الاثنين، 22 مارس، 2010

كتاب "الاقتصاد السياسي" – الجزء الثاني – القيمة والتوزيع

كتاب "الاقتصاد السياسي" – الجزء الثاني – القيمة والتوزيع

للدكتور رفعت المحجوب

فكرة عامة عن المؤلف والكتاب

يحتوي كتاب "الاقتصاد السياسي" – الجزء الثاني – القيمة والتوزيع للدكتور رفعت المحجوب، استاذ الاقتصاد – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة – اصدار دار النهضة العربية – رقم الايداع 2265 سنة 1980، الذي يتضمن الكتاب الاول ومقدمة وأربعة أبواب وخمسة فصول وثمانية عشر مبحث بـ 314 صفحة من الحجم المتوسط عدا الفهرست. وفي المقدمة يضع عنوان كبير "أهمية نظرية القيمة ومعنى القيمة في النظرية الاقتصادية، وفي الفكر الاقتصادي التقليدي"، وهو مبحث في قيمة الانواع المختلفة من الدخل (الأجر، الفائدة، الريع، الربح، كما يبحث في القمية وفي القوى التي تحكم قيمة السلعة، وتلك التي تحكم قيمة الانواع المختلفة من الدخل، الاجور، الفائدة، الريع والربح. وفي الباب الاول يبحث في النظريات المفسرة للقيمة. وفي الباب الثاني يضع الطلب ونظرية الاستهلاك، وفي الباب الثالث العرض، وفي الباب الرابع يبحث في تكوين الثمن. والكتاب الثاني التوزيع مع مقدمة.

يتناول المؤلف المواقف النظرية والفكرية لبعض ممثلي الاتجاه التقليدي والحدّي فيما يتعلق بالقيمة وفائض القيمة والارباح والاجور والفائدة والريع، في سياق ابحاث لممثلي الفكر التقليدي المدافع عن النظام الرأسمالي والتطور التاريخي لها وتحولها الى نظام اجتماعي، خالي من التناقضات ومعالجات الخلل الذي يصيب بعض أفكار النظرية التقليدية، وهي أفكار مطروحة معارضة لمفهوم ماركس عن التطور الاجتماعي، وعن نظريته في فائض القيمة والاجور والتوزيع للدخل. وعلى الرغم من هذه المعالجات لعدد من المسائل الاقتصادية قد متفرقة ومتناثرة واحياناً غير مفهومة إلا انها لا تخلو من الاهمية، كما سيلاحظ الدارس او الباحث، ان عدد من الافكار لا زالت محل بحث دائم ومستمر من قبل الاقتصاديين على اختلاف مدارسهم الفكرية، وبشكل خاص ما يتعلق بالقيمة والنقود والاجور وكمية العمل ونفقة الانتاج، وكيف وسعها التقليديون باعتبارها مجموعة من القيم في حين ان الماركسيين قصروها على العمل وحده، كمية من العمل الذي يلزم بذلها للحصول على السلعة. وفي الباب الثاني، وتحت عنوان الطلب "نظرية الاستهلاك"، يفرق المؤلف بين أربعة أنواع من الطلب، محللاً الطلب ونشأته، اي كيف تتحول الحاجة الى الطلب، وكيف يقرر المستهلك شراء سلعة، وبعض الآراء المطروحة بالكتاب حول الطلب. وفي الباب الثالث يعرف المؤلف معنى العرض للسلع وثمنها وظروف عرضها والمرونة التي تحلى أنواع العروض وكيف يتكون العرض الفردي ونفقات الانتاج والأفكار المطروحة حول العرض والطلب من مختلف المدارس التقليدية والحدية. وفي الباب الرابع يطرح مسألة تكون الثمن والنماذج المختلفة للأسواق.

وفي الكتاب الثاني يبحث في مسألة التوزيع وفيه يتحدث بعد المقدمة عن الريع في الفصل الاول وعن الاجور في الفصل الثاني، وعن عرض وطلب العمل وتحديد الاجر ونظريتا ريكاردو وماركس في الأجر، وفي الفصل الثالث يتحدث عن الفائدة ونظريتا "التقليديين وكينز" في الفائدة. وفي الفصل الرابع والاخير يتكلم عن الربح وآراء المدارس الفكرية المختلفة حول تشكله...

الكتاب مخصص للدراسين والباحثين، على ما أعتقد، للطلبة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.

منهجية الكتاب

تناول المؤلف في الكتاب الأفكار والآراء والنظريات التي تتعلق في القيمة والتوزيع من مختلف المدارس الفكرية، بقراءة منهجية علمية معتمداً على مصادر كلاسيكية وأخرى حديثة، محدودة، من دون ان يتوسع فب الموضوع مع بعض الاضافات المعرفية المقتضبة هنا او هناك وفي مناهج ومذاهب فكرية التي تساعد الى حد ما في توضيح واثبات او اغناء الأفكار في الدراسة المطروحة، في هوامش الكتاب، لكنه لا يخفي مخالفته مع هذه الفكرة او تلك، والنقد الذي اتبعه د. المحجوب يطال حتى الذين يتفق معهم او يتعاطف مع أفكارهم في النهاية. فهو قد اختار بعناية بعض المفكرية ومن مدارس مختلفة مثل آدم سمث وريكاردو والتقليديين وكارل ماركس بالاضافة الى كينز وغيرهم.

وحاول ان يسقط كثيراً من الخلافات بين الكتاب حتى يصل الى ما يفيد مشتركاً في الفكر التقليدي في نطاق القيمة او في غيرها من المفردات قيد الدراسة، مقدراً ان محاولته هذه هي محض انتقاد، سوف يؤاخذ عليها، لانها لا تعبر عن ايهم من الحجج المتبعة تحظى بالافضلية. لكنه يستدرك فيقول انه من المفيد اللجوء لتلك المحاولة، بقوله فيتحدث عن نظرية تقليدية ونحن بصدد عرض الفكر الاقتصادي. وينبه المؤلف الى ان مثل هذه المحاولة لا تقتصر على نظرية القيمة وحدها، بل أصبحت مألوفة في مختلف النظريات الاقتصادية. ويضع في خطة بحثه ودراسته للقيمة في الكتاب الاول من اربعة أبواب، يدرس فيها في:

الباب الأول: النظريات المفسرة للقيمة

الباب الثاني: نظرية الطلب

الباب الثالث: نظرية العرض

الباب الرابع: تكون الثمن

وشغلت الابواب الثاني والثالث والرابع حيزاً كبيراً من صفحات الكتاب من 52 – 252. وفي الكتاب الثاني يدرس التوزيع، في الفصل الاول منه يضع الريع، والفصل الثاني الاجور، وفيه ثلاثة مباحث، ويطرح فيه نظريات ريكاردو والحديين وماركس في الاجور. وفي الفصل الثالث يدرس الفائدة ويناقش نظريات التقليدين وكينز ومارشال وغيرهم. وفي الفصل الرابع يتناول الربح والنظريات المختلفة حوله، ماركس والحديين وآدم سمث وريكاردو وكينز. ومنهجية المؤلف او طريقته في التناول على الرغم من الملاحظات حولها، أي انها استطاعت ان تختار طريق الى حد ما سليم في مناقشة الافكار المطروحة، ورغم محاولة المؤلف ان يضع الحيادية في التناول، لكنه لا يقف بنفس المسافة عند كل نظرية او مفكر. وهذا ما ستناوله لاحقاً في ملاحظاتي حول الكتاب.

أهم الاشكاليات التي تناولها

الاشكالية الاولى هي نظرية القيمة، باعتبارها من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل في الفكر الاقتصادي، والاشكالية تحدد في قيمتها الاستعمالية او التبادلية، ومن داخل المدرسة التقليدية بين آدم سمث او ريكاردو او جيفونز والمدرسة النمساوية، وما الاهمية الاقتصادية بالنسبة للفرد او الجماعة، وأي منهما تعتبر قيمة شخصية وأخرى موضوعية، وما هي القوانين التي تحكم المنفعة، وما قيمة المبادلة او القوة الشرائية للمال، اي القدرة على التبادل، والعلاقة بين قيمة الاستعمال بقيمة التبادل، وتأثير هذه العلاقة في نظرية القيمة، وما هي النفعة من كل ذلك التي تحدد اساس القيمة، وفيها وبعد ان يعرض المؤلف النظريات المفسرة للقيمة، التي اعتمدت على نفقة الانتاج، يرى ان هذه النظريات (التقليدية والماركسية) اختلفت في تحديد مضمون هذه النفقة، إذ اتجهت النظريات التقليدية فيما يتعلق بنفقة الانتاج بالمعنى الواسع ليشمل كل عناصرها، على انها مجموعة من القيم، وهي قيم أموال الانتاج التي تسهم في الحصول على المنتجات، بينما قصرها الماركسيون، على حد قول المؤلف، على عنصر العمل وحده، على انها كمية من العمل، التي يلزم بذلها للحصول على السلعة.

فنظرية آدم سمث في القيمة التي فرقت بين الثمن الاسمي او الثمن الجاري او ثمن السوق او الثمن الحقيقي بالنسبة للقيمة، وأن الثمن الجاري يتوقف على العلاقة بين العرض والطلب، وأن الثمن الحقيقي يتوقف على الألم الذي يلزم تحمله للحصول على هذا الشيء. وأبدى في دراسته للقيمة بملاحظة هامة، وهي ان الاشياء التي تمتع بقيمة استعمال كبيرة لا تكون لها عادة إلا قيمة مبادلة صغيرة، او لا تكون مثل الماء، أشياء لها قيمة استعمال صغيرة عادة ما تكون قيمة مبادلة كبيرة مثل الماس، وخلص ان مضمون الالم يتوقف على مدى بدائية الجماعات وتمدينها، في المجتمع البدائي خلص الى ان كمية العمل هي أساس القيمة، وفي المجتمع المتمدن رفض كمية العمل وخلص الى نفقة الانناج هي تفسر القيمة.

اما نظرية ريكاردو في القيمة، فهو ينصرف الى التعارض بين مقدار المنفعة ومقدار القيمة، والى استبعاد المنفعة في تحديد قيمة المبادلة، وهو يفرق ايضاً بين القيمة الجارية والقيمة الحقيقية، وأن القيمة الجارية تتوقف على العلاقة بين العرض والطلب. اما الحقيقية، فقد فرق بين نوعين من السلع: (1) السلع التي لا يمكن مضاعفة عرضها و(2) السلع التي يمكن مضاعفة عرضها، مثل التماثيل والصور والكتاب النادرة تتوقف على ندرتها النسبية الا ان قيمتها تتحدد بكمية العمل اللازم للحصول عليها والتي تشتمل عنصر المال، باعتباره عملاً غير مباشر في نظرية ريكاردو، كما وييستبعد الريع في تحديد القيمة.

اما نظرية ماركس في القيمة، فتحدد قيمة السلعة فيها بكمية العمل التي تبذل فيها، وخلص الى ان القيمة تتحدد بكيمة العمل، او بمدة العمل اللازمة في المتوسط، أي بمدة العمل اللازمة اجتماعياً لانتاج المنتجات. ويعرف ماركس مدة العمل اللازمة اجتماعياً، بأنها المدة التي يتطلبها كل عمل يتم بواسطة درجة متوسطة من الكفاءة وفي ظروف تعتبر عادية بالنسبة لوسط اجتماعي معين. ولذلك فان القيمة هي العمل، وعلى ذلك فان منتجات الطبيعة التي لا يدخلها عمل لا تكون لها قيمة، وأن المنتجات التي تحتوي على كميات متساوية من العمل، او التي يمكن ان تنتج من المدة نفسها يكون لها نتيجة لذلك قيمة واحدة. ويخلص ماركس الى انه كلما ارتفعت القدرة الانتاجية للعمل انخفضت، كقاعدة عامة، المدة اللازمة لانتاج السلع، وانخفضت كمية العمل المختزن فيها، وانخفضت قيمتها، والعكس صحيح. وعلى ذلك فان قيمة سلعة ما تتغير في اتجاه طردي مع كمية العمل، وفي اتجاه عكسي مع القدرة الانتاجية للعمل. ولا يأخذ ماركس، وهو بصدد تجديد القيمة على العمل المباشر وحده، وانما بالعمل غير المباشر، وتقاس كمية العمل، بعدد ساعات التي تتطلبها. وفرق ماركس بين العمل الموصوف والعمل البسيط. ويعتمد في ذلك في تحويل العمل الموصوف الى العمل البسيط من خلال مبادلة المنتجات، تبادل تمثال صغير يتطلب ساعتين عمل من عمل المثال مع حمل من الاحجار الذي يتطلب عشرين ساعة. وخلص ماركس الى انه من الممكن ان يكون للشيء قيمة استعمال، أي منفعة، من دون ان يكون له قيمة مبادلة، مثل الهواء او البراري الطبيعية والارض البكر، والعكس غير صحيح.

ومن هنا يتضح، كما يشار في الكتاب، الى ان ماركس يعتبر المنفعة ضرورية للقيمة وشرطاً أساسياً لها. ولكنه لا يعتمد عليها في تفسير القيمة ولا في قياسها. وانتهى ماركس من ان العمل صفة مشتركة في جميع المنتجات، الى ان العمل هو اساس القيمة وأن مدة العمل هي مقياس كميتها. وفي معرض الاشارة حول القيمة وفائض القيمة في مفهوم ماركس، من كون قيمة قوة العمل تتحدد بكمية العمل اللازم لانتاجها، وعلى ذلك فان رب العمل لا يعطي للعامل إلا القدر اللازم لاستمراره (واستمرار جنسه) حتى يعمل ويحتجز لنفسه الفرق بين قيمة المنتجات وقيمة قوة العمل، وهو ما يعرف بفائض القيمة، الذي يستخدمه ماركس للهجوم على الرأسمالية. وينهي المؤلف اشارته الى الاهمية في نظرية كمية العمل في الفكر الماركسي وكيف انها تحتل في هذا الفكر مركز الصدارة.

اما النظرية التقليدية (نظرية نفقة الانتاج)، والتي يمثلها كل من آدم سمث وريكاردو وستيوارت ميل وكاري وغيرهم، والتي أسسها توجز من ان التقليديين فرقوا فيما يتعلق بتفسير القيمة، بين قيمة الاستعمال وقيمة المبادلة كما اهتموا بمنفعة الشيء عموماً، المجردة، ولم يهتموا بمنفعة الجزء النهائي، أي انهم لم يعرفوا المنفعة الحدية. وخلصوا الى ان القيمة الاولى تتوقف على نفقة الانتاج والى ان القيمة الثانية تستقل عنها، وهناك أشياء غير قابلة لاعادة انتاجها وتتحدد قيمتها بندرتها، مثل لوحات فنان، التماثيل، الكتب، العملات النادرة، التحف النادرة، تتوقف على الندرة من جانب العرض والالحاح من جانب الطلب. وأن الاشياء القابلة لاعادة انتاجها، فهي تحدد عند التقليديين بالقيمة الجارية، قيمة السوق، والقيمة الحقيقية، القيمة الطبيعية، وفي السوق يتلاقى العرض والطلب. وهنالك ميل الى تساوي القيمة الجارية مع القيمة الطبيعية بفعل العرض والطلب في حالة المنافسة الحرة، حيث يمكن لعوامل الانتاج ان تنتقل من فرع الانتاج الى آخر. وانتهت النظرية التقليدية الى ان القيمة تتحدد وبنفقة الانتاج في المشروع الذي ينتج في أسوأ الظروف، ويكون انتاجه لازماً للسوق، وهو الذي سمي على يد المدرسة النمساوية بـ "المشروع الحدي". ويضيف كاري الى ما تقدم بان القيمة لا تتحدد بنفقة الانتاج، وإنما في نفقة اعادة الانتاج. ومن هنا يتضح، كما يشير المؤلف، الى ان النظرية التقليدية تفرق بين قيمة الاستعمال وتفسرها بالمنفعة، وقيمة مبادلة الأشياء غير القابلة لاعادة انتاجها بالندرة النسبية، وقيمة مبادلة الاشياء القابلة لاعادة انتاجها وتفسرها بنفقة الانتاج، أي العمل ورأس المال، ولذلك سميت النظرية التقليدية في القيمة بنظرية "نفقة الانتاج".

الاشكالية الثانية، هي اختلاف النظريات الاقتصاية في تحديد الاجر، ونتج عن هذا الخلاف امرين، اولهما تحديد القيمة وثانيهما نظرتها الى الاجر، وهذه الاختلافات ترتبط بجوانب تتعلق بالتطور الفلسفي والواقعي للاجر. فقد كان الاجر، كما يشير المؤلف، يعتبر في الماضي "ثمناً للعمل"، وأصبح الآن بالاضافة الى ذلك "دخلاً للعامل". فقد عرفت نظرية ريكاردو في الاجر بأنه شأنه شأن بقية التقليدين فيما يتعلق بالقيمة (الأجر الجاري والأجر الحقيقي)، فقد عرفه (الاجر) الثمن الجاري، أي الاجر الجاري، بأنه الثمن الذي يتلقاه العامل تبعاً لعلاقات العرض والطلب. وعلى ذلك فانه يرتفع حينما تكون اليد العاملة نادرة، وينخفض حينما تكون فائضة. اما الثمن الطبيعي للعمل، فهو الثمن الذي يكفل للعمال الوسائل اللازمة لمعيشتهم ولاستمرار جنسهم، من دون زيادة او نقص. وعلى ذلك فان الثمن الطبيعي للعمل يتوقف على ثمن الوسائل الضرورية وعلى ثمن الأشياء اللازمة او النافعة لبقاء العالم وعائلته. وخلص ريكاردو عند دراسة القيمة الى ان الاجر الجاري يميل الى التساوي مع الاجر الطبيعي، اي الحد الأدنى اللازم للمعيشة، اي بنفقة الانتاج. ويناقش ريكاردو الانخفاض الجاري عن الاجر الطبيعي يؤدي الى سوء حال العمال ويقلل عدد السكان وينخفض العرض في حين الارتفاع في الاجر يحسن أحوال العمال، ويرتفع عدد السكان، فترتفع عرض العمل... ووصفها لاسال بنظرية الأجر الحديدي.

اما نظرية ماركس في الاجر، فهي تعتبر الاجر قيمة قوة العمل، لان ماركس يعتبر العمل سلعة تباع وتشترى شأن غيره من السلع، فالعامل يبيع قوة عمله لرب العمل، وعلى ذلك تكون له، شأن بائع اية سلعة أخرى، قيمة المبادلة وينزل عن قيمة الاستعمال (اي ذات العمل)، التي تصبح ملكاً لرب العمل، أي للمشتري. وعلى ذلك خلص ماركس الى ان العامل تكون له قيمة قوة العمل لا قيمة ناتج العمل، أي خلص الى ان الأجر هو ثمن قوة العمل لا ثمن المنتجات. وعلى ذلك فان الاجر يتحدد في نظره بقيمة قوة العمل، لا بقيمة المنتجات. ولما كانت قوة العمل لا بد وأن تكون سلعة فان قيمتها تتحدد هي الاخرى بكمية العمل اللازمة اجتماعياً لانتاجها، اي بعدد ساعات العمل اللازمة اجتماعياً لانتاجها. فالعامل بحاجة الى الحفاظ على قوة عمله الى كمية من وسائل المعيشة، أي وسائل استمرار العامل، والى من يحل محلهم في حالة التقاعد او الوفاة، أي تشمل على الوسائل اللازمة لاستمرار اطفالهم. كما خلص ماركس الى انه لما كانت قوة العمل تقتضي في بعض الميادين نوعاً من التعليم، فان نفقة التعليم تدخل في مجموعة السلع اللازمة لانتاج قوة العمل، كما وان الكمية اللازمة من الوسائل لاستمرار العامل تختلف من بلد لآخر، ومن وقت لآخر، والحاجيات من الغذاء والملبس والتدفئة والسكن، تختلف تبعاً للمناخ. ويخلص المؤلف الى القول الى ان الحد الادنى اللازم للمعيشة يعتبر ايضاً في النظرية الماركسية من طبيعة نفسية واجتماعية، لا من طبيعة جسمانية فحسب.

نظرية "الحديين" في الأجر، ان كيفية تحديد الاجر في هذه النظرية، يقول د. رفعت، لا بد من الاشارة الى نظرية القيمة عند الحديين، فقيمة المبادلة عندهم تتحدد بالمنفعة الحدية، التي تعود الى المنتفع، أي على المشتري من المال الذي تقدر قيمته، ومن هنا يتضح ان نظرية الحديين تهتم بتحليل الطلب لانها تهتم بمنفعة المشتري، وقد عاملت المدرسة الحدية الاجر معاملة الثمن، وعاملت قوة العمل معاملة أية سلعة. والأجر يتحدد بالانتاجية الحدية التي تعود من العمل على المشروع. وخلصت النظرية الحدية الى ان الأجر يتحدد بعرض وطلب العمل والى انه يميل الى التساوي مع الانتاجية الحدية للعمل، ويقصد بالانتاجية الحدية للعمل الزيادة في قيمة الانتاج الناتجة عن تشغيل عامل اضافي. فإذا ارتفع الأجر يدفع المشروع الى تخفيض عدد العمال. ويؤدي ذلك الى تخفيض الاجور نتيجة للبطالة او الى ارتفاع الانتاجية الحدية للعمل. ويستمر ارباب العمل في تخفيض عدد العمال حتى يتساوى الاجر مع الانتاجية الحدية للعمل.

الاشكالية الثالثة: هو الربح، الذي اثار جدلاً واسعاً في الفكر الاقتصادي. وقد استقر تفسيره لدى التقليديين ان الربح، وقد كان يسمى بربح رأس المال، ويشتمل، كما يقول المؤلف، على دخل المنظم وعلى الفائدة، ويعود هذا الفهم الى خلط آدم سمث بين الربح والفائدة، وأن الفكر الاقتصادي الحديث فرّق بين الربح والفائدة، ويمكن تقسيم النظريات التي حاولت تفسير الربح الى اتجاهين. الاتجاه الاول هي النظرية الشخصية في الربح، والاتجاه الثاني حاول تفسيره بالالتجاء الى الوسط الاقتصادي، وهذه هي النظريات الموضوعية في الربح. فالاول يشير الى ان الربح أجر الادارة، ويفسره ساي "الربح بما يقوم به المنظم من عمل الادارة، ومن تأليف بين عوامل الانتاج، وهو اجر التنظيم. وقد اعتنق بعض الكتاب الالمان هذه الفكرة في القرن التاسع عشر، فيما ذهب بعض الاقتصاديين الى تفسير الربح بالصفات الشخصية للمنظم، ومثل ذلك فرانسيس ووكر ولاندري وفسر الاخير الربح بندرة المنظمين، وأن الارباح تعود الى الصفات الشخصية للمنظمين، ويشابه تفسير ووكر الذي قدمه ريكاردو للريع، وهو يرجعه الى اختلاف درجات خصوبة الارض. والمنظم الأكثر كفاءة يقبض ربحاً، شأن صاحب الارض الاكثر خصوبة الذي يقبض ريعاً.

وعلى عكس المنظم الذي لا كفاءة له. وهنا يتضح الفرق بين ووكر وماركس. فالربح عند الاول لا ينتج من استغلال العمال. وقد تكون لروا بولييه فكرة مماثلة تتلخص في ان الأرباح تعود الى انخفاض نفقة الانتاج عن الاثمان المعتادة. والفكرة في هذا الجانب ان الارباح تعود الى تفوق المنظم على منافسيه. في حين ذهب نايت الى الربح مقابل المخاطرة، ويفسر الربح بالندرة النسبية لكفاية المنظم، وتعود هذه الفكرة الى ان الانتاج يشتمل على نوع من عدم التأكد، والربح هو الذي يعوض هؤلاء الذين تنصرف وظيفتهم الى تحمل عدم التأكد، ويعود عدم التأكد، أي المخاطرة، الى أسباب فنية وأخرى اقتصادية. فالمنظم لا يستطيع ان يعرف مقدماً بصورة مؤكدة نوع السلعة التي ينتجها ولا يعرف كميتها، كما هي الحال في الزراعة، ولا يعرف ذوق المستهلكين او التطور في الفن الانتاجي، ولا ثمن المواد الاولية ولا ثمن البيع. ولذلك فان الربح يفسر بعدم التأكد وبندرة المنظمين.

اما الاتجاه الموضوعي في الربح، فهنا تدخل نظرية ماركس في الربح، والتي تفسر الربح، وهو ما يعبر عنه ايضاً بـ "فائض القيمة" باستغلال أرباب العمل للعمال، كما يقول د. رفعت، وهذه النظرية تستند الى نظريته في القيمة والى نظريته في الاجر، فقيمة شيء ما تتحدد في نظر ماركس بكمية العمل اللازمة اجتماعياً لانتاجه. وطبق ماركس هذه النظرية على قوة العمل نفسها. وخلص الى ان قيمة العمل تتحد هي الاخرى بكمية العمل اللازمة اجتماعياً لانتاجها، أي اللازمة اجتماعياً لانتاج وسائل المعيشة الضرورية لحياة العامل. وهو عندما يبيع لرب العمل قوة العمل فانه يأخذ قيمة مبادلتها، وهي كمية العمل اللازمة اجتماعياً لانتاجها، على ان يكون لرب العمل قيمة استعمالها، وهي كمية العمل التي انتجها العامل (المنتجات التي انتجها)، والفرق بين الكميتين والقيمتين، هو فائض القيمة، وهو ملك لرب العمل بحكم شراءه لقيمة استعمال قوة العمل. ومن هنا يتضح، كما يشير المؤلف، ان فائض القيمة (أي الربح) ينشأ نتيجة لملكية رب العمل لأموال الانتاج، تلك الملكية التي جعلته يشتري قوة العلم، وجعلت له قيمة المنتجات، وينشأ نتيجة للقوانين التي تحكم القيمة، وأن فائض القيمة، وهو الزيادة في الناتج الصافي على الاجور، عمل غير مدفوع، استولى عليه رب العمل نتيجة للأوضاع الرأسمالية، ولذلك يسمى ايضاً بـ "فائض العمل"، وهو استغلال من رب العمل للعمال. وخلص ماركس الى ان هذا الاستغلال لا يزول إلا بالغاء الملكية الخاصة لأدوات الانتاج.

آراء المؤلف ونقاط الاختلاف واللقاء

· أولاً

يختلف د. رفعت المحجوب مع التقلديين في نظرية نفقة الانتاج، من انهم فرقوا فيمما يتعلق بتفسير القيمة بين قيمة الاستعمال وقيمة المبادلة، وقياسمها ليس واحد، كما واهتموا بمنعة الشيء عموماً، أي بما يعرف بالمنفعة المجردة، ولم يهتموا بالجزء النهائي منه، أي انهم لم يعرفوا المنفعة الحدية. وفي ميدان البحث عن القيمة الجارية والقيمة الحقيقية، عبروا عن التساوي في حالة المنافسة بين القيمة الجارية والقيمة الحقيقية، بفعل العرض والطلب. وهذا لا يحدث إلا في حالة المنافسة الحرة، حيث يمكن ان تنتقل لعوامل الانتاج من فرع لآخر. والعيوب "المؤلف" على النظرية التقليدية ان التساوي الذي ذهبت اليه لا يعدو ان يكون حالة افتراضية، وتحدد القيمة الحقيقية بنفقة الانتاج، أي بالاجور التي تدفع للعمل وبالفوائد التي تدفع لرؤوس الاموال. وكانوا يخلطون بين الفائدة والربح حتى فرقها ساي، ولما كانت المشروعات تختلف من حيث الظروف وكان اختلاف الظروف يؤدي الى نفقة الانتاج، فكان لا بد من التساؤل عن نفقة الانتاج التي تحدد. وقد انتهت الى ان القيمة تتحدد بنفقة الانتاج في المشروع الذي ينتج في أسوأ ظروف، ويكون انتاجاً لازماً للسوق، وهو ما يسمى على يد المدرسة النمساوية بالمشروع الحدي. وفي عيوب النظرية ايضاً ليس في اقامة العلاقة بين النفقة والقيمة، وانما يؤخذ عليها الاقتصار في تفسير القيمة على النفقة وحدها، مع اسقاط باقي العوامل التي تؤثر في القيمة, وعلى المضمون الذي اعطته للنفقة وطريقة تحدديها، واقتصارها على تحليل العرض واهمال الطلب، وانها لم تستطع تفسير كيف تتحدد قيمة العمل وقيمة رأس المال، وفشلت في تفسير قيمةعوامل الانتاج وقيمة المنتجات، ثم ان ريكادرو ابعد الريع عن تفسير القيمة، وهو ليس موضع اتفاق بين التقليديين.

كما ويخالف المؤلف نظرية ماركس في الربح، من انها تستند في فائض القيمة الى نظريته في القيمة، وفي قيمة قوة العمل، وان النقد الذي يوجه الى هذه النظرية انما يوجه الى نظريته في فائض القيمة، كما ويقول، نلاحظ لو صحت هذه النظرية لوجب ان يتناسب ربح أي مشروع مع عد العمال الذين يعملون فيه، اي الذين يستغلهم هذا المشروع، ولكن هذا يخالف الواقع، فقد يحقق بائع مجوهرات، بعدد قليل من العمال، ارباحاً تفوق تلك التي يحققها مشروع كبير يشغل عدداً كبيراً من العمال. وقد سلم ماركس بهذه الحقيقة، كما يقول د. رفعت، ولذلك اضطر فيما يخص المشروع الواحد ان يخالف المبدأ العام الذي ينصرف الى ان فائض القيمة يتناسب مع رأس المال المتغير، وهو ما يخصص لأجور العمال (أي مع عدد العمال)، وسلم على العكس من ذلك، بأن فائض القيمة للمشروع الواحد يتناسب مع رأس المال الكلي لا مع رأس المال المتغير وحده، ومعنى ذلك يقول المؤلف ان ماركس يكون قد لجأ الى تفسرين متناقضين، احدهما يخص المشروع الواحد، وثانيهما يخص الانتاج الكلي. وهنا نتساءل كيف يمكن ان يتناسب فائض القيمة الكلي مع رأس المال المتغير وحده بينما يتناسب فائض القيمة في المشروع الواحد مع رأس المال الكلي؟

· ثانياً

يتفق د. رفعت مع المدرسة الحدية في تفسيرها القيمة بالمنفعة الكلية، في انها على خلاف التقليديين وكذلك الاقتصاديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر وخاصة جالياني وترجو وكوندياك، الذي حاولوا ان يفسروا القيمة بالمنفعة، وكذلك محاولات ساي، لكنهم لم يستطعوا التغلب على الاعتراض الجوهري على محاولة الربط بين القيمة والمنفعة، وبقى الفكر الاقتصادي بين فكرتين: الاولى، ان المنفعة شرط اساسي للقيمة، والثانية ان المنفعة لا تفسر القيمة ولا تصلح مقياساً لها. وفي الثلث الاخير من القرن التاسع عشر وقعت ثورة في الفكر الاقتصادي، يقول المؤلف، غيرت من طرق البحث فيه ومن مبادئه، وقد حدث هذا التطور في انجلترا على يد استانلي جيفونز سنة 1871، وفي النمسا على يد كارل متجر، وفي فرنسا على يد ليون فلراس 1874، وقد انتهى هذا الى نشأت المدرسة النفسية التي تهتم بالمنفعة النهائية، أي المنفعة الحدية، وتعرف بالمدرسة الحدية، او المدرسة النمساوية. وقد تمكنت هذه المدرسة من التوفيق بين المنفعة والقدرة عن طريق ادخال فكرة المنفعة الحدية، وتمكنت من رفع التعارض بين المنفعة والقيمة. وتمكنت في النهاية من تفسير القيمة بالمنفعة.

كما ويتفق د. رفعت مع كينز في نقده النظرية التقليدية في تفسيرها للفائدة، من انها ثمن الادخار والى انها تتحدد بمنحى عرض الادخار ومنحى طلبه على خلاف فيما بينهما. فتارة كانت تهتم بتحليل العرض، وتارة بتحليل الطلب، وتارة بالاثنين معاً. وقد انتقد كينز هذه النظرية العينية التي تحدد الفائدة بالطلب الكلي وبالعرض الكلي لرأس المال. وخلص كينز من دراسته، كما يقول المؤلف، الى ان الفائدة ثمن السيولة، أي ثمن النقود وليست ثمناً للامتناع وليس ثمناً لاستخدام الادخار، فقد يحدث ان يدخر البعض من دون ان يتحملوا اية تضحية، شأن الاغنياء، او يحدث ان يدخر البعض من دون ان يحصلوا على أية فائدة، على شكل أموال سائلة، وهذا ما يعرف بالاكتناز، كما قد تحصل البنوك على فائدة في مقابل النقود التي خلقتها، او يوجد ادخار بلا فائدة او فائدة بلا ادخار. والنظرية التقليدية، وهي تجعل الفائدة ثمناً للادخار، تستند الى فرضيتين غير صحيحتين، وهما عدم وجود الاكتناز (أي ان كل ادخار يتحول الى استثمار) وعدم قدرة البنوك على خلق الائتمان، وان التقليدية بالغت في اثر الفائدة في الادخار، وفي الاستهلاك. كما وخلص كينز، يقول د. المحجوب، الى ان منحى طلب الادخار وهو ما يعرف ايضاً بمنحى الاستثمار ومنحة عرض الادخار لا يصلحان لتحديد سعر الفائدة، وما يتعلق بالادخار والاستثمار، فانه خلص الى ان الادخار يتوقف على الدخل القومي الذي يتوقف بدوره على الاستثمار.

ويقف المؤلف ايضاً الى جانب الاقتصاديين المحدثين في انتقادهم لتحليل التقليديين بخصوص المنفعة، وهي ان المنفعة ذات طبيعة شخصية، ولا يمكن قياسها إلا شخصياً، الامر الذي يستحيل معه ان تقارن بين المنانفع التي يحصل عليها مختلف المستهليكن لانها لا تسمح بعرض تفضيلات الجماعة، ولا تسمح بتقدير آثار السياسية الاقتصادية، ولغرض تفادي النقض اتجه كل من سلوتسكي وألن وهكس الى تحليل تصرف الفرد الاقتصادي عن طريق ما يعرف بـ "منحيات السواء" او ما يسمبه البعض "بمنحيات عدم الاهتمام"، ويشكل هذا التحليل ما يعرف بالتحليل لطلب المستهلك.

يتفق د. رفعت مع الفرد مارشال في الجمع بين نفقة الانتاج والمنفعة، أي العرض والطلب في تفسير القيمة (نظرية الازدواج) ومع ساي ضد نظرية التقليديين الانكليز الذين فسروا القيمة بنفقة الانتاج في حين نظرية ساي بقوله اهم من نظرية الانكليز، أدخل المنفعة الى نفقة الانتاج في تفسير القيمة من دون ان يتوصل الى نظرية نهائية في القيمة، وأن ريكادو قد أخطأ بنظريته في قيمة العمل.

كيف وجدت الكتاب؟

اتسمت عروض الكتاب بمفردات متخصصة في علم الاقتصاد السياسي، وبخاصة القيمة والتوزيع، التي طغت عليها لغة التدريس للطلبة والباحثين، فهو قد تناول عدد من المدارس الفكرية ونظرتها للعناوين المطروحة، واختلف مع بعضها في حين تعارض تماماً مع أخرى وخاصة المدرسة الماركسية، وتعاطف مع أخرى وبخاصة المدرسة الكنزية والمدين الاقتصاديين بشكل لا تنطوي عن الحيادية. رغم ان المؤلف أبدى بعض اللوم والخلاف للمدرسة التقليدية والحدية وبعض المفكرين الاقتصاديين الغربيين، لربما، وعلى ما أعتقد، كان هناك ثمة حاجة ملحة وضاغطة لتوجيه اللوم، التي ما عادت تنسجم مع روح العصر، رغم أهمية الطرح، إلا انها جاءت في الكتاب خليط من أفكار غير متجانسة، ومستلة من مصادر فكرية متعددة ومتباينة ومجتزئة، من دون ان يشير المؤلف الى الاقتباس والمصدر بشكل واضح، والهوامش ان وجدت فهي مبتسرة، كما يلاحظ ان الكتاب أحتوى على 814 صفحة عدا الفهرست وشملت عناوين رئيسية ومقدمتين، كما ذكرنا، الكتاب الأول "القيمة" شغل صفحاته 252 منه، في حين الكتاب الثاني "التوزيع" شغل 59 صفحة، وهو حيز مقتضب لا ينسجم مع أهمية التوزيع وعدالته.

الكتاب لا يحمل أشياء جديدة، بل لاحظت هنالك تشابه كبير بينه وبين ما طرحه مؤلف د. محمد دويدار، وبخاصة عناوين العرض والطلب والاثمان، التي شغلت 200 صفحة. وما الجديد الذي فعله المؤلف او المحتوى المنطقي للكتاب في اطروحاته او في تباحثه في القيمة والتوزيع، من انها وسعت جميعاً حدود النظرة للعالم الرأسمالي، وضمنت صراحة حدود المنطق البرجوازي وتحليلاته، ووفرت آلية تبريرية وطروحات لا تنطوي على الحيادية، ومنسجماً مع الافكار الادارية والمنظمين الاقتصاديين، وإن كان يضفي احياناً على بعض أفكاره بتوجهات واقعية، لكنه يفكر بالربح تخلفه شخصية المنظم وتصرفاته.

لقد كتب الكثير من الاقتصاديين وفي زوايا مختلفة عن مسائل الاقتصاد السياسي، وفي قضايا عقدية متنوعة، مركز كل مؤلف من هؤلاء على الضوء الذي يراه الاهم، ويبقى جهد د. رفعت المحجوب في العرض والمحاججات والتدقيقات بارزاً في هذا الصدد، وبديهي ان دراسة الموضوع المطروح عني او تقتضي، بحكم منطق فكر المؤلف وأبعاده وشكل التناول، يفترض دراسة عميقة وبشفافية عالية تقبل الاختلاف.

ملاحظاتي حول الكتاب

عنوان الكتاب "الاقتصاد السياسي" – الجزء الثاني – القيمة والتوزيع، لم أطلع على الجزء الاول، واعتقد ان المؤلف، وهو يبحث مادة "القيمة والتوزيع" لم يعرج على تاريخ الفكر الاقتصادي اليوناني والروماني وما قدمه المفكرون والفلاسفة آنذاك في القيمة، تحديداً ارسطو، وما قدمته المدرسة التجارية والطبيعية من امثال وليام بيتي في الدخل والاجور والفائدة والقيمة والضرائب المالية العامة للدولة والطريقة الاحصائية والرياضية في ابحاثه الاقتصادية، فكر كانتيلو الاقتصادي، نظرية القيمة، جون لوك، القيمة، والنظرية الكمية للنقود، التي حسب اعتقاده تفسير قوى العرض والطلب، وفي تحديد السعر في السوق، دافيد هيوم، في النقود والفائدة والائتمان جيسم ستيورت، في القيمة والسعر، والسكان وقانون تناقص الغلة تورجو في الثورة والتبادل والقيمة الاجور وسعر الفائدة، نظرية الادخار والاستهلاك والاستثمار، قانون تناقض الغلة، وأفكار هؤلاء وغيرهم، اعتقد هامة في ميدان توفير جانب معرفي واسع للطالب وللباحث.

ورد في الصفحة 33 من الكتاب، يشير فيها المؤلف "في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر وقعت ثورة في الفكر الاقتصادي، غيرت من طرق البحث فيه ومن مبادئه. وقد انتهى هذا التطور الى نشأة المدرسة النفسية (السايكولوجية)، التي تهتم بالمنفعة". وحقيقة الامر، كما تشير العديد من المصادر، ان في سبعينات القرن التاسع عشر اصبحت الحدية او نظرية المنفعة الحدية الاساس النظري للمفاهيم التبريرية المعادية للماركسية حول التوزيع العادل للدخل، واُريد لهذه النظرية ان تستبدل نظرية القيمة في العمل بعوامل ذاتية سايكولوجية، فعوض عن تحليل تاثير الانتاج على السوق ركزت الحدية، البحث الاقتصادي على تأثيرات السوق على الانتاج، وفسرت الازمات والبطالة بنواقص في بنى السوق عوضاً عن ان تفسيرها بعلاقات الانتاج المميزة في المجتمع والملكية الرأسمالية لوسائل الانتاج. فهي لم تجانب العمال، فلم تفسر مستوى الاجور بشروط التناقس في السوق، بل سعت الى البرهنة على ان للعمال مصلحة في جعل المشروع اكثر قدرة على التناقس، وحاول الحديين اثبات ان توزيع الدخول يتحدد وفق قوانين السوق العشوائية التي تتجاوز قدرة الانسان على التحكم بها.

ملاحظة اخرى حول نظرية نفقة الانتاج او نظرية عوامل الانتاج، على ما أعتقد، التي رجحها المؤلف في المبحث الاول، ص 14، هي بحد ذاتها تخلق اشكالية، لسبب ان المدارس التي تحدث عنها في الكتاب مختلفة بين من يريد ان الدخل ناتج عن ثلاثة عوامل انتاجية، رأس المال والارض والعمل، وهذا ما يشير له آدم سمث وريكاردو التقليديين وبين ماركس الذي يحصره بالعمل وحده، والكاتب نفسه يؤكده في ص 256، حينما يريد ان يوزع الدخل القومي بين الذين شاركوا، بقوله بانتاجه وهم ملاك الارض والمباني والعمال والرأسماليون والمنظمون.

وددت ان أشير الى انه هنالك مقولات وتحليلات بعيدة عن الواقع ولا تلامس الحقيقة، ان الاجور المدفوعة للعامل تشيع وهماً وكأن العامل قد تسلم كل عمله في الانتاج، وهذه المقولة، كما يشير لها في كتابات كثيرة، يترتب عليلها تصور غير حقيقي ومزيف، يندرج ايضاً فيما يخص الربح للرأسمالي او رب العمل، كما يحلو للبعض، الذي هو مشكل محول من القيمة الفائضة المستلبة من عمل العامل غير المدفوع، لتبدو كما لو كان من نتاج رأس المال نفسه، ولذلك يحرص الرأسماليون او منظريهم الى التوصيف التكنولوجي لا الاجتماعي للقوة المنتجة، وهكذا تظهر وسائل الانتاج هي التي تخلق الثروة للمجتمع وليس القوى المنتجة (العمال) لكي يبرّروا حق رأس المال في استغلال العمل، ويعتبرون العامل مجرد عامل من عوامل الانتاج المادية، التي يستخدمها مالك أدوات العمل الى جانب المكائن والمواد الخام، استناداً على نظرية عوامل الانتاج، كما يشار لها، يأخذ التوزيع شكلاً طبقياً، هذه النظرية تعتبر الدخل ناتجاً من ثلاث عوامل انتاجية (رأس المال + الارض + العمل)، وهي في هذا المنحى ترفض عملية الاستغلال الرأسمالي المتحقق في الانتاج، اي في الميدان الذي تجري فيه نشوء القيمة الزائدة، ويحدد طابع توزيع الثروة المادية بالاستناد الى فصل العمل ظاهرياً لممختلف أشكال رأس المال، والبرهنة على ان دائرة التوزيع مستقلة عن دائرة الانتاج، ولا يحتاج الامر إلا ان تقوم دائرة التوزيع بالاصلاحات والقضاء على التعارضات او التناقضات الطبقية الناشئة في ميدان الانتاج. وهذا جوهر خلاف كارل ماركس مع الآخرين الذين أشير لهم في الكتاب.

فيما يتعلق بمعالجة ماركس الرياضية، بصدد علاقة معدل الربح بمعدل فائض الانتاج، نظرية ماركس في الربح ص 306، والتي وجدت فيها المؤلف تناقض، فأنني احيل المؤلف الى مراجعة المجلد الثالث من "رأس المال"، او مراجعة منطق ماركس لمؤلفه يندريش زلتي، ترجمة ثامر الصفار، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1990، لضيق الوقت المحدد لي.

الكتاب صادر عام 1980، وحدثت تطورات او قفزات سريعة وانكسارات في مفاهيم ورؤى وأفكار، في العالمين الاشتراكي والرأسمالي، بل جرت اعادة النظر في مفاهيم كثيرة، وبالنسبة للرأسمالية، لم تعد نظرية كينز نافعة في ميدان تدخل الدولة، بل دخلت العالم مفاهيم جديدة، تخص اقتصاد السوق، والعولمة والخصخصة، وتكنولوجيا المعلومات، التي تتطلب منا جميعاً المواكبة، وتطوير معارفنا وبخاصة في ميدان الاقتصاد السياسي، كما وأن الماركسية ارتكزت على مرجعيات علمية وفكرية سابقة، فضلاً عن انها كانت ثمرة للواقع الموضوعي وللمرحلة التاريخية التي نشأت فيه، فلا بد وان الماركسية في ظروفنا الحالية من ان تجدّد مصادرها التي تستند اليها في تجددها الفكري والنضالي. يشير فيدرويش في مؤلفه "منطق ماركس" من ان ماركس نفسه بالضد من ريكاردو في تناوله لموضوع القيمة والتبادل والتوزيع "يدرك مرونة وقابلية تغير المفاهيم، وان لب التصور الماركسي عن مرونة المفاهيم وتجاوز الثبات في الأفكار، هو في المحاكمة الاخيرة، علاقة بين النسبي والمطلق، وبشكل عام حقيقة موضوعة عن علاقة المواضيع في الواقع الموضوعي بعملية الادراك الحسي، وأساس ذلك هو الفهم التاريخي والعملي للانسان، وللشروط الاجتماعية للحياة البشرية، ويحرص الاقتصاديون الماركسيون، على ما أعتقد، في معالجة الثغرات، التي خلفها كتاب "رأس المال" لكارل ماركس.

هنالك نقاط تتعلق بالموقف من النقابات، لا أجد الوقت للخوض فيها، وفي موضوعي العرض والطلب، والتشابه بين ما طرحه د. رفعت المحجوب وما كان قد طرحه د. محمد دويدار، احاولت ان لا أدخل في التفاصيل فيها. كما وأن الاستنساخ والطبع غير جيدين، بالاضافة الى ان فهرست الكتاب بحاجة الى مراجعة.

الخلاصة

سعى د. رفعت المحجوب في مؤلفه "الاقتصاد السياسي" – القيمة والتوزيع – الجزء الثاني، ان يثير نقاشاً حول مواضيع عديدة، فقد عرض ايضاً، الى جانب تصورات بعض المفكرين المختلفة، تصوراته الخاصة، قريباً او بعيداً من هذا المفكر او ذاك، وهو قد وظف امكانياته في بحث واستيعاب قضايا مجتمعه، على ما أعتقد، وفق منهجية التجربة المصرية، بهدف تحديد تصورات يؤمن بها الكاتب.

ولما كان موضوع "القيمة والتوزيع" موضوع شائك وملتبس، وهناك آراء كثيرة، ومن مدارس مختلفة حوله، فان المؤلف حاول ان يضع نظريات أبرز المفكرين وجوانب الخلاف بينهم، مبرزاً بعض الجوانب على حساب أفكار أخرى، في حين يتطلب البحث تجسيد العلاقة بين الجوانب النظرية والممارسات العملية، بحيادية تامة، وإن اختلفت وجهات النظر. وما قراءتي من وجهة نظر محتلفة، لا تقلل من أهمية الكتاب وأهمية الافكار التي تناولها. ويبقى التساءل المتعلق بـ "القيمة والتوزيع" والاشكالات حولها، ما انفكت خاضعة للجدل في ظروفنا الحالية، وتبقى مهمة البحث والمراجعة لأفضل المعالجات مفتوحة امام الاقتصاديين والباحثين، لاغناء النقاشات وفق منهجية علمية تطابق الحقائق، وتوسع من مداركنا الفكرية، مع ثورة المعلومات والمعطيات الهائلة التي تجري في العالم. ويبقى التساؤل أيضاً، كيف تجد هذه الافكار المطروحة فاعليتها وسط الناس وقريبة من الدارسين، وكم تساعد هذه الأفكار من انتشال مجتمعاتنا من ظروف التخلف والفقر والمعاناة وفي ايجاد البديل، وكم من الحقائق يتطلب البحث عنها بعمق وموضوعية؟

عباس الفياض

لندن


0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار