقد، يشكل ثغرة كبيرة، وفراغ كان يمكن ان يتجاوزه المؤلف، حيث يشير شوميبتر "ان القانون الروماني قد أثر بشكل عميق في الفكر الاقتصادي في العصور اللاحقة"، ولعل اهمها "فكرة القانون الطبيعي"، التي احتلت مكانة هامة في الفكر الاقتصادي منذ القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين، والذي اعتنقه المفكرين الفيزوقراطيين (الطبيعيين) والكلاسيكيين في عصور لاحقة. وهذا لا يعني الاتفاق حول هذا القانون، ولكنه امانة في عرض التاريخ. كما دعوا الى تطبيق "القانون المدني، وقانون الشعوب، ونظرية العقد، التي تنظم العقد، التي تنظم المعاملات في السوق. وفي هذه الافكار ظهرت قدسية الملكية، كما يشير لها الكثير من المؤلفين، التي بررت التوزيع غير العادل للثروات والى التباين في انعدام المساواة بين المواطنين. صحيح انهم لم يخلفوا تراثاً فكرياً في بحث المشكلات الاقتصادية، لكنهم ايضاً اهتموا بالزراعة واعتبروها أنبل حرفة، كما اعتبروا التجارة والصناعة حرفتين نبيلتين، وأكدوا مشروعية تحقيق الربح. وأعتقد ان هذا التراث هام ومفيد للدارس والباحث كلاً على السواء.

4. ورد في ص 93: الفكر الاقتصادي العربي في القرن الرابع عشر، وفيه قدم المؤلف الفكر العربي، متوازناً بدراسة المجتمع المصري (فكر المقريزي) والمجتمع في المغرب (فكر ابن خلدون)، وفي ملاحظة منه يشير في الهامش بأنه تعمد ان لا يدخل الفكر العربي تحت فكرة "العصور الوسطى" لان العصور الوسطى، بما ضمنته من مستوى حضاري "بتوافق مع نوع من التنظيم الاجتماعي"... الى آخره من وجهة النظر، وصولاً الى القول "بالعصور الوسطى العربية، لقي التسليم، بأن المستوى الحضاري للمجتمع العربي (بما احتواه من مجتمعات ذات حضارات قديمة كالحضارة المصرية، البابلية، الفينيقية)، كان لا يختلف عن المستوى الحضاري للمجتمع الاوربي في العصور الوسطى، وهو ما ليس صحيحاً. قد نتفق مع د. دويدار من انه لا يوجد منهج او تفكير لتسليط الضوء على جانب من حقيقة تاريخية هامة من تاريخنا وفكرنا الاقتصادي، لوضع الفلسفة الاسلامية والعربية وغيرها (البلدان العربية عاشت فيها شعوب عديدة ومن ديانات متنوعة)، وهنالك تساؤلات عديدة، علينا الاجابة حولها، لا ان نصفها بالشكل الخاطئ الي وضعه د. دويدار، (الفكر العربي في القرون الوسطى). وربط ذلك بالحضارات القديمة (البابلية والمصرية) وغيرها من صينية وهندية، وهذه الحضارات أقدم من الحضارة اليونانية والرومانية، التي يجري البحث حولها. كما ويشار بأن هناك تراث فكري ساد بين نهاية القرن التاسع الميلادي ونهاية القرن الثاني عشر من سمرقند الى قرطبة، وضم فلاسفة كانوا يكتبون غالباً باللغة العربية، منطلقين من التراث اليوناني (فكر افلاطون وأرسطو)، وبلغ هذا الفكر المناطق الحديثة بالفتح الاسلامي بلوغاً متأخراً من الزمان، وبالاضافة الى المقريزي وابن خلدون، هنالك ايضاً الكندي والفارابي وابن رشد وابن سينا وابن باجه وابن طفيل وغيرهم. ولا يقتصر الكلام كونهم ناقلين لهذا التراث، وانما تأثيرهم الفكري بلغ الاندلس والغرب، وتأثرت به الحركات الصوفية والاسماعيلية في الشرق. ونكران ما قدمته هذه الفلسفة واختصار جهودها على نقل الفلسفة الاغريقية والهيلينية الى الغرب غير دقيق ومجحف. وهنالك دلائل كثيرة على ابداعتهم لا نجد وقتاً كافياً للخوض فيه. اما ما يتعلق بنمط الشرق القديم وليس العربي، كما ذهب اليه د. دويدار، فهنالك اجتهادات عديدة للمؤرخين والباحثين، قسم منهم يقتصرون النظام العبودي على تاريخ اوربا فقط واستبعاد انطباقه على تاريخ الشرق القديم (الأدنى والاقصى). وهناك طروحات أخرى تستبعد بلداناً شرقية معينة من سريان النظام العبودي، وربما منهم د. دويدار. إلا ان هنالك دراسات أخرى تؤيد عمومية النظام المذكور في العصور القديمة، وتعتبر النظام الاقطاعي الذي ساد الشرق القديم، هو شكل من أشكال العبودية، مع بعض المميزات الخاصة نتيجة بقايا مخلفات المجتمعات البدائية، ولا يمثل هذه الدراسات إلا الرأي الآخر الذي يرجح كون النظام الاجتماعي للشرق القديم كان نوعاً من القنانة الاقطاعية Selvage.

5. وردت مفردات ص 20، حول تقسيم العمل البدائي بين الجنسين (عمل المرأة في مكان الاقامة وعمل الرجل في النشاطات تستلزم البعد عن هذا المكان..)، وفي ص 66 و67 النشاط الصناعي، العمال الاجراء، ص 75، وفي مكان آخر ييساوي بين نشاط التاجروالمنتج الصغير، مع استخدامه القوى العاملة في أكثر من مكان وليس "قوة العمل" ورأس المال تستخدم في المجتمعات العبودية والاقطاعية.

· حول تقسيم العمل البدائي بين الجنسين، أميل الى رأي د. ابراهيم كبة، الذي يشير فيه "احتلت المرأة دوراً هاماً في المرحلة الاولى من النظام العشيري بسبب شروط الحياة المادية نفسها، إذ كانت الزراعة البدائية والتدجين البدائي (وهما اختصاص المرأة) أهم من الصيد من الناحية الاقتصادية، وهو التقسيم الطبيعي" أي تبعاً للجنس (رجال ونساء) والسن، الصيد من اختصاص الرجال كما ذكرنا، وجني النباتات والاهتمام بشؤون المنزل والزراعة من اخصاص النساء، مما أدى الى زيادة انتاجية العمل.

· فيما يتعلق ببعض المقولات او المفردات علينا تتبع آثارها التاريخية، كما يقول ماركس، وهو في هذا الصدد يشير في "رأس المال" الى انه يتقضي تحول المنتوج الى سلعة قيام ظروف تاريخية خاصة، فإذا أريد لمنتوج ان يصبح سلعة يلزم ان لا ينتج لغرض اشباع حاجات المنتج مباشرة لاشباع حاجته الى وسائل العيش. ومن الناحية الاخرى، نرى عندما ننتقل الى البحث عن النقود ان وجودها يتفرض مسبقاً تطور تبادل السلع، وتوفر ظروف تاريخية لوجود رأس المال، ينشأ تطوراً مهما، وليس كذلك حال رأس المال، إذ لا يكفي مجرد ظهور تداول السلع والعملة النقدية لتوافر الظروف التاريخية الضرورية لوجود رأس المال، انه لا ينشأ إلا حيث يجد مالك وسائل الانتاج ووسائل العيش في السوق عاملاً حراً، يعرض قوة عمله للبيع، وهذا الشرط التاريخي الواحد ينطوي على تطور كامل من التاريخ العالمي، إذ ان بواكير رأس المال تشير بحقبة جديدة في عملية الاجتماع الاجتماعي. وهذا، بتقديري، ينعكس على رأس المال التاجر، حيث يقول ماركس (ن – ب – نَ) الشراء بغية البيع بسعر أرفع، يظهر بصورة اوضح في حركة رأس المال التجاري، ومن جهة أخرى تتم هذه الحركة بكاملها في نطاق الرواج، ولكن نظراً الى انه يستحيل ان نفسر بالرواج نفسه تحول النقد الى رأس مال، ونشوء قيمة زائدة، فرأس المال التجاري يبدو مستحيلاً منذ ان يجري التبادل بين أشياء متعادلة، ولا يبدو انه يمكن ان ينتج إلا من الربح المضاعف الذي يجنيه التارج، الذي يتدخل كوسيط طفيلي بين منتجي البضائع بوصفهم مشترين وبائعين، وانما بهذا المعنى كما يقول بنيامين فرانكلين "ليست الحرب إلا لصوصية، وليست التجارة إلا خداعاً وغشاً"، وكما يشار ان نشوءه جاؤ نتيجى اللامساواة في تكوين الاسعار في ممارسة التبادل غير المتكافئ المنتزع من المنتجين. كما ان التجارة عند ارسطو لا ترتكز على طبيعة الاشياء وانما خدا متبادل. وعند انجلس "ان الفرق بين القيمة الواقعية والقيمة التبادلية مؤسس على هذا الواقع، وهو ان قيمة شيء من الأشياء تحتلف عن المعادل المزعوم الذي يعطي لقاءه في التجارة، وهذا يعني ان هذا المعادل ليس معادلاً".

· كما ان د. دويدار يقع في خطأ عندما يساوي بين المنتتج الصغر وعمل التاجر، الاول لا يبني انتاجه على استغلال الآخرين، وهو ينتمي الى نمط الانتاج البضاعي البسيط، الذي يتمثل في "انتاج الحرفيين والفلاحين". والتاجر لا يدخل عملية الانتاج وإنما يدخل كوسيط طفيلي بين منتجين، وبالمواصفات التي أشير لها من قبل.

· من فكرة طريقة الانتاج الى فكرة التكوين الاجتماعي، ص 294، يعطي د. دويدار بعض التصورات حول تكون الكل الاجتماعي، اي التكوين الاجتماعي، يشير للتصور الاول، المرجع فيه مؤلف اوسكار لانجه "الاقتصاد السياسي" ترجمة راشد البراوي – دار المعارف – القاهرة – 1966 – الباب الثاني، والنسخة المتوفرة لديه لمؤلف اوسكار لانجه المذكور هي من تعريب وتقديم الدكتور محمد سلمان حسن – طبعة ثالثة منقحة – تموز 1978 – الفصل الثاني – وفي ص 65 "فكرة النظام الاجتماعي: الاساس والتركيب الفوقي"، وفيه يشير اوسكار لانه "يطلق التركيب الفوي The Superstructure لأسلوب انتاج معين على ذلك الجزء من العلاقات الاجتماعية (خارج علاقات الانتاج) والوعي الاجتماعي الذي لا غنى عنه لوجود اسلوب الاناج نفسه. ويدعى اسلوب الانتاج وتركيبه الفوقي كلاهما بالكيان الاجتماعي Social Formation او النظام الاجتماعي Social System، كما تدعى علاقات الانتاج الملائمة لنظام اجتماعي معين بالاساس الاقتصادي Economic Base، ولا يشمل التركيب الفوقي جميع العلاقات الاجتماعية الواعية، ولا مجموع الوعي الاجتماعي لمجتمع معين، انه ينطوي على تلك العلاقة الاجتماعية الواعية فقط... الخ. كما ويشير لانجه الى ان هذه المصطلحات وغيرها تعود الى ماركس، وهذا التصور لم أجده في مؤلف د. دويدار، حقيقة، الاشكال لربما يعود للطبعات او الترجمة. والنقطة الاخرى بهذا الصدد تعود للسبيل او التصور الثالث، الذي أبداه المؤلف، ص 298، وهو انني لم احصل على مصادر تؤيد او تناقض ما ذهب اليه د. دويدار، يضاف الى ذلك لا توجد لديّ نسخة من كتابه "الاقتصاد المصري بين التخلف والتطوير" –اصار دار الجامعات المصرية – الاسكندرية – 1980، ولذلك سأترك الموضوع جانباً على ان أعود اليه متى توفرت المصادر.

· على ما يبدو ان مؤلف د. دويدار "الاقتصاد السياسي" – الجزء الاول، هو كتاب تدريسي للطلبة المصريين، حيث يشير ص 42 فالانتاج الزراعي الذي تقوم به عائلة الفلاح في ريفنا المصري.. الخ وفي أكثر من مكان، فهو معني في التجربة المصرية.

· الكتاب صدر عام 1993، وهنالك متغيرات عاصفة حصلت على الساحة الدولية، وخاصة في النظامين الرأسمالي والاشتراكي، ودخلت مفاهيم جديدة، وفي ميادين عديدة، وفي المقدمة منها الاقتصاد السياسي. لم نجد اي ملمح لها في مؤلف د. دويدار.

· الاستنساخ للكتاب غير جيد، وهنالك الكثير من العبارات غير مفهومة او تصعب القراءة، وبعضها مطبوع بحروف كبيرة وأخرى صغيرة يصعب قراءتها.

· هذه الملاحظات السريعة لا تفقد الكتاب أهميته الدراسية والجرأة في الطرح، رغم ما يكتنفها من غموض.

الخلاصة

اتسم مؤلف د. دويدار "مبادئ الاقتصاد السياسي" بالكثير من القراءات النقدية للمدراس الفكرية التي تناولها في كتابه، الذي احتوى على 343 صفحة. وواضح من عرضنا هذا ان د. دويدار يحاول ان يتعارض مع بعض الآراء والمفاهيم، مع المردسة التجارية والكلاسيكية وخارج صفوف المدرسة الحدية. كما علينا الاشارة الى دوره الكبير في الاقتصاد المصري من خلال مؤلفاته الكثيرة، يضاف الى منهجيته العلمية، إلا ان اعتقادنا بذلك لا يعني ان د. دويدار، وهو يطرح أفكاره الجريئة المستمدة من تجربته المصرية، لا تضعه في اشكالات، ولا يعني ان نضعه في خانة اليسار المصري... مثل الاشكال حول القرون الوسطى، وتميزها عربياً او مصرياً، او ما جرى في الاشارة اليه في الكتاب حول فكرة طريقة الانتاج الى فكرة التكوين الاجتماعي، التي نعتقدها بحاجة الى عمق أكبر، بالاشارة منه، ص 302، ومن هنا كان حرصنا على ابراز المنجية التي ابتغيناها، والتي ينضح باستخدامها في تحليل المواقف المحددة، اكثر من ابراز النتائج التي توصلنا اليها، رغم حيوية هذه الأخيرة. أي انه يطرح أفكاره من دون ان ينتظر النتائج، وهنا على ما اعتقد منبع الخطر. غير ان ورود هذه الأفكار وغيرها لا يلغي حقيقة ان د. دويدار كان واحداً من الاقتصاديين المهمين في علم الاقتصاد، الامر الذي يجعله في مقدمة الاقتصاديين الذين اغنوا الاقتصاد المصري، الى جانب عدد من الاقتصاديين المصريين المرموقين منذ الستينات. وهو يمتلك سعة أفق ومعارف غنية، سمحت له بمعالجة عدد من المسائل الاقتصادية، ولو بعجالة، ولكنها لا تخلو منم التحليل، ولعل اهمها، القيمة ونظرية العرض والطلب، وطرق الانتاج، ولكني لم اتوصل الى اي من المدارس الفكرية ينتمي المؤلف، بقدر من اني وجدت ان د. دويدار يسعى لتشكيل تكوين اجتماعي محدد تاريخياً، للمجتمع المصري. وهو القائل في المقدمة "لا بد ان يكون لنا منهج ناقد يدفع بروحنا الى ان تكون نافذة ويحمينا من وثنية الفكر إياً كان مصدره".

عباس الفياض

لندن

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار